مشاهدة النسخة كاملة : أوراق خضراء: مقالات مُختارة


د. حسين علي محمد
14-12-2007, 09:32 AM
أوراق خضراء: مقالات مُختارة
.............................

وأنت تطالع مجلة أو كتاباً تستوقفك بعض المقالات والقصائد والقصص، فتتمنى لو قرأها غيرك من الكتاب والمبدعين، في هذا المكان سنقدم لك بعضاً مما يُصادفنا:

أ.د. حسين علي محمد
ـــــــــ



(1) أوربا والإسلام

بقلم: أحمد حسن الزيات (1)
...........................

«شيّع الناس بالأمس عاماً قالوا إنه نهاية الحرب، واستقبلوا اليوم عاماً يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت، إلا ظلمة أعقبها عمى، وإلا ظلماً سيعقبه دمار!
حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتيهما الدكتاتورية، وزعما للناس أن أولاهما تمثل الحرية والعدالة، وأخراهما تُمثل الإخاء والمُساواة، فالحرب بينهما وبين الدكتاتورية التي تمثل العلو في الأرض، والتعصب للجنس، والتطلع إلى السيادة، إنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل. ثم أكدوا هذا الزعم بميثاق خطّوه على مياه «الأطلسي» واتخذوا من الحريات الأربع التي ضمنها هذا الميثاق مادة شغلت الإذاعة والصحافة والتمثيل والتأليف أربع سنين كوامل، حتى وهم ضحايا القوة وفرائس الاستعمار أن الملائكة والروح ينزلون كل ليلة بالهدى والحق على روزفلت وتشرشل وستالين، وأن الله الذي أكمل الدين وأتم النعمة وختم الرسالة قد عاد وأرسل هؤلاء الأنبياء الثلاثة في واشنطن ولندن وموسكو، ليدرأوا عن أرضه فساد الأبالسة الثلاثة في برلين وروما وطوكيو!
وعلى هذا الوهم الأثيمِ بذلت الأممُ الصُّغرى للدول الكبرى قسطها الأوفى من الدموعِ والدماءِ والعرق؛ فأقامت مصرُ من حريتها وسلامتها في «العلمين» سدا دون القناة، وحجزت تركيا بحيادها الودي سيل النازية عن الهند، وفتحت إيران طرقها البحرية والبرية ليمر منها العتادُ إلى روسيا، ولولا هذه النعم الإسلامية الثلاث لدقّت أجراسُ النصر في كنائس أخرى!
ثم تمّت المعجزة، وصُرع الجبارون، ووقف الأنبياء الثلاثة على رؤوس الشياطين الثلاثة يهصرون الأستار عن العالم الموعود، وتطلّعت شعوب الأرض إلى مشارق الوحي في هذه الوجوه القدسية، فإذا اللحى تتساقط، والقرون تنتأ، والمسابح تنفرط، والمسوح تُنتهك؛ وإذا التسابيح والتراتيل عُواء وزئير، والوعودُ والمواثيقُ خداعٌ وتغريرٌ، وإذا الديمقراطية والشيوعيةُ والنازيةُ والفاشيةُ كلها ألفاظٌ تترادفُ على معنى واحد: هو استعمارُ الشرقِ واستعبادُ أهله!.
إذن برِحَ الخفاء وانفضح الرياء، وعادت أوربا إلى الاختلاف والاتفاق على حساب العرب والإسلام!
هذه إيرانُ المسلمة، ضمِن استقلالَها الأقطابُ الثلاثة، حتى إذا جَدَّ الجد تركوها تضطرب في حلق الدب، ثم خلصوا نجيا إلى فريسة أخرى!
وهذه تركية المسلمة، واعدوها وعاهدوها يوم كانت النازية الغازية تحوم حول ضفاف الدردنيل، وهم اليوم يخلونها وجهاً لوجه أمام هذا الدب نفسه يطرق عليها الباب طرقاً عنيفا مخيفاً ليُعيد على سمعها قصة الذئب والحمل!
وهذه أندونيسيا المسلمة، آمنت بالإنجيل الأطلسي، وقررت أن تعيش في ديارها سيدة حرة؛ ولكن أصحاب الإنجيل أنفسهم هم الذين يقولون لها اليوم بلسان النار: هولندا أوربية، وأندونيسيا أسيوية، ونظرية الأجناس هي القانون النافذ على جميع الناس.
وهذه سورية ولبنان العربيتان، أقرّ باستقلالهما ديجول، وضمن هذا الإقرار تشرشل، ثم خرجت فرنسا من الهزيمة إلى الغنيمة، واختلف الطامعان فخاس المضمون بعهده، وبرّ الضامن بعهده. ثم قيل إنهما اتفقا! واتفاقهما لن يكون على أي حال قائماً على ميثاق الحريات الأربع!
وهذه فلسطين العربية يفرضون عليها أن تؤوي في رقعتها الضيقة، الشريدَ والفوضويَّ واللصَّ، وفي أملاكهم سَعة، وفي أقواتِهم فضل! ولكنهم يضحون بوطن العرب لعجل السامريِّ الذهب، ويتخلصون من الجراثيم بتصديرها إلى أورشليم!
وهذه أفريقية العربية، يسمعون أن ديجول (أخا جان دارك) قد حالف على أهلها الخوف والجوع، ثم انفرد هو بمطاردة الأحرار حتى ضاقت بهم السجون والمقابر، ولا يقولون له: حسبك! لأن السفاكين أوربيون يؤمنون بعيسى، والضحايا أفريقيون يؤمنون بعيسى ومحمد!
بل هذه هي الأرض كلها أمامك، تستطيع أن تنفضها قطعة قطعة، فهل تجد العيون تتشوّف، والأفواه تتحلّب، والأطماع تتصارع إلا على ديار الإسلام وأقطار العروبة؟ فبأي ذنب وقع خُمس البشرية في هذه العبودية المُهلكة، وهو الخمس الذي انبثق منه النور، وعُرِف به الله، وكُرِّم فيه الإنسان؟ ليس للثلاثمائة مليون من العرب والمسلمين من ذنب يستوجبون به هذا الاستعمار المتسلط إلا الضعف، وما الضعف إلا جريرة الاستعمار نفسه. فلو كان المستعمر الأوربي صادق الحجة حين قال: إننا نتولّى شؤون الشرق لنقوى الضعيف ونعلِّم الجاهل وندفع المتخلف، لوجد من العرب سنداً قويا لحضارته، ومن الإسلام نوراً هادياً لعقله؛ ولكنه ورث الخوف من الإسلام عن القرون الوسطى، فهو يُسايره من بعد، ويُعامله على حذر. وإذا عذرنا قسوس العصور المظلمة فيما افتروا عن جهالة، فما عذر الذين كشفوا الطاقة الذرية إذا جمدوا على الضلال القديم، وكتاب الله مقروء، ودستور الإسلام قائم!!
لقد فشلت مذاهبهم الاجتماعية كلها، فلم تستطع أن تُخلِّص جوهر الإنسان من نزعات الجاهلية الأولى؛ فلم يبق إلا أن يجربوا المذهب الإسلامي ولو على سبيل الاقتباس أو القياس.
لا نريد أن نقول لهم: أسلموا لتحكموا، وتعلَّموا لتعلموا، فإن هذه الدعوة بعتاقها عن الغاية القريبة عوائق من العصبية والوراثة والتقاليد والعادة؛ ولكنا نقول لهم: تصوروا نظاماً واحداً يصلح لكل زمان ومكان، ويقطع أسباب النزاع بين الإنسان والإنسان: يوحِّد الله، ولا يُشرك به أحداً من خلقه؛ ويقدِّس جميع الشرائع التي أنزلها الله ولا يُفرِّق بين أحد من رسله، ويُؤاخي بين الناس كافة في الروح والعقيدة لا في الجنس والوطن: ويُسوِّي بين الأخوة أجمعين في الحقوق والواجبات، فلا يميز طبقة على طبقة ولا جنساً على جنس ولا لوناً على لون، ويجعل للفقير حقا معلوماً في مال الغني يؤويه إليه طوعاً أو كرهاً ليستقيم ميزان العدالة في المجتمع، ويجعل الحكم شورى بين ذوي الرأي فلا يحكم بأمره طاغ، ولا يُصر على غيه مستبد، ويحرر العقل والنفس والروح فلا يقيد النظر، ولا يحصر الفكر، ولا يقبل التقليد، ولا يرضى العبودية، ويأمر معتقديه بالإقساط والبر لمن خالفوهم في الدين وعارضوهم في الرأي، ويوحد الدين والدنيا ليجعل للضمير السلطان القاهر في المعاملة، وللإيمان الأثر الفعّال في السلوك.
وجملة القول فيه أنه النظام الذي يحقق الوحدة الإنسانية، فلا يعترف بالعصبية ولا بالجنسية ولا بالوطنية، وإنما يجعل الأخوة في الإيمان، والتفاضل بالإحسان، والتعاون على البر والتقوى. فإذا تصوّرتم هذا النظام، فقد تصورتم الإسلام. وإذا أخذتم به فقد اطمأن العالم المضطرب، واستقر السلام المزعزع. ولا يعنينا بعد ذلك أن تُطلقوا عليه لفظاً يونانياً أو لاتينيا ما دمتم تسلمون وجوهكم إلى الله، ولا تُسلمون قيادكم لمحمد!
ـــــــــــــ
(1) *المصدر: أحمد حسن الزيات: أوربا والإسلام، مجلة «الرسالة»، (العدد 653) في 7/1/1946م.

د.عبدالرحمن أقرع
14-12-2007, 04:14 PM
الأخ أ.د حسين علي محمد..حفظه الله:
تحيتي لعطائك ، وفكرتك هذه الخلاقة..
فهي فرصة طيبة لفتح نوافذ نيرة على أفكار الآخرين وإبداعهم
سأكون من المتابعين بإذن الله
وأهيب بالإخوة والأخوات إثراء هذه الزاوية ، وبشكل منظم
كما وأثبتها لعموم الفائدة
مودتي لك

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 12:17 PM
(2) سهام ماضية

بقلم: الدكتور محمد مندور*

هناك ثلاث رذائل كبيرة تنخر في أخلاق الكثيرين من المصريين على نحوٍ لم أر له شبيهاً في بلدٍ من بلاد العالم، على كثرة ما رأيتُ من بلاد وقابلت من بشر، ولا بد من أن نكشف عنها لعلها تُخفي عن أنظارنا شبحها المرذول، فقد سئمتُ لقياها في كل سبيل، وبمنحنى كل نفس.
*أمّا أولاها، فهي محاولة كل إنسان أن يوهمك أنه أكبر وأفضل وأعلم مما هو، ولقد كان من عادتي الصبر، فكنت أتلقّى هذه الدّعاوى بصدر رحب، ولكنني لم أكن ألبث أن أحس بنوع من اختلاس الثقة يُحاوله من يتخطّى حدود نفسه، وليس أمرّ على النفس ولا أهيج للحفيظة من خيبة الأمل، وإنه من اليسير على من أوتي شيئاً من الفراسة وسداد الرأي أن يحكم على الناس ويُنزلهم منازلهم الحقة، وإنه لمن الخير لنا جميعاً أن نُحاول دائماً احتلال المكان الذي نستحقه في النفوس دون تطاول أو انحطاط، أما الإقحام فما نظنُّه يُعقِّب أثراً باقياً، حتى ولا في نفوس البُله!
ولستُ في الحق بواثق من أن أمثال هؤلاء الناس الذين نشكو منهم مرَّ الشكوى يعون ما يفعلون أم هم في غفلة الغرور، ولكنني لاحظتُ في الغالب الأعم أنهم مشربون بحقارتهم، وأنهم يبذلون مجهوداً إراديا لتغطية تلك الحقارة بالإيهام، وذلك لما نُلاحظه من هياج في الحركات، وضغط على مخارج الحروف، وتصنع للانفعال واراتفاع في الصوت، وهلهلة في ملامح الوجه وتطلع في السكون والحركة.
*وثاتيتها غيرة مسرفة وحقد عجيب، ولكم ساءلتُ نفسي لماذا يشغلُ الناسُ بغيرهم إلى هذا الحدِّ المُدمِّر، وتلك مشاعر خليقة بأن تُنزِل بالنفس الخراب.
والذي عهدته في النفوس القوية هو نزوعها المستمر إلى التسامي بذواتها، فهي تسعى لأن تكون في يومها خيراً من أمسها، وأن تعمل في غدها ما يُميِّزُ عملها في حاضرها، فإذا عزَّ التسامي كان الاستجمام في ثقة وتوثُّب.
وأما أن يُفني المرءُ بياضَ يومه وسوادَ لياليه في التفكير فيما وصل إليه هذا الشخصُ أو ذلك، أو الخوف من أن يسبقك زيد وبكر فهذا شعورٌ صغير لا تعرفه إلا نفس صغيرة، وهو دليلٌ على عدم الثقة بالنفس، كما هو دليل على انهيار الشخصية، وإن كان هناك شعور قبيح من مشاعر البشر فأجدر به أن يكون ذلك الشعور!
*وثالثها: فساد عميق في تربية الناس الاجتماعية، فقد تُلاقي صنوفاً من الأفراد، بعضهم صغير، وبعضهم كبير. ولقد تتلطّف مع الصغير بدافع إنساني بريء، ظانا أنك بعملك هذا تُدخل السرور على نفس بشرية، فإذا بك وقد سقطت هيبتك من قلبه، وإذا به يتطاول على المساس بك في غير ذوق ولا حياء، ولقد تُفسِح في صدرك، ثم يأتي يوم يتحرّك دمك فإذا بك تردُّ في عنف، وإذا بالمسكين يصحو بعد غفلة، وإذا به يشكو دون أن يفهم شيئاً أو يُدرك له محنةً. فإذا جاء يومٌ، وصفعْتَهُ صفعَ الأقوياء لأنكَ رجلٌ عزيزُ النفسِ حامي الدماء أُسقِط في يده، وأخذه إمّا عنادُ الحمقى وإمّا انهيارُ الأذلاّء! ولستُ أدري لذلك من سببٍ غيرُ فسادِ التربيةِ الاجتماعيةِ، فسادها في المنزلِ وفي المدرسةِ وفي الوظيفةِ، وفي الشارعِ، وفي الدكانِ، وفي المصرفِ، وفي كلِّ مكان، حتى لكأنَّكَ تسيرُ في بلدٍ كله أرقاء!
أيُّ عذابٍ نفسيٍّ في أن تراك مضطراً إلى تقديرِ كل لفظ تقول، وكل حركةٍ أو ابتسامةٍ أو تقطيبِ جبينِ أناس لا فهمَ لهم ولا تقدير، ولا يعرفون حدا يبدؤون منه ولا حدًّا ينتهون إليه؟!
ترى هل باستطاعتك أن تخلق لنفسك عقليةً جديدةً وذوقاً جديداً وتربية جديدةً تُماشي بها الناس، لا أن تأخذك العزة فتثبت كما أنت مُحولاً أن تنقل العقول وتُحوِّل الأذواق، وتسدد التربية لتستطيع أن تتفاهم مع الناس، أو أن تقبلهم، أو تطبق عليهم خيراً.
هذه أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها غير الله، فإليه نفوِّضُ الأمر.
ــــــــــــــــــــــ
*المصدر: د. محمد مندور: كتابات لم تنشر، ص ص122-124.

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 12:21 PM
الأخ أ.د حسين علي محمد..حفظه الله:
تحيتي لعطائك ، وفكرتك هذه الخلاقة..
فهي فرصة طيبة لفتح نوافذ نيرة على أفكار الآخرين وإبداعهم
سأكون من المتابعين بإذن الله
وأهيب بالإخوة والأخوات إثراء هذه الزاوية ، وبشكل منظم
كما وأثبتها لعموم الفائدة
مودتي لك
شكراً للأديب والناقد المبدع الدكتور عبد الرحمن أقرع،
وكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك.

إبراهيم العبّادي
15-12-2007, 02:44 PM
أستاذنا الفاضل ..
ما أجملك وأنت تفيض علينا كل هذا العلم والفن ..
الذي يروي العقول والقلوب والقرائح .
وإذا كان قد قيل أن أباتمام أشعر في اختياراته في الحماسة منه في قصائده ..
فهذا ينطبق عليك هنا ..
وأنت تنقل لنا لسيد البلاغة الزيات ..
وسيد النقد مندور .
أتمنى منك المواصلة ..
فأكفنا مرفوعة .

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 03:19 PM
أستاذنا الفاضل ..
ما أجملك وأنت تفيض علينا كل هذا العلم والفن ..
الذي يروي العقول والقلوب والقرائح .
وإذا كان قد قيل أن أباتمام شاعر في اختياراته في الحماسة منه في قصائده ..
فهذا ينطبق عليك هنا ..
وأنت تنقل لنا لسيد البلاغة الزيات ..
وسيد النقد مندور .
أتمنى منك المواصلة ..
فأكفنا مرفوعة .
شكراً للأديب المقتدر الأستاذ إبراهيم العبادي،
على تعليقه الجميل،
وكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك.

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 03:21 PM
(3) ثقافة

بقلم: د. طه حسين (1)
............................

كلمة نردِّدها كل يوم فيما نقول ونكتب، وقليل منا يُحققها في ذهنه، ويستطيع أن يعرب إعراباً دقيقاً عن معناها، شأنها في ذلك شأن ألفاظ كثيرة تنطلق بها الألسنة وتجري بها الأقلام، وليس لها في نفوس الذين ينطقون بها معنى واضح، أو صورة لا أقول دقيقة، بل مُقاربة. وأي لفظ أكثر تردداً في الأفواه وجرياناً على الأقلام من لفظ الأدب والفن؟. فسلْ إن شئت بعض الذين ينطقون بهاتين الكلمتين عمّا يريد بأيتهما أو بكلتيهما فستسمع ما يسوؤك غالباً، وما يُرضيك أحيانا؛ ذلك لأن هذه الكلمات ـ الثقافة والأدب والفن ـ قد ابتُذلت في الاستعمال العام، وكثُر ترديدها في الخطب والكتب وفي مقالات الصحف وأنبائها؛ ففقدت أو كادت تفقد معانيها، وأصبح كل من يحسن كتابة هذا الكلام الذي تنشره الصحف أديباً، وكل من أسمعك صوتاً فيه شيء من توقيع، أو أراك صورة أو شيئا يُشبه الصورة، أو لعب أمامك على المسرح، أو أراك صورة تلعب في دار من دور السينما ـ أصبح كل من فعل شيئاً من هذا ـ صاحبَ فن أو صاحب أدب، وهو بالطبع مثقف لأن الأدب والفن بطبعهما ثقافة!
وكذلك يُصبح الكاتبون في الصحف ـ مهما تكن الموضوعات التي يكتبونها، ومهما تكن اللغة التي يكتبون بها، ومهما تكن المعاني التي يؤدونها إليك ـ أدباء، ويصبح كلامهم أدباً، والذين يضحكونك بتهريجهم في ملعب من ملاعب التمثيل أو دار من دور السينما فنانين لا يتردّدون في أن يصفوا أنفسهم بذلك، وفي أن يملؤوا به أفواههم، وفي أن يُرتبوا لأنفسهم من أجل ذلك حقوقاً عليك وعليَّ وعلى الناس جميعاً وعلى الدولة. ومع ذلك فقد رأينا مصر في بعض عصورها القريبة تُفرِّق بين الصحفي والأديب، وبين المُهرِّج والممثل، وبين المطرب والمغني أو الموسيقيِّ، وما نزال نراها تُفرِّق بين من برع في الأدب أو في الفن، ومن برع في صناعة من الصناعات اليدوية ولم يُحسن قراءةً ولا كتابةً ولا علماً نظريا بأصول ما يصنع بيديه: ترى أحدهما قد أوتي حظا من ثقافة، وترى الآخر صانعاً ماهراً قد حُرِم الثقافة، ولم يؤت منها حظا قليلاً أوْ كثيراً. وليس بُدٌّ مع ذلك من كلمة الحق أن تُقال، ولأمور الثقافة وشؤون الأدب والفن من أن تؤخذ مأخذ الجد إن أردنا لهذا الوطن أن يرقى وأن يُسهِم في الحضارة الإنسانية إسهاماً صحيحاً.
وكلمة الثقافة في أصلها اللغوي القديم كانت يسيرة تستعمل فيما ليس بينه وبين معناه الذي نفهمه منها الآن صلة قريبة أو بعيدة، تُستعمل في المهارة التي تكون في بعض الصناعات، وفي تقويم المعوجِّ من الأدوات المادية بنوع خاص.
فكان يقال: ثقَّف الرمح، ويُراد: قوَّمه ونفى عنه الاعوجاج وجعله أداة صالحة من أدوات الحرب؛ ثم اتسع معناها شيئاً، فأصبح المهارة في صناعة بعينها من الصناعات، ولا سيما حين تكون هذه الصناعة دقيقة تحتاج إلى الذكاء والفطنة: فالتفريق بين الدينار البهرجي المزيف والدينار النقي الصحيح ثقافة، والصيرفي الذي يحسن ذلك رجل مثقف أو ثقف. ثم تجاوزت هذا المعنى، وانتقلت إلى معنى يتصل بحياة العقل والذوق.
فكان يُقال للرجل الذي يُحسن العلم بالشعر فيفرِّق بين جيده ورديئه، وبين الصحيح الثبت منه والمنحول المزيف ـ مثقف أو ثقف، وكانت صناعته ثقافة. وعسى أن يكون محمد بن سلاَّم الجُمحي الذي توفي في أوائل القرن الثالث الهجرة أول من استعمل هذه الكلمة بهذا المعنى في كتابه "طبقات الشعراء". ثم اتسع معنى هذه الكلمة فأصبح المهارة في كل علم من علوم العقل أو كل فن من فنون الذوق، ثم أهملت الكلمة ونسيت أو كادت تنسى حتى كان هذا العصر الحديث فاستعملت أثناء النهضة المصرية الأخيرة بين الحربين العالميتين ليؤدَّى بها معنى الكلمة الفرنسية (culture). وقد جرى على الكلمة الفرنسية نفسها شيء يُشبه ما جرى على الكلمة العربية؛ فكان استعمالها الأول في شيء مادي هو الزراعة، ثم جعل المعنى يتطوّر حتى أصبح يدل على معناه الحديث الذي نستعمل فيه نحن كلمة الثقافة الآن، وهو الذي نريد أن نقف عنده وقفة فيها شيء من تعمق وتفصيل.
فالرجل المثقف الآن بهذا المعنى ليس هو من أتقن علماً بعينه أو فنا بعينه، وإنما هو أوسع من ذلك وأشمل، هو الرجل الذي ذاق ألوان المعرفة على اختلافها حتى ذكا قلبع وصفا ذوقه وهذب طبعه، ونفذت بصيرته، وأصبح عقله قادراً على أن يفهم عنك حين تتحدّث إليه في أي لون من ألوان المعرفة، وأصبح عقله قادراً أيضاً على أن ينفي عن نفسه الشعور بالغربة حين يسمع حديث العلماء في علومهم، أو حديث أصحاب الفن في فنونهم، أو حديث الساسة والاقتصاديين في سياستهم واقتصادهم. والرجل المثقف هو الذي ذاق المعرفة وأحبها وتأثَّر بها، وتهيّأ لها فأصبح إنساناً بأوسع معاني هذه الكلمة، إنساناً لا يحس الغربة في أي وطن من أوطان الناس أو بيئة من بيئاتهم، ولا يجد القلق حين يسمع الناس يتحدثون في أي ضرب من ضروب الحديث؛ يفهم عنهم أحياناً فيخوض معهم فيما يخوضون فيه، ولا يفهم عنهم أحياناً أخرى فلا يوئسه ذلك منهم ولا من نفسه، وإنما يحاول أن يعرفهم وأن يفهم عنهم وأن يحقق الصلة بينه وبينهم، بعقله وقلبه وذوقه، عارفاً مرة ومنكراً مرة أخرى، راضياً حيناً وكارهاً حيناً آخر.
الرجل المثقف هو الذي لا ينبو عنه وطن ولا مكان ولا بيئة من أوطان الناس وأماكنهم وبيئاتهم، ومن أوطان الطبيعة وأماكنها وبيئتها وأوطانها المختلفة، هو الرجل الذي يحس من نفسه القدرة على أن يعيش في كل وطن، وفي كل ظرف من الظروف عيشة الفاهم لما يرى القادر على محاولة فهم ما لم يفهم.
والرجل المثقف آخر الأمر هو الذي أخذ من العلوم والفنون بأطراف تتيح له أن يحكم على الأشياء حكماً صحيحاً أو مقارباً. والتعليم هو سبيل هذه الثقافة، التعليم بمعناه الواسع الذي يفهمه الناس في هذه الأيام ويتيحونه للصبية أولاً، وللشباب ثانيا فيما ينشؤون لهم من المدارس ومعاهد العلم والتعليم الذي يكسبه الناس لأنفسهم بعد أن يأخذوا بحظهم من هذه المعرفة التي تُقَدَّم لهم في المدارس والمعاهد.
وأخص صفات الثقافة أنها ناقصة دائماً محتاجة إلى أن تزيد في كل لحظة، وأن صاحبها قلق دائماً، طامح إلى التزيد من المعرفة دائماً، لا يقنع بما يُتاح له من العلم مهما يكثر ومهما يعمق ومهما يتسع، لأنه مستيقن هذا الأصل من أصول الثقافة الصحيحة، والذي جاء في القرآن الكريم، وهو أن فوق كل ذي علم عليم.
وصاحب الثقافة محقق، لحاجته هذه إلى التزيُّد من المعرفة، ومحقق، لأن في الناس من هو أكثر منه معرفة؛ وهو من أجل ذلك متواضع دائماً لا يرضى عن نفسه، وإنما يطمح أبداً إلى أن يكون في غده خيراً منه في يومه.
ويظهر الفرق جليا بين الرجل المثقف والرجل العالم بالمعنى الدقيق الذي يفهمه الناس لهذه الكلمة في هذا العصر: فالرجل الذي أتقن علماً من العلوم وتخصص فيه ووقف حياته عليه مثقف دائماً، ولولا ذلك ما فهم علمه ولا أتقنه ولا حاول التفرغ له، ولكن من الناس من يكون رجلاً مثقفاً بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، وهو مع ذلك لم يتخصص في علم من العلـوم، ولم يقف وقته وجهده على لون من ألوان المعرفة.
والرجل المثقف حقا يعرف أنه ليس قادراً على أن يبتكر المعجزات فيحسن العلم بما لم يصل الناس إلى العلم به بعد؛ ومن هنا اختلفت حظوظ الناس من الثقافة باختلاف العصور والبيئات: فقد كان "هيرودوت" مثلاً رجلاً مثقفاً في عصره، ولذلك استطاع أن يعرف كثيراً من شؤون الأمم التي ألمّ بأوْطانها، ولم يجد نفسه غريباً في أمة منها، وكان في الوقت نفسه مؤرخاً، لأنه روى لنا ما كان يمكن أن يُعرَف في عصره من تاريخ اليونان وتاريخ الأمم التي اتصلت بهم اتصالاً قريباً أو بعيداً. ومع ذلك فاخْتَرْ أيَّ مؤرِّخ معاصر فستراه أعظم ثقافة وأشد تخصصا من "هيرودوت"، ذلك لأن علم الناس يزيد دائماً ولا ينقص أبداً. وإذا قضى الجهل والضعف على أمة من الأمم بعد أن كانت قوية مثقفة عالمة فإن علمها وثقافتها لا يذهبان مع الريح، وإنما ينتقلان منها إلى أمة أو أمم أخرى.
ومن هنا ورث العرب ثقافة اليونان، وورث الأوروبيون ثقافة العرب، ثم عرفوا حقائق الثقافة اليونانية أكثر مما عرفها العرب، فانتفعوا بها وأضافوا إليها، كما انتفع العرب بثقافة غيرهم من الأمم، وأضافوا إليها من عند أنفسهم.
وأكبر الظن أن أمماً أخرى ليست عظيمة الحظ من الثقافة والعلم ستأخذ عن الأوروبيين ثقافتهم وعلمهم، أو هي قد جعلت تأخذ عنهم ثقافتهم وعلمهم، فإن أتقنت ذلك، وعرفت كيف تسيغ ما تأخذ، وكيف تلائم بينه وبين ما ورثت عن أجيالها القديمة، وكيف تجعل من هذا وذاك مزاجاً ملائماً لطبعها، فليس من شك في أنها ستكون مثقفة عالمة بأدق معاني الثقافة والعلم. ومعنى ذلك أنها لن تكتفي بالأخذ والنقل، ولكنها ستتمثّل ما أخذت وما نقلتْ، وستُشارك فيه مشاركة أصيلة، وستضيف إليه من عندها مثل ما أضاف الأوروبيون إلى ما أخذوا عن غيرهم أو أكثر منه.
ومعنى ذلك أن الثقافة والعلم ليسا مقصوريْن على أمة من الأمم أوْ جيل بعينه من أجيال الناس، وإنما هي أشبه شيء بالنسم الذي يتنسّمه الناس جميعاً، والذي يحمل من ألوان الغذاء ما يُصادف القادرين على ذوقه وتمثُّله والملاءمة بينه وبين طبائعهم وأمزجتهم، فكل إنسان بطبعه قادر على أن يتلقّى الثقافة والعلم ويزيد فيهما بشرط أن يبتغي إلى ذلك وسائله، ويسلك إليه سبله، وينتفع بتجارب الأمم التي سبقته أو عاصرته والتي أخذت من الثقافة والعلم بأعظم الحظوظ.
وقد شُغِل الأوروبيون بحقائق ثقافتهم وعلمهم منذ انفضّت الحرب العالمية الأولى وجعلوا يُحاولون أن يُحللوا العقل الأوروبي ويردُّوه إلى الأصول التي كوّنته وأتاحت له ما يستمتع به الآن من الرقي والتفوّق، وعرّضتْه لما يتعرّض له الآن من الخطر. وكان الشاعر الفرنسي العظيم "بول فاليري" بارعاً حقا حين ردّ العقل الأوروبي الحديث إلى أصول ثلاثة، هي: تراث اليونان في الفلسفة والأدب والعلم والفن، وتراث الرومان في النظام والتشريع وفي السياسة والحرب، والمسيحية بما أودعت فيه من قيم الأخلاق ومُثلها العليا ومن الطموح إلى الإحسان والعدل والإنصاف، وإلى العلم آخر الأمر بأن الناس جميعاً سواء في الحقوق والواجبات، وأن مساواتهم هذه إنما تأتيهم من حيث أنهم ناس يشتركون في طبيعة الإنسان الذي أنشأ الحضارة وعرف كيف يُسيطر على الطبيعة، أو على ما سيطر عليه منها، وكيف يستثمر الأرض ويوجه استثمارها إلى ما ينفع الناس عامة لا ما ينفع فرداً دون فرد أو شعباً دون شعب أو جيلاً من الناس دون جيل.
وواضح أن الانحراف عن أصل من هذه الأصول له نتائجه في ضعف الأمم وانحلالها وتأخّرها عما ينبغي لها من المكانة الممتازة بين الأمم الرّاقية.
فالانحراف عن إيثار المعرفة لنفسها والانتفاع بنتائجها ينتهي إلى الجهل وما يعقبه الجهل من ضعف وانحطاط، والانحراف عن النظام وحسن التشريع والسياسة والاستعداد لطوارئ الحرب منتهٍ إلى الاضطراب والفوضى، والانحراف عن أصول الأخلاق ومثلها العليا منته إلى الظلم والاستعلاء واستغلال الإنسان للإنسان، وهو الذي تتورّط فيه أوروبا الآن، فيجرُّ عليها ما يجرُّ من ألوان الفساد والكوارث والخطوب.
وقد نستطيع أن ننظر إلى ثقافتنا العربية بنفس هذه النظرة على ما أصابها من ضعف وأدركها من تفرُّق وانتشار، فسنرى أن العقل العربي يمكن أيضاً أن يُردَّ إلى مثل ما رُدَّ إليه العقل الأوربي من الأصول مع اختلاف قليل، فنحن قد ورثنا عن اليونان ثقافتهم وفلسفتهم وعلمهم وأدبهم وفنهم أيضاً، وفد تأثَّرنا بكل ذلك في حياتنا العقلية وتكوين ما توارثنا من المعرفة، ونحن قد تأثّرنا بالنُّظم التي ورثناها عن الأمم التي سبقتنا إلى الحضارة:
تأثرنا بنظم البيزنطيين أيام بني أمية، ونظم البيزنطيين ترتدُّ في جملتها إلى النظم الرومانية.
وتأثرنا بنظم الفُرس أيام العبّاسيين، ولكن هذه النظم لم تخل قط من تأثر قليل أو كثير بالنظم الرومانية.
ونحن حين أنشأنا فقهنا وألوان التشريع في بلادنا قد تأثّرنا كثيراً بالفقه الروماني في العصور القديمة وبالفقه الأوربي في العصور الحديثة.
وضَعِ الإسلام مكان المسيحية؛ فهو الذي صاغ عقولنا وسيَّرنا على قواعد الأخلاق ومثلها العليا، وهو الذي حبَّب إلينا العدل وكرَّه إلينا الجور، وهو الذي حبَّب إلينا الإحسان وكرَّه إلينا القسوة والاستئثار.
ومهما تبحث عن أسباب الضعف الذي أصاب الأمة العربية وثقافتها في بعض العصور فسترى أنها تنحصر في الانحراف عن أصل من هذه الأصول التي ذكرناها.
وإذن فالطريق أمامنا واضحة وأعلامها بيّنة، يراها المنصفون ولا ينحرفون عنها إلاّ إذا تعمَّدوا هذا الانحراف أو غرَّهم الشيطان عن أنفسهم.
لا بُدَّ من أن نأخذ بأسباب العلم والثقافة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، لا نتردّد ولا نتلكّأ ولا نستكثر في سبيل ذلك تضحية مهما تكن.
ولا بُدَّ من أن نُؤثر النظام ونتجنَّب الفوضى، ومن أن نتلقّن التشريع ونقيمه على الإحسان والبذل.
ولا بُدَّ من أن نتخذ الأخلاق لحياتنا قانوناً، ونجعل المثل العليا أمامنا دائماً في كل ما نأتي وما ندع، إن كنا نريد مخلصين ما نطمح إليه من الرقي ومن تحقيق المساواة بيننا وبين الأمم الأخرى، وتحقيق المساواة الدّاخلية بين أفراد الأمة من حيث هي أمة.
وما أُحب أن أبعد عن الثقافة التي هي موضوع الحديث والتي أبعدني عنها هذا الاستطراد شيئاً؛ فليس يكفي أن نحب الثقافة لنكون مثقفين، وإنما يجب أن نحبها ونبتغي إليها وسائلها، ونسلك إليها سبلها، وننظم التعليم على أنه وسيلة إلى أن يصبح الشاب المتعلم مهيأ ليكون رجلاً مثقفاً بالقدر الذي أشرتُ إليه آنفاً؛ فالظفر بالشهادات والإجازات والدرجات لا يغني عنه شيئاً ولا يجعله رجلاً مثقفاً إذا لم يستطع أن ينفي عن نفسه الشعور بالغربة حين يتصل بالناس مهما تكن أجيالهم وأجناسهم.
ومعنى ذلك أنه يستطيع أن يتحدّث إلى الأوربي، فيفهم عنه ويُفهمه عن نفسه، وأن يكون ذلك شأنه حين يتحدّث إلى الهندي والصيني أو الأمريكي أو الروسي: ومعنى هذا كله أن التعليم يجب أن يُوجَّه إلى تكوين الملكات الإنسانية التي تُتيح للفرد أن يكون مستعدا دائماً لأن يتعلّم وأن يزيد حظه من المعرفة، وأن يشعر شعوراً قويا في كل لحظة من لحظات حياته بأنه في حاجة ملحة إلى ذلك مهما يكن مركزه الاجتماعي، ومهما يكن قد حصّل في نفسه من العلم؛ ففوق كل ذي علم عليم، كما يقول الله عزَّ وجلَّ.
وأخصُّ مزايا العقل الحر هو أنه شاعر بنقصه دائماً، طامح إلى الكمال دائماً، مستيقن بأنه لا يبلغه مهما يبذل من جهد، ومهما يُحصِّل من علم، ومهما يبل من التجارب والخطوب.
فأين نحن الآن من هذا؟ مازال الأمد بيننا وبينه بعيداً أشدَّ البعد، فما أكثر ما يلقى العربي ـ مصريا كان أو غير مصري ـ الأوربي والأمريكي والهندي والصيني، فلا يكاد يفهم عنه ولا يكاد صاحبه يفهم عنه شيئاً، مع هذا الفرق بينه وبين الأوربي والأمريكي، وهو أن الأوربي والأمريكي لا ييأس من فهمه، وإنما يحاول ويلتمس ألوان الحيل ليعرف ماذا يُريد المصري أن يُلقي عليه من حديث! أما المصري فيُسرع اليأس إليه، فلا يُحاول ولا يلتمس حيلة، وربَّما عزَّى نفسه بالسخرية من هذا الأوربي أو الأمريكي الذي لا يسير سيرته، ولا يتكلّم لغته، ولا يحسن الإعراب عمّا يُريد!
ومصدر ذلك أن المصري لا يتعلّم في مدارسه ومعاهده، وإنما يحفظ ليؤدِّي الامتحان، ثم ينسى ما حفظ، وينسى ما امتحن فيه، ويمقت الحفظ والامتحان أشدَّ المقت، ويمضي إلى حياته المادية اليومية يسلك إليها ما يستطيع من السبل لا يطمح إلى شيء، ولا يطمع في شيء، وإنما يكفيه أن يعيش يوماً بيوم، ولا عليه أن يخرج من حياته كما دخل فيها لم يُغن عن نفسه ولا عن الناس شيئاً، كأنه لم ير الدنيا، وكأن الدنيا لم تره في يوم من الأيام.
وهذا النوع من التعليم لا يمكن أن يلائم وطناً طموحاً ولا شعباً عريقاً في المجد خليقاً بأن يكون مستقبله ملائماً لماضيه على رغم ما اختلف على هذا الماضي من المحن والخطوب.
وما أريد بهذا كله أن أزعم أن مصر لم تصنع في سبيل الثقافة شيئاً، وإنما أُريد أن أقول إن ما صنعته مصر في سبيل الثقافة والعلم على كثرته وخطره بالقياس إلى ما كانت عليه أيّام سلطان الترك العثمانيين، بل في أواسط القرن الماضي، ليس إلا شيئاً قليلاً، بل شيئاً أقل من القليل بالقياس إلى آمالها وآمال الإنسانية فيها؛ فليست مصر وطناً كغيرها من الأوطان، وإنما هي وطن في مركز جغرافي بين الشرق والغرب لم تستغن عنه الإنسانية في يوم من الأيام ولن تستغني عنه في يوم من الأيام، بل ستزداد حاجتها إليها ازدياداً مطرداً بمقدار ما يُصيب حياتها من التعقيد، كلما تقدّمت في سبيل الرقي الثقافي والعلمي والسياسي والاقتصادي أيضاً.
وقد زعم شاعرنا القديم أن حاجة من عاش لا تنقضي، وهذا صحيح، ولكنه أقل مما يؤدي الواقع والحق من أمر الإنسانية، لأن حاجتها لا تنقضي، بل تزداد ويشتد ازديادها، وتتعقّد ويعظم تعقيدها.
وكلما ازدادت حاجات الإنسانية وتعقدت ازدادت حاجات الشعوب إلى أن تتضامن وتتعاون، ويشد بعضها أزر بعض، وازداد الاتصال بين الشرق والغرب، وتعقّدت ألوانه وضروبه. وبمقدار هذا كله تزداد حاجة الإنسانية إلى مصر، لأنها طريق الاتصال بين الشرق والغرب، ولأنها المدخل الطبيعي لهذه القارة الإفريقية التي لن تظل كما هي هامدة راكدة، بل ستأخذ في النموّ واليقظة والأخذ بأسباب الحضارة؛ فتشتد حاجتها إلى مصر أولاً، وإلى الشرق والغرب بعد ذلك.
وكل هذا يفرض لمصر حقوقاً على الإنسانية، ويفرض عليها واجبات لهذه الإنسانية. ولست الآن بإزاء الحديث عن حقوق مصر، وإنما أنا بإزاء الحديث عن واجباتها، وقد حرصتُ دائماً وأحببتُ لغيري دائماً أن يحرص على أن يذكر الواجبات، وينهض بها قبل أن يذكر الحقوق ويُطالب بتحصيلها.
ومعنى هذا كله أن الحياة المستقبلة تفرض على مصر أن يزداد حظ أبنائها من العلم والثقافة، لا أقول من يوم إلى يوم، بل أقول من ساعة إلى ساعة. ولا بد من أن يكون التعليم فيها جديراً أن يُهيِّئ أبناءها لتلقِّي هذه الثقافة والتزيُّد منها في كل لحظة من لحظات الحياة.
والتعليم أساس للثقافة، ولكنه ليس كل شيء، بل هناك أشياء كثيرة لا تستقيم الثقافة إلا بها، ولا سبيل إليها إلا إذاهيِّئ الشباب لتحقيقها والانتفاع بها.
وقد قلت إن الرجل المثقف هو الذي لا يشعر بالغربة في أيِّ وطن أو مكان أو بيئة؛ وإذن فليس بُدٌّ للتعليم من أن يهيِّئ الشباب ليكونوا قادرين على أن يعرفوا شؤون الأوطان والأمكنة والهيئات والظروف الإنسانية على اختلافها.
والرجل المثقف لا تستقيم له ثقافة إلا إذا عرف وطنه وأمته والظروف التي تُحيط به؛ فليس بد من أن يهيئه للتعليم لذلك ومن أن يلقنه أوليّات هذه المعرفة بالأمة والبيئة والظروف.
ولا تستقيم الثقافة إلا إذا عرف الأوطان الأجنبية وما يُحيط بها من الظروف الدّاخلية والخارجية، وإذن فيجب أن يهيئه التعليم لهذه المعرفة أيضاً. ولأمر ما حرصت الأمم المتحضرة على أن تُعلِّم أبناءها في المدارس ألواناً من العلم تهيئه لهذا كله: فهي تعلمهم تاريخهم الخاص والتاريخ العام، وهي تعلمهم الجغرافية الخاصة والجغرافية العامة، وهي تُظهرهم في المدرسة الثانوية على أوّليّات الآداب الكبرى: قديمها وحديثها بلغتهم الوطنية، ليستطيعوا بعد ذلك أن يتعمّقوها ويفقهوا دقائقها لمجرّد المعرفة، وحين يشعرون بالحاجة إلى ذلك.
فإذا قلنا إن من أصول الثقافة إحياء التراث القديم للأمة فمعنى ذلك بالقياس إلى المصري أن يكون أمامه تُراث مصر الفرعونية، وتُراث مصر اليونانية الرومانية، وتراث مصر الإسلامية، وأن يكون مهيأ لفهم هذا التراث كلما أراد أن يُلِمَّ به، أو يعود إليه.
وليس ذلك بممكن إلا إذا عرف الأمم التي اتصلت بمصر أو اتصلت بها مصر في ظروف السلم والحرب أثناء هذه العصور، وليس هذا بالشيء القليل؛ فهو سيكفل للمصري أن يكون مهيأ لفهم التاريخ القديم كله، ولفهم تاريخ القرون الوسطى، ولفهم الآداب التي امتازت في هذا التاريخ أو ذاك.
وأمته متصلة بالأمم الحديثة خصاماً ووئاماً وتبادلاً للمنافع، فليس له بُدٌّ من أن يكون مهيأً ليعرف من أمر هذه الأمم أكثر ممّا يمكن أن يعرفه، وسبيل ذلك العلم باللغات الأجنبية وقراءة ما يُكتب فيها، وترجمة ما يحتاج منه إلى الترجمة، ليقرأه الذين لم يتعلّموا لغة أجنبية أصلاً أو تعلّموا لغةً أو لغتين دون أن يتعلّموا كل اللغات الأجنبية، فليس هذا بالشيء الذي يُتاح لكلِّ إنسان، بل قلَّما يتاح لإنسان.
وكل هذا يفرض على القائمين بأمور التعليم الذين يهيئون الشباب للثقاقة والعلم أن يمنحوا تعليم اللغات الأجنبية في المدارس أقصى ما يستطيعون أن يمنحوه من العناية.
والرجل المثقف حقا في هذا العصر لا يستطيع أن يعيش عيشة راضية إذا لم يعرف لغة أجنبية، فإن أراد التخصص في العلم فقلّما تكفيه لغتان أو ثلاث من لغات الأمم الكبرى التي تُعنَى بالأدب وتُنتِج في الأدب والفن والفلسفة.
ومادام الفرد الواحد لا يستطيع أن يتعلم اللغات الكثيرة في المدرسة الثانوية، فلابد من أن تُدرس اللغات الكبرى كلها في المدارس، وأن يُفرض على التلميذ أن يختار منها لغتين على الأقل.
والرجل المثقف حقا لا يستطيع أن يجعل عقله حكراً لثقافة بعينها، وإنما يجب أن تتفتح نفسه للثقافات مهما تكن ومن أين تأتي، وهنا تقوم الترجمة مقام العلم باللغات الكثيرة.
وإذا أُتيح هذا للشباب في أمة من الأمم فمن الخطأ أن نعتقد أن الثقافة الحقة قد أُتيحت لهؤلاء الشباب، ذلك أن الثقافة ليست علماً فحسب، وليست فهماً وحفظاً فحسب، وإنما هي إلى جانب ذلك شعور وذوق وملاءمة بين المعرفة وبين الطبع.
ومن هنا كانت آفة التعليم أنه يتعرّض لأن يكون ملئاً للرؤوس بالمعرفة الكثيرة، دون أن يبلغ القلوب والأذواق ويُؤثر فيها، ويجعلها أهلاً للحرية الصحيحة والشعور الصحيح بأن الإنسان إنسان حيث يكون: إنسان في وطنه يشعر بالتضامن والتعاون بينه وبين الإنسان مهما يكن جنسه، ومهما يكن وطنه، ومهما تكن بيئته وظروفه.
والإنسان المثقف هو الذي يستيقن بقلبه وعقله أن الأرض كلها وطن عام له إلى جانب وطنه الخاص، ويُهيئ نفسه أو تُهيئه الدولة ليحيا هذه الحياة كريماً في وطنه وكريماً خارج وطنه، كريماً على نفسه وعلى الناس أيضاً.
وإذا كان لكل هذا الحديث نتيجة نستطيع أن نستخلصها منه، وغاية نستطيع أن ننتهي بها إليها، فالنتيجة والغاية شيء واحد، وهو أن مصر على كثرة ما بذلت من جهد وما أنفقت من مال وما احتملت من أعباء في سبيل الثقافة لا تزال في أول الطريق، وما زالت الشقة أمامها بعيدة لا حدَّ لبعدها؛ فالثقافة كما قلت لا نهاية لها، والشعب المثقف هو الذي يُحقِّق في نفسه أنه مهما يُحصِّل من المعرفة فسيظل دائماً محتاجاً إلى التزيُّد منها، وسيرى أنّ ما عرفه مهما يكثر أقل مما يجب أن يعرفه.
وإذا فهم القائمون على شؤون العلم والثقافة هذه الحقائق، وفهمها الذين يقودون الرأي ويُدبِّرون أمور الشباب أمكن مصر أن تؤمن عن ثقة ويقين وفي أمل أيّ أمل بأنها سائرة إلى الرقيِّ حقا، وبالغة منه ما تُريد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كتاب: د. حسين علي محمد (بالاشتراك): فن المقالة: دراسة نظرية ونماذج تطبيقية، سلسلة "أصوات مُعاصرة"، العدد 114، دار هبة النيل العربية، القاهرة، 2003م، ص99 فما بعدها.

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 03:27 PM
(4) حول النقد

بقلم: عباس محمود العقاد*
.................................

من المعروف عن الناس جميعاً أنهم يميلون إلى الثناء، والتقريظ، وينفرون من الذم والانتقاد.
وحب الثناء في جملته خصلة حسنة محمودة العاقبة، لأنه يدعو إلى طلب الكمال، وما لم يكن نزوة من نزوات "الأنانية" العمياء فهو سبيل إلى العمل الذي يستحق الثناء.
ولكن كراهة النقد ليست بصفة محمودة في جميع الأحوال، لأنها تنطوي على أخطاء كثيرة تدل على ضيق العقل، كما تدل على ضيق الخلق وضيق المجال.
أول هذه الأخطاء اعتقاد المرء أن الناقد أفضل دائماً من المنقود، فهو إذا سمع النقد ظن أن الذي يوجهه إليه يستعلي عليه ويدعي أنه مبرأ من العيب الذي يسنده إليه، ولولا ذلك لهان وقع النقد في نفسه لأنه يشعر أنه ومن ينقده سواء.
وقد يكون المنقود أفضل من الناقد فيما يتعلّق بذلك العيب وفيما يتعلق بسواه. والحقيقة المُشاهدة أن الناقد لا يكون أفضل من المنقود في عيوبه، ولا أقدر منه على عمله المنتقد ولا على سائر أعماله. كل منا يستطيع أن ينظر إلى بيت من البيوت فيرى أنه سخيف البناء غير صالح للسكن، ولكننا لا ندعي لهذا أننا أقدر على البناء والهندسة من بانيه ومهندسه، وقد يُعيي الكثيرين منا أن يقيموا حجراً على حجر في جدار صغير. وكل منا يذوق الطعام فيستعذبه أو يعافه، وليس كل آكل بقادر على إعداد صفحة من الطعام خير من التي يعافها، ولو كان عليماً بكل عيب من عيوبها في صناعتها وفي مذاقها. وكل منا يستطيع أن يقرأ كتاباً فيشعر بنقصه في جانب من جوانبه لأنه كان ينتظر المزيد من البيان في ذلك الجانب، ولكن لا يُفهم من ذلك أن القارئ المنتقد أعرف بصناعة التأليف من صاحب الكتاب.
وقصة المصور الصيني معروفة، تصلح للذكر في هذا المقام: كانت له صورة يعرضها ويتوارى خلف ستار المصنع ليستمع إلى أقوال الناظرين إليها. وكان منهم إسكاف عاب شكل الحذاء لأنه لا يُطابق القالب المخصص لصنعه فأخذ المصور بملاحظته وأصلح عيبه كما اقترح الإسكاف. وعاد هذا في اليوم التالي فأطمعه التفات المصور إلى رأيه وأكثر من الملاحظة على أجزاء الصورة من الرأس إلى القدم، فبرز له المصور من وراء الستار وأملى عليه درسه في هذه المرة: إنك أحسنت فيما عرفت، فلا تسئ فيما تجهل، وقف بقدميك على حذائك ولا تزد عليه.
ومهما يكن من إحسان هذا الناقد في ملاحظته فهو إحسان كلام لا إحسان عمل، لأنه لو سئل أن يُصلح الخطأ في حذاء الصورة لما استطاع أن يزيل عيب الصناعة فيها. ولا يزال المصور أقدر منه على إصلاح عيوب الصورة حتى في شكل الحذاء.
فالناقد يُبدي ما يشاء من العيوب، ولا يجعله ذلك أفضل ولا أقدر على إصلاح العيوب من صاحب العمل. إذا كره الاستماع إليه أنفة من التسليم له بالتفوق عليه. حتى لو اعتقد صاحب العمل أن التفوق عليه ممتنع أو مستحيل، ولا امتناع ولا استحالة فيه.
ويحسن بالناقدين والمنقودين جميعاً أن يذكروا أن القدرة على إظهار العيوب أسهل جدا من القدرة على إظهار الحسنات. فإن الطفل الصغير قد ينظر إلى أعظم العظماء، فيضحك منه ويلمح عيوبه الظاهرة من لمحة خاطفة، وقد يستطيع أن يحكيه في عيوبه سخرية وعبثاً فيجيد محاكاته كل الإجادة، ولكنه يقضي عشرات السنين قبل أن يعرف حسناته أو فضيلة من فضائله. كما استطاع في طفولته أن يُحاكي ذلك العظيم في مشيته أو لهجة كلامه أو جملة حركاته.
وما برحت معرفة العيوب قريبة إلى أصحاب العيوب، ومعرفة الحسنات عسيرة على غير أصحاب الحسنات.
ومن أخطاء الكارهين للنقد أن كراهيتهم لم تنم على ضعف الثقة بالنفس كما تنم على ضعف الثقة بالناس، وضعف الثقة بالقيم الأدبية، وكل قيمة من قيم التقدير والكرامة.
فالرجل الذي يعرف عمله لا يضيره أن يجهله غيره، والرجل الذي يملك ثروته ويأمن عليها لا يضيره أن يحسبه هذا أو ذاك في عداد الفقراء، ومن كان واثقاً من قوته فهي بين يديه يجدها حاضرة عنده كلما احتاج إليها. وإنما يضطرب الضعيف الذي تُشاع عنه القوة كذباً إذا شاع عنه الضعف بدلاً من القوة لأن ما تخلفه الإشاعة تقضي عليه إشاعة مثلها. وما يثبت على الحق لا تمحوه الأباطيل.
فليس أدل على ضعف الثقة بالنفس من خوف النقد واتقاء المزاعم، كذلك يدل على ضعف الثقة بالنفس أن يحسبهم الكارهون للنقد ألعوبة يلعب بها كل ناقد، وأرجوحة تميل بها الأهواء مع كل جاحد وحاقد. وما كان في وسع أحد قط أن يلعب بآراء الناس كافة وإن وسعه أن يلعب بآراء القليلين منهم إلى حين، وقديماً قيل ما قيل عن نوابغ الدنيا وعباقرة الأزمان فذهب القيل والقال، وبقيت مآثر النبوغ والعبقرية ساطعة سطوع الشمس، راسخة رسوخ الجبال.
وأشد من ضعف الثقة بالنفس ضعف الثقة بالناس، بل هذا هو سبب ضعف الثقة بكل شيء وبكل إنسان. فإن الذي يشك في وجود القيم الصحيحة في العالم يخشى الخطر على كل قيمة، ويحسب المجد كالهوان، وأن الجواهر كالحجارة، وأن العملة المشروعة كالزيوف الممنوعة. ليس بين شرعها ومنعها إلا صيحة تعلو هنا أو ضجة تخفت هناك.
ولسائل أن يسأل: لماذا يحرص الإنسان على سمعة لا قيمة لها؟ .. وما قيمة السمعة التي لا تحفظ نفسها بنفسها؟ وما معنى الخوف على قيمة محفوظة يراها العارفون فلا يخلطون بينها وبين الأعراض والقشور؟
إن كان للعمل الأدبي أو العمل الاجتماعي قيمة مقدورة يعرفها الناس، فلا خوف عليها من النقد والناقدين، ولا حذر عليها من كيد الكائدين وحقد الحاقدين. وإن لم تكن للأعمال المأثورة قيمة دائمة فلماذا نحرص عليها ونُشفق من زوالها، ونطلب لها الدوام وليس لها حظ من الدوام.
إن خوف النقد عادة غير محمودة العاقبة في جملتها، عادة لا يؤمن صاحبها بحقه على نفسه، ولا يؤمن بحق مرعي لغيره، ولا يطمئن إلى قيمة تحميه من عوارض القلق وبوادر الشكوك. فالكاره للنقد لا يخطئ في خوفه من النقد الصواب، لأن النقد الصواب ينفعه وينفع الناس، ولا يُصغره في نظر نفسه، ولا يُفهم منه حتماً أنه أقل أو أضعف قدرة من ناقديه.
وهو يخطئ في خوفه من النقد الخطأ لأنه يحجر على آراء غيره، ولا يرى لهم حق المخالفة، ولو خالفوه مخطئين. ولعله يخطئ سبيل العزاء في الحالتين. فحسبه من عزاء لو شاء أن يتعزّى أن ينظر إلى ناقديه: هل سلموا من النقد؟ وهل وافقهم الناس على كل ما قالوه؟ وهل يرى بين الناس أحداً يرضى عنه جميع الناس كائناً ما كان شأنه وبالغاً ما بلغ من العلم والرفعة ومحاسن الأخلاق؟
قال الحكيم الأندلسي ابن حزم الملقب بإمام النقاد: "من قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون. ومن حقق النظر وراض نفسه على السكون إلى الحقائق وإن آلمتها في أول صدمة كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه".
ثم مضى يفسر ذلك برأيه فقال: إن مدحهم إياه إن كان بحق وبلغه مدحهم له أسرى ذلك فيه العجب فأفسد فضائله. وإن كان بباطل فبلغه فسُرَّ به فقد صار مسروراً بالكذب، وهذا نقص شديد.
وأما ذم الناس إياه فإن كان بحق فبلغه فربما كان ذلك سبباً إلى تجنبه ما يُعاب عليه وهذا حظ عظيم، وإن كان بباطل فصبر اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر.
وأحسن الحكيم فيما قال وفيما علل. ولو شاء لزاد عليه: إن الاغتباط بالذم كثيراً ما يكون من قبيل الثناء المعكوس، وإنه لثناء معكوس لا رياء فيه إذا صدر عن حسد ورغبة في إنكار الفضل الذي يشعر به الحساد فيُحاولون إخفاءه بالذم والإنكار.
وربما كان إنكار اللئيم أبلغ في الشهادة لصاحب الفضل من ثناء الكريم. ولقد كان ابن حزم مُبتَلى في زمانه بحسد الحساد، فأثاروا عليه الخاصة والعامة، وأحرقوا كتبه وحرموا قراءته، فقال:
لئن تحرقوا القرطاسَ لا تحرقوا الذي
ملأتُ به القرطاس بلْ هو في صدري
ثم بقي ابن حزم في كتبه المأثورة وزال حاسدوه، فلا يذكرهم الناس إلا إذا ذكروه ليصغروهم ويكبروه!
ومنذ خمسين سنة كانت كلمة ابن حزم هذه شعار "الجريدة" التي تولى تحريرها أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وكان يجعلها شعاراً وجواباً على نقد الناقدين وخلاف المخالفين، وهم كثيرون، فانتهى النقد والخلاف إلى تقدير واعتراف، ولم يبق من جيل الحكيم المصري ـ خليفة ابن حزم في نظرته إلى الثناء والذم ـ إلا من يدين له بالأستاذية والسبق إلى سواء السبيل في فهم الوطن والوطنية.
وقد نُسِيت أعمال لم ينقدها أحد، وبقيت أعمال لم تسلم من النقد في زمانها ولا بعد زمانها، وعمل العاملون وكتب الكاتبون فلم يستحقوا البقاء بما سمعوه من ثناء، ولم ينقطع غيرهم عن عمل أو كتابة خوفاً من نقد مضى أو نقد يجيء.
وأشفق بعضهم من التأليف لأنه يجر إلى القدح والتعنيف، لا بل جاء في الأمثال أن من أراد بعدو سوءاً فليزين له تأليف كتاب أو تحبير مقال.
فإن صح هذا المثل فهو صحيح على شريعة السيد المسيح "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم" فمن تمنى لعدوه أن يؤلف فتلك أمنية صديق لصديق، أو أمنية عدو لعدو محبوب.
نعم، وكالتأليف في أمر النقد كلُّ عملٍ باق .. تبنيه الهمم والعقول، وتقول فيه الألسنة ما تقول.
ــــــــــــــــــــــ
*المصدر: عباس محمود العقاد: عيد القلم ومقالات أخرى، تحرير: الحساني حسن عبد الله، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت، د.ت، ص296-300.

نغــــــــــم أحمد
15-12-2007, 05:57 PM
د.حسين علي محمد
الشكر الوفير على ماقدمت من مقالات رائعة لكتاب كبار
أكمل مسيرتك سنكون من المتابعين لما تُقدم
تقبل ودي وتقديري

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 10:08 PM
(5) أدب المهجر الشرقي

بقلم: د. محمد بن عبد الرحمن الربيع (1)
.................................................. ..

إذا قيل الأدب المهجري انصرف الذهن إلى أدب المهاجر الأمريكية .
إلى الأدب العربي الذي قاله المهاجرون العرب من المشرق بعامة ومن سوريا ولبنان بصفة خاصة إلى الأمريكتين ، فالذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية أطلق على أدبهم " أدب المهجر الشمالي " والذين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية أطلق على أدبهم " أدب المهجر الجنوبي " ويمتاز هذا الأدب بخصائص تميزه عن غيره من حيث الأسلوب والعاطفة والأفكار .
وأغلب الأدباء الذين هاجروا إلى الأمريكيتين هم من العرب النصارى ، ولذلك نجد التأثير المسيحي واضحاً في هذا الأدب مهما قيل عن طوابعه الإنسانية وانتماءاته العربية .
وكنت دائماً أتساءل ؟!
هل اتجه كل المهاجرين العرب إلى الأمريكيتين ؟!
ألم تتجه طائفة أخرى إلى مهاجر أخرى .
لماذا يقصر اصطلاح " الأدب المهجري " على تلك الفئة وذلك المكان ؟
وظل السؤال في ذهني .
حتى قدر لي أن أذهب في مهمة رسمية إلى أندونيسيا تلك الجمهورية الإسلامية الشرقية الكبرى التي تضم أضخم تجمع للمسلمين الذين يتعرضون لحملات التنصير .
وهناك التقيت بطوائف من العلماء والمثقفين .
واسترعى انتباهي وجود مجموعة من العرب في تلك المناطق .
ولهؤلاء قصة يطول شرحها ، وتاريخ مجيد يحتاج إلى من يزيل عنه غبار السنين .
أجداد هؤلاء هم الذين نشروا الإسلام في أندونيسيا .
وفتحوها بأخلاقهم وعلمهم وحسن تعاملهم .
حتى انتشر الإسلام هناك بالقدوة وحسن المعاملة .
وأغلب هؤلاء قد هاجروا من جنوب الجزيرة العربية ومن إقليم " حضر موت " بصفة خاصة .
وقد شاهدت ثلاثة أجيال من هؤلاء الجد الرجل الكبير يجيد العربية قراءة وكتابة ، بل وشعراً ...
ووجدت الأب وقد اضطرب لسانه وضعفت عربيته لكنه يحاول ولا يكاد يبين .
ووجدت الابن وقد فقد العربية فلا يكاد يعرف منها شيئاً .
تلك مأساة هؤلاء العرب .
وليس عن هذا أريد الحديث .
لكني أردت أن أصل منه إلى عنوان الموضوع وهو " أدب المهجر الشرقي " .
فقد عرفت أن كثيراً من هؤلاء المهاجرين والنازحين إلى " أندونيسيا وغيرها من بلاد الشرق " قد خلفوا تراثاً أدبياً عربياً إسلامياً يتمثل في مجموعة من المؤلفات العربية ، ومن الصحف والدوريات العربية ومن الشعر العربي المنشور في المجلات أو المجموع في دواوين مخطوطة في الأغلب أو منشورة في الأقل وقرأت نزراً يسيراً من هذا الشعر وهذا التراث الأدبي فوجدته يمتاز بعاطفة الحنين إلى الجزيرة العربية وبالعاطفة الدينية المتوقدة ، فقلت عندها ك لقد عثرت على جواب السؤال وهو : هل هناك أدب مهجري عدا ما نعرفه من أجدب المهجر الشمالي أو الجنوبي ؟!! .
فقلت : نعم وألف نعم .
هناك أدب " المهجر الشرقي " ، أي : الأدب العربي المهاجر إلى الشرق والشرق الأقصى .
أدب هؤلاء العرب الذين نزحوا إلى أندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورا والهند ، ... فأطلقت عليه " أدب المهجر الشرقي " وتمنيت أن يقوم أحد طلابنا في أقسام الدراسات العليا بإعداد أطروحة علمية عن هذا الأدب المجهول .
وما أحلى ارتياد المجهول .
وما أكثر فوائــــد السفر .
وأخيراً فإن الأدب العربي قد شرق وغرب فعرفنا عن الأدب المهاجر إلى الغرب البعيد الشيء الكثير ، وقصرنا عن معرفة الأدباء العرب الذين شرقوا واستوطنوا المشرق والشرق الأقصى وظلوا يحنون إلى مواطن العرب وإلى الجزيرة العربية فما أحرى أبناء هذه الجزيرة بأن يقوموا بالواجب ويقدموا لنا دراسات علمية وأدبية جادة عن " أدب المهجر الشرقي " وإنا لمنتظرون.
..........................
(1) د. محمد بن عبد الرحمن الربيع: خمائل وأزهار: بحوث ومقالات أدبية متنوعة، ط1، مكتبة المعارف، الرياض 1416هـ، ص184-186.

د. حسين علي محمد
15-12-2007, 10:10 PM
د.حسين علي محمد
الشكر الوفير على ماقدمت من مقالات رائعة لكتاب كبار
أكمل مسيرتك سنكون من المتابعين لما تُقدم
تقبل ودي وتقديري
شكراً للأديبة المبدعة نغم أحمد
على تعليقها الجميل،
مع موداتي.

د. حسين علي محمد
26-12-2007, 07:16 AM
(6)
وداع القرن

بقلم: إبراهيم اليازجي
...........................

من تأمَّل كرور الأدهار، وتعاقب الليل والنهار، ورأى الثواني تجر الأيام، والأيام تجر الأعوام، والناس يذهبون بين ذلك أفواجا، ويمرُّون فرادى وأزواجاً، ورأى أن هذه الحركة التي نرى بها الشمس تطلع من المشرق، ثم نراها تغيب في المغرب، يتخلّلها من حركات دقائق الكون ما يُمثِّل دبيب عوامل الفناء، حتى يًرد كل منظور إلى عالم الهباء؛ وقف حائراً دهِشا، يتأمّل في الكائنات وفي نفسه، وقد اختلط عليه الوجود بالعدم، حتى كاد يتهم شواهد حسه. ثم نظر فتمثّل وراءه ماضياً تغيب أوائله في ظلمات الأزل، وأمامه آتياً تتصل أواخره بحواشي الأبد، وهو بينهما كنفّاخة قذفها التيّار فوق أديم البحر، فما كاد يقع عليها ضوء الشمس، حتى عادت إليه فغاصت فيه آخر الدهر، فملكه من الرهب ما ارتعشت له أعضاؤه، ومن الإشفاق ما جمدت له دماؤه؛ ثم تمنّى لو تخلّص من هذا الوجود المشوه، وأيقن أن الكون ضرب من الزور المموّه، إنما هي صور تتبدّل، وأشكال تتحوّل، وهي المادة إلى أن تنحلّ الأرض، وينتثر نظام السيارات والأقمار، وتتبدّد ذرّات الشمس في الفضاء، فيمّحي رسمها من صحيفة الأدهار.
ودّعنا القرن التاسع عشر، كما يودِّع المرءُ يومه عند انقضائه، وقد تذكّر ما لقي بين صباحه ومسائه، وما تقلّب عليْه بين حاليْ كَدَرِهِ وصفائه. ثمّ استشفّ ـ من خلال يومه المقبل ـ وميضَ صباح الغد، باسماً عن ثغور الآمال، مبشِّراً بما فاته في يومه من الغبطة ونعمة البال، فبات يَعِد نفسه المواعيد، ويرى كلَّ بعيد من الأوطار أقربَ إليه من حبلِ الوريد. وقد ذُهِل أكثرُنا عن أنه يُودِّع شطراً من دهره، وقد يكون من بعضنا أطيب شطريْعمره، فإذا التفت إلى خلفه، رأى خيال نشأته وشبابه، وتمثَّلت له أوقات لذته ومجالس أترابه، والصفحة التي ارتسم عليها تأريخ ميلاده، ودُوِّن فيها تذكار أبهج أعياده، فحنَّ إلى أيامه السوابق حنين المحب المفارق، وقد حيل بينه وبينها، وطُويت عليها صفحة الفناء، وخُتِم عليها بطابع الأبد، فهي هناك إلى يوم اللقاء.
نحن اليوم بين فصلين من مُصحف تأريخ الدهور، وقد قرأنا الأول حرفاً حرفاً، واستقريْنا ما فيه من السطور، والثاني مطويٌّ عنّا، نشتغل بهجاء الحرف الأول من عنوانه، ولا ندري ما خطّ فيه قلم الغيب، من غرائب حدثانه، فندع التكهُّن عليه لخرّاصي السياسة، وأصحاب الجفر والكواكب، ونعود إلى تصفُّح ما مر بنا من صحف القرن الذّاهب، وما سُطِّر فيها من البدائع والغرائب؛ فلا جرْم أنه كان من أعظم القرون آثاراً، وأجلَّها شأناً وأسرفها تذكاراً. بل القرن الذي لم يمر بالأرض مثله، من يوم تحرَّكت على محورها فنشأ الليل والنهار، ومنذ دارت حول الشمس فتتابعت السنون والأعصار، فهو على الحقيقة بكرُ الزمن، وإن كان آخر ما مرَّ بنا من أعقابه، ومُجدِّد شباب الدهر بعد الهرم. لا بل هو عين شبابه، ففيه أخذت الدنيا كمال زخارفها، وبرزت الحضارة في أبهى مطارفها، وانتشر العلم في الأرض انتشار نور النهار، فانبسطت أشعته على كلِّ قصيٍّ من الأقطار، وتجلّى به كل مكنون من الحقائق والآثارـ وأصبح الإنسانُ خِدْنَ الطبيعة، وقد حسرت له من نِقابها، وألقت إليهِ مقاليدَ جوِّها وتُرابِها، بل استسْلمت إليه بجملتها حتى كان من أربابها، فبرز في حدٍّ جديد غير ما عرّفه به حكماء الدهر السابق. وأدرك بسطةً من العرفان، يضيقُ بها نطاق تعريفه بالحيوان الناطق، فهو اليوم الحيوان المكتشف المخترع، المتفنن المبتدع، الطيّار على مناكب الهواء، الماشي على صفحات الماء، الذي زوى أطراف الأرض فهي بين يديْه قيْد ميلٍ أو شبْر، وطوى مسافاتها حتى كأنما يُسافر فيها على أجنحة الفكر، وقبض على عنان البرق فجعله رسول خواطره، يُسيِّره في البلاد، وساح بين الكواكب فأدرك حركاتها وطبائعها وقاسَ ما بيْنَها من الأبْعاد، وخلق لنفسه حواسَّ لم تكنْ مما عهده أسلافه من قبل، فأبصر من الخفايا ما لا تُذكر في جنبه مدارج النمل، وسمع من الأصوات ما لا يُقاس بخفائه صوتُ الكُحل، بل خرق الحجب ببصره فتخلّل ما بين دقائق الأجسام، واستبطن الضلوع والأحشاء، وسافر بين الجلود والعظام، بل تسلّل إلى باطن الدماغ، فاسترق السمع على ما يتناجى هناك من الخواطر والأوهام.
هذا هو إنسان القرن التاسع عشر، وما ذكرنا من صفته إلا مبلغ ما يتناوله الرمز ويسعه الإيماء، ولو شئنا الإفاضة في أيسر تلك المعاني، لكان غاية ما ننتهي إليه العجز والإعياء، فما عسى أن نعدد من تلك العجائب الباهرات، مما لو وُجِد أقله في الزمن الغابر لاعتقد ضرباً من السحر، أو انتُحلت به الكرامات والمعجزات. وحسبك من يُلقِّن الجماد فينطق لا كما نطق الببغاء، ومن يُسمعك كلام الغابرين فتعرفُه بنغمته وقائلُهُ في قبضة الفناء، ومن يُريك الهواء ماءً سائلاً، ثم يُريكه جمداً معقوداً، ومن يُسخِّر السحاب فيمطر في معمعان القيظ ماءاً بروداً، ويصرفه متى شاء فيبدِّد ما فيه من الصواعق تبديداً، إلى غير ذلك مما يطول الكلامُ في استقصائه، ويضيق هذا المقامُ عن إحصائه.
وهنا قد يعرض للمتأمل أن ينظر، أين كان موضع كل أمة من القرن التاسع عشر، وما الذي اكتسب الشرقيُّ فيه من المآثر، وما خلّف فيه من الأثر. فلا جرْمَ أن أهل القرن الواحد، وإن شاع بينهم فتنازعوا أيّامَه على السواء، وكانت عناصر الحياة مقتسَمة بينهم على غير أثرة ولا استثناء، فهيهات أن تستوي نسبةُ كل منهم إليه، فيقفوا فيه مواقف الأكفاء. وإنما الذي يتساوون فيه شمسُه وهواؤه، وتربته وماؤه، وبقي وراء ذلك فضل المدارك والهمم، والأعمال التي تتفاوت بها طبقات الأمم، وتتفاضل باعتبارها الأقدار والقيم. فإذا كان القرن التاسع عشر هو الذي نشأت فيه تلك العظائم، وأقام للحضارة هذا البناء الرفيع الدعائم؛ فهو من القرون التي ليس فيها للشرق ذكر يؤثر، ولا أثر يُذكر، ولا خرج الشرقي منه إلا بما احتُقب من ظلمات العصور الغوابر، وازداد عليه ما لحقه هذا العصر من الذل والمفاقر. فلا اختطّ لنفسه سبيلاً يبلغ به إلى مواطن الفلاح، ولا أقام له عزا يعصمه من تطاول الطامع والمجتاح، فضلاً عن أن يُنشئ لنفسه فخراً يُدوَّن في صحيفة الأحقاب، أو أثراً يرفع من بصر الذراري والأعقاب. ولكنَّ عصر الشرقي، إن نشط للجري في سبيل الأمم الراقية، والحصول على المجد الصّاعد والمفاخر الباقية.
هذا هو القرنُ الذي ابتدأناه عن أمم، إذا جعل رائده إلى ذلك صادق الهمم، ولم يتّكل في بلوغه على الأقدار والقسم. والله المسؤول أن يهدي خطواتنا إلى أقوم سبيل، بفضله تعالى وتسديده، إنه بالنجاح كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
...............................
* من كتاب "المنتخب من أدب المقالة" للدكتورين كمال اليازجي، وإميل المعلوف، دار العلم للملايين، د.ت. ، ص ص55-58.

د. حسين علي محمد
26-12-2007, 07:18 AM
(7) الضمير

بقلم: صطفى لطفي المنفلوطي
.....................................

أتدري ما هو الخلق عندي؟
هو شعور المرء أنه مسؤول أمام ضميره عما يجب أن يفعل.
لذلك لا أُسمِّي الكريم كريماً حتى تستوي عنده صدقة السر وصدقة العلانية، ولا العفيف عفيفا عندي حتى يعف في حالة الأمن كما يعف في حالة الخوف، ولا الصادق صادقاً حتى يصدق في أفعاله صدقه في أقواله، ولا الرحيم رحيماً حتى يبكي قلبُه قبلَ أن تبكيَ عيناه، ولا المتواضع متواضعاً حتى يكون رأيه في نفسه أقل من رأي الناس فيه.
التخلق غير الخلق، وأكثر الذين نسمِّيهم فاضلين متخلقين بخلق غير الفضيلة، لا فاضلون لأنمهم يلبسون هذا الثوب مصانعةً للناس، أو خوفاً منهم، أو طمعاً فيهم، فإن ارتقوا عن ذلك قليلاً لبسوه طمعاً في الجنة التي أعدّها الله للمحسنين، أو خوفاً من النار التي أعدّها الله للمسيئين.
أما الذي يفعل الحسنة لأنها حسنة، أو يتقي السيئة لأنها سيئة فذلك منْ لا نعرف له وجوداً، أو لا نعرف له مكاناً.
لا ينفع المرءَ أن يكون زاجره عن الشر خوفُه من عذاب النار، لأنه لا يعدم أن يجد بين الزعماء الدينيين من يلبس الشر لباس الخير فيمشي في طريق الرذيلة وهو يحسب أنه يمشي في طريق الفضيلة، أو خوفه من القانون، لأن القوانين شرائع سياسية وُضعت لحماية الحكومات لا لحماية الآداب، أو خوفه من الناس، لأن الناس لا ينفرون من الرذائل بل ينفرون مما يضرُّ بهم، رذائل كانت أم فضائل، وإنما ينفعه أن يكون ضميره هو قائده الذي يهتدي به، ومناره الذي يستنير بنوره في طريق حياته.
ومازالت الأخلاق بخير حتى خذلها الضمير وتخلّى عنها، وتولّت قيادتها العادات والمصطلحات، والقواعد والأنظمة، ففسد أمرها واضطرب حبلها، واستحالت إلى صور ورسوم وأكاذيب وألاعيب؛ فرأينا الحاكم الذي يقف بين يدي الله ليؤدِّي صلاتَه وأسواط جلاّديه تمزِّق على مرأى منه ومسمع جسم رجل مسكين لا ذنب له عنده إلا أن يملك صبابة من المال يُريد أن يسلبه إياها، والأمير الذي يتقرَّب إلى الله ببناء مسجد قد هدم في سبيله ألف بيت من بيوت المسلمين، والفقيه الذي يتورّع من تدخين غليونه في مجلس القرآن، ولا يتورَّع عن مخالفة القرآن نفسه من فاتحته إلى خاتمته، والغني الذي يسمع أنين جاره في جوف الليل من الجوع فلا يرق له ولا يحفل به، فإذا أصبح الصباح ذهب إلى ضريح من أضرحة الأولياء، ووضع في صندوق النذور بدرة من الذهب قد ينتفع بها من لا حاجة به إليها، والمومس التي تتصدّق بنفسها ليلة في كل عام على روح بعض الأولياء، وعندها أنها قد كفَّرت بذلك عن سيئاتها طول العام!
إلى كثير من هذه النقائص التي يزعم أصحابها ويزعم لهم كثير من الناس أنهم من ذوي الأخلاق الفاضلة والسيرة المستقيمة.
الخلق هو الدمعة التي تترقرق في عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر البؤس، أو مشهد من مشاهد الشقاء.
هو القلق الذي يُساور قلب الكريم ويحول بين جفنيه والاغتماض كلما ذكر أنه ردَّ سائلاً محتاجاً، أو أساء إلى ضعيف مسكين.
هو الحمرة التي تلبس وجه الحي خجلا من الطارق المنتاب الذي لا يستطيع رده، ولا يستطيع مدّ المعونة إليه.
هو اللجاجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة ربما دفعته إليها ضرورة من ضرورات الحياة.
هو الشرر الذي ينبعث من عيني الغيور حينما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو بكرامته.
هو الصرخة التي يصرخها الأبي في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه، أو ممالأة عدوِّه.
الخلق هو أداء الواجب لذاته، بقطع النظر عما يترتّب عليه من النتائج، فمن أراد أن يُعلِّم الناس مكارم الأخلاق فليُحي ضمائرَهم، وليبثَّ في نفوسهم الشعور بحب الفضيلة، والنفور من الرذيلة بأية وسيلة شاء، ومن أي طريق أراد، فليست الفضيلة طائفة من المحفوظات تُحشى بها الأذهان، بل ملكات تصدر عنها آثارُها صدور الشعاع عن الكوكب، والأريج عن الزهر.
.............................
*مصطفى لطفي المنفلوطي: النظرات (ج3)، دار الجيل، بيروت، 1984م، ص ص159-162.

د. حسين علي محمد
26-12-2007, 07:20 AM
( 8 ) السنهوري والدين والدولة

بقلم: د. محمد عمارة
............................

كل الناس يعرفون عن الدكتور عبد الرازق السنهوري باشا (1313-1391 هـ 1895-1971م) أنه الذي تفرد ـ عالميا ـ بوضع القانون المدني وشرحه ..وأنه واضع الأسس القانونية والدستورية الحديثة للعديد من الدول العربية ـ مصر ـ العراق ـ سوريا ـ الكويت ـ الإمارات ـ ليبيا ـ السوادن ..إلخ ..إلخ ..

لكن القليلين هم الذين يعرفون الوجه الإسلامي للسنهوري ..ذلك الوجه الذي جعل أساتذته الفرنسيين بباريس في عشرينيات القرن العشرين ـ إبان دراسته للدكتوراه ـ يطلقون عليه لقب "الإمام الخامس" لمكانته في الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية ونظم الحكم الإسلامية !..
ولأن السنهوري قد عاصر إسقاط أتاتورك (1881-1938م) للخلافة الإسلامية سنة 1924م وشهد الاستقطاب الحاد بين المتغربين أعداء الخلافة وبين التقليدين المتعلقين "بشكل" الخلافة ـ فلقد قدم ـ لبعث الخلافة وإحيائها تصورا دستوريا يراعي المستجدات الوطنية والقومية في الواقع الإسلامي، ويحافظ على مقاصد الخلافة، كنظام سياسي متميز عن نظم الحكم الأخرى .. وفي هذا المقام كتب السنهوري فقال:
"إن حكومة الخلافة ـ السلطة التنفيذية في الإسلام ـ هي حكومة خاصة، تمتاز عن سائر الحكومات بالمزايا الآتية :
أولا: أن الخليفة ليس حاكما مدنيا فحسب، هو أيضا الرئيس الديني للمسلمين..ولا يتوهم أن الخليفة سلطة روحية شبيهة بما ينسبه النصارى للبابا في روما، فالخليفة لا يملك شيئا من دون الله ، ولا يحرم من الجنة ، وليس له شفاعة ، يستغفر بها للمذنبين ، وهو عبد من عباد الله لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، ولي أمور المسلمين في حدود معينة .

ويعني أنه الرئيس الديني للمسلمين، هو أن هناك مشاعر عامة يقوم بها المسلمون جماعة ـ كصلاة الجماعة، والحج ـ وهذه لا تتم إلا بإمام، هو الخليفة، لذلك نطلق كلمة الإمام خاصة على الخليفة إذا ولي اختصاصاته الدينية ، ونطلق عليه لقب أمير المؤمنين إذا ولى اختصاصاته المدنية .

ثانيا: أن الخليفة في استعمال سلطته التنفيذية يجب عليه أن يطبق أحكام الشريعة الغراء وليس معنى هذا أنه ملزم بالسير على مذهب خاص من المذاهب المعروفة، فله ـ بل عليه ـ وهو مجتهد، أن يراعي ظروف الزمان والمكان ، وأن يطلب من المجتهدين أن تجتمع كلمتهم عل ما فيه المصلحة لهذه الأئمة ، ولو خالف ذلك كل المذاهب المدونة في الكتب ومعلوم أن إجماع المجتهدين مصدر من مصادر التشريع .

ثالثا: أن سلطات الخليفة يجب أن تنبسط على جميع العالم الإسلامي، فوحدة الإسلام حجر أساسي في الدولة الإسلامية ، ووحدة الإسلام تستتبع وحدة الخليفة و يجب أن يكون على رأس الإسلام خليفة واحد ، وهذه هي الخلافة الكاملة. ولكن الظروف قد تلجئ المسلمين ـ وقد تمزقت وحدتهم ـ أن ينقسموا أمما ، لكل أمة حكومتها ، فيجوز تعدد الخليقة للضرورة لكن الخلافة هنا تكون خلافة غير كاملة .

على أن الخلافة الكاملة يمكن تحقيقها إذا اجتمعت كلمة المسلمين، لا على أن تكون لهم حكومة مركزية واحدة، فذلك قد يصبح مستحيلا، بل يكفي على ما أرى أن تتقارب حكومات الإسلام المختلفة وأن تتفاهم، بحيث تتكون متها هيئة واحدة شبيهة "بعصبة أمم إسلامية" تكون على رأس الحكومات، وتكون هي هيئة الخلافة، ولا سيما إذا ألحق بهذه الهيئة مجلس مستقل منها ، يكون قاصرا على النظر في الشئون الدينية للمسلمين "
نعم..لقد كتب السنهوري باشا اجتهاده هذا سنة 1929 في دراسته عن (الدين والدولة في الإسلام)..أي قبل أربعين عاما من قيام "منظمة المؤتمر الإسلامي..التي إذا طورت وبعثت فيها الروح يمكن أن تكون الصورة العصرية لعصبة الأمم الإسلامية، التي دعا إليها السنهوري..والتي تمثل "النظام السياسي الجديد " المحقق لمقاصد الخلافة الإسلامية: وحدة الأمة..وتكامل دار الإسلام..وسيادة الشريعة الإسلامية في عالم الإسلام.
.................................................. ...
*المصريون ـ في ٣ ديسمبر ٢٠٠٧م.

أحمد السلاموني
29-05-2008, 02:37 AM
الشاعر الرهيف والناقد الحصيف الأخ العزيز : الأستاذ الدكتور حسين ، لقد ذكرتنى باللقاءات والأمسيات الجميلة التى كنا نستمتع فيها بآرائك وإبداعاتك الجميلة فى اتحاد الكتاب ، وأحييك على أمرين : الأمر الأول على انتقاء موضوعاتك التى تحتوى على قيمة فنية عظيمة تفيد المبدع والناقد والقارئ ، والأمر الثانى لأنها تتضمن نصائح للمبدع لتهذيب للتسامى بنفسه وشخصيته فى سماء الإبداع ، وقبول النقد ، وأن يتخذه وسائل تعضيد لشخصيته المبدعة ، وليس النقد بمعول هدم ، إلا لو كدر نفس الناقد سخيمة أو موجدة ، وإذا كانت شخصية المبدع ضعيفة لا يتمكن من أدواته . وتقبل موفور مودتى وتقديرى ، دمت مبدعا جميلا وغواصا فى بحور الشعر وقيعان الأدب والمعرفة ، لتأتى إلينا بدررك الغالية . وإلى لقاء قريب.
أحمد السلامونى

د. حسين علي محمد
31-05-2008, 01:28 AM
شُكراً للأديب الصديق الأستاذ أحمد السلاموني،
مع تحياتي وموداتي،
ودمت واسلم لأخيك:
حسين علي محمد

د. حسين علي محمد
31-05-2008, 01:31 AM
( 9 )الرومانسية

بقلــــم: د. شلتاغ عبود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهي وليدة الثورة على القيم الكلاسيكية في أوربا في مجالات السياسة والاجتماع والفكر، وذلك في الربع الأخير من القرن الثامن عشر. وهي مدينة إلى أفكار (جان جاك روسو) في فرنسا التي مهدت للثورة الفرنسية عام 1789، وجسدت القيم الليبرالية أو النزعة التحررية في مجالات الحياة كافة.
فلقد سيطرت الملكية والأقطاع والكنيسة على أوروبا لفترة طويلة، وأخضعت الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية إلى قيود وضوابط كان الإنسان ينوء بحملها، ولكنه لم يعد قادراً على تحملها في القرن الثامن عشر بما عج فيه من أفكار واكتشافات وتوجيهات وطنية وقومية.
ولقد كان للتوجيهات الفلسفية الجديدة في هذا القرن أثر في الابتعاد عن الكلاسيكية وسماتها. فإذا كانت فلسفة (ديكارت) العقلية وراء ترسيخ الضوابط الكلاسيكية، فإن لفلسفة (كانت 1724 ـ 1800) أثرها في توجيه الفكر الأدبي والنقدي نحو التعبيرية، فقد كان ((يرى بأن طريق المعرفة الحقيقية هو الشعر))، وجاء بعده هيكل (1770 ـ 1813) الذي عمق من التأكيد على الذات الإنسانية واعتبر الإيمان بالعالم الخارجي متوقفاً على هذه الذات. وما دامت الذوات تتغير، فإن كلا منها يخلق العالم على صورة خاصة. وهذا يعني أن الذاتي يخلق الموضوعي، وأن العالم الداخلي للذات العارفة هو أساس صورة العالم الخارجي لديهما. وما دام الأمر كذلك، فلابد أن يقوم الشعور والوجدان والعاطفة على العقل والخبرة والتجربة.
ومن أسباب ظهور الرومانسية اكتشاف شكبير وتأثير أدبه الذي لم يتقيد بالوحدات الثلاث (وحدة الزمان والمكان والحدث) ولم يلتزم بمبدأ الفصل بين الأنواع التي كان اليونانيون والكلاسيكيون الجدد يتقيدون بها، بالإضافة إلى ما في أبده من قدرة على التحليل ووصف العواطف الإنسانية والأخلاق البشرية.
وبما أن المتطلعين إلى التجديد كانوا يضيقون بالقواعد الكلاسيكية فإنهم أعجبوا بمسرحيات شكبير وفضلوها على المسرحيات الكلاسيكية المتأثرة بالمسرحيات اليونانية ومن أولئك فيكتور هوجو أحد رواد الرومانسية الفرنسية الذي قام بترجمة مسرحيات شكبير إلى الفرنسية ودراستها دراسة متمعنة، مستنبطاً ما فيها من خصائص، ومتخذاً منها سلاحاً ضد الكلاسيكية وقواعدها.
وعلى الرغم من أن الفرنسيين كانوا السباقين لاكتشاف شكبير فإن الألمان كانوا أشد إعجاباً به واستفادة من آرائه.
ومما كان له أثر، كذلك، في التوجيه الرومانسي الأوربي تلك الرحلات والأسفار إلى عالم الشرق الساحر حيث أطلق خيال الأوربيين في الحلم بحياة خير من حياتهم المادية. فلقد كتب الرحالة عن حكمة المصريين ووصفوا سحر بغداد، كما جسدته حكايات ألف ليلة وليلة، ووصفوا الهند، بما فيها من عادات وتقاليد غربية.
ولقد كان لفشل نابليون وهزيمته في معركة (واترلو) عام 1815 أثراً بارزاً في تأجيج الروح الرومانسية، وطبعها بطابع الحزن واليأس والتشاؤم، وذلك لأن الفرنسيين الذين حسبوا أنهم أصبحوا حملة لراية الحرية، وصاروا يحلمون بأنهم سيقودون العالم، ويملكون فجاج الأرض، انتهوا إلى هزيمة منكرة، ووقعوا في قبضة أعدائهم.
ونستطيع أن نتعرف على ملامح هذا المذهب من خلال موقف شعرائهم من هذه القضايا الموضوعية:
1 ـ الدين: يلاحظ القارئ لأشعار الرومانسيين أنهم أكثر ميلاً إلى الدين من المذهب الكلاسيكي السابق، وهذا ما ينسجم وطابع التوجه العاطفي لديهم، فقد شدهم عالم الروح وغموضهِ وأسرارهِ. وربما يكون هذا الميل نتيجة لطغيان التوجه المادي في الحياة الأوربية. ولكن هذا لا يعني أنهم جعلوا من نتاجاتهم محتوى للأفكار الدينية، أو دعوا إلى هذه الأفكار بطريقة وعظية، بل إن شعرهم يعبر عن حاجة الإنسان إلى العقيدة الروحية (ولكنها عقيدة حرة منبعها القلب، ولا تلتزم حرفياً اتباع دين من الأديان السماوية) وربما وجدت لدى بعضهم شطحات صوفية غريبة، وربما صاحب أشعارهم كثير من الشك والقلق وعدم الاطمئنان.
2 ـ الطبيعة: مثل الميل إلى الطبيعة لدى الرومانسيين مرحلة حضارية جسدتها فكرة الثورة على القيود والتقاليد والظلم، وذلك منذ أن دعا جان جاك روسو إلى أن يتعلم الإنسان من الطبيعة مباشرة، وليس مما اعتاده الناس من مواصفات. ومنذ ذلك الحين صار التوجه إلى الطبيعة يمثل ميلاً إلى الفطرة والنقاء والحرية. وقد عرف عن الرومانتيكيين حبهم للوحدة، ورغبتهم في ترك المدن والفرار إلى الطبيعة بما فيها من حقول وبحار وجبال، بعيداً عن مشكلات المجتمع وهمومه وحروبه.
وفي الغالب فإنهم يتناولون من الطبيعة مناظرها الكئيبة التي تتلاءم مع أحاسيسهم ومع حالاتهم كالعواصف والقمر الشاحب والليالي المظلمة، والأمواج الهائجة، ويصفون سقوط أوراق الأشجار، وتلبد السماء بالغيوم والضباب، وتساقط الثلوج، ويتحدثون عن الذبول والفناء من خلال مشاهد الخريف خاصة.
والرومانسيون لا يحبون الطبيعة فحسب، بل يعدونها صديقة لهم تشاركهم مشاركة روحية وقلبية، وربما ارتفع هذا الحب إلى درجة التقديس، وربما صار مجلى لعظمة الله الذي أبدعها.
3 ـ الحب والمرأة: تختلف نظرة الرومانسيين للحب والمرأة عن سابقيهم الكلاسيكيين الذين كانوا يصدرون عن طابع العقل، فينظرون إلى الحب على أنه نوع من الهوى، فكانوا قليلاً ما يتحدثون عن ذواتهم وتجاربهم الخاصة.
أما الرومانسيون فقد قادهم التوجه العاطفي إلى النظرة إلى الحب على أنه عاطفة ملهمة وفضيلة كبرى. وقد ارتفعوا بالحب إلى درجة التقديس والعبادة وارتفعوا به عن النزوات والدوافع الحسية.
ونتيجة لهذا ارتفعت مكانة المرأة لديهم فصارت ملاكاً نزل من السماء لينقي النفوس ويطهرها، ويقربها إلى الله، ولكن هذا كان يقترن في بعض الأحيان بالنظر إليها إلى أنها شيطان غاو وكائن خائن، خاصة لدى الشعراء الذين فشلوا في حبهم أو هجرتهم نساؤهم، أو خانتهم حبيباتهم.
وإذا ما أضفنا إلى هذه المواقف خصائصهم الفنية التي اقتربت اللغة فيها إلى لغة الحياة اليومية، وابتعدت عن اللغة التي تستوحي عالمها من الأدب القديم ومفرداته. ولا عجب فاشتقاق الرومانسية جاء من كلمة (Romnius) التي أطلقت على اللغات واللهجات الشعبية التي تفرعت من اللغة اللاتينية. ثم هي تستقي مفرداتها من عوالم الطبيعة والروح والموسيقى والحب، وهي عوالم تجنح باللغة إلى الرقة والهمس بعيداً عن الجهرية والخطابة القديمة.
أما صورهم فهي صور الخيال الجامع، والعالم المجهول، والعلاقات الشفيفة بين الأشياء وسيطرة العاطفة على هذا الخيال، وقيادتها له. وربما صاحب هذا ميل إلى الرموز والأساطير، وهذا الميل سيفضي إلى مذهبية واضحة المعالم كما سنشهد لدى المدرسة الرمزية.
وخلاصة الأمر في سمات الرومانسية أنها تعبير عن ذات الأديب ونوازعه، وليس محاكاة لعالم المثل، أو عالم الطبيعة، كما هو الحال في نظرية المحاكاة اليونانية، بل هي ليست تعبيراً عن المجتمع وقوانينه، كما هو الحال في نظرية الانعكاس في المذهب الواقعي .. ولهذا سمي المذهب الرومانسي بالمذهب التعبيري. ويراد به التعبير عن عواطف الأديب وعوالمه الذاتية.
وقد أشرنا إلى أن التعبير عن الذات لدى الرومانسيين كثيراً ما كانت ترافقه الشكوى والإحساس بالألم والتبرم من الحياة وقوانين المجتمع وظلمه، ولذلك جاءت نتاجاتهم طافحة بالأحزان متلفعة بالتشاؤم لائذة بالهروب أما إلى الطبيعة أو إلى عوالم الروح أو إلى الماضي بذكرياته المرة والحلوة أحياناً.
وهذه المعالم الرومانسية الأوربية نجد لها بعض الملامح في شعرنا العربي القديم، ولكنها لم تتخذ طابعاً مذهبياً تتجسد فيه النسب الفنية الرومانسية بدرجة عالية إلا في العصر الحديث، وفي الرابع الأول من القرن العشرين خاصة. وذلك للاتصال المباشر بين حياتنا الثقافية والثقافة الأوربية عن طريق الصحافة والكتاب والسفر بل والمناهج المدرسية الحديثة في الأقطار العربية.
ولا أخطئ إذا قلت إن (هازلت) هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد، لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون وأغراض الكتابة.
كان المؤثر الخارجي الأوروبي من أبرز المؤثرات في نشأة الرومانسية في الأدب العربي الحديث. ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد، وهو من أبرز أعمدة هذا الاتجاه: ((فالجيل الناشئ بعد شوقي وليد مدرسة لا شبه بينها وبين مَن سبقها من تاريخ الأدب العربي. فهي مدرسة أوغلت في القراءة، ولم تقتصر قراءتها على أطراف الأدب الفرنسي، كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر ... ولعلها استفادت من النقد الانجليزي فوق فائدتها من الشعر وفنون الكتابة الأخرى مدرسة الرومانسية الآخرين مثل المازني وعبدالرحمن شكري. أما شعراء المهجر الشمالي والجنوبي فواضح أثر الشعر الأمريكي والانجليزي في آثارهم. وامتد هذا التأثير الثقافي في الجيل التالي لهم من الشباب من جماعة أبولو مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه والمهندس وأبي القاسم الشابي وغيرهم.
ولكن هذا التأثير الخارجي لم يكن ليجد طريقه سهلاً في النفوس لولا الظروف المحلية التي كانت مهيأة في البيئة العربية آنذاك لاستقبال هذا النوع من الأدب والكتابة على هداه. ولعل من أبرز هذه الظروف ذلك الحزن الذي تولد نتيجة للإحباط بعد فشل الثورات التي قاومت الاحتلال في مشرق العالم العربي ومغربه، بالإضافة إلى الظلم والقهر الذي مارسته السلطات الوطنية التي ورثت الحكم من الاحتلال الأجنبي، بطريقة يعرفها رجال السياسة ولعبة الحكم. ولهذا نمت نبتة الحزن والتشاؤم واليأس في البيئة العربية، وتغذت حين وجدت ما يشبهها في الآداب الأوروبية في بدايات القرن العشرين عندنا أن يقلدوا المذاهب الأدبية الأخرى التي كانت سائدة في القرن العشرين، ولكنها لم تكن تتسق وهواهم ومواجدهم الحزينة.
ومع هذا التأثير الواضح الذي لا يمكن انكاره بحال، فإن الرومانسية في الأدب العربي الحديث لها طابعها وسماتها المتصلة بواقعنا السياسي والحضاري. يقول الدكتور حلمي علي مرزوق: ((حتى أولئك الذين سلكوا مسلك الرومانتيكيين من شعرائنا المحدثين، وبرزوا برؤيتهم الجديدة بروزاً غير منكور، تحس ي شعرهم شيئاً كاللاشعور من معاناة الكبح أو الحذر الخفي أن يشتط بهم الخيال. وهذا الشابي ثار بنفسه وثار بالحياة الاجتماعية، كما ثار بالأرض والسماء، إلا أنه يعود آخر الأمر فيفزع إلى الله بالتوبة والاستغفار. ولعل في ذلك كله تفسيراً لما آل إليه أمر الرومانتيكية في مصر وعامة العالم العربي، لأنها لم تنجح قط في فلسفتها بقدر ما نجحت في تلخيص الأدب العربي الحديث في آفاق الشكل والقوالب الشعرية التي مات فيها الإحساس، كما صرفته عن الغلو في التجديد .. )).
وبسبب من هذا تجد الدكتور عبدالقادر القط يسمي هذا الاتجاه في أدبنا بـ (الاتجاه الوجداني) تميزاً له عن خصوصيات الرومانسية الغربية وارتباطها بالتيارات الفكرية والفلسفية. ولعل من آيات الملامح الخاصة بأدبنا ذلك التيار من التفاؤل والثورة والتمرد الذي انتهى إلى الواقعية والارتباط بظروفنا الاجتماعية والسياسية، كما سنلاحظ.
ومن الجدير بالذكر أن شعراء الاتجاه الوجداني لدينا ليسوا كلهم سواء في درجة تأثيرهم بالرومانسية الغربية، أو تمثلهم لخصائصها. فمن المعروف أن هذا الاتجاه مثلته ثلاث مدارس هي مدرسة الديوان ومدرسة المهجر ومدرسة أبولو التي مثلت قمة ما وصل إليه هذا الاتجاه في أدبنا.
وبما أن صدر هذه الصفحات لا يتسع لذكر قصائد كاملة، فإننا سوف نكتفي بالتمثيل لبعض النصوص الدالة على خصائص هذا الاتجاه.
يقول أبوالقاسم الشابي:
ها أنا ذاهب إلى الغاب يا شعبي
لأقضي الحياة وحدي بيأسي
ها أنا ذاهب إلى الغاب على
في صميم الغابات أدفن بؤسي
ثم أنساك ما استطعت فما أنت
بأهل لخمرتي ولكأسي
سوف أتلو على الطيور أناشيدي
وأفضي لها بأحزان نفسي
فهي تدري معنى الحياة وتدري
إن مجد النفوس يقظة حسي
ثم تحت الصنوبر الناضر الحلو
تحط السيول حفرة رمسي
وتظل الطيور تغلو على قبري
ويشدو النسيم فوقي بهمس
وتظل الفصول تمشي حوالي
كما كن في غضارة أمسي
فهو يهرب من الواقع الذي لا ينسجم ومثله وطموحاته، ويثور على المجتمع، ولكنها ثورة سلبية، ولهذا تراه يرتاح إلى العيش في الغاب بعيداً عن الظلم الاجتماعي. تطلعاً إلى الحرية والبراءة، وبحثاً عن القيم المفقودة في المجتمع. بل تشنيعاً بالبشر الذين لا يقدرون قيمة الشاعر ذي القلب النبوي، والروح العبقري.
إنه ارتياح إلى الطبيعة في هذه الحياة، وما بعدها، حيث تظل رموز هذه الطبيعة من الصنوبر والسيول والطيور والنسيم، بل الفصول كلها تغني لهذا الزائر الذي أحبها وأفنى حياته فيها.
ومن شعر الطبيعة إلى الحب والمرأة التي صارت لدى الرومانسيين مثالاً يطمح كل شاعر أن يحظى بعناقه في عالم الواقع، ولكنه يعز ويصبح بعيد المنال، فيزدادون تشوفاً إليه وتحرقاً، وينظرون إليه نظرة تقديس وتهيب وجلالة، حتى لتراهم يتحدثون عن المحبوب وكأنهم في محاريب عبادة وتبتل. ولهذا شاع في قاموسهم الشعري هذا السيل من الألفاظ الدينية ذات الدلالات الموحية، مثل: الصلاة، والوحي، والمحراب، والكعبة، والهدى, والنور ... تلاحظ هذا بشكل خاص في شعر إبراهيم ناجي، فهو يتطهر بالحب ويسمو به حتى يصبح روحاً شفافة لا تنتمي إلى عالم المادة والطين، يتجاوز خطايا الناس ويغفر لهم زلاتهم معه، لأنه تجاوز عالمهم الحسي المحدود إلى عوالم أوسع وأرحب بفضل هذا الحب الكبير:
سنانك صلاة أحلامي
وهذا الركن محرابي
به ألقيت آلامي
وفيه طرحت أوصابي
هوى كالسحر صيرني
أرى بقريحة الشحب
وطهرني وبصرني
ومزق مغلق الحجب
سموت كأنما أمضي
إلى رب يناديني
فلا قلبي من الأرض
ولا جسدي من الطين
سموت ودق إحساسي
وجزت عوالم البشر
نسيت صغائر الناس
غفرت إساءة القدر
بهذه اللغة الشفيفة، وهذه الصورة الموحية المكثفة المرتبطة بالنفس، وهذه الموسيقى المتلونة الهامسة. ولا أظن إننا بهذا النص أو بغيره نستطيع أن نرصد الخصائص المعنوية والفنية لهذه المدرسة، فالعودة تكون، إذاً، لدواوين الشعراء أنفسهم، وللدراسات التي كتب عنهم.

د. حسين علي محمد
31-05-2008, 01:34 AM
( 10) رؤى آخـر الزمــان فـي إســرائيل

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
...........................

(1)‏
من مفارقات الأقدار وسخرياتها أنه في حين عبر الرئيس بوش عن انبهاره بإسرائيل ومستقبلها‏'‏ الزاهر‏',‏ فإن عددا غير قليل من المثقفين الإسرائيليين خالفوه في الرأي‏,‏ معتبرين أنهم يعيشون في بلد لا مستقبل له‏.‏
لا تزال أصداء الصدمة تتردد في العالم العربي منذ ألقي الرئيس بوش خطابه أمام الكنيست في مناسبة احتفال إسرائيل بالذكري الستين لتأسيسها‏,‏ لأنه أفرط في التعبير عن انبهاره وتعلقه بنموذج الدولة في إسرائيل‏.‏ و هو ما لم يتوقعه الذين راهنوا علي الرجل وإدارته‏,‏ وأحسنوا الظن بهما‏.‏ ذلك أن الرئيس بوش لم يستطع أن يخفي مشاعره حين وقف أمام الكنيست‏,‏ ففتح قلبه وصارح الجميع بالحقيقة التي التبس أمرها علي كثيرين من العرب والفلسطينيين‏.‏ فلم يتحدث فقط كواحد من غلاة الإنجيليين الذي يعتبرون أن إقامة إسرائيل جاءت تحقيقا للوعد الذي منح لشعب الله المختار‏,‏ ولكنه استخدم أيضا لغة عتاة الصهاينة الذين يعتبرون الحاصل في فلسطين صراعا بين الخير والشر‏ (الذي يمثله العرب أجمعين بطبيعة الحال‏),‏ ثم مضي يكيل المديح لنموذج الدولة الإسرائيلية التي قال أنها حاربت بشراسة من أجل العدالة والكرامة الإنسانية والحرية‏,‏ حتى أصبحت بعد ستة عقود ‏'نوراً للأمم‏',‏ وحين تحتفل بذكري تأسيسها المائة والعشرين‏ (بعد ستين عاما أخرى‏)‏ ستكون واحدة من أعظم الديمقراطيات كأرض آمنة ومزدهرة للشعب اليهودي‏..‏الخ‏.‏
‏(2)‏
الفرقعة التي أحدثها خطاب الرئيس بوش تمت وسط أجواء من الجدل المتسم بالتشاؤم بين المثقفين الإسرائيليين الذين أدركوا أن بلدهم بوضعها الراهن الذي بهر الرئيس الأمريكي ليست مرشحة للاستمرار‏.‏ فابراهام بورج رئيس البرلمان الأسبق الذي اعتزل الحياة السياسية في عام ‏2004م‏ وصف إسرائيل بأنها ‏'دولة فاشية واستعمارية تقودها زمرة لا أخلاقية من الفاسدين الخارجين علي القانون‏'.‏ وقال كلامه هذا في حوار أجرته معه صحيفة «يديعوت أحرنوت‏»,‏ عقب إصدار كتابه «الانتصار علي هتلر»,‏ الذي ذهب فيه إلي أن إسرائيل تسير علي خطي هتلر‏,‏ وأنها تنتظر المصير ذاته‏,‏ طالما ظلت متمسكة بالصهيونية ومعتمدة علي السيف والعنف في إخضاع الفلسطينيين وسحقهم‏.‏
كتاب بورج ليس وحيدا في بابه‏,‏ ولكن عددا آخر من الباحثين الإسرائيليين‏,‏ من سلالة حركة المؤرخين الجدد‏,‏ وجدوا أن مناسبة الذكري الستين تهيئ ظرفا مواتيا لفتح الملفات والحديث بصراحة عن‏ «اختراع‏» الشعب اليهودي من قلب الخرافات والأساطير التي حفلت بها التوراة‏.‏ وهو ما خلص إليه شلومو ساند الأستاذ بجامعة تل أبيب في كتابه‏ «كيف تم اختراع الشعب اليهودي‏:‏ من التوراة إلي الصهيونية»,‏ وما أيده كتاب‏ «كشف الغطاء عن التوراة‏»,‏ لمؤلفيه الأثريين إسرائيل فينكلشتاين وأشر وسيلبرمان‏.‏ في ذات الوقت كشف باحثون آخرون عن حقيقة الجرائم البشعة التي ارتكبتها الجماعات الصهيونية المسلحة للاستيلاء علي أراضي الفلسطينيين وطردهم‏,‏ خصوصا المذابح التي أدت إلي التطهير العرقي‏,‏ والتي تكذب الادعاءات التي روجتها الأبواق الإسرائيلية بأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم أو غادروا بلادهم باختيارهم‏.‏ وقد فضح هذه الجرائم إيلان بابي في كتابه‏ «التطهير العرقي لفلسطين‏»؛‏ الأمر الذي أحدث صدمة في المجتمع الإسرائيلي‏,‏ اضطرته للاستقالة من منصبه كأستاذ بجامعة حيفا‏,‏ والهرب إلي بريطانيا ليعمل في إحدى جامعاتها‏.
وجه إسرائيل القبيح وتاريخها الملطخ بالدم وبأشلاء الفلسطينيين الأبرياء‏,‏ الذي لم يره الرئيس بوش‏,‏ أبرزه أيضا آفي شلايم الأستاذ بمعهد سان أنطوني في أوكسفورد‏,‏ في كتابه‏ «الجدار الحديدي:‏ إسرائيل والعالم العربي»,‏ الذي هدم فيه أسطورة الدولة اليهودية التي تدعي أنها محبة للسلام‏,‏ ومحاطة بعالم عربي يريد القضاء عليها‏.‏
‏(3)‏
هذا الجدل احتل مكانة ملحوظة في الصحف العبرية‏,‏ فالبروفيسور امنون روبنشطاين الوزير الأسبق وأستاذ القانون بجامعة تل أبيب الذي تخصص في الكتابة عن مستقبل الدولة‏,‏ نشرت له هاآرتس حواراً في 14/‏4‏ الماضي‏,‏ قال فيه إن إسرائيل لا يمكنها البقاء بسبب نوعين من التهديد‏,‏ أحدهما خارجي يتمثل في فشلها في ردع العرب‏,‏ والثاني داخلي يمثله انتشار الفساد وتآكل ما يسميه «منظومة القيم الصهيونية‏» التي قامت عليها الدولة‏.‏ أضاف في هذا الصدد أنه علي الرغم من انتصارات إسرائيل في حروبها الكبيرة مع الدول العربية‏,‏ إلا أن هذه الانتصارات فشلت في اجتثاث الرغبة العربية في محاربة إسرائيل‏,‏ وفي رأيه أن ما يجعل الأمور أكثر تعقيدا هو‏ «أسلمة‏» الصراع‏,‏ واتخاذه بعدا دينيا‏,‏ الأمر الذي لا يزيد فقط رقعة العداء لإسرائيل‏,‏ بل يجعله أكثر تصميما‏,‏ واعتبر روبنشطاين أن إسرائيل قد تستيقظ في يوم ما وقد أحيطت بأنظمة حكم ذات توجه إسلامي‏,‏ لا ترفض وجود إسرائيل فحسب‏,‏ بل تتجند من أجل إزالتها‏.‏
في نفس الوقت‏,‏ فإن روبنشطاين رصد مظاهر تحلل منظومة‏ «القيم الصهيونية‏»,‏ مثل ميل الشباب الإسرائيلي لعدم التضحية من أجل الدولة والذي يعكسه تراجع الحماس في صفوفهم للانخراط في سلك الجندية‏,‏ و هي نقطة أيده فيها أيرز ايشل مدير مدرسة‏ «إعداد القادة»‏ في تل أبيب‏,‏ الذي قال في مقال نشرته صحيفة‏ «يديعوت أحرنوت » (3/4)‏ أن أحد مصادر هدم منظومة القيم هذه تتمثل في حقيقة أن قادة الدولة لم يعودوا مثالا يحتذي به الشباب الإسرائيلي‏.‏ إذ في الوقتِ الذي يصرخ قادة الدولة مهددين بشن مزيد من الحروب‏,‏ فإنهم يستثنون أبناءهم من تحمل عبء هذه الحروب‏,‏ ودلل علي ذلك بان ابني رئيس الوزراء الحالي إيهود أولمرت تهربا من الخدمة العسكرية بالسفر للخارج‏.‏
أيضا من رأي الجنرال شلومو جازيت الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية‏ «أمان‏» أن رفض إسرائيل التجاوب مع الرغبة العربية لحل الصراع يحمل في طياته دمار إسرائيل‏,‏ وشن جازيت في مقال نشرته «معاريف»‏ بتاريخ 9/‏4‏ انتقادا حادا علي المستشرق الأمريكي برنارد لويس الذي دعا إسرائيل لعدم التفاوض مع العرب‏,‏ معتبرا أن تخليد الوضع القائم هو الذي سيؤدي إلي تصفية إسرائيل‏,‏ ما لم توافق حتى علي هدنة طويلة المدى تتنازل مقابلها عن حدود العام ‏1967م.‏
ناحوم برنيع كبير المعلقين في صحيفة‏ «يديعوت أحرنوت‏»,‏ أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا‏,‏ الذي توقع فشل إسرائيل في حرب لبنان الثانية من أول يوم فيها‏,‏ قال أنه علي رغم أن إسرائيل اليوم قوية من ناحية عسكرية وذات منعة اقتصادية‏,‏ إلا أن الناس فيها يفقدون الثقة بمستقبلها وبقدرتها علي البقاء‏,‏ وروي في مقال نشره بتاريخ 19/4‏ حادثة طريفة وقعت مع الكاتب اليهودي الأمريكي جوردس فقال إنه ذهب إلي طبيب للحصول علي وصفة دواء طلب أخذها قبل السفر بالجو‏,‏ فسأله الطبيب‏: «بماذا تعمل؟‏».‏ فرد جوردس‏:‏ أنا كاتب‏.‏ عندئذ سأله‏:‏ ماذا تكتب؟‏.‏ قال‏:‏ حول مستقبل إسرائيل‏.‏ فضحك الطبيب‏,‏ وقال‏:‏ آه أفهم الآن‏,‏ أنت تكتب قصصا قصيرة‏!.‏ وعلق برنيع علي تلك الإجابة قائلا إنها تعكس المزاج العام في إسرائيل‏,‏ وهو مزاج الشعور بنهاية الزمان‏,‏ مع أنه لا يتحدث عنه أحد لكن الجميع يشعرون به‏,‏ إنه نوع من اليأس لا ينبع من الحرب التي كانت أو من الحرب التي قد تأتي‏,‏ بل من مصادر أعمق‏,‏ علي حد تعبيره‏.‏ وذكر إن مظاهر المنعة العسكرية والاقتصادية التي تتمتع بها إسرائيل مضللة‏.‏ مشيرا إلي أنه على الرغم من أن إسرائيل ذات اقتصاد مستقر‏,‏ وأسعار العقارات فيها تبلغ عنان السماء‏,‏ وجيشها قوي‏,‏ وجامعاتها ذات نوعية عالية‏,‏ ومع ذلك فهي تعجز عن توفير الأمن لليهود الذين يعيشون فيها‏,‏ وهي لا تعطيهم الحياة الطبيعية‏.‏ وذكر برنيع أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي مجرد وجودها لا يزال مثيرا للجدل‏,‏ في حين لا يشك أحد في العالم في حق الفلسطينيين في دولة‏.‏
‏(4)‏
لا يكتفي المفكرون والكتاب الصهاينة بالحديث عن تنبؤاتهم بالمستقبل المظلم لإسرائيل‏,‏ بل يعددون المظاهر التي تدعم هذه التنبؤات‏.‏ إفراهام تيروش سكرتير ثاني حكومة شكلها مناحيم بيجن يري في مقال نشرته «معاريف» بتاريخ 28‏/2 أن أوضح مظهر من مظاهر انهيار الفكرة الصهيونية هو قرار الوكالة اليهودية بالتوقف عن محاولة إقناع اليهود في أرجاء العالم بالهجرة إلي إسرائيل‏,‏ معتبرا أن هذا يدلل علي فشل الحركة الصهيونية في المحافظة علي قوة الدفع الخاصة بأفكارها‏.‏ ويؤكد أنه بالنسبة لليهود في أرجاء العالم‏,‏ فإنهم باتوا يرون أن مخاطر العيش في إسرائيل أكبر من مخاطر العناصر اللاسامية في الشتات‏.‏ ويشير تيروش إلى مظاهر انفضاض اليهود عن إسرائيل‏,‏ مستندا إلي نتائج دراسة أجريت في أوساط اليهود الأمريكيين دللت علي أن‏70%‏ منهم لم يزوروا إسرائيل ولا يعتزمون زيارتها‏;‏ و‏50%‏ من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجا مختلطا‏;‏ و‏50%‏ من الشباب اليهود هناك لا يهمهم إذا اختفت إسرائيل من الوجود‏.‏
رئيس الكنيست السابق روفي ريفلين‏,‏ القيادي البارز في حزب الليكود قدم مثالا آخر علي تغلغل اليأس في نفوس الإسرائيليين من مستقبل كيانهم‏,‏ والذي يعبر عنه سعي أعداد متزايدة من الإسرائيليين للحصول علي جوازات سفر أوروبية لاستخدامها في الفرار من الدولة عند الحاجة‏,‏ فيذكر في مقال نشرته صحيفة هآرتس‏ (14/4)‏ أن هذا السلوك لم يكن ليصدر عن هؤلاء الإسرائيليين لولا الشعور المتأصل في نفوسهم بأن الدولة في طريقها للتفكك والزوال‏,‏ ويجزم بأن ذلك سيؤدي إلي ظهور تباينات فكرية واجتماعية وسياسية بين الإسرائيليين الذين لا يمكنهم الحصول علي جوازات سفر أجنبية ولا يعرفون أن لهم ملاذا آخر‏,‏ وبين أولئك الذين يعتقدون أن لديهم خيارات أخرى‏.‏ مؤكدا أن هذه الظاهرة ستكون القوة التي ستنتج مظهرا آخر من مظاهر الانقسام في المجتمع‏.‏
وهناك من يرى أن عزوف اليهود عن الهجرة لإسرائيل يرجع لكفرهم بالأساطير التي تأسست عليها إسرائيل‏,‏ وفي مقال نشرته صحيفة‏ «هآرتس»‏ بتاريخ 22/3‏ قال يولي جولدشتاين من قادة الجالية اليهودية في كندا أن‏'‏ الأساطير‏'‏ التي كانت إسرائيل تحاول إقناع يهود العالم بها لم تعد تنطلي علي أحد سيما تصوير إسرائيل وكأنها‏'‏ الحصن الأخير في مواجهة الذين يكنون العداء لليهود‏'.‏ وأشار إلي حقيقة كون‏85%‏ من اليهود في مدينة ‏'مونتريال‏'‏ التي تضم أكبر تجمع يهودي في كندا قد هاجروا أصلا من إسرائيل التي بذلت جهدا كبيرا لإخراجهم من‏ 'الاتحاد السوفيتي‏',‏ لكنهم بعد أن عاشوا فيها قرروا تركها والتوجه لكندا‏,‏ ثم تساءل‏: 'هل هناك ثمة سبب للاعتقاد بأنهم سيفكرون الآن بالعودة إليها‏؟'.‏
أيا كانت الشواهد الدالة علي ما ينتظر إسرائيل في المستقبل‏,‏ فإننا لا ينبغي أن نراهن علي ذلك‏,‏ فنبقي علي أوضاعنا كما هي انتظارا لما تأتي به الأيام‏,‏ لأن تجميد الأوضاع العربية علي ضعفها هو الذي قد يطيل من عمر إسرائيل‏,‏ في حين أن الأخذ بأسباب القوة والمنعة وحده الذي يفقد إسرائيل أملها في بسط هيمنتها علي العالم العربي‏,‏ ومن ثم يعجل بهزيمتها سواء عاشت أو بادت‏.‏
....................................
*الأهرام ـ في 28/5/2008م.

د. حسين علي محمد
31-05-2008, 01:36 AM
( 11) الجماعية في الأداء

بقلم : محمد جبريل
......................

الجماعية فى الأداء شرط مهم لتحقيق النجاح فى أى عمل ينسب إلى الجماعة . بديهية يتناساها البعض لمجرد أن يكون هو وحده فى الصورة ، لمجرد أن يصبح نجماً ، يتحول زملاؤه من حوله إلى كومبارس أو ظلال .
يتسلم لاعب الهجوم فى فريق كرة القدم كرته من لاعب خط الظهر ، أو من لاعب خط الوسط . هو ـ كما ترى ـ لم يلتقطها من السماء ، أو أنه وجدها ملقاة فى جانب الملعب .
يتقدم اللاعب بالكرة فى اتجاه المرمى ، يلاحقه من فريقه لاعبان أو ثلاثة .
حسب قواعد لعبة البلياردو ، فإن على اللاعب أن يمرر الكرة من موضعه فى الجانب إلى زميل يواجه المرمى الذى قد يكون خالياً ، لكنه يفضل ـ فى أنانية عقيمة ـ أن يشوط الكرة فى الدفاع المتكتل ناحيته ، أو فى حارس المرمى ، أو يشوطها خارج الملعب . ويواجه اللاعب نظرات زملائه المؤنبة باعتذار لا معنى له ، فقد ضيع على فريقه هدفاً ، ربما كفل له الفوز !
فى اجتماعات هيئة ثقافية مسئولة ، طرح زميل اقتراحاً ، وافق عليه الأعضاء ، وقرروا تبنيه . لكن الزميل ما لبث أن سحب اقتراحه .
سألته بينى وبينه : لماذا ؟.
قال فى بساطة مذهلة : أخشى ألا ينسب الاقتراح لى !
ظل الاقتراح مشروعاً مؤجلاً ، مع أنه ـ فيما أذكر ـ كان يمثل إضافة إلى حياتنا الثقافية ، لا لسبب إلا لأن مقدم الاقتراح رفض الجماعية ، وخشى أن يدخل معه فى الخط آخرون يشاركونه النجومية !. وللأسف فقد نسى الأعضاء اقتراح الزميل ـ أو تناسوه ـ فلم ير النور !
العمل الجماعى يعنى أنه من صنع الجماعة ، هى التى تدرس وتخطط وتنفذ وتجنى الثمار ، أو تهب الثمار للمجتمع كله . إذا تصرف كل فرد فى حدود إحساسه بالفردية ، فإنه يمتنع عن وضع طوبة فى البناء الذى يسكنه الجميع ، أو يصنع ثقباً فى السفينة التى تقل الجميع !
عشنا أمثلة رائعة ونبيلة فى المعنى الذى يضحى ليس بالفردية فحسب ، وإنما بالحياة من أجل أن تنتصر الجماعة ، أن ينتصر الوطن : الجندى الذى وضع جسده على الأسلاك الشائكة ، ليعبر زملاؤه من فوق جسده إلى معسكر العدو . لم يتوقع إشادة من أى نوع ، ولا على أى مستوى . كل ما شغله أن يجعل من جسده معبراً لزملائه نحو النصر .
إذا تدخلت الفردية فى العمل الجماعى ، فإنها تسىء إلى الفرد ، وإلى الجماعة فى الوقت نفسه .
وحتى أكون محدداً ، فإن الظاهرة السلبية موجودة فى معظم ـ إن لم يكن كل ـ هيئاتنا الثقافية ، سواء كانت أهلية النشاط ، أم تابعة للدولة . واٍسألوا لجان المجلس الأعلى للثقافة وأقسام الجامعات واتحاد الكتاب ونادى القصة ورابطة الأدب الحديث التى يذكرنى سكرتيرها العام صديقنا الشاعر محمد على عبد العال بإمام اليمن الأسبق عندما كان يحتفظ بمفاتيح مؤسسات اليمن السعيد فى جيبه ، والقائمة طويلة !

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:37 AM
(12) حجازي والقصيدة الخرساء

بقلم : فاروق شوشة
............................

أخيرا أطلق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي قنبلته الأدبية المدوية لهذا الموسم‏,‏ المتمثلة في كتابه الجديد قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء الصادر ضمن مطبوعات مجلة دبي الثقافية عدد نوفمبر‏2008,‏ والشاعر الكبير يهدي كتابه إلي شعراء الأجيال القادمة علي اختلاف اجتهاداتهم ومراميهم‏,‏ بادئا بإعلان موقفه الواضح في أنه لا يعترض علي ما يكتب تحت هذا الاسم قصيدة النثر‏,‏ فالكتابة حق مكفول للجميع‏,‏ ولمن شاء أن يجرب ما شاء من صورها‏,‏ وأن يبحث عن الشعر في أي شكل‏,‏ وأن يخلط الشعر بالنثر والنثر بالشعر إذا أراد‏,‏ شريطة أن يتحلي بشيء من التواضع وسعة الصدر‏,‏ فيسلم بأن لنا حقا كحقه في أن نقرأ ما كتب‏,‏ وأن نناقشه فيه فنقبل منه ما نقبل ونرفض مانرفض‏.‏
الكتاب يضم عددا من المقالات والدراسات والمداخلات نشرها شاعرنا الكبير من قبل‏,‏ وعندما جمعها بين دفتي أدي هذا إلي اكتمال الفكرة ووضوح الموقف‏,‏ وبيان التهافت لدي من حاولوا أن يصرفوه عن رأيه المتمثل جوهريا في أن القصيدة تفقد وجودها عندما تتخلي عن الوزن أو الموسيقي الشعرية‏,‏ وأن الذين يدعون أن قصيدة النثر تقوم علي إيقاع جديد يعجزون عن شرح هذا الايقاع أو توضيح ماذا يقصد به‏,‏ الأمر الذي أدي إلي أن يكون أحد عناوين الكتاب‏:‏ قد أفسد القول وهي عبارة تكملتها‏:‏ حتي أحمد الصمم‏,‏ ثم يقول ان قصيدة النثر لم تستطع بعد مرور أكثر من قرن علي ظهورها أن تقنعنا بأنها قصيدة‏,‏ أو بأنها شعر بالمعني الاصطلاحي للكلام‏,‏ أو بأنها شعر آخر يكافئ الشعر كما نعرفه أو يساويه‏.‏
ومن أخطر ما يراه البعض أن الوزن في الشعر حلية أو قيمة شكلية تضاف إلي الكلام فتزيده جمالا في نظر بعضهم‏,‏ أو تقيده وتضغط عليه وتكبح جماحه‏,‏ وتنال من حريته وقدرته علي التعبير في نظر بعضهم الآخر‏,‏ وهي نظرة قاصرة بعيدة كل البعد عن الصواب‏,‏ فالشعر ليس مجرد معني يمكن ان يستقل بنفسه‏,‏ والمعني في الشعر لا يتحقق بدلالة الألفاظ وحدها‏,‏ بل يتحقق بدلالات الألفاظ وأصواتها في وقت واحد‏,‏ وشاعرنا الكبير يؤسفه أن يجد نفسه مضطرا إلي الدفاع عن البديهيات ومنها حاجة الشعر إلي الوزن‏,‏ في لغتنا وفي كل اللغات‏,‏ فالوظيفة الحيوية التي يؤديها الوزن في الشعر ليست في حاجة إلي بيان أو توضيح‏,‏ قصيدة النثر إذن ثمرة من ثمار الصمت الذي أصبنا به‏,‏ فنحن خرس لا نقول ولا ننشد‏,‏ ثم هو يؤكد في موضع آخر من كتابه‏:‏ الموسيقي في الشعر شرط من شروطه‏,‏ كما أن السرد في القصة شرط من شروطها‏,‏ فلا قصة بلا حكاية ولا شعر بلا موسيقي‏.‏
ولأن القضايا الأدبية ـ في رأي حجازي ـ لا تسقط بالتقادم‏,‏ فلابد من طرحها مرة بعد مرة‏,‏ وجلاء وجه الحقيقة في خضم حياة أدبية وثقافية غائمة غاصة بالأكاذيب تصعر خدها للناس وتستعلي علي الحقائق الخرساء‏,‏ بعد افتقاد هذه الحياة ـ في كثير من الحالات ـ إلي نقد جاد نزيه مسئول‏,‏ ينتشل النقد من غموضه ولا مبالاته وفوضاه‏,‏ وأنا أزيد علي هذه الصفات‏:‏ الغرضية النفعية‏,‏ والوصولية‏,‏ وادعاء الأستذة الجوفاء‏.‏
وفي صفحات من البحث العميقق‏,‏ يتصدي حجازي لتوضيح من أين جاءت فكرة الثابت والمتحول‏,‏ التي أطلقها أدونيس وتابعه فيها من تابعه‏,‏ ليثبت أن مطلقها الحقيقي هو المستعرب الفرنسي الراحل جاك بيرك عندما ميز بين البنية الثابتة والظواهر المتغيرة‏,‏ مشيرا إلي السؤال الذي طالما طرحه علي الثقافة العربية‏:‏ الأصالة والمعاصرة‏,‏ الارتباط بالينابيع الأولي دون توقف يؤدي إلي الركود‏,‏ والتدفق دون انقطاع عن هذه الينابيع يؤدي إلي الجفاف والضياع‏,‏ وهكذا أخذ بيرك يتحدث عن الثابتوالمتحول بهذا المعني‏,‏ فالثابت عنده هو القانون العام أو هو النظام الذي يقوم به البناء‏,‏ أما المتحول فهو الناتج المتحقق المرتبط بالوقت والظرف‏,‏ المعرض بالتالي للتحول والتغير‏.‏
ولعل من أطرف ما يتضمنه هذا الكتاب القنبلة تسجيله للحوار الذي دار بين الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي والناقد المفكر الكبير محمود أمين العالم حول المقصود بالإيقاع في قصيدة النثر‏,‏ حجازي يري أنها خالية من الايقاع‏,‏ ويستطيع أن يثبت ذلك باختبار مقاطعها الصوتية فلا يجد فيها تكرارا ولا انتظاما‏,‏ والعالم يقول إن فيها إيقاعا‏,‏ لكنه لا يستطيع أن يبرهن علي مايقول‏,‏ وهو موقف يشاركه فيه النقاد الذين يتحمسون لقصيدة النثر باعتبارها مستقبل الشعر العربي‏.‏
هذا الكتاب من شأنه أن يبدد الضباب ويوقظ الوعي ويدفع الآخرين الي قول الحق دون مراوغة أو التباس‏,‏ وياعزيزي حجازي ان افضل دفاع تقوم به عن الشعر الحقيقي هو صدور مجموعتك الشعرية الجديدة طلل الوقت التي طال انتظارها‏,‏ ليعرف الناس الفرق الهائل بين الشعر واللاشعر‏,‏ بين القصيدة الناطقة والقصيدة الخرساء‏.
..............................................
*الأهرام ـ في 7/12/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:38 AM
(13) محمد جبريل.. وقضية الانتماء

بقلم: مؤمن الهبّاء
.................

إذا قصدت متعة السرد الروائي الفني فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت حبكة الإبداع القصصي وإبهاره فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت المتابعة النقدية النافذة فعليك بمحمد جبريل.. وإذا قصدت الدراسة البحثية الجادة فعليك - أيضا - بمحمد جبريل.
إنه عالم متكامل. ومؤسسة شاملة. متعددة النوافذ. من أي زاوية نظرت حصلت علي مبتغاك.. متعة وثقافة وعلم.. ومن دواعي فخرنا. نحن أسرة المساء. أن هذا الفنان المبدع خرج من بيننا. وينتمي إلي قبيلتنا.
رأيته أول مرة في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي. كان عائدا لتوه من رحلة عمل طويلة في عمان.. تناقشنا كثيرا. وتشاكسنا. اختلفنا واتفقنا. وحين أراد أن يحسم الجدل أهداني روايته الثانية. المبهرة. "إمام آخر الزمان". فالتهمتها في يوم. أو بعض يوم. ومن يومها لم أفقد أبدا إيماني بموهبته. واحترامي لقلمه ودأبه وجديته.
وكلما أوغل في الكتابة وأوغلت في قراءته زاد إيماني به واحترامي له.
ولا أستطيع أن أنكر انحيازي لأدب محمد جبريل. خاصة ما يتعلق منه بتوظيف التراث مثل "إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبي الطيب المتنبي" و"قلعة الجبل" و"رباعية بحري" و"ما ذكر من أخبار عن الحاكم بأمر الله". فهذه الأعمال تجد في نفسي هوى. ربما لأنها توقظ الماضي. وتبعث فيه الروح. فيتحول بروح الفنان إلي مستقبل. وفي ذلك وصل لحلقات أدبنا وحياتنا. ولقاء بين الأصالة والمعاصرة. وهذا - في زعمي - هو الطريق الصحيح لتطوير أدبنا. بل لتطوير حياتنا كلها.
التطوير لن يأتي من الخارج .. ولن يهبط علينا من السماء وإنما هو عملية مستمرة. متواصلة أطرافها. يرتبط فيها الماضي بالحاضر والمستقبل. ونحن نعيشها ونتفاعل فيها.
ودراسات محمد جبريل لا تنفصل عن إبداعه.. هي في الحقيقة إبداع آخر. بطعم آخر. تدهشك فيها قدرته الهائلة علي الصبر. ودقته في التحري والاستيفاء. ناهيك عن سعة الاطلاع. والاستنتاج المنطقي. تلحظ ذلك في سفره الرائع "مصر في قصص كتابها المعاصرين" و"مصر المكان" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر من يريدها بسوء".
لعلك لاحظت - مثلي - أن مصر تتردد كثيرا في كتابات جبريل. مثلما تتردد في رواياته. من خلال الإسكندرية مسقط رأسه وعشقه الدائم. وأيضا من خلال الموروث الشعبي الذي يتناثر كحبات اللؤلؤ في 18 رواية و90 قصة قصيرة قدمها للمكتبة العربية حتي الآن.
إنه متيم بهذا الوطن. مسكون ببحره ونيله وطينه. بأحيائه الشعبية وحاراته وأزقته. بجوامعه وأضرحته وموالد الأولياء والكنائس والزوايا. وليالي رمضان والتواشيح والأعياد والأسواق. بعبق البخور والمجاذيب والدجالين والشحاذين.. هو يكتب عن ذلك كله ليكشف لنا عن حقيقتنا. عن مواطن الضعف ومواطن القوة في شخصيتنا. التي عاش عمره مهموما بها.
وكم كان رائعا أن تتذكر الهيئة العامة للكتاب بإشراف د. ناصر الأنصاري كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين" لمحمد جبريل لتعيد إصدار الجزء الأول منه هذا العام في سلسلة "مكتبة الأسرة" التي تحظي برعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك. فتتيحه بسعر ميسر للقاعدة العريضة من القراء الذين يتابعون هذه السلسلة. ويعتبرونها نافذتهم علي الثقافة الحقيقية والجادة.
والكتاب عبارة عن دراسة ضخمة. لكنها ممتعة. وقد نشرت لأول مرة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ونال عنها محمد جبريل جائزة الدولة التشجيعية في النقد. وفيها يتناول العديد من الأعمال القصصية والروائية لرواد السرد العربي أمثال طه حسين والعقاد ويحيي حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ويوسف الشاروني. بالإضافة إلي رفاق دربه من كتاب الستينيات. فيرصد تناولهم للمجتمع المصري بكافة تقلباته عبر تاريخه الحديث من زاوية إبداعية بحتة. تدعمها رؤية اجتماعية وسياسية مدققة.
يقع الكتاب في مجلدين. ومجموع صفحاته 1370 صفحة. وهو بذلك ينتمي إلي الأعمال الموسوعية الخالدة. ممتدة المفعول. فقد حاول جبريل أن يقدم لنا تاريخ مصر من خلال مضامين الروايات والقصص. باعتبار أن الأدباء هم ضمير أمتهم. ونبض حركتها التاريخية في مواجهة الأحداث.
بقيت همسة للمثقف الواعي د. ناصر الأنصاري أناشده فيها بسرعة إصدار الجزء الثاني من هذه الدراسة القيمة. التي أظنها أول محاولة في تاريخنا لتأصيل علم الاجتماع الأدبي. وأول تجربة جادة لتعميق الانتماء لدي الأجيال المثقفة بالعلم والأدب. وليس بالأغاني السطحية والهتافات الزاعقة.
..............................
*المساء ـ في 15/12/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:40 AM
(14) الغاضبون على «بوش»

بقلم: رجاء النقاش
...................

عندما يخرج الرئيس بوش من البيت الأبيض بعد سنتين من الآن فإنه لن يسمع كلمة جميلة تقال في وداعه، ولن يجد من يذكر أيامه على أنها كانت أياما طيبة، فسمعة الرئيس بوش في العالم كله أصبحت سمعة سيئة إلى أبعد حد، وهو لا يستطيع أن يزور أي بلد دون أن يكون في حماية آلاف من قوات الأمن، تحيط به وتمنع الغاضبين عليه من الوصول إليه، وهذه الحالة من الغضب على الرئيس بوش ليست محدودة بالبلدان التي تعرضت للأذى الشديد بسبب سياساته المندفعة والمتهورة مثل أفغانستان وفلسطين والعراق ولبنان والصومال، بل ان الغضب على الرئيس بوش شامل لكل العالم العربي والعالم الإسلامي، ولا أظن أن هناك عربيا واحدا أو مسلما واحدا ينظر إلى الرئيس بوش نظرة تقدير وامتنان
فمنذ أن جاء هذا الرئيس إلى البيت الأبيض في يناير سنة 2001 وأحوال العرب والمسلمين تتدهور يوما بعد يوم، وما من قضية تهم العرب والمسلمين إلا وازدادت أوضاعها سوءا بفضل تدخلات الرئيس بوش، فالفلسطينيون يعيشون أسوأ أيامهم في عهد بوش، لأن بوش تحالف تحالفا نهائيا مع شارون وخلفاء شارون، ووقف حاميا ومساندا لهؤلاء الزعماء الإسرائيليين الذين لا يؤمنون بالسلام ولا يريدونه، كما أنهم يواصلون العمل كل يوم على قتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم وزرع بذور الفتنة والصراع بين فصائلهم المختلفة، والمطلوب هو القضاء على من بقي من شعب فلسطين في الضفة وغزة لكي تخلو فلسطين كلها للمتشددين الإسرائيليين، ولكي تقوم إسرائيل الكبرى التي هم بها يحلمون، وعندما جاء الرئيس بوش إلى السلطة قال انه يؤيد قيام دولة فلسطينية قابلة للاستقرار والاستمرار، وانه يرى أن هذه الدولة يمكن أن تولد سنة 2005، ونحن الآن في سنة 2007 ولا أثر للدولة الفلسطينية الموعودة، وقد قامت إسرائيل بجرائم بشعة ضد الفلسطينيين من بينها قتل زعمائهم وفي مقدمتهم ياسر عرفات وأحمد ياسين والرنتيسي وأبو علي مصطفى وغيرهم، ومن لم يتعرض للقتل منهم فهو في السجن، ثم أخذت اسرائيل تردد الأكذوبة التي تقول انه لا يوجد شريك فلسطيني للتفاوض معه، وأميركا بقيادة بوش لا تنطق إلا بما تقول به إسرائيل، ثم يقف الرئيس بوش سدا منيعا عند معاقبة اسرائيل ولو معنويا على جرائمها في حق شعب فلسطين، ولذلك فلا يوجد فلسطيني واحد يتعاطف مع بوش أو ينتظر على يديه أي خير، باستثناء نفر قليل ممن لهم مصلحة في التحالف مع الرئيس بوش وإظهار الطاعة التامة له
هذا الغضب على بوش يمتد إلى مناطق كثيرة أخرى في العالم العربي والإسلامي من السودان إلى أفغانستان إلى العراق إلى الصومال إلى لبنان، والكل يلعن الأيام التي جعلت من الرئيس بوش صاحب الكلمة العليا في أكبر وأغنى وأقوى دولة في العالم، لأن هذا الرئيس قد نشر الفوضى والدمار في كثير من بلدان العالم، ولأنه جريء في الباطل وهو مندفع ومتهور ومحب للحرب وإسالة الدماء
علما بأن الغاضبين على بوش ليسوا من العرب والمسلمين فقط، بل ان الرأي العام الأوروبي في معظمه ثائر عليه ورافض لسياساته، وقد امتد هذا الغضب إلى أميركا نفسها، فالاعتراض على بوش أصبح مادة يومية في الصحافة وأجهزة الإعلام الأميركية، وفي آخر استطلاع للرأي أعلن 61% من الأميركيين رفضهم لسياسة بوش، فأي رئيس هذا الذي يكرهه أهله ويكرهه العالم كله؟!
.................................................
الوطن القطرية 15 / 1 / 2007م.



هامش:
...........
هذا ما كان الكاتب الكبير رجاء النقاش قد كتبه عن الرئيس الأمريكي الذي تنتهي صلاحيته يوم 20 يناير 2009.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:41 AM
(15) أقباط ضد الأقباط

بقلم: رجاء النقاش
...................

هناك دخان كثيف ينبئ، بل ينذر بأن فتنة طائفية ثالثة يمكن أن تشتعل في مصر هذه الأيام، وعندما نسمع كلمة «الفتنة الطائفية» فإن ذلك يعني كما يعرف الجميع خلافا حادا عنيفا بين الأقباط والمسلمين، ولا شك أن مثل هذا الخلاف يمس أمن مصر داخليا وخارجيا بصورة قوية، كما أن هذا الخلاف يهز الاستقرار الذي يحتاج إليه أي بلد لإدارة أموره ومواجهة مشاكله التي تتراكم فوق بعضها البعض يوما بعد يوم، ومن الطبيعي أن يسعى الذين لا يريدون استقرارا لأي بلد عربي في الوقت الحاضر وهم كثيرون وعندهم القدرة على تنفيذ ما لديهم من خطط شريرة، هؤلاء جميعا يسعون إلى استغلال كل الفرص المتاحة لتمزيق البلدان العربية من الداخل، والفتنة الطائفية في مصر من بين هذه الفرص.
والآن هناك فرصة لإشعال نيران هذه الفتنة الخطيرة، والتي أسميها بالفتنة الثالثة، بعد الفتنة التي حدثت سنة 1910، والفتنة الثانية التي حدثت في السبعينيات أيام السادات، وهي الفتنة التي أسميها باسم «الفتنة الساداتية»، لأن السادات كان السبب في اشتعالها، أما الفتنة الثالثة فهي فتنة «أقباط المهجر» الذين يتجمعون في الولايات المتحدة، فما هي قصة هذه الفتنة الجديدة؟ كيف نشأت ولماذا تتحرك الآن؟
في السبعينيات من القرن الماضي، وبعد حرب أكتوبر 1973، بدأت الأزمات الاقتصادية الحادة تلاحق الناس في مصر، كما أن الفتنة الطائفية بين الأقباط والمسلمين بدأت تظهر بصورة عنيفة جدا في شتى أنحاء مصر من أسوان إلى الإسكندرية، وسقط في هذه الفتنة قتلى كما تم إحراق عدد من المساجد والكنائس، وأوشكت حرب أهلية كبيرة أن تشتعل في مصر وأن تحرق كل شيء أمامها، وفي هذا المناخ المسموم من الضائقة الاقتصادية والفتنة الطائفية بدأ كثيرون من أقباط مصر يفكرون في الهجرة من مصر، وتم بالفعل هجرة عدد كبير منهم إلى كندا وأميركا، ولم يخرج الأقباط من بلادهم راضين، بل خرجوا وهم يشعرون أن حقوقهم كانت ضائعة في مصر التي يعيشون فيها منذ آلاف السنين جيلا بعد جيل، ولذلك كانت هذه الهجرة القبطية فيها مرارة، وبقيت هذه المرارة في نفوس الذين أصبحوا يحملون اسم «أقباط المهجر» إلى اليوم، أي بعد أكثر من ثلاثين سنة من الهجرة الكبرى للأقباط في عهد السادات وفي سبعينيات القرن الماضي، ودراسة هذه المرارة ومدى ما فيها من صواب أو خطأ ليست موضوع حديثنا، ولكن الموضوع هو ما يقوم به أقباط المهجر من تحريض ضد مصر، ودعوة غير مقبولة من المخلصين الوطنيين أقباطا ومسلمين إلى مقاطعة مصر اقتصاديا والتضييق عليها بأكثر مما هي فيه من ضيق شديد، كل هذا في الوقت الذي تقوم فيه الأقليات المتجمعة في أميركا مثل الأقلية اليهودية بالدفاع عن مصالحها، وتكوين أدوات ضغط قوية لتوجيه السياسة الأميركية توجيها يتناسب مع أهداف هذه الأقليات، مما يخدم البلدان الأصلية لها، في هذا الوقت نجد أقباط المهجر يعملون ضد بلادهم ويحرضون على إلحاق الأذى بها.
على أن أقباط المهجر هؤلاء وهم يستعدون لتنظيم مؤتمرهم السنوي في «شيكاغو» قبل نهاية هذا العام قد وجدوا من يتصدى لهم بشجاعة، ويقف في وجههم بقوة ومنطق وطني أصيل، وذلك حينما غضب عدد من الأقباط المصريين الذين يعيشون ويشاركون في الحياة العامة ويعرفون بوضوح خطورة السموم التي يطلقها مؤتمر أقباط المهجر في مؤتمراتهم السنوية، هؤلاء الأقباط الوطنيون من أهل مصر والذين لم يهاجروا بل أقاموا فوق أرض وطنهم ثابتين، دعوا إلى مظاهرة سلمية كبرى ضد مؤتمر أقباط المهجر، وقال المتحدث باسم هذه المظاهرة جمال أسعد، وهو من المفكرين الأقباط المعروفين «إن إقباط مصر مختلفون مع أقباط المهجر، وهؤلاء الأقباط المهاجرون لا تعنيهم مشاكل الأقباط الحقيقية في مصر، وإنما هم يقومون بالترويج للسياسة الأميركية التي تسعى إلى إعادة تخطيط المنطقة عن طريق إثارة الفتن والتوسع الكبير في استخدام الورقة الطائفية، ولذلك فإننا نحن الأقباط المصريين نسعى من وراء هذه المظاهرة التي سوف نقوم بها إلى أن نلفت نظر العالم كله إلى أننا نستطيع أن نعبر عن مشاكلنا كلها في داخل بلادنا دون أن يمنعنا أحد من ذلك».
وهكذا فإن أقباط مصر الوطنيين يقفون لأقباط المهجر ويصنعون بذلك سدا منيعا ضد فتنة طائفية جديدة في مصر.
.......................................
عن صحيفة الوطن القطرية ـ في 25/10/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:42 AM
(16) سعد الدين وهبة صاحب سكة السلامة

بقلم: علي محمد الغريب
......................

مؤلف مسرحي متميز وسيناريست قدم للمسرح والسينما عشرات النصوص.
من مواليد 4/2/1925 في قرية دميرة مركز طلخا محافظة الدقهلية وتخرج في كلية الشرطة عام 1949 ، وعمل ضابطاً بالشرطة، ثم تخرج في كلية الآداب قسم فلسفة عام 1956 من جامعة الإسكندرية.
الوظائف والمناصب التي تقلدها:
عمل بالصحافة من عام 1954 حتى عام 1964، وشغل منصب مدير تحرير جريدة الجمهورية من عام 1958 وحتى عام 1964، وعمل كاتباً غير متفرغ بالأهرام منذ عام 1992.
عمل في وزارة الثقافة من عام 1964 وحتى عام 1980، وشغل منصب رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، ورئيس مجلس إدارة دار الكتب العربي للطباعة والنشر، ورئيس مجلس إدارة هيئة الفنون، ووكيل وزارة الثقافة للعلاقات الخارجية، ووكيل أول وزارة الثقافة الجماهيرية، وسكرتير المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، ووكيل أول وزارة الثقافة، ونائبا للوزير من عام 1975 وحتى عام 1980، ورئيس مجلس إدارة صندوق رعاية الأدباء والفنانين.
اُنتخب نقيباً للسينمائيين عام 1979، ثم رئيساً لاتحاد النقابات الفنية، ثم اُنتخب رئيساً لاتحاد كتاب مصر عام 1997، كما اُنتخب عضواً لمجلس الشعب.
اُختير رئيساً لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1985، ورئيساً لمهرجان القاهرة لسينما الأطفال 1990، ورئيساً للاتحاد العام للفنانين العرب.
قام بكتابة السيناريو والحوار والتأليف لعدد من الأفلام السينمائية والأعمال التليفزيونية منها:
زقاق المدق ـ أدهم الشرقاوي ـ الحرام ـ مراتي مدير عام ـ الزوجة رقم 13 ـ أرض النفاق ـ أبي فوق الشجرة ـ أريد حلاً ـ آه يا بلد.
كما قدم للمسرح عدة مسرحيات من أهمها:
المحروسة ـ السبنسة ـ كوبري الناموس ـ سكة السلامة ـ يا سلام سلم وغيرها
الأوسمة التي حصل عليها:
حصل على وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة عام 1965، و وسام الشرف الفرنسي من درجة ضابط عام 1976، و وسام سيمون بوليفار من حكومة فنزويلا عام 1979، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1985، وجائزة الدولة التقديرية عام 1987، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1988، ووسام الفنون والآداب بدرجة قائد من الحكومة الفرنسية، ووسام الاستحقاق من تونس عام 1991.
توفي في الحادي عشر من نوفمبر 1997.
....................
*عن موقع: مسرح أون لاين ـ 27/01/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:43 AM
(17) المثقفون يطالبون بتعدد مسئوليات أمين المجلس الأعلي للثقافة

د. حسين علي محمد: الملاحظة السلبية الوحيدة أن د.عصفور كان يمسك كل الخيوط في يده
د.عتمان : تنفيذ توصيات اللجان .. واجب
د.عبدالمطلب : القاهرة عاصمة دائمة .. للثقافة العربية
الحديدي : التقليل من المؤتمرات
حسني سيد لبيب : المزاوجة بين تراثنا .. والغرب

حوار: د. زينب العسال
.............................

بعد أن تولي د.جابر عصفور مسئولية المشروع القومي للترجمة. أصبح علي أبوشادي أميناً عاماً للمجلس الأعلي للثقافة. ولقد كانت الفترة الطويلة التي تولي فيها د.عصفور أمانة المجلس إيجابية في مجموعها. وأثرت الحياة الثقافية بالكثير من الأنشطة والإنجازات المهمة. وفي المرحلة بين مسئولية قيادتين يناقش المثقفون دور المجلس الأعلي للثقافة. ما له. وما عليه. وإمكانات تطويره.
في تقدير د.عبدالمنعم تليمة أن أصحاب الفكر المسئول يسعون دائماً إلي تحديد دور الدولة في المجال الثقافي. حتي تتيسر للناس سبل الاستفادة. وحتي يسهل علي المهتمين المشاركة والمتابعة والمساءلة. ولاشك أن المجلس الأعلي للثقافة أهم أدوات الدولة في أدواء دورها الثقافي. ولاشك كذلك أن تاريخ علي أبوشادي الطويل. في المواقع الثقافية القيادية التي نهض بها. يشهد له. فهو تاريخ يشرف صاحبه. ويجعلنا لانرجو منه. ولا نتمني عليه. وإنما نتوقع منه : صياغة مباديء محددة ومعلنة لعمل المجلس. وضع خطة تفصيلية لأنشطة المجلس شهرياً وسنوياً. جعل الأساس في عمل المجلس في مجال النشر قائماً علي الأصول والأمهات التي لايستطيع الناشر الخاص النهوض بتكلفتها. عقد اتفاقات تؤسس التآخي بين المجلس وكل جهات النشر والتعليم والإعلام والعلم.. كل هذا وما يراه غيرنا إنما يمكن ضبطه بإدارة جديدة في المجلس. يسميها إدارة المتابعة. تكون عضويتها لأهل الاختصاص من المفكرين والعلماء المستقلين. ويكون دستورها التقويم الدائم لعمل المجلس من جهة المسئولية الفكرية والعلمية والأداء الديمقراطي. وضمان حرية التعبير والتفكير والاجتهاد والبحث.
أعباء ثقيلة
ويؤكد الشاعر والناقد الدكتور حسين علي محمد أن المجلس أثناء تولي د.جابر عصفور أمانته العامة قد أدي دوراً يصعب إنكاره. بل إنه في أنشطته المختلفة مثل وزارة ثقافة مصغرة. وأربك هيئات الوزارة الأخري. والمثل نجده في المطبوعات التي يصدرها مقابلاً لما تصدره هيئة الكتاب. والندوات التي تمثل النشاط الثقافي الأهم في كل القضايا. وفي كل ألوان المعرفة الإنسانية. وفي المسابقات التي يتوفر فيها حد معقول من الشفافية والموضوعية إلخ.. ولعل الملاحظة السلبية الوحيدة أن د.عصفور كان يمسك كل الخيوط في يده. ولأن الأعباء ثقيلة فقد كان يكل بعض تخصصاته إلي موظفين لاتعد تلك التخصصات من صميم عملهم. ليكن الأمين العام للمجلس مخططاً ومشرفاً ومتابعاً. علي أن تحدد أعمال الإدارات المختلفة بما يدفع العجلة إلي السير دون تسرع. وبلا إبطاء. لا أتصور مثلاً أن يتولي المشرف علي اللجان مسئولية النشر. ولا أن تقترب مواعيد المؤتمرات والمحاضرات والندوات وتتباعد دون خطة واضحة ومعلنة. علي كل مسئول في إطار النشاط الكلي للمجلس أن يؤدي دوره المحدد. بحيث لا تختلط الأوراق. وينتظم الأداء.
ويري د.أحمد عتمان أن الدكتور جابر عصفور بعث الحياة في المجلس الأعلي للثقافة. وجعله شعلة نشاط متعددة الجوانب. وأصبح الناس يشعرون به. ليس فقط داخل مصر. وإنما علي امتداد الوطن العربي. وصارت لأنشطته أصداء في أنحاء العالم. هناك مؤتمرات عدة رصدت جوائز كبيرة للشعر والرواية. هذا الدور كان له تقديره من الأدباء والمثقفين. فقد استطاع جابر أن يفعل هذا بهؤلاء المثقفين الذين التفوا حوله. أما الأمين الجديد وهو الصديق العزيز فقد سعدت بوجوده في المجلس لعدة أسباب. إنه صاحب تجربة واسعة في مجال العمل الثقافي بعد توليه عدة مناصب في الثقافة الجماهيرية والمصنفات الفنية. إضافة إلي صدقه الفني وصراحته وطموحه. وبالتالي فنحن نأمل أن يسير علي هذا الدرب. ويعمق التجربة. وتكون له سياسة. ونحن واثقون أن طموحاته سيقدرها الجميع. ونشهد له بالأمانة والصدق في كل المواقع التي شغلها. ولن نجد من هو أفضل منه. وأنا واثق أن المثقفين سيلتفون حوله كما التفوا حول جابر عصفور. وهو بخلقه ودماثة أخلاقه قادر علي أن يحتوي كل الأدباء والمثقفين. ولي أمنية أتمناها علي الأمين الجديد. أن يجعل قرارات وتوصيات اللجان قابلة للتنفيذ. بمعني أن يكون هناك ارتباط وثيق بين مناقشات اللجان. وما يجري علي الساحة في مجالات العمل في وزارة الثقافة. وأن يكون للجان الثقافية فيها نتاج ثقافي. فتصدر مجلات. ويكون لها مؤتمراتها الخاصة. كل في مجال تخصصه. كي تقود الحياة الثقافية بالفعل. فمن خلال معايشتي ألحظ أن هناك مناقشات تدور وأفكاراً تطرح. وما يطرح علي الساحة مخالف لذلك تماماً. أرجو أن يتم سد هذه الفجوة.
منجزات
ويطالب د.محمد عبدالمطلب الأمين العام الجديد للمجلس أن يحافظ علي المنجزات التي حققها جابر عصفور. وأن يجعل القاهرة عاصمة دائمة للثقافة العربية. علي أن يقلل بعض الشيء من المهرجانات والمؤتمرات التي تتطلب أموالاً باهظة دون أن يكون لها عائد حقيقي في الثقافة المصرية. وأن تنفق في نواح تساعد علي تنشيط الحركة الثقافية. وتشجع الأدباء والمثقفين. وتيسر وسائل النشر. ونأمل من علي أبوشادي أن يركز علي ارتباط الثقافة المصرية بالثقافة العربية. ويربطها بالثقافة الإنسانية كلها. وأن يعمل علي زيادة المبالغ المخصصة لمجال التفرغ. والمخصصة لمجال نشر الكتاب الأول. وأن يتعاون مع المشروع القومي للترجمة لكي يحقق نهضة ثقافية كاملة.
أما الروائي حسني سيد لبيب فهو يحدد في نقاط ما يراه جديراً باهتمام الأمين العام الجديد للمجلس الأعلي للثقافة : إلقاء الضوء علي الثقافة العربية قديمها وحديثها. مع الاهتمام بنشر الثقافة الغربية. عدم الاكتفاء بنشر كتب لرافد ثقافي معين وإلقاء الضوء علي مؤلفات قيمة في التراث العربي. أو إعادة طباعتها والحرص علي طرح مطبوعات المجلس بسعر يتناسب مع كل القدرات. الاهتمام بنشر الموسوعات والمعاجم وتشجيع الكتاب بشراء نسخ من مؤلفاتهم ورعاية المواهب الأدبية الشابة والعمل علي نشر مؤلفاتهم وإصدار مجلة شهرية تكون منفذا جديداً للنشر وألا يكون نشر شعر العامية بديلاً لشعر الفصحي وأن تصدر لجنة القصة سرداً زمنياً للرواية المصرية. يتضمن اسم الرواية ومؤلفها وسنة الصدور ودار النشر وملخص للرواية.
ويذهب الروائي والمترجم محمد الحديدي إلي أن وظيفة المجلس الأعلي للثقافة يجب أن تكون معنوية أكثر منها مادية. أي ينشر الوعي بالأدب والفنون للإنسان العادي. أما بالنسبة للجان فإن لها في الأغلب أهدافها وأغراضها وعلي الأمين العام أن يقلص الجانب المادي. وينظم المؤتمرات لأغراض محددة. ويكون المؤتمر كالمنتدي لكل الأدباء والفنانين. لقد دخلت الدولة في الستينيات بثقلها في كل شيء. ولأن الحكومة لها حدودها. فقد أفسدت أشياء كثيرة. ولعلي أتمني عودة عصر الحكيم والمازني. حيث المبدع لايهمه أن يكسب مما يتم بيعه من كتبه. لا أريد أن تتدخل الدولة. والحكومة الآن تتجه إلي الخصخصة. فنحن نعود لاقتصاديات السوق. ونريد أن تحيا الفنون والآداب علي رجلين. دون تدخل من مؤسسات الدولة.
....................
*المساء الأسبوعية ـ في 31/3/2007م ـ

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:44 AM
( 18 ) ذكريات يوسف إدريس

بقلم: د. جابر عصفور
...........................

أذكر جيدا أن أمل دنقل هو الذي عرفني بيوسف إدريس‏,‏ وكان يصحبني مع عبلة الرويني طبعا إلي لقائه‏,‏ والعشاء معه في أماكن كثيرة وكان أمل شديد العرفان لما فعله يوسف إدريس‏,‏ عندما كتب عنه‏,‏ وهو علي فراش المرض‏,‏ مقالا أقام الدنيا ولم يقعدها‏,‏ وكان السبب في احتفاء الدولة بالمريض أمل دنقل‏,‏ واهتمام أغلب المثقفين العرب الذين لم يبخلوا بالرعاية وكل أشكال الدعم لأمل في مرضه الذي انتهي بموته‏,‏ لكن بعد أن انتزع من الموت القصائد البديعة التي جمعتها عبلة‏,‏ وقمت بتقديمها والإشراف علي طبعها كي تكون جاهزة في اليوم الأربعين من وفاته‏,‏ وأطلقنا عليها اسم أوراق الغرفة‏,‏ وهي الغرفة التي كان يشغلها أمل في معهد السرطان‏,‏ ولا أزال أذكر حفل التأبين الذي أقامه الأصدقاء لأمل في حزب التجمع‏,‏ والذي ألقي فيه يوسف إدريس كلمة بديعة في رثاء أمل‏,‏ للأسف لا أعرف مصيرها‏,‏ وأين انتهي مصير الأوراق التي تضمها وما بين تعريف أمل لي بيوسف إدريس ووفاته صرنا نلتقي كثيرا‏,‏ وما أكثر ما كنا نسهر في منزلنا‏,‏ ويمتد الحوار إلي الصباح‏,‏ فقد كنا جميعا أولاد ليل‏,‏ نؤمن بما قاله الخيام‏:‏
فما أطال النوم عمرا ولا قصر في الأعمار طول السهر
ومضت الأيام‏,‏ ونحن نلتقي أكثر من مرة في الأسبوع وكنت مفتونا في ذلك الوقت باكتشاف أدب أمريكا اللاتينية‏,‏ خصوصا ما أطلق عليه النقاد اسم الواقعية السحري وما أكثر ما حدثت يوسف إدريس عن رائعة ماركيز مائة عام من العزلة وكنت قرأت ترجمتها الإنجليزية قبل ترجمتها إلي العربية عن الفرنسية فيما أذكر وقد ألححت علي زميلي سليمان العطار أن يترجمها عن الإسبانية لغة الأصل‏,‏ وقد فعل لكن بعد مسارعة مترجمي الشام إلي ترجمتها وإذاعتها ولا تزال نسختي الخاصة عند زميلي سليمان العطار الذي أرجو ألا يكون قد أضاعها‏,‏ فقد كانت لي تعليقات علي هوامشها وأعتقد أن قراءة يوسف إدريس لرواية مائة عام من العزلة وما يماثلها من الروايات هي التي جعلته يلتفت‏,‏ إبداعيا‏,‏ إلي إمكان قيام علاقة خاصة حميمة بين النبات أو الشجر والبشر علي نحو ما هو موجود في بعض مجموعاته الأخيرة
وكنت في ذلك الوقت أشغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة فصول مجلة النقد الأدبي الفصلية التي كان يشرف عليها عز الدين إسماعيل‏,‏ عليه رحمة الله‏,‏ وقد تولي رئاسة هيئة الكتاب بعد وفاة صلاح عبد الصبور وقرر إسناد رئاسة تحرير مجلة إبداع الجديدة إلي أستاذنا عبدالقادر القط الذي طلب معونتي في أن يدعم يوسف إدريس المجلة بقصصه‏,‏ وقد استجاب يوسف بأريحية إلي ما طلبته منه‏,‏ ونشرت القصة الأولي في ابداع وظل الأمر علي هذا النحو إلي أن زارني الدكتور عبدالقادر مذعورا‏,‏ طالبا أن أقرأ ما كتب يوسف إدريس وكانت قصة ساخرة عن طبيب صنع نظارة لحمار‏,‏ وكيف تغير حال الحمار بعد النظارة‏,‏ وتمضي القصة في تفاصيل جسورة عن انعاظ الحمار بعد أن شاهد حمارة وأخبرني عبدالقادر القط أن يوسف إدريس رفض حذف الأجزاء الجنسية الصارخة‏,‏ وأنهما قررا الاحتكام إلي‏,‏ فقرأت القصة‏,‏ وحذفت منها ما رأيته مستحيل النشر وقبل يوسف بما فعلت وقد فوجئت فيما بعد أن القصة نشرت كما تركتها وحذفته منها‏,‏ وأن يوسف استحسن ما فعلته بها وفي هذه الأعوام قررنا أن نصدر عددا خاصا من فصول عن القصة القصيرة وكان لابد ألا نتجاهل يوسف الذي هو أبرز كتابها وأكثرهم إبداعا‏,‏ فسألته عمن يقترحه للكتابة عنه‏,‏ فإذا به ينفعل قائلا وهل هناك مبدع غيري في القصة القصيرة‏,‏ لو كنت منك لجعلت العدد كله عن قصص يوسف إدريس القصيرة‏,‏ وظللت أجامله وأقنعه بوجود أكثر من دراسة عنه إلي أن وافق علي مضض وقمت باختيار باحثين يكتبان عنه‏,‏ بحيث تكون المساحة البحثية المعطاة له أكثر من غيره‏,‏ لعله يرضي وجاءت المفارقة أن من رجوت منهما الكتابة عنه لم يكتبوا واكتشفت‏,‏ والعدد في المطبعة‏,‏ أنه لا توجد مقالة واحدة عنه‏,‏ وكنت أعرف أن وقع ذلك سيكون شديدا عليه‏,‏ فقررت اللجوء إلي كتاب حديث عنه كتبه كيربرشويك باللغة الإنجليزية‏,‏ وأحسبه أطروحة جامعية‏,‏ وكنت حديث عهد بقراءة الكتاب الذي اشتريته لحسن الحظ‏,‏ وقررت ترجمة ثلاثة فصول‏,‏ يترجم الأول منها الصديق سامي خشبة‏,‏ والثاني اعتدال عثمان‏,‏ والثالث أتولاه أنا واشتغلنا جميعا ليل نهار لإنجاز الترجمة التي أعجب بها عز الدين إسماعيل‏,‏ ولكنه قرر حذف المقال الخاص بالجنس تحرجا وصدر العدد وفيه مقالان فصلان عن إبداع يوسف إدريس الذي رضي بالكاد‏,‏ فقد كان يري أنه يستحق عددا كاملا وأظنه‏,‏ الآن‏,‏ علي حق في ذلك
ومرت الأيام‏,‏ وفاجأنا السادات بفصل كل المعارضين لكامب ديفيد من الجامعة‏,‏ وكنت واحدا منهم‏,‏ فجلست في المنزل لأتدبر أمري بعد أن استلمت عملي في الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات وقد تنكر لي الكثير ممن كنت أظنهم أصدقائي‏,‏ مؤكدين ما حذرني منه أمل دنقل‏,‏ وما أسماه الخسة الإنسانية وقد حرص يوسف إدريس علي رعايتي والاقتراب مني عائليا ومعنويا وما أكثر ما كنت أراه مصطحبا زوجه الفاضلة للسهر في بيتي ومعه من ظل علي وفائه للصداقة‏,‏ وبالطبع أولهما عبلة الرويني وأمل دنقل وما أكثر ما قضينا الليالي في الغناء والضحك والسخرية من القرار الذي اتهمنا بأننا أسهمنا في إثارة الفتنة الطائفية فتصور؟ ولم يكن يوسف إدريس يفاجئني في النهار عندما كان يطلبني لأذهب إليه في الأهرام‏,‏ كي نتغدي معا‏,‏ كأنه كان حريصا علي إعلان صداقته لي حتي في هذا الوقت الذي كنت أري فيه من يشيحون عني بوجوههم‏,‏ إذا التقينا في مكان عام‏,‏ كما لو كانوا يخشون أن يحسب عليهم حتي السلام علي من هو في حالي أما يوسف إدريس فكان نموذجا للرجل الشهم المخلص لأصدقائه إلي آخر مدي‏,‏ ولذلك أحببناه حبا خاصا‏,‏ وأوسعنا له مكانة لا تعلوها مكانة في قلوبنا رحمه الله‏.‏
.................... ..................
*الأهرام ـ في 16/6/2008م

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:45 AM
(19) مع الطير

لأحمد أمين
...............

من نعم الله عليِّ أن غنيت حديقتي الصغيرة هذه الأيّام بالطيور، فهذه شجرة ـ لا أدري السرَّ فيها ـ جذبت العصافير الكثيرة إليها، فهي في حركة دائمة حولها وفيها.
هي أحبُّ الحيوان إليَّ وأقربه إلى قلبي، وهي تقوم في عالم الحيوان مقام الأديب والفنان في عالم الإنسان، جمال في شكلها، جمال في هندامها، جمال في غنائها، مرح في حياتها، ظرافة في بناء عشها، حنان في حبها لأولادها.
**
أبرز شيء فيها عواطفها، فهي تُغني استجابة لعاطفة، وتمرح لعاطفة، وتتحبّب لجنسها وأولادها لعاطفة. وبحق علّمت الإنسان، فما يجد الطائر فرصة للفرار حتى يهرب، ولو كان قفصه من ذهب، وحبه أغلى حب، وشرابه ماء الورد، ضنا بحريته أن تُباع بأيِّ ثمن، وأن تسترق بأيِّ جزاء، وحافظ على حريته من مبدئه إلى منتهاه، لا كالإنسان الأبله يرضى بالقيود، ثم يبذلُ في فكِّها الجهود.
**
حلوة الغناء، تُغني حبا، وتغني سروراً ومرحاً، تغني سروراً في موسم الوصال، وتُغني أسىً وضنى وحزناً يومَ الفراق، وكم وددتُ أن يُسجَّل صوت الطيور على اسطوانات أو على شريط الرّاديو حتى أُكرِّرها على سمعي كلما شئتُ، فهي أفعلُ في نفسي من كثير من أغاني الإنسان، ولكن ـ لا ـ لستُ أريد حبسها ولا حبس أصواتها، فلتكن حرة في كل شيء لها، ولو حرمت الاستمتاع بها وبأصواتها.
إنَّ موسيقاها متنوعة تنوع نغمات البيان، علوا وانخفاضاً، ورقة وغلظاً، وقوةً وضعفا، تغني إذا هاجت عواطفها ليلاً ونهاراً، وما أحلاها وهي تُغني فتقفز من شجرة إلى شجرة، ومن سطح إلى سطح، مندفعة في طيرانها بشكل كله خفة ورشاقة! لقد حُرمنا دقة الملاحظة فحسبنا أنَّ كل أصواتها سواء، وأن غناء كل نوع منها متشابه، ولكن ما أبعد هذا عن الحق، فهي تغني مناغاة للحب، وتغني محذرة من خطر، وتغني سروراً بحياة الربيع، وتغني دعوةً إلى الرحيل، وتغني حزناً على فقد حبيب، فما أكثر أغانيها، وما أغبانا من فهمها!
**
لتمنيتُ أن تكون الطيورُ كالأزهار، آنَسَ بها وتأنسُ بي، وأكونُ بجوارِها وتألفُ جواري، ولكنها سيئةُ الظنِّ بالإنسان جدا، ولعلَّها وحدها التي عرفت حقيقة الإنسان فهربت منه، وأبتْ أن يكون بينها وبينه رابطة، تحوم حوله في حذر وتمس أرضه في وجل، وتفضِّلُ حياتها القليلة ـ تتعبُ في البحث عنها ـ على القرب منه، وإن كان معه شبعها وريها، أنفة منه وكراهية له، وضنا بحريتها وطلاقتها.
**
من عظمة الطير أن الإنسان سهل عليه أن يُدرك مزايا الحيوان، فيقلدها وينتفع بتقليدها: تعلَّم من الأسد شجاعته، ومن القرد كياسته، ومن الحرباء تلوُّنها، ومن الذئاب خداعها، ومن الثعالب روغانها، ومن النحل مهارتها في صناعتها، ومن النمل جده وادخاره … إلخ. ولكن مرّت آلاف السنين، وهو يعجب من الطير كيف يطير، وحاول تقليده فلم ينجح، وأخيراً جدّ بعد أن شاب الزمن اهتدى إلى سرِّ طيرانه فطار، وليته لم يطِرْ، فقد عاش الطير منذ خلق وهو يطير من ظلم الإنسان، ولا يظلمُ الإنسانَ، ويطيرُ جمالاً ولا يطيرُ قبحاً، ويطير سروراً إلى عشه، وحنيناً إلى إلفِه، وطلباً في رزقه، فلمّا طار الإنسان لوّن طيرانه بشرِّه، فخرَّب ودَمَّر، وسفكَ وأهلَكَ، وكرَّهَ إليْنا السماءَ والقمرَ، وطأطأ رؤوسنا ممّا لزمنا من عار وخجل! فيا لله للإنسان!

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:46 AM
(20) الشاعر الكبير‏..‏ والشاعر الحقيقي

بقلم: أحمد عبدالمعطي حجازي
........................................

كنت أفضل أن أنتظر بعض الوقت لأكتب عن محمود درويش بعد أن تكون صدمة الرحيل المفاجئ قد خفت والشعور الثقيل بالفقد قد انقشع قليلا‏,‏ ليفتح المجال أمامنا للحديث عن الشعر الذي لابد أن يبقي بعد رحيل الشاعر‏,‏ لكني لم أجد الانتظار لائقا‏,‏ فمحمود درويش لم يكن مجرد شاعر أقرأه في دواوينه‏,‏ وإنما كان أيضا صديقا عزيزا ربطتني به حياة عريضة عشناها بأحداثها الكبري وتفاصيلها الصغيرة بين القاهرة‏,‏ وبيروت‏,‏ وباريس التي طالت إقامتنا فيها‏.‏
واذا كنت قد عرفت محمود درويش كإنسان عن قرب فقد عرفته أيضا عن قرب كشاعر‏,‏ لقد ظهرت في الخمسينيات‏,‏ كما يعرف الجميع‏,‏ من القرن الماضي قبل أن يظهر هو ببضع سنوات فمن الطبيعي أن يصل اليه شعري قبل أن يصل الي شعره‏,‏ خاصة وأنا أنتمي لجيل متمرد خرج في مصر والعراق ولبنان علي تقاليد الشعر الموروثة‏,‏ وأنشأ في الشعر العربي حركة جديدة تبنتها الأجيال التالية واعتنقت مبادئها وتابعت روادها‏.‏ حتي اذا ظهر هو في الستينيات مع غيره من أبناء جيله في مختلف الأقطار العربية ومع الشعراء الفلسطينيين الذين قدمهم لنا الشاعر يوسف الخطيب في مختاراته شعراء الأرض المحتلة قرأناه كما قرأنا سميح القاسم‏,‏ وتوفيق زياد‏,‏ وسالم جبران‏.‏ وكما قرأنا أمل دنقل‏,‏ وممدوح عدوان‏,‏ ومحمد علي شمس الدين‏,‏ وعبدالعزيز المقالح‏,‏ وسواهم‏.‏
كان ظهور هؤلاء الشعراء تصديقا لرهاناتنا الفنية من جانب‏,‏ فحركة التجديد التي شن عليها الشعراء والنقاد المحافظون حربا متصلة أصبحت هي مستقبل الشعر ولم تعد محصورة في روادها وإنما تجاوزتهم لتتحقق في الأجيال التالية التي انضمت لها وأضافت اليها‏.‏ وكان ظهور الفلسطينيين بالذات من جانب آخر تحقيقا لأملنا في أن يبقي في فلسطين المحتلة ما يذكر العالم بعروبتها‏,‏ ويشهد بحق الفلسطينيين في استرداد ما فقدوه‏,‏ الشعر هنا لم يكن مجرد جمال فني أو كمال روحي‏,‏ وإنما كان شهادة للتاريخ‏,‏ وبرهانا ساطعا علي وجود لا يموت ولايزول‏,‏ وعندما ظهرت قصيدة محمود درويش الشهيرة سجل أنا عربي هلل لها الناس واحتفوا بها‏,‏ رغم لغتها البسيطة ولهجتها المباشرة لأنها قالت في الوقت الذي ظهرت فيه ما كنا في حاجة لأن نقوله‏.‏
هذه الوظيفة الحيوية للشعر تمثلها محمود درويش كما تمثلناها‏.‏ وكانت واضحة له كما كانت واضحة لنا‏,‏ فعندما قرر أن يرحل عن الأرض المحتلة ويقيم في الخارج اختار القاهرة‏,‏ لأنها كانت في ذلك الوقت ـ أوائل سبعينيات القرن الماضي ـ هي المكان الذي يستطيع فيه الحالمون بالثورة أن يجدوا أنفسهم وأن يجدوا من يحتضنونهم‏.‏
بعد ذلك بسنوات قليلة قررت أن أترك القاهرة لأقيم في باريس‏,‏ وقرر محمود درويش أن يترك تونس بعد أن ترك القاهرة وبيروت ليقيم في باريس التي استضافتنا معا بضع سنوات‏.‏
ثم كان لقاؤنا الأخير في الملتقي الأول للشعر العربي الذي عقده المجلس الأعلي للثقافة في العام الماضي‏,‏ وبين الستينيات الأولي التي ظهر فيها محمود درويش والسنوات الأخيرة التي سبقت رحيله أصبح محمود درويش ملء السمع والبصر‏,‏ لقد أخلص للشعر أكثر مما أخلص لحياته ذاتها‏,‏ ودخل فيه أطوارا عدة أوصلته في هذا الفن لاكتشافات لم يوفق لها إلا القليلون‏.‏
‏***‏
نستطيع إذن أن نقول مع القائلين إن محمود درويش شاعر كبير لكني أفضل أن أقول عنه وعن أي شاعر مثله إنه شاعر حقيقي‏.‏ أولا لأن الصفة الأولي ابتذلت جدا وأصبحت تطلق علي واحد يستحق ومائة لا يستحقون‏,‏ ثم لأن الاستعمال المجاني لهذه الصفة جعل المقصود بها غائما غير واضح‏,‏ فهي مجاملة أكثر منها إقرارا بحق‏.‏
وربما اختلطت فيها الاعتبارات الفنية باعتبارات أخري سياسة أو اجتماعية‏,‏ علي حين ينصرف الكلام عن الشاعر الحقيقي للشعر وحده‏,‏ وحين ينصرف الكلام للشعر نبحث عن وجه الحق فيه بصرف النظر عن شهرة صاحبه أو عدم شهرته‏,‏ عن مواقفه السياسية التي نتفق معها أو نختلف‏,‏ وعن المكان الذي يحتله الشاعر في المجتمع‏,‏ والعمل الذي يمارسه في الحياة‏,‏ والعلاقة التي تربطه بنا‏.‏
هكذا يكون البحث عن الشعر الحقيقي طريقا الي النقد الحقيقي الذي ينقلنا من الاستجابات العاطفية الساذجة التي يندفع لها البعض ويستغلها البعض الآخر الي معرفة واثقة تساعدنا علي أن نقرأ الشعر قراءة صحيحة نتذوقه فيها ونفهمه‏,‏ ونميز بين مواطن القوة فيه ومواطن الضعف‏,‏ ونكشف عن مفردات تأليفه وتشكيله‏,‏ ونتمثل الدور الذي لعبته الذكري فيه والحلم‏,‏ وما أدركه الشاعر بحواسه وما أدركه بحدسه وخياله‏.‏
ولقد قرأت فيما قيل عن محمود درويش بمناسبة رحيله مبالغات ترفع في الظاهر من قدره وتحط من قدر الشعر‏,‏ حين يتحدث بعضهم عما تفرد به محمود درويش ويبالغ في ذلك الي الحد الذي يبدو فيه وكأن محمود درويش لا يدين لشاعر ممن سبقوه بشيء‏,‏ وكأنه لم يكتب قصيدة ضعيفة‏,‏ وكأنه لم يترك لغيره من الشعراء الأحياء فضيلة من الفضائل التي اجتمعت له وحده ولم يفز واحد منهم بواحدة منها ـ حين نقرأ هذه المبالغات نقول اذن فقد مات الشعر بموته ورحل برحيله‏.‏ حين نقرأ هذه المبالغات التي تنفي الشعر لترفع من قدر الشاعر‏,‏ نخرج منها وقد فقدنا الإيمان بالشعر والشاعر والنقد والناقد‏.‏
ولا شك أن محمود درويش يتفرد بلهجة شعرية وصل اليها بعد عمل متواصل وقدمها كتجربة لم يزعم لها الكمال‏,‏ بل كان جديرا أن يعيد النظر فيها لو امتد به العمر‏,‏ ففيها أكتشافات حقيقية‏,‏ وفيها تجارب واختبارات‏.‏
إلا أن ما يشترك فيه محمود درويش مع غيره من الشعراء أكثر بكثير مما يمتاز به دونهم‏,‏ فضلا عن أن امتيازه ليس نابعا من ذات مغلقة علي نفسها‏,‏ وإنما هو نابع من امتياز اللغة التي كتب بها‏,‏ وناتج عن اتصاله بغيره وحواره مع الشعراء الآخرين‏.‏
غير أن معالجة هذه المسائل في الشعر تحتاج لثقافة وذوق وخبرة لم تعد للأسف متاحة للكثيرين الذين يهرفون الآن في الشعر بما لا يعرفون‏,‏ ويبالغون حتي نصدقهم‏,‏ ويقيسون الشاعر بحجمه لا بقيمته‏,‏ ويحلفون حتي لا نطالبهم بشرح أو تفسير‏.!‏
...................................
*الأهرام ـ في 13/8/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:47 AM
( 21) أحمد فضل شبلول وذاكرة الإسكندرية

بقلم‏:‏ فاروق شوشة‏
.............................

أكتب عنه لأهنئه بجائزة الدولة في شعر الأطفال‏,‏ الشاعر والمبدع السكندري أحمد فضل شبلول‏,‏ ذاكرة الإسكندرية‏,‏ ومؤرخها اليقظ‏,‏ وروحها التي تحمل عطرها إلي كل مكان في مصر وفي خارج مصر‏.‏
وأكتب عنه لأهنئه بجائزة لم يتقدم لها‏,‏ فهو في حقيقته أكبر منها‏,‏ وأعتقد أنها تأخرت عليه في زحام الصراع علي الجوائز والتدافع بالمناكب‏.‏ لكن اللجنة المسئولة عن جائزة شعر الأطفال لم تجد في الأعمال التي تقدم بها أصحابها ما يرقي إلي مستوي الجائزة‏,‏ فاستعملت حقها القانوني في ترشيح ما تراه مناسبا‏,‏ فكانت المجموعة الشعرية لأحمد فضل شبلول بمثابة النهاية الموفقة‏,‏ والعمل الذي اتفق الجميع علي اختياره وترشيحه للجائزة‏.‏
وأكتب عنه لأهنئه بسجله العصامي‏,‏ ورحلته الصعبة مع كل من الحياة والإبداع‏..‏ فبعد حصوله علي بكالوريوس التجارة عمل مديرا للنشر بشركة إعلامية سعودية‏,‏ ومصححا في مطابع جامعة الملك سعود بالرياض‏,‏ لكنه لم يضع وقته‏,‏ وكانت دراسته للكمبيوتر نقلة نوعية في ثقافته واهتماماته‏,‏ وانعطافة مهمة نحو لون من الكتابة الشعرية لا يكتبه غيره‏,‏ يمزج فيه بين معطيات الآلة والوجدان الإنساني‏,‏ بين لغة الأرقام وفضاء الكلمات‏,‏ بين العلم والتكنولوجيا ومغامرة الإبداع‏..‏ وكان من نتائج هذه الدراسة نجاحه في إصدار أول معجم عن شعراء الطفولة في الوطن العربي‏,‏ بالإضافة إلي دواوينه المتتابعة التي ضمنت له موقعه في الخريطة الأدبية والشعرية للإسكندرية‏,‏ ومن أبرزها‏:‏ مسافر إلي الله‏,‏ ويضيع البحر‏,‏ والإسكندرية المهاجرة‏.‏
وأكتب عنه لأهنئه بروحه الشفيفة ونفسه الصافية‏,‏ هو الذي عاني المرارات وتنكر الرفاق في مصر وفي خارج مصر‏,‏ ومازلت أتذكر رسائله الباكية التي بعث بها من خارج الوطن حين وجد ناقدا وأستاذا مصريا بارزا‏,‏ معارا إلي البلد الذي يعمل فيه ـ وهو يشيع عنه في كتابته وأحاديثه أن شعره يتضمن خروجا علي المقدسات والحرمات‏,‏ وهو يعلم أنه بهذا التفسير المغرض يعرضه إلي قطع رزقه‏,‏ فضلا عن تعرضه لمصير لا يعلمه إلا الله‏..‏ ونسي هذا الأستاذ أنه كان يباهي بأنه من رموز التنوير والنقد الجديد‏,‏ لكنه تكشف عن صغار في القدر واتضاع في القيمة‏,‏ ونجا أحمد فضل شبلول من كيده ودسه وتآمره‏,‏ ووضع كل همه في الكمبيوتر‏:‏ الكمبيوتر الصديق خانني‏/‏ لأنني لم أعطه الإشارة‏/‏ ولم أبدل الحروف بالرقم‏/‏ ولم أبرمج المشاعر‏/‏ وأطلق الأوامر‏.‏ الكمبيوتر الذي علمته الحنان والأمان خانني‏/‏ لأنني أدخلت في اللغات والشرائح الممغنطة‏/‏ عواطف الأزهار والأشجار والأنهار‏/‏ وقصة العيون ساعة السحر‏/‏ ورقصة الأغصان والأحلام والمطر‏/‏ أدخلت واسترجعت بسمة العيون‏/‏ إشراقة الحنين‏/‏ نداء هذه لبحار‏/‏ الكمبيوتر المحار‏/‏ علمته الأسرار‏/‏ فخانني ولم يعد يحار‏!‏
الكمبيوتر الصديق‏!..‏ آه من الحديد عندما يخون‏/‏ آه من الأزرار واللوحات والأرقام‏/‏ أطلقت في السوالب الهامدة‏/‏ شعاع كهرباء‏/‏ علمتها البكاء‏/‏ علمتها الفرح‏/‏ رافقتها للبحر والرمال والضياء‏/‏ جعلتها تصادق النوارس المهاجرة‏/‏ وتطلق العنان للأفكار‏/‏ تحب وقتما تريد‏/‏ وتلعب‏/‏ تكهرب القلوب وقتما تشاء‏/‏ وتذهب‏/‏ تحاور العقول والأشياء‏/‏ وتغضب‏/‏ منحتها لسرور والغضب‏/‏ سألتها تخزين كل لحظة تمر بالشموس والنفوس‏/‏ تسجيل أجمل الثواني‏/‏ وأفخم المعاني‏/‏ وأروع الأغاني‏/‏ فعاتبت‏.‏
وإذا كان الكمبيوتر الصديق قد خانك أيها الشاعر والإنسان المرهف‏,‏ فلا تستغرب أن يخونك من تزيا بزي النقاد والأساتذة‏,‏ وحاول بإيذائك أن يكون خادما مطيعا للأسياد‏..‏ ومبروك يا أحمد‏
...................................
*الأهرام ـ في 20/7/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:49 AM
(22) صفقة تطهير الذاكرة

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
.......................

(1)‏
عملية إطلاق سراح الأسري لدي إسرائيل شهادة أعادتنا إلي زمن البراءة والكبرياء‏,‏ وذكرتنا بما نستطيع أن نفعله‏.‏ بقدر ما أن المطالبة باعتقال الرئيس السوداني شهادة ردتنا إلي زمن الانكسار‏,‏ ونبهتنا إلي ما يمكن أن يفعل بنا‏.‏
لا أعرف أي قدر من الدهشة يمكن أن يعتري شباب جيل هذا الزمان حين يطالعون قصص بطولات العائدين‏,‏ ويتعرفون علي هوياتهم‏.‏ أحدهم كان سمير القنطار اللبناني الدرزي الذي انخرط في جبهة التحرير قبل ثلاثين عاما‏,‏ وبدأ نضاله وهو في سن السادسة عشرة‏,‏ إذ نجح مع ثلاثة آخرين في الدخول إلي إسرائيل عن طريق البحر في عام‏1979,‏ واستطاعوا الوصول إلي مستوطنة نهاريا‏,‏ وكان هدف خطتهم هو اختطاف رهائن من الجيش الإسرائيلي لمبادلتهم بالأسري العرب‏,‏ فاشتبكوا مع سيارة للشرطة وقتلوا اثنين من جنودها‏,‏ ثم اقتحموا منزلا واختطفوا رجلا وابنته ليحتموا بهما في تقدمهم‏,‏
لكن الشرطة لاحقتهم وأمطرتهم بوابل من النيران فقتلوا اثنين من الفدائيين‏,‏ واضطر القنطار إلي قتل الرجل وابنته‏,‏ وفي هذه العملية التي صدمت الإسرائيليين ألقي القبض علي القنطار‏,‏ وقرروا الانتقام منه‏,‏ فصلبوه وعذبوه‏,‏ وأصدروا ضده أحكاما بالسجن لمدة‏542‏ عاما‏,‏ ورفضوا أي حديث عن مبادلته تحت أي ظرف‏,‏ حتي اعتبر إطلاق سراحه خطا أحمر‏,‏ وتداول السياسيون والإعلاميون منذ ذلك الوقت عبارة تقول‏:‏ إن إسرائيل لن تلد المسئول الذي سيفرج عنه‏.‏
في أحد التوابيت التي تمت مبادلتها رقد رفات دلال المغربي‏,‏ الفلسطينية ابنة العشرين عاما‏,‏ التي خرجت من أحد المخيمات المقامة في لبنان‏,‏ واختارتها حركة فتح لتكون في قيادة مجموعة ضمت‏13‏ شخصا كلفت في عام‏1978,‏ قبل شهر من عملية سمير القنطار‏,‏ بتنفيذ عملية جريئة‏,‏ استهدفت الاستيلاء علي مقر الكنيست في تل أبيب‏,‏ واحتجاز من فيه رهائن لمبادلتهم بالأسري العرب‏.‏ من البحر جاءوا في قوارب مطاطية أنزلتهم علي شاطئ يافا القريبة من تل أبيب‏,‏ ووصلوا قبل طلوع الشمس إلي الطريق العام‏,‏
حيث نجحوا في إيقاف حافلة ضمت‏30‏ إسرائيليا وأجبروا قائدها علي التوجه إلي تل أبيب‏,‏ وفي الطريق صادفتهم حافلة أخري فأوقفوها وأنزلوا ركابها وضموهم إلي الرهائن المذهولين الذين معهم‏,‏ أبلغت دلال المغربي الجميع بأنهم لا يريدون قتل أحد منهم‏,‏ لكنهم يريدون مبادلتهم مع زملائهم الذين تحتجزهم الحكومة الإسرائيلية‏,‏ وأخرجت من حقيبتها علم فلسطين وقبلته‏,‏ وعلقته في مقدمة الحافلة‏.‏ لاحقتهم قوات الجيش ووضعت الحواجز في طريقهم‏,‏ لكنهم نجحوا في اجتيازها‏,‏ وإلي أن واجهتهم المدرعات الإسرائيلية التي قصفت السيارة وأمطرت عجلاتها بالرصاص‏,‏ ودارت معركة عنيفة أسفرت عن مقتل‏30‏ إسرائيليا وجرح‏30‏ آخرين‏,‏ أما المجموعة الفدائية فقد قتل جميع أفرادها بمن فيهم دلال‏,‏ باستثناء اثنين أحدهما هرب‏,‏ والثاني سقط جريحا‏.‏
‏(2)‏
كل قادم من إسرائيل في عملية التبادل‏,‏ سواء كان حيا أو في تابوت خشبي‏,‏ وراءه قصة أقرب إلي الأسطورة‏,‏ ولم تكن الوقائع وحدها المدهشة في ذلك الزمن‏,‏ الذي يبدو الآن سحيقا وموغلا في القدم‏,‏ وإنما كان المناخ مدهشا بدوره‏,‏ فقد كانت المقاومة قيمة عليا توافق عليها العالم العربي بأنظمته وشعوبه‏(‏ لا تنس أن أحد قادة السلطة الفلسطينية وصف قبل عامين عملية فدائية في إسرائيل بأنها محاولة حقيرة‏!),‏ وكان المقاومون أبطالا يشار إليهم بالبنان‏,‏ والانخراط في صفهم أمل يهفو إليه الشباب العربي في كل مكان‏.‏ أيضا كان العدو واضحا‏,‏ ولا مكان للاختلاف حوله‏,‏ وفي مواجهته كان الإجماع منعقدا علي مستوي القطر والأمة‏,‏ وبطبيعة الحال فإن الصف الفلسطيني كان واحدا برغم تعدد فصائله‏.‏
مجموعة سمير القنطار الدرزي اللبناني لم تذكر الهوية الدينية أو القطرية لأي منهم‏,‏ أما مجموعة دلال المغربي فقد ضمت فلسطينيين ولبنانيين واثنين من اليمنيين‏,‏ وجميعهم كانوا دون العشرين من العمر‏.‏
لم يتم حتي كتابة هذه السطور التحقق من أصحاب الرفات الذي تم تسلمه من الإسرائيليين‏(‏ أكثر من‏190‏ جثة عربية سلمت‏),‏ لكن الثابت أن القائمة التي قدمها حزب الله إلي الإسرائيليين تضمنت أسماء شهداء يمثلون كل ألوان الطيف اللبناني‏,‏ الشيعة‏,‏ والسنة‏,‏ والأكراد‏,‏ والدروز‏,‏ وأعضاء سابقين في جبهة التحرير الفلسطينية وغيرها من الفصائل الفلسطينية‏,‏ والحزب الشيوعي القومي السوري‏.‏
لم يكن المناخ العربي وحده المواتي لمساندة المقاومة والتعويل عليها‏,‏ وإنما كان الظرف الدولي عنصرا مساعدا علي تبني ذلك الموقف‏.‏ كان الاتحاد السوفيتي سندا قويا للأمة العربية في مواجهتها مع إسرائيل‏,‏ فضلا عن أن العرب كان لهم أصدقاؤهم الذين ساندوهم‏,‏ وأخص بالذكر هنا الصين والهند وبقية دول عدم الانحياز‏.‏
مشهد تبادل الأسري عند رأس الناقورة في لبنان يعيد إلي أذهاننا كل ذلك الشريط‏,‏ علي نحو يحيي في ذاكرة الأمة صفحات من تاريخها القريب‏,‏ بعضها كاد يطويه النسيان‏,‏ وبعضها تعرض للمسخ والتشويه‏,‏ فضلا عن ذلك فإنه يثير أسئلة عدة تتعلق بتفسير الموقف الإسرائيلي الذي ذهب إلي حد تجاوز خطوطه الحمراء‏.‏
‏(3)‏
الصدمة كانت عنوانا لتعليقات النخبة الإسرائيلية علي صفقة الرضوان التي حملت الاسم الحركي للشهيد عماد مغنية‏(‏ الحاج رضوان‏),‏ القائد العسكري الأبرز في حزب الله‏,‏ الذي رتب عملية خطف الجنديين الإسرائيليين في عام‏2006,‏ وبسببها شنت إسرائيل عدوانها علي لبنان في صيف ذلك العام‏,‏ إذ وصفها أحدهم بأنها الصفقة البشعة‏(‏ عوفر شيلح في معاريف‏7/18),‏ وقال آخر‏:‏ إن يوم تبادل الأسري هو يوم أسود في تاريخ إسرائيل يجعل المرء يخجل من انتمائه إلي البلد‏(‏ نعومي راجن في يديعوت أحرونوت‏7/17),‏ أما الكتابات والتصريحات التي تحدثت عن فقدان إسرائيل لقدرتها علي الردع‏,‏ وهزيمتها أمام حزب الله في حرب‏2006,‏
التي فشلت في تحقيق هدفيها‏(‏ القضاء علي حزب الله‏,‏ واستعادة الجنديين الأسيرين‏)‏ فهي بلا حصر‏.‏
يهمنا في التعليقات الإسرائيلية تواتر الإشارة إلي أن صفقة التبادل لا ترفع من أسهم حزب الله فقط‏,‏ وإنما من شأنها أن تقوي ساعد المقاومة في العالم العربي‏,‏ وتعيد إلي الأذهان أساليبها ومقدراتها‏,‏ الأمر الذي لا يسبب إزعاجا لإسرائيل فقط‏,‏ وقد يدفع حركة حماس إلي التشدد في شروط إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير لديها جلعاد شاليط‏,‏ ولكنه أيضا يسبب إحراجا للدول المعتدلة في المنطقة‏,‏ التي تصالحت مع إسرائيل‏,‏ وانحازت إلي السلام كخيار استراتيجي لها‏(‏ إسرائيل لم تعلن ذلك‏),‏ وفي الوقت نفسه فإن الصفقة تسبب إحراجا للسلطة الفلسطينية في رام الله التي أدانت المقاومة ولم تحقق شيئا علي صعيد إطلاق أسير واحد من الأحد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية‏.‏
الذين دافعوا عن الصفقة قالوا إنها تعزز مكانة إسرائيل الأخلاقية والقيمية‏,‏ وتبرهن علي أن إسرائيل مستعدة لأن تبذل أي شيء آخر من أجل استعادة أبنائها‏,‏ حتي الأموات منهم‏,‏ وهذا ما قالته ميري ايزن المستشارة الإعلامية لرئيس الوزراء‏(‏ كأن الاحتلال وتجويع الفلسطينيين وإبادتهم بالتدريج لا يخدش مكانة إسرائيل الأخلاقية‏).‏
صحيح أن التقاليد والتعاليم الدينية تدفع إسرائيل إلي الإلحاح علي استعادة رفاة جنودها‏,‏ لكن ذهابها في ذلك إلي حد تجاوز ما اعتبرته خطا أحمر بالإفراج عن سمير القنطار‏,‏ وإعادة رفات دلال المغربي‏,‏ يعطي انطباعا قويا بأن الأمر أكبر من تلك التقاليد والتعاليم‏,‏ وفي التحليلات والتعليقات المنشورة إشارة إلي أن إسرائيل أدركت أن وجود أولئك الأسري لديها يكلفها الكثير‏,‏ والضرر فيه أكبر من النفع‏,‏ خصوصا أن استمرار احتجازهم يغري المقاومة بمحاولة اختطاف جنود إسرائيليين جدد‏,‏ الأمر الذي يعقد الأزمة ويفاقمها‏.‏
بالتوازي مع ذلك فهناك عوامل أخري يتعذر تجاهلها‏,‏ منها مثلا أن إسرائيل تريد أن تنهي القضايا المعلقة مع لبنان‏,‏ بما فيها احتلال مزارع شبعا‏,‏ لكي تفسح المجال للمطالبة بتجريد حزب الله من السلاح‏,‏ باعتبار أن وجود تلك القضايا المعلقة هو الذي يبرر تمسك حزب الله بسلاحه‏,‏ وبإغلاق ملفات القضايا العالقة يسقط ذلك المبرر‏,‏ علما بأن تجريد الحزب من سلاحه ليس فقط مطلبا إسرائيليا يستهدف إفقاده لعنصر قوته‏,‏ ويعد تمهيدا مطلوبا قبل القيام بعمل عسكري ضد إيران‏,‏ لكنه أيضا مطلب أمريكي تبناه مجلس الأمن وأصدر به القرار رقم‏1559‏ الذي صدر عام‏2004,‏ الذي لم يأبه به الحزب‏.‏
علي صعيد آخر فإننا لا نستطيع أن نعزل الصفقة عن أجواء التهدئة التي تطلق إشارتها في المنطقة العربية‏(‏ من غزة إلي مباحثات سوريا وإسرائيل وتركيا‏),‏ وهذه التهدئة تلتقي عندها مصالح أطراف عدة‏,‏ فإسرائيل تريدها لتتفرغ للتعامل مع الملف الإيراني‏,‏ والإدارة الأمريكية تتطلع إليها لكي تضمها إلي رصيد الجمهوريين الخاوي في انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل‏,‏ ذلك أن الحماس للتصويت للمرشح الجمهوري جون ماكين السائر علي درب بوش‏,‏ قد يتراجع إذا وجد الأمريكيون أن ذلك سيؤدي إلي استمرار الحرائق في المنطقة التي تسببت فيها سياسات الأخير‏.‏
‏(4)‏
صفقة الرضوان التي تمت في السادس عشر من يوليو الحالي بدت وكأنها ومضة عابرة في الفضاء العربي المعتم‏,‏ الذي يخيم عليه شعور قوي باليأس‏,‏ ويعاني الانقسام والفرقة‏,‏ بما استصحبه ذلك من شعور بالضعف‏,‏ وانقلاب منظومة القيم السائدة‏,‏ والافتقاد إلي الإجماع العربي حول مختلف قضايا المصير‏,‏ وعلي رأسها قضيتا فلسطين‏,‏ واستقلال القرار الوطني‏.‏
إن شئت فقل إن الصفقة أعادت إلي الذاكرة واحدة من لحظات العزة في زمن الاستضعاف العربي‏,‏ الذي سوغ للأمريكيين احتلال العراق‏,‏ وإعدام رئيسه‏,‏ ثم التحريض علي اعتقال الرئيس السوداني‏,‏ ومباركة كل الجرائم الإسرائيلية والدفاع عنها‏.‏
إن حزب الله بلحظة العزة التي استعادها لم يخترع العجلة‏,‏ لكنه فعل ما ينبغي أن تفعله أي حركة للتحرر الوطني‏,‏ تستمد شرعيتها من إيمانها بعدالة قضيتها وتفانيها في الدفاع عنها‏,‏ ومخاطبة العدو باللغة التي يفهمها‏,‏ وإذا أضفنا إلي ذلك الثقة في النفس وفي الله‏,‏ فإن كل ما يبدو مستحيلا يصبح ممكنا‏.‏
إن الدرس الكبير الذي ينبغي أن نتعلمه من الصفقة أن أعداءنا ليسوا بالقوة التي يصورونها لنا‏,‏ وأننا لسنا ضعفاء بالقدر الذي نتوهمه‏.
.................................
*الأهرام ـ في 22/7/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:50 AM
(23 ) التجريب الأدبي..موهبة..أم تقليد للآخرين ؟!

حوار: د. زينب العسال
..............................

د.ماهر شفيق فريد: ليست تجارب خاصة لكنها تقوم علي إنجازات السابقين
د.حسين حمودة : الجديد يستكشف أرضاً مجهولة ويقدم جماليات جديدة

مع تعدد الأعمال التجريبية في الإبداع المصري. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل التجريب في أدبنا تقليد أم تعبير عن موهبة؟ وما أهم الإبداعات الحديثة التي عنيت بالتجريب؟
التجريب في القرن العشرين كما يقول يوسف الشاروني بدأ بالاتجاه الرومانسي ممثلاً في كتابات جبران وزينب لهيكل وقصص المنفلوطي وخواطره. ثم تحول التجريب إلي الرمز في الثلاثينيات كما في أهل الكهف للحكيم. وكتاب "المنبوذ" لأنور كامل. ويأتي في قالب حوار بين رجل وامرأة. وأهداه صاحبه إلي أعداء هذا الكتاب. ثم جاء محاولات بشر فارس وجماعة السورياليين : رمسيس يونان. وأنور كامل. وجورج حنين. وقد مثلت هذه الأعمال تجاوز التقليدية أعمال لجنة النشر للجامعيين. وأسهمت مجلة "الكاتب المصري" التي كان طه حسين يتولي رئاسة تحريرها في تعميق هذا الاتجاه بتقديم الكتاب الفرنسيين والغربيين بعامة. مثل سارتر وكامي وكافكا. وقدم لويس عوض علي نفس المجلة كتابات الإنجليز المحدثين مثل جويس وت.إس. إليوت. في 1948 ظهرت في مجلة "الفصول" التي كان يصدرها محمد زكي عبدالقادر. كتابات لمحمود أمين العالم وفتحي غانم ويوسف الشاروني وأحمد عباس صالح وعباس أحمد. ونشأت حركة نشطة وجادة في الإسكندرية. وكتب بدر الديب "حرف الحاء". وفتحي غانم "سور حديد مدبب". ثم كتب إدوار الخراط "حيطان عالية" ومحمد منير رمزي "بقايا شموع". ثم ظهر محمد حافظ رجب ودارت معارك بينه وبين فريد أبو حديد وكبار أدباء الفترة. وفي المسرح كتب الحكيم "ياطالع الشجرة "والطعام لكل فم". بعد أن عرضت في مسارح القاهرة الكراسي ليونيسكو ولعبة النهاية لبيكيت وغيرها. وقد وافق الحكيم علي نبرة اليأس التي تخللت المسرحيات الأجنبية. وإن وافق علي الشكل التجريبي. وتعددت الأعمال التي تنحو نحو التجريب مثل أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. والظلال في الجانب الآخر لمحمود دياب. والقاهرة لعلاء الديب. وقصة بهاء طاهر القصيرة "المظاهرة" والتي يبدو بطلها أقرب إلي بطل الغريب لألبير كامي. وقد قدمت شخصياً العديد من الأعمال التي تحمل تجارب جديدة. مثل زيطة صانع العاهات. ومصرع عباس الحلو. وهما كما نعلم شخصيتان في زقاق المدق لنجيب محفوظ. ثم كتبت القصة وما يقابلها. فالرجل والمزرعة وآخر العنقود يقابلهما اعترافات ضيق الخلق والمثانة ومن تاريخ حياة مؤخرة. وهكذا. والآن. لا يوجد ما يذكرنا بالمراحل السابقة من حيث التجريب في الموضوعات والأساليب. لكن الجديد يطل برأسه كما أري من الإنترنت. وبالتحديد مدونات الإنترنت التي يتجاور فيها الشعر والنثر والفنون الأخري. إنه يختلف تماماً عن أدب المطبعة.
زاوية جديدة
والتجريب الحقيقي في تقدير د.ماهر شفيق فريد يصدر عن رغبة في رؤية الأشياء من زاوية جديدة. وكسر قواعد المنظور التقليدي. فالأسلوب التجريبي ثمرة حساسية مغايرة لما هو شائع. ومحاولة لاكتشاف مناطق جديدة من الخبرة لم يتطرق إليها السابقون. وكل عمل فني جيد يشتمل علي عنصر من التجريب بدرجات متفاوتة. وإلا كان تكراراً للأعمال التي سبقته. التجريب مغامرة فنية وعقلية وروحية. تحاول أن تلبي حاجات عصر جديد. وترتبط بالأفكار والتصور والمذاهب الفلسفية التي تميز العصر. لقد كان تجريب السورياليين وثيق الصلة باكتشافات فرويد عن العقل الباطن والدوافع الغريزية وآليات الحلم والرغبة والإحباط. وكان تجريب جيمس جويس وفرجينيا وولف في استخدام المونولوج الداخلي وثيق الصلة بنظريات عالم النفس الأمريكي وليم جيمس. عن تيار الشعور. وتداعي الأفكار. وكانت رواية بروست "البحث عن الزمن الضائع" وثيقة الصلة بفكرة الديمومة عند معاصره الفيلسوف برجسون وأبحاثه عن الذاكرة ومعطيات الشعور وهكذا. وأعتقد أن الفترة الذهبية للتجريب في أدبنا المعاصر هي في عقد الأربعينيات من القرن الماضي. كانت فترة جيشان سياسي واجتماعي وصراع بين الأيديولوجيات. هذه هي الفترة التي بدأ فيها يوسف الشاروني وإدوار الخراط وفتحي غانم وبدر الديب تجاربهم القصصية الأولي. وواكبهم رمسيس يونان وفؤاد كامل في الفن التشكيلي. وفي فترة تالية ظهرت تجارب محمد حافظ رجب في القصة القصيرة. وحركة الشعر الحر علي أيدي عبدالصبور وحجازي وأبو سنة. وتطويع صلاح جاهين شعر العامية لأعمق التأملات الفكرية. وإفادة ألفريد فرج من التراث العربي وكتاب ألف ليلة وليلة ومسرح بريخت. وإبداع يوسف إدريس فناً قصصياً مصرياً يتمرد علي قوالب القصة الغربية. وإن أفاد منها. وتجارب جبريل والغيطاني وصنع الله في الإفادة من التراث والفولكلور. واستخدام طبقات التاريخ في نقل مشاغل الحاضر واهتماماته. والتوثيق الصحفي إلي جانب الخيال الفانتازي والبعد الصوفي. بل إن أدباء من جيل أسبق عمدوا إلي التجريب. مثل إفادة توفيق الحكيم من مسرح العبث الأوروبي. وتطعيمه بمادة فولكلورية في "ياطالع الشجرة". وابتكاره شكل المسرواية في "بنك القلق". وكما هو الشأن في كل تجربة جديدة. فإننا نجد في مقابل كل عمل أصيل عشرة أعمال زائفة. تقوم علي المحاكاة والرغبة في الإبهار. ولا تنبع من موهبة حقيقية. لقد ظهر علي سبيل المثال عشرات المقلدين لإدريس في مرحلة الواقعية الطبيعية. لكنهم سقطوا من الذاكرة الأدبية. وفي اعتقادي أن أبرز المجددين فكراً وتقنية في المشهد الأدبي اليوم: اعتدال عثمان ومحمد المخزنجي ونبيل نعوم في القصة القصيرة. ومحمد سلماوي في المسرح. وحسني حسن في الرواية. ومن الراحلين كانت هناك تجارب مهمة ليحيي الطاهر ومستجاب وخيري عبدالجواد. لكن اللحظة الراهنة ليست لحظة تجريب بصفة خاصة. إنما هي لحظة بناء علي منجزات أجيال سابقة.
أرض مجهولة
ويري د.حسين حمودة أن التجريب يفترض أنه يمثل درجة متقدمة من درجات المغامرة الفنية. بمعني أنه يبحث عن معايير ومقاييس جديدة للفن. والإبداع بشكل عام لا يكتفي بالجماليات السائدة. إنما يغامر باستكشاف أرض مجهولة. وجماليات جديدة. الفنان المجرب أقل اقتناعاً من الفنانين الآخرين بما هو سائد من جماليات وآفاق فنية. إنه يخوض في أرض مجهولة بحثاً عن أفق جديد. وهناك مبدعون بحكم طبيعتهم. أو بحكم ما لست أدري يميلون دائماً إلي مساءلة ما أنجزوه. ويطمحون دائماً إلي تجاوز تجاربهم السابقة. ومن بين هؤلاء المبدعين قلة نادرة. امتلكوا قدرة هائلة علي النسج. بمعني أنهم كانوا يبدأون مراحل جديدة في أعمالهم كأنها بدايات متجددة في إبداعهم. فيها شيء من الشعر. وشيء من الحكمة. وشيء من السرد. وشيء من لغة الحلم. وهي بذلك تمثل ما يشبه المثار الجديد في تجربة نجيب محفوظ التي كانت متجددة دوماً.
وتشير د.سحر الموجي إلي أن عبارة التجريب تنطبق الآن علي جيل التسعينيات. مثل مصطفي ذكري وإلي حد ما منتصر القفاش. وما قدمه أحمد العايدي ومنصورة عز الدين. وتقول الموجي إنه من الصعب أن نقدم قوالب جديدة. نعم. نحن نأخذ القوالب الغربية. ونضع عليها مضاميننا وأسئلتنا. وهذا ليس ضد العمل. لكن الفيصل هو الأسئلة التي يطرحها العمل. وسكة التجريب التي يسير فيها.
.................................................. .
*المساء ـ في 26/7/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:53 AM
( 24 ) عبد المنعم عوّاد يوسف ودوره الريادي في حركة الشعر الحر

حاوره: بهاء عوّاد
................

أولا: نهنؤك على صدور المجلد الأول من أعمالك الشعرية الكاملة، والذي يضم خمسة دواوين، هي: هكذا غنى السندباد، وبيني وبين البحر، ولكم نيلكم ولي نيل، وكما يموت الناس مات، وأغنيات طائر غريب.
وسؤالنا: ماذا يبقى للمجلد الثاني؟
-المجلد الثاني الذي سيصدر قريباً يضم ستة دواوين: أربعة منها سبق نشرها منفردة، هي: للحب أغني، والشيخ نصر الدين والحب والسلام، والضياع في المدن المزدحمة، وعناق الشمس. واثنان لم يسبق نشرهما، هما: المرايا والوجوه، وعندما نادتني عيناك.
*هل يُمثِّل هذا كل نتاجك الشعري؟
-لا بالطبع، هناك ثلاثة دواوين للأطفال هي: «عيون الفجر» الذي نشرته دائرة الثقافة بالشارقة، إلى جانب «ساحرة الأفق الشرقي» و «الطفل والزهرة» اللذين نشرتهما الهيئة المصرية للكتاب، والمسيرة مستمرة بإذن الله، ولهذا كنت أُفضِّل أن يكون العنوان «الأعمال الشعرية» فقط، لا الأعمال الكاملة باعتبار أن الاكتمال لا يكون إلا عند التوقف عن كتابة الشعر، وأنا ـ ولله الحمد ـ مازلت مستمرا في كتابته.
*ونحن أيضاً نرجو أن يتواصل العطاء، وسؤالنا التالي:
جاء في النبذة المنشورة على الغلاف الأخير من المجلد الأول هذه العبارة «والشاعر عبد المنعم عواد يوسف أحد روّاد الشعر الحديث الذين امتلكوا ناصية اللغة وحسَّ التركيب، وتواصلوا مع التراث والحداثة معاً». فهل تتفضَّل بإجلاء دورك في الحركة الشعرية المعاصرة؟
-يوضِّح هذا الدور الدكتور صلاح رزق في مقدمته للمجلد الأول بقوله «ينتمي عبد المنعم عواد يوسف إلى تلك الكوكبة الرائدة التي امتلكت جسارة الاجتراء على تحويل تيار التدفق الشعري إلى منعطف جديد مشرب بروح الاستكشاف ولذة الافتراع .. تلك الكوكبة التي ضمّت في طليعتها صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وعز الدين إسماعيل ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأحمد عبد المعطي حجازي، وفي ركبهم سار حسن فتح الباب وكامل أيوب وكمال عمار وكمال نشأت ومجاهد عبد المنعم مجاهد ومحمد الفيتوري ومحمد مهران السيد … وغيرهم.
لقد سجل عبد المنعم عواد يوسف مكانه في صدارة جهود الفريق الأول بقصائده: زهرة تذوي، والكادحون، وكما يموت الناس مات».
ويؤكد هذه الحقيقة من قبل الدكتور علي شلش في كتابه «اتجاهات الأدب ومعاركه في المجلات الأدبية في مصر» حيث يقول في ص99 من الكتاب المذكور: «لم يحدث قبل عام 1952م أن نشرت المجلات شيئاً من محاولات الشباب في كتابة الشعر القائم على التفعيلة الواحدة، مما سمي بعد ذلك باسم «الشعر الحر» وقد اتخذ هذا النوع معنى مختلفاً عن معنى الشعر الحر الذي ساد في الثلاثينيات والأربعينيات، ورأينا بعض نماذجه هنا، حيثُ قامت على تعدد البحور. فقبل أسابيع من توقف «الثقافة» انفردت بنشر بعض محاولات الشعراء في هذا المجال، ولم تكن هذه المحاولات قد توسّعت في نظام التفعيلة الواحدة بعد؛ وقد شارك فيها صلاح عبد الصبور وعز الدين إسماعيل وعبد المنعم عواد يوسف».
وأذكر أنني حينما نشرت قصيدتي «الكادحون» عام 1952م قابلني صديقي الشاعر محمد مهران السيد ثائراً، واتهمني أنني أسعى إلى إفساد شعرنا العربي بمثل هذه المحاولات الدخيلة عليه ـ على حد قوله آنذاك ـ وحينما تيقّن مهران أن الدافع الحقيقي إلى كتابة هذا اللون هو التطور ومسايرة روح العصر، لا الإفساد أو التخريب أقبل على كتابته حتى أصبح من فرسانه المعدودين.
*وهل تتحقق الريادة بمجرد السبق والنشر؟
-لا بالطبع، فمن يرجع إلى قصيدتيَّ «الكادحون» و«كما يموت الناس مات» سيلمس نضجاً فنيا أشاد به النقاد، ويكفي أن قصيدتي «وكما يموت الناس مات» كان يعدها ناقد مرموق ـ هو المرحوم الدكتور عبد المحسن طه بدر ـ فتحاً جديداً في الشعر العربي، ويؤكد ذلك تأثر شعراء كبار بها، ويكفي أن الشاعر الكبير أمل دنقل قد ضمَّن إحدى قصائد ديوانه «مقتل القمر» مقطعاً منها.
*الأمر الذي لا شك فيه أن هذه التجربة الإبداعية التي امتدّت إلى ما يُناهز نصف القرن قد تحددت في سمات موضوعية وفنية محددة، نطمع أن تفصل لنا ذلك.
-أستطيع من الناحية الموضوعية أن أُجمل تجربتي الإبداعية في عدة محاور، منها المحور العاطفي الذي يدور حول قصائد الحب والوجدان، ومنها المحور الصوفي الذي يدور حول المواجيد والإشراقات الروحية، ومنها المحور الذي يدور حول الغربة والبُعد الطويل عن أرض الوطن ومُعاناة الاغتراب، ومنها المحور الوطني الذي يتبلور حول قضايا الوطن السياسية ومعاناة الواقع والمجتمع. ومنها المحور القومي الذي يتبنى مشكلات وطننا العربي الكبير وقضاياه المصيرية كالقضية الفلسطينية مثلاً. وأخيراً المحور القائم على تأمل قضايا الوجود الكبرى وما وراء الطبيعة.
هذه بإيجاز أهم المحاور الموضوعية لتجربتي الإبداعية.
أما من الناحية الفنية، فأحاول إثراء معجمي الشعري مع الحرص على واقعيته وبساطته وتنوع موسيقاه وشفافية صوره، والارتكاز على الرمز وتوظيف الموروث العربي والفرعوني والإنساني، وخصوصية البناء الكلي للقصيدة.
وعن البناء الموسيقي للتجربة، فأنا أعتمد على التنوع الإيجابي في التشكيل الموسيقي. وإيماناً مني بدور الموسيقى في تشكيل بنية الشعر، وما يُمكن أن تؤديه في إنجاز هذه المهمة الفنية بالصوت واللفظ والتركيب والترديد والتكرار في كل سياق. كما أعتمد على عنصر التدوير الموسيقي، بحيث تتواصل عدد التفعيلات مع الوقفة الشعورية المراد التعبير عنها، فتصل أحياناً إلى أكثر من مائة تفعيلة لتنتهي بقافية تتوحّد في بقية المقاطع التي يشكل كل منها هذه الدفقة الشعورية.
هذا إلى جانب التكثيف الشديد في بعض التجارب التي تشكل ما يسمى بشعر اللقطة القائم على المُفارقة.
*هذه التجربة الثرية، وهذا العطاء الكبير الذي وصل إلى أحد عشر ديواناً .. هل تعتقد أنه لاقى المُلاحقة النقدية التي يستحقها؟
-الحقيقة أن غيابي عن مصر فترة طويلة جعلني بعيداً عن دائرة النقد، ولكنني بعد عودتي إلى مصر ـ ويبدو أن البعيد عن العين بعيد عن النقد ـ قد لاقيت عناية خاصة من النقاد بأعمالي الشعرية تبلورت في عدد من المداخلات النقدية الهامة بالإذاعة والصحف لنقاد مرموقين من أمثال الدكاترة صلاح فضل وأحمد درويش ورمضان بسطويسي وحسن فتح الباب، وصلاح رزق، وحسين علي محمد، ووليد منير، ومحمد عبد المطلب، ومجاهد عبد المنعم مجاهد، ومصطفى الضبع … وغيرهم.
كما أن أكثر من رسالة جامعية تعرّضت لأعمالي الشعرية، وآخرها رسالة دكتوراه بكلية دار العلوم للدكتور قطب عبد العزيز، هذا إلى جانب رسالتين للماجستير إحداهما بكلية اللغة العربية ـ جامعة الأزهر، فرع دمنهور، والأخرى بآداب بنها، تم تسجيلهما حول تجربتي الإبداعية، ودراستها فنيا.
كما أسعدني أخيراً أن تخصص لي مجلة «الثقافة الجديدة» ملفا خاصا تناول فيه تجربتي الإبداعية بالدراسة والنقد أكثر من ستة باحثين ونقاد، والشكر لله على كل حال.
*ورد في حديثك عن مجمل أعمالك الشعرية أن لك ثلاثة دواوين للصغار .. فما مدخلك إلى أدب الطفل؟
-أحاول في شعري الموجّه للصغار أن أحببهم إلى هذا الفن الجميل، ومن ثم فقصائدي للصغار ليست مجرد أناشيد، وإنما هي قصائد حقيقية تتواءم مع مدارك الطفل الذي أتوجّه إليه بالخطاب، مع الحرص على توفر كل القيم الفنية التي يتطلبها الشعر الحقيقي من معجم شعري موحٍ، وتشكيل بالصورة، واعتماد على الرمز، مع بناء موسيقي رفاف يتعانق مع التجربة، مع تجنب الوعظ والإرشاد وإزجاء النصيحة.
*حصلت منذ سنوات على جائزة الدولة في الشعر، (وكان ذلك عام 1994م)، فما الجوائز الأخرى التي حصلت عليها؟
-حصلت على الجائزة الأولى في الشعر عام 1960م من مهرجان دمشق بقصيدتي «الأطفال والذرة»، كما حصلت في العام التالي (1961م) على الجائزة نفسها من مهرجان دمشق أيضاً عن قصيدتي «قصة لاجئ». كما حصلت على جائزة الشعر الأولى من رابطة الأدب الحديث عام 1962م عن قصيدتي «ولدي علاء»، كما حصلتُ على شهادة امتياز من جمعية كفافيس العالمية على دوري الريادي في الشعر.
*يُقال إن لك موقفاً ضد قصيدة النثر .. فما قولك في ذلك؟
-أولاً: أنا لستُ ضد قصيدة النثر بشكل مطلق، وإنما أنا ضد قصيدة النثر التي يكتبها أدعياء وعاجزون لا يستطيع الواحد منهم أن يكتب سطراً واحداً موزونا .. وأنا لا أرفض قصيدة النثر لمجرد خلوها من الوزن، فليس بالوزن وحده يتحقق الشعر. فإذا ما توافرت في القصيدة الشروط الفنية التي تجعل منها شعراً حقيقيا فسوف أقبل عليها حتى لو خلت من الإيقاع الخارجي؛ فالقصيدة لها إيقاعها الداخلي الذي به وحده يتحقق الشعر.
كيف أرفض قصيدة نثر جيدة يكتبها شعراء حقيقيون أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس ومحمد صالح … وغيرهم.
وأنا لي شخصيا قصيدة نثر يتيمة أشار إليها الدكتور محمد عبد المطلب في كتابه الذي تناول فيه هذا الإبداع بعنوان «النص المُشكل» .. وأكرر إنه اتهام باطل من أساسه، فالقصيدة الجيدة تستأثر بمشاعري سواء أكانت موزونة أم غير موزونة، المهم أن تتحقق فيها العناصر الفنية التي تجعل منها فنا شعريا حقيقيا؛ فالوزن وحده لا يُحقق الشعر وإلا لكانت ألفية ابن مالك شعراً.
*ما رأيك فيمن يقولون إن الشعر لم يعد فن العربية الأول، وأنه قد تخلى عن عرشه الذي طالما احتله للرواية؟ فهل حقا نحن في عصر الرواية؟ وهل يغلب عليك التشاؤم حول مستقبل الشعر؟
-الشعر بخير، ولا يعيش مأساة كما يتصوّر البعض، وما يتصوره البعض انزواء، أراه أنا دليل صحة. الشعر يعيش انتعاشة غير مسبوقة، وكثافة نوعية. وسيظل الشعر ديوان العرب .. ربما يكون الزعم بأننا نعيش عصر الرواية يكمن وراءه أن كثيراً مما يُنشر من الشعر لا يجد المتلقي ذاته فيه، ربما بسبب الغموض المفتعل في بعض النماذج في الوقت الذي مازالت تحرص فيه الرواية على أن تكون مرآة لمجتمعها، أو أن المعطيات والمستجدات الاجتماعية تفرض روحها بقوة على الروائي، كما أن الرواية غنية بالتفصيلات الإنسانية والاجتماعية فتعبر عن ذوات متعددة لا ذات واحدة كما هو الحال في القصيدة، فالمتلقي يجد نفسه دائماً في الرواية على أية صورة من الصور، وربما رأى بعض المتلقين في غموض القصيدة ما يعني أنها أدارت له ظهرها، فكان أن أدار لها ظهره .. ومع كل ذلك أُكرر أن الشعر بخير.
*عشتَ فترةً طويلة في دولة الإمارات العربية، فما تأثير هذه الإقامة الطويلة في تجربتك الإبداعية؟
-اعتز اعتزازاً خاصا بهذه الفترة العزيزة من حياتي التي قضيتها في دولة الإمارات، وكان حصيلتها مجموعة من الأصدقاء الأعزاء من أدباء الإمارات وكتابها الذين مازالت تربط بيني وبينهم أواصر عميقة من الصداقة الحقة، كما أن هذه الإقامة الطويلة قد تركت بصماتها على تجربتي الإبداعية، ومن يقرأ ديواني «بيني وبين البحر» و «هكذا غنى السندباد» سيجد أصداء كثيرة لما ترسّب في نفسي من رؤى وتجارب عزيزة على نفسي بحكم هذه الإقامة التي امتدت إلى ما يقرب من ربع قرن.
إن الحياة في الإمارات بطبيعتها ومناخها الخاص وحياة الناس فيها قد شكّلت ملامح أساسية في هذه التجربة، بل أستطيع القول: إن بعض قصائدي في هذين الديوانين اللذين أشرت إليهما تعتبر تسجيلاً لتجارب ذاتية عشتها في هذه الدولة العزيزة على نفسي، بحيث أعتبر هذه القصائد جزءاً من سيرتي الذاتية.
ــــــــــــــــــ
(من كتاب "الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عواد يوسف، للدكتورين حسين علي محمد، وخليل أبو ذياب)

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:55 AM
(25 ) إذا قامت فلسطين الدولة

بقلم : أمين هويدي
...................

يشير تطور الأحداث علي المستويين الاقليمي والعالمي الي أن الدولة الفلسطينية سوف تخرج الي عالم الوجود قبل نهاية عام‏2008‏ مالم تلعب الأيادي الخفية لتحول دون ذلك‏.‏
هذا الحدث ـ إن تم ـ سوف يتحقق باتفاقيات تعبر عن توازن قوي الأطراف الموقعين عليه وليس عن توازن مصالحهم‏,‏ وتعبر في نفس الوقت عن الأمر الواقع الجغرافي أكثر مما تعبر عن الحقوق التاريخية‏..‏ تحقق الأغراض الناقصة للأطراف وتترك استكمالها للمستقبل في عبارات غامضة لأن الغموض هو الذي يفتح المجال لمزيد من الحوار‏...‏ إذن هو سلام واقعي‏Real‏ وليس سلاما كاملا‏Perfect,‏ يزيل كل التناقضات لأن هذا مجرد وهم‏..‏
ومن الطبيعي أن يوافق البعض علي الاتفاقيات التي تضع فلسطين مرة أخري علي الخريطة‏,‏ ومن الطبيعي أيضا أن يعترض البعض الآخر ـ وفي تقديري أنه يمكن التجاوز عن ذلك ـ لأن الدول لاتبني بوعود أو ضمانات أو اتفاقيات‏,‏ ولكنها تبني بحكم قادتها وسواعد أبنائها‏.‏
تيودور هرتزل لم يعجبه وعد بلفور في بداية الأمر ـ كما ورد في مذكراته ـ فقد تحدث عن وطن قومي ولم يتحدث عن دولة يهودية في فلسطين ولكن المولود كبر وأصبح دولة في المنطقة التي أخترناها وهذا قول واقعي فقد تمكنوا من تحويل ماكتب علي ورق الي واقع علي الأرض‏..‏
والحدث إن تحقق حدث مهم يعتبر نقطة تحول خطيرة في المنطقة يضع الجميع أمام مسئوليات خطيرة ـ وبهذه المناسبة أذكر أنه بعد اتفاقية إيفيان التي اعترفت باستقلال الجزائر أن الأخ كريم بلقاسم عضو مجلس الثورة الجزائري مر علي منزلي وهو في طريقه للعودة الي الجزائر وعلي مائدة عشاء سريع قال لي بلهجته البربرية المحببة سي أمين‏.‏ لقد انتقلنا من الجهاد الأصغر الي الجهاد الأكبر ولم أكن أعلم وهو يفارقني ولا هو ايضا أن هذا اللقاء هو آخر لقاء يتم بيننا لأنه قتل بعد ذلك بفترة وجيزة في أوروبا في الصراع الخشن علي السلطة بين الزملاء الذين وحدهم الصراع ضد المستعمر وفرقهم الصراع عليها بعد ذلك ولم يكن كريم هو آخر ضحايا هذا الصراع‏...‏
وفي ظني أن أهم وأخطر قضية تفرض نفسها علي الأخوة وهم يبدأون أول خطوة في طريق الجهاد الأكبر هو موضوع وحدة القيادة السياسية حتي تتحرك الأمور برأس واحد وهذا أمر صعب في عالمنا العربي‏,‏ حيث نجد دولة مثل لبنان سارت بلا رأس لعدة شهور بالرغم مما في ذلك من أخطار علي الأمن القومي للبلاد‏,‏ نجد في نفس الوقت في فلسطين و هي دولة تحت الإنشاء رءوسا كثيرة تتحرك دون دولة يصعب اللقاء بينها ويصعب اتفاقها علي كيفية حراسة بوابات العبور لتمر منها عربات السولار والغذاء والماء والدواء‏...‏
وهنا يتساءل المرء كيف يكون عليه الوضع لو استمر هذا الحال الذي تتصارع فيه الرءوس بلا دولة لينتقل الي صراع نفس الرءوس وقد أصبح لها دولة؟‏!!‏ الأمر يحتاج الي وحدة القوي لأن الطريق شائك وصعب أوهكذا أظن‏.‏
مرت اسرائيل قبل إعلان الدولة بمراحل تعددت فيها عصابات الإرهاب مثل إلهاجاناة‏,‏ شتيرن زفاي ليومي‏,‏ الأرجون إلا أنها تحولت الي احزاب سياسية تحت زعامة أحد الإرهابيين وهو دافيد بن جوريون وأنتخبته كرئيس للوزراء ووزير للدفاع إلا أن عقبة كبري كانت تعترض الطريق وهي تعدد الأذرع العسكرية للعصابات الإرهابية والدولة لابد أن يكون لها جيش واحد بقيادة عسكرية واحدة تعمل تحت قيادة سياسية واحدة الأمر الذي جعل بن جوريون يدعو الي مؤتمر في أبريل‏1948‏ إتفق فيه علي أن تحل العصابات نفسها وتحريم قيام الجيوش الخاصة لتتبع الحكومة الأسرائيلية
إلا أن عصابة الأرجون بقيادة مناحم بيجين عادت وانسحبت من الأتفاق بل وبالرغم من أن بن جوريون كان قد أصدر أمرا بصفته وزيرا للدفاع بأن تلغي أي اتفاقات تسليح تكون العصابات قد عقدتها قام مناحم بيجين بإصدار أوامر الي عصابته بتفريغ شحنة مهمات وأسلحة من علي سطح الباخرة ألتالينا ـ‏Altalina‏ الي البر لحساب عصابة الأرجون رافضا كل محاولات الوصول الي أتفاق فأصر بن جوريون علي موقفه حتي لو أدي الأمر الي قيام حرب أهلية وأمر ايجال آلون قائد البالماخ وقتئذ بأن يغرق الباخرة بالمدفعية ونفذ آلون الأمر في نفس الليلة فانفجرت السفينة بما عليها من ذخيرة وأسلحة وقتل في هذه العملية مائة اسرائيلي وأودع مئات من الأرجون في السجون كل ذلك حدث في سبيل توحيد الجهود لتسيير المركب تحت قيادة ربان واحد وإلا غرقت بمن عليها‏.
أقرأ من صفحات التاريخ بصوت عال حتي يسمعني الأخوة وهم يتهيأون لخوض بحار الجهاد الأكبر المتلاطمة ويعملوا علي تنفيذ الدروس والنقاط والعبر من الآن كأساس لترتيب البيت وتنظيم أجهزته والتفكير في اليوم التالي‏..‏ أعني اليوم الذي يلي توقيع الاتفاقيات لتصبح فلسطين دولة واختم بعدة نصائح صادرة من قلب شيخ عاش القضية وسار في بعض دروبها‏.‏
*‏ العمل في نطاق دولة يختلف تماما عن العمل في إطار منظمة أو جماعة لأن العمل فوق سطح الأرض يختلف عن العمل تحت سطح الأرض‏.‏
‏*‏ ميزوا بين الأعداء والأصدقاء ووحدوا نظرتكم للعداوة والصداقة فصديق البعض صديق الكل وعدو البعض عدو الكل‏.‏
‏*‏ فكروا بعقولكم كجبهة واحدة وابنوا بسواعدكم كآلة واحدة والتاريخ أمامكم فخذوا منه الدروس حتي تتجنبوا تكرار الخوض في أحداثها فهذا يوفر كثيرا من الجهد والدم والدموع فالأشلاء والجماجم التي ملأت طريق المقاومة فيها الكفاية‏.‏
‏*‏ الدولة لها رأس واحد يتمثل في القيادة السياسية ولها عين واحدة تتمثل في القيادة العسكرية التي تعمل تحت القيادة السياسية لها علم واحد ونشيد واحد تحت شعار إن عشنا فلنعش للوطن وإن متنا فلنمت تحت العلم‏..‏
..................................
*الأهرام ـ في 29/7/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:56 AM
(26) عاصـــــــــــفة عـلي تركيـــــــــــــــا

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
............................

لا تكف تركيا عن ادهاشنا حتي في السياسة بصراعاتها التي لا تهدأ‏,‏ حتي جعلت المحكمة الدستورية تنظر الان في محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة تهديد نظام الدولة التي يدير شئونها‏!‏
‏(1)‏
هي بلد المفاجآت السياسية بامتياز‏,‏ الامر الذي دعا سليمان ديميريل رئيس الجمهورية الاسبق الي القول بانك في تركيا لا تستطيع ان تعرف ماذا سيحدث خلال الاربع والعشرين ساعة التالية‏.‏ لذلك فلا غرابة في ان تكون احدي اهم مشكلات الصحفيين هناك انهم يجدون انفسهم مضطرين للركض و اللهاث طوال الوقت وراء مسلسل الاحداث التي لا تستكين‏.‏
احدث حلقات ذلك المسلسل وقعت امس‏((‏ الاثنين‏)‏ حين بدات المحكمة الدستورية في نظر دعوي المطالبة باغلاق الحزب الحاكم و حرمان قياداته من العمل السياسي‏,‏ في مقدمتهم رئيس الجمهورية المنتخب و رئيس الوزراء‏.‏ و في الوقت ذاته يجري الاعداد لمحاكمة‏88‏ شخصا آخرين يشتبه في انتسابهم الي اخطر منظمة في التاريخ التركي المعاصر‏,‏ بتهمة الاعداد للقيام بانقلاب ضد الحكومة في العام القادم‏.
المشهد من الخارج يبدو صراعا بين حزب العدالة و التنمية الذي يلاحق قادته و اعضاؤه بتهمة خلفيتهم الاسلامية‏,‏ و بين قوي التطرف العلماني‏.‏ لكنه في حقيقته صراع بين نخبة محدودة احتكرت السلطة منذ ثمانين عاما‏,‏و بين المجتمع الذي اعرض عنها و صوتت اغلبيته للطرف الذي اقتنعت بانه الاصدق في التعبير عنه‏.‏ الباحث التركي البروفيسور محمد التان وصف ما تشهده البلاد الآن بانه انتقال في الجمهورية التركية الاولي الي الجمهورية الثانية‏.‏
الاولي هي دولة‏'‏ الاتحاد و الترقي‏',‏ و تلك المنظمة السرية التي اطاحت بنظام السلطان عبد الحميد الثاني‏,‏ بواسطة المؤامرات السرية‏,‏ ثم حكمت تركيا منذ مطلع القرن العشرين الي قيام الجمهورية‏.‏ ويعتقد الاستاذ التان و معه عدد من المثقفين الديمقراطيين ان جمعية الاتحاد و الترقي تناسلت و استمرت منذ حكم اتاتورك و حلفائه الي يومنا هذا‏.‏ و هي تقوم علي عقيدة نخبوية تزدري الشعب و تعادي الدين‏,‏ و تحصر امتياز الحكم في نخبة ضعيفة ذات رسالة تبشيرية تنويرية‏.‏ و لاجل الحفاظ علي امتيازات حكمها‏,‏ فانها لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل المشروعة و غير المشروعة‏.‏ اما الجمهورية الثانية فهي التي تطوي تلك الصفحة فتستبدل حكم الشعب بحكم النخبة المحتكرة‏,‏ و تتصالح مع الدين و لا تعاديه‏.‏
‏(2)‏
في شهر مارس الماضي قدم المدعي العام التركي عبد الرحمن يلشن قايا طلبا الي المحكمة الدستورية العليا دعا فيه الي حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم‏,‏ و منع‏71‏ شخصا من قياداته واعضائه من ممارسة النشاط السياسي لمدة‏5‏ سنوات بتهمة استهداف النظام العلماني و محاولة قلبه‏.‏ قدم الرجل‏17‏ ملفا الي المحكمة حفلت بالادلة و القرائن التي استند اليها في دعواه‏.‏ وكان منها اخبار نشرتها الصحف تحدثت عما يلي‏:‏ اتجاه الحكومة الي تجميع الحانات التي تبيع الخمور في اماكن معينة بالمدن‏-‏ منع بلدية استنبول اعلانات مايوهات البكيني في الميادين العامة‏-‏
تخصيص حافلة ركاب لطالبات ثانوية الائمة و الخطباء في استنبول‏_‏ تصريحات اردوغان‏(‏ رئيس الوزراء‏)‏ بعد قرار المحكمة الاوروبية بشان حظر الحجاب‏,‏ التي قال فيها ان موضوع الحجاب يجب ان يسال فيه العلماء‏-‏ اتهام رئيس بلدية من اعضاء الحزب الحاكم بانه روي ذات مرة طرفة‏(‏ نكتة‏)‏ عن اتاتورك ـ قول رئيس البرلمان السابق بولنت ارينج بانه لا يؤمن بالعلمانية بشكلها المطبق في تركيا‏.
رغم ان هذه الادعاءات المضحكة كلها انبنت علي اخبار نشرتها الصحف التي هي احدي ادوات الصراع‏,‏ الا ان المدعي العام استند اليها في اتهام الحزب الحاكم بانه يسعي الي تقويض النظام العلماني و يعمل بصورة خفية علي اقامة دولة اسلامية‏!‏
المحكمة الدستورية قبلت باجماع اعضائها الاحد عشر النظر في دعوي الحظر‏,‏ حيث لم تكن هذه هي المرة الاولي التي تبحث فيها قضية من هذا النوع‏.‏ اذ منذ تاسيسها في عام‏1963‏ قامت بحظر‏24‏ حزبا‏,‏ كانت الاحزاب ذات الخلفية الاسلامية او الكردية في المقدمة منها‏.‏ اذ في عام‏1970‏ قضت بحل حزب‏'‏ النظام العام‏'‏ الذي اسسه نجم الدين اربكان‏,‏ و في عام‏1988‏ حلت حزبا آخر اسسه اربكان باسم‏'‏ الرفاه‏'.‏ و في عام‏2001‏ قضت بحل حزب ثالث اسسه باسم‏'‏ الفضيلة‏'.‏ و معروف ان الجيش كان قد قام عام‏1980‏ بانقلاب ادي الي حظر آخر لاربكان باسم حزب‏'‏ الخلاص‏'.‏
اغلب الظن ان المدعي العام حين قدم طلبه الي المحكمة الدستورية كان مطمئنا الي ان اعضاءها يقفون في صفه‏.‏ فاعضاء المحكمة تم اختيارهم بواسطة رئيس الجمهورية السابق احمد نجدت سيزر‏,‏ و هو بدوره علماني متطرف و كان من اعداء حزب العدالة و التنمية‏.‏ علما بان بعض اعضاء تلك المحكمة ينتمون الي الطائفة العلوية المعادية تاريخيا لاي اجراء له صلة بالانتماء الاسلامي‏.‏ و جدير بالذكر في هذا الصدد ان اثنين من الشخصيات العلوية توليا حقيبة وزارة العدل في السابق‏,‏ هما محمد موغو لتاي و حكمت سامي ترك‏.‏ و اثناء وجودهما علي راس الوزارة انخرط في سلك القضاء عدد غير قليل من العلويين‏,‏ تدرج بعضهم في سلك الوظيفة حتي وصلوا الي المحكمة الدستورية العليا‏.
‏(3)‏
امس بدات المحكمة مداولاتها حول موضوع القضية‏,‏ و يفترض ان تصدر قرارها بشانه قبل ان ينتهي شهر اغسطس‏.‏ الا ان تفجير الموضوع كان له تاثيره علي الوضع الاقتصادي منذ الاسابيع الاولي ذلك انه خلال السنوات الخمس التي قضاها حزب العدالة و التنمية في السلطة‏,‏ شهدت تركيا استقرارا و نهوضا اقتصاديا غير مسبوق‏.‏ ففي حين كان معدل الاستثمار الاجنبي قبل وصول الحزب الي السلطة اقل من مليار دولار سنويا‏,‏ فاذا بهذا الرقم يتضاعف و يصل الي‏22‏ مليار دولار في عام‏.2007‏ و حين اعلن عن رفع قضية اغلاق الحزب اهتزت الاسواق بسرعة‏,‏ فانهارت البورصة بنسبة‏7%,‏ و هي اعلي نسبة للهبوط منذ سبع سنوات‏,‏ و ارتفعت نسبة الفائدة و زادت نسبة التضخم‏.‏
و خلال اسبوعين فقط من رفع الدعوي هربت الي الخارج رؤوس اموال قدرت بـ‏15‏ مليار دولار‏.‏ و ازاء ذلك لم يكن غريبا ان تسوء سمعة تركيا الاقتصادية‏,‏ حتي ان مؤسسة‏'‏ ستاندارد آند بورز‏'‏ العالمية المختصة بتقييم البلدان حسب متانة وضعها الاقتصادي‏,‏ قامت بخفض درجتها من الموجب الي السالب‏,‏ الامر الذي يعني ان الدعوي التي رفعها المدعي العام لم توجه الضربة الي حزب العدالة وحده‏,‏ و انما اصابت بدرجة اكبر الوضع الاقتصادي لتركيا‏.‏
‏(4)‏
الاخطر من قضية حزب العدالة و التنمية كانت قضية الشبكة السرية التي تحمل اسم‏'‏ ارجنكون‏'‏ و يشار اليها في الادبيات السياسية التركية بانها‏'‏ الحكومة العميقة‏',‏ التي تضم مجموعة من الشخصيات البارزة التي يجمع بينها تطرفها العلماني و الولاء للتعاليم الاتاتوركية‏,‏ بما تتضمنه من مخاصمة للتعاليم الاسلامية‏.‏ و هي في ذلك تقتفي اثر العلمانية الفرنسية المعادية للدين‏,‏ علي عكس الانجليزية المتصالحة معه‏.‏
فجر الجمعة‏21‏ مارس الماضي قامت وحدات مكافحة الارهاب بمداهمة‏22‏ عنوانا مختلفا في استنبول و انقرة‏,‏ و القت القبض علي‏14‏ شخصا بينهم ثلاثة اسماء لامعة من اركان الصف الاول في تيار التطرف العلماني‏.‏ الاول الهان سلجوق رئيس تحرير جريدة‏'‏ جمهوريت‏'‏ التي اسسها اتاتورك و تعد لسان حال الايديولوجيا الكمالية‏,‏ و دوغر بير ينجك زعيم حزب العمال التركي‏(‏ الحزب الشيوعي الوحيد ذو المسحة القومية المعترف بشرعيته‏)‏ و كمال علعمدار اوغلو‏,‏ الرئيس السابق لجامعة استنبول‏,‏ الذي في عهده تشددت الجامعة في منع الحجاب‏.‏
و من هؤلاء ايضا قائد الجيش الاول السابق الجنرال المتقاعد خورشيد طولون‏,‏ و قائد قوات الدرك السابق الجنرال شنر ارويفور‏,‏ الذي يراس‏'‏ جمعية الفكر الكمالي‏'.‏ هذه الاعتقالات تمت في سياق التحقيقات الامنية الجارية منذ شهر يونيو من العام الماضي في قضية شبكة‏'‏ ارجنكون‏',‏ حيث عثرت الشرطة في احد منازل استنبول علي مجموعة من الاسلحة المستخدمة في عمليات ارهابية‏,‏ كالقنابل اليدوية والمواد المتفجرة‏.‏ و تم آنذاك اعتقال‏39‏ شخصا بينهم عدد من ضباط الجيش المتقاعدين والاكاديميين و رجال الاعمال و الصحفيين‏.‏
ذكرت صحيفة‏'‏ صباح‏'‏ ان المداهمات التي تمت في مارس الماضي ادت الي ضبط وثائق تحدثت عن خطة للانقلاب علي الحكومة التركية‏,‏ تضمنت البدء بتقويض ثقة الراي العام في الحزب الحاكم و اثارة الجماهير ضدها‏,‏ قبل الضغط لاسقاطها‏.‏ و نشر الكاتب علي بايرام اوغلو في زاويته بجريدة‏'‏ الفجر الجديد‏'‏ المؤيدة للحكومة‏,‏ نص مقالة لجنرال متقاعد نشرتها صحيفة‏'‏ جمهوريت‏'‏ في الثالث من فبراير الماضي‏(‏ قبل تقديم دعوي حظر الحزب‏),‏ قال فيها ما نصه‏:‏ الاسلام السياسي يحكم تركيا اليوم‏,‏ و لم يبق امامنا سوي ابعاد حزب العدالة و التنمية عن الحكم‏...‏ و الخطوة الاولي في هذه الحملة هي رفع دعوي ضده‏,‏ بعدما اصبح مركزا للممارسات المناهضة للعلمانية امام المحكمة الدستورية‏,‏ من قبل مدعي عام المحكمة العليا‏,‏ وصولا الي حظر نشاطه‏.'‏
تحدثت الصحف التركية عن ان الثلاثة الكبار الذين القي القبض عليهم كانوا تحت المراقبة الامنية منذ يناير الماضي‏,‏ و ان مكالماتهم الهاتفية سجلت‏,‏ مما اعطي للمحققين اشارات قوية تحدثت عن تحضيرهم لعمل انقلابي ضد الحكومة‏.‏ كما بينت ان الهان سلجوق رئيس تحرير‏'‏ جمهوريت‏'‏ كان علي معرفة مسبقة بالدعوي التي ستطالب المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة و التنمية و فرض الحجر السياسي علي قادته‏.‏
‏(5)‏
حتي اذا تم حظر الحزب‏,‏ فان اعضاءه سيشكلون حزبا آخر‏.‏ و الذين سيمنعون من ممارسة العمل السياسي‏,‏ يمكن ان يرشحوا انفسهم كمستقلين‏,‏ و ستظل اغلبية اعضاء البرلمان في صالح حزب العدالة‏,‏ الامر الذي يعني ان خسارة الحزب ستكون محدودة‏,‏ بالمقارنة بالخسارة التي يمكن ان تلحق بشبكة‏'‏ ارجنكون‏',‏ التي يتعرض رموزها للمحاكمة في اول مواجهة مباشرة للقضاء التركي معهم خلال ثمانية عقود‏.‏ حيث ظلوا خلال تلك المدة بمثابة تنظيم‏'‏ شبحي‏'‏ تتيقن الطبقة السياسية من وجوده‏,‏ لكن احدا لم يتعرف علي شخوصه‏,‏ الذين ظلوا يحركون خيوط السياسة التركية طوال الوقت في الظلام‏.‏
انها المعركة الاخيرة و الضربة القاضية لتيار التطرف العلماني‏,‏ الذي مني بهزائم متتالية في ظل تنامي سلطة الشعب‏,‏ و ظهور قوي ديمقراطية كسرت الوصاية المفروضة‏,‏ و التزمت بالعلمانية التي هي حجر الاساس في النظام الجمهوري التركي‏,‏ و لكن بمفهوم ايجابي يؤمن بالمجتمع و يتصالح مع الدين‏,‏ كما يتصالح مع التاريخ الذي عانده المتطرفون و تمسكوا بادارة عجلته الي الوراء طوال‏80‏ عاما‏.‏
.................................
*الأهرام ـ في 29/7/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:57 AM
(27) عبد العظيم المطعني في رحاب الله

بقلم: جمال سلطان
.................

فقدت الأمة أمس عالما جليلا من أخلص رجالها وأكثرهم بلاء في الدفاع عن حرماتها وأيضا أكثرهم تواضعا وتعففا عن الكثير مما يشتهيه آخرون ويلهثون خلفه.
رحل عنا العالم الجليل الدكتور عبد العظيم المطعني ، بقية الخير في علماء الأزهر ، وأستاذ البلاغة ، والعالم الموسوعي ، والكاتب الصحفي أيضا ، الذي بدأ رحلته في الشأن العام بالكتابة الصحفية ، بدءا من الأهرام ومرورا بالنور وآفاق عربية وانتهاء بصحيفة المساء حيث كان يكتب في رمضان من كل عام مقالا يوميا ، كما وهب المكتبة العربية العديد من الكتب التي تمثل مرجعا في بابها مثل كتابه الجامع في دفع الشبهات المثارة حول السنة النبوية ، وكتابه "الإسلام في مواجهة الايديولوجيات المعاصرة" إضافة إلى كتبه عن بلاغة القرآن والمجاز في القرآن.
المطعني من ذلك الجيل الذي كان موسوعيا بمعنى الكلمة في معرفته بتراث الإسلام واللغة والأدب والفقه والتفسير والتاريخ ، ولذلك أتت كتاباته شديدة التنوع ، كما أن خبرته في الكتابة الصحفية والاشتغال بقضايا الشأن العام مبكرا ، جعل له حضورا كبيرا في الفكر الإسلامي المعاصر بذكاء من يعرف خلفيات الصورة والأحداث و"الخنادق" الفكرية ، حيث اشتبك في معارك فكرية كبيرة مع الأفكار "المستوردة" كان فيها قوي الحجة نافذ النظرة ، يعرف خلفيات من ينتقده وتاريخه ومراوغاته.
لم يكن أزهريا تقليديا ، بل كان شديد الانفتاح ، كذلك كان الرجل جريئا في تصديه للأفكار والمشروعات والقوانين التي يرى أنها تمثل خطورة على مستقبل الأمة ، أو أنها تمثل طعنا في ثوابت الدين ، مهما كانت العواقب ، ومهما كان أصحاب المشروع المقدم نفوذا وهيمنة ، وقد تصدى ـ في هذا المجال ـ لقوانين المرأة وقوانين الطفل التي تقدمت بها السيدة سوزان حرم رئيس الجمهورية خلال السنوات الأخيرة ، وفندها بقوة وهاجمها بضراوة في أكثر من صحيفة وأكثر من موقع ، وكان نقده لهذه المشروعات يمثل النقد الأكثر شمولا وأهمية وتأثيرا ، لأنه لا يدخل من الباب الشرعي وحده ، بل يمزجه بخبرة التاريخ وتطورات رحلة التآمر على الأسرة المسلمة من قوى أجنبية عديدة ، ولذلك عاش الرجل ومات وهو بعيد تماما عن أي مغانم سلطوية ، أبعدوه عن أي منصب أو مركز ، رغم أن بعض من تولى المناصب الكبيرة كان لا يرقى لمرتبة تلميذه ، غير أن حضوره وقوت حجته وسلاسة بيانه وبلاغته وجاذبية منطقه جعلته مقصدا للعديد من الصحف والمجلات لاستكتابه في مصر والعالم العربي ، وكذلك لإذاعة القرآن الكريم ، حيث كانت له أحاديث غاية في الروعة واليسر والعمق معا ، وكان الرجل زاهدا في تلكم المناصب بالفعل ، ولم أشعر يوما التقيته فيه أن بداخله غصة من هذا الإبعاد ، كان مشغولا بالانتاج الفكري ، والكتابة ، والعطاء ، والاشتباك مع قضايا الواقع بهمة وحماسة من يرى أنه في ميدان ، وأنه يجاهد بالفعل ، شرفنا بالكتابة في مجلة المنار الجديد في أكثر من مقال ودراسة رصينة ، كما تشرفت بالحوار معه في حلقة أو اثنتين على ما أذكر من برنامج "قضية وكتاب" الذي كنت أقدمه في قناة اقرأ الفضائية قبل حوالي عشر سنوات ، كما تعلمت واستفدت من كتاباته ومقالاته ، وكان الرجل شديد التواضع ، لا يحاول أن يبدو معك كعالم كبير أو شخصية ذات هيبة ، إلا هيبة العلم والفكر و صفاء القلب ، وكان من النوع الذي يخجلك بالفعل في تواضعه ، كما كان هذا التواضع سمته في بيته ومسكنه وفي ملبسه وشأنه كله ، رحمه الله .
.................................
*المصريون ـ في 30/7/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:58 AM
(28) محمود درويش‏..‏ كان أجملنا‏..‏

بقلم : ‏فاروق جويدة‏
...................

لانستطيع أن نصنف محمود درويش علي أنه شاعر عادي‏,‏ ولا نخضع أشعاره لمقاييس النقد الأدبي‏.‏ فهناك بعض الشعراء الذين اختارتهم الاقدار ليكونوا رموزا وليسوا‏ فقط مجرد شعراء‏.‏
وفي تقديري أن محمود درويش واحد من هؤلاء الشعراء وكان من الممكن أن يكون شاعرا عربيا عاديا‏,‏ لكن محمود درويش هو شاعر القضية الفلسطينية بلا منافس‏.‏
وبقدر ما اشعلت القضية الفلسطينية عقل ووجدان الإنسان العربي طوال نصف قرن من الزمان بقدر ما أخذ درويش مساحة في هذا الوجدان العربي‏.‏
إن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولي‏,‏ ولأن درويش رمز هذه القضية فقد احتل مكانة أكبر بكثير من مجرد أنه شاعر كبير‏,‏ ولهذا حينما يقيم محمود درويش كشاعر في مسيرة الشعر العربي لا يستطيع أحد أن يفصله عن هذه القضية أو يفصل هذه القضية عنه‏.‏
هذه مقدمة لابد منها أما محمود درويش الشاعر فأنا شخصيا أري أنه يمثل موهبة كبيرة بالفعل وأنه اضاف للشعر العربي لونا ومذاقا جديدا‏,‏
وقدم تجربة شعرية متميزة ارتبطت بقضية قريبة جدا إلي قلوب الناس‏,‏ واستطاع أن يعبر عن كل هذا من خلال شعر جميل في لغته وصورته ورشاقة أسلوبه‏.‏
ومحمود درويش في السنوات الأخيرة وبرغم رصيده الشعري الكبير كان يسعي إلي اضافة جانب جديد إلي تجربته الشعرية‏,‏
وهو أنه شاعر إنسان يغني لهموم الإنسان في كل مكان‏,‏ وليس فقط شاعر قضية يمكن أن يختلف الناس عليها أو يتفقون‏.‏
كان شعر درويش في السنوات الأخيرة شعرا ناسفا يمثل مأساة الإنسان في هذا العصر بكل جوانب القبح والقسوة فيه‏.‏
وكنت أتمني لو امتد العمر بمحمود درويش حتي يكمل هذا التحول الخطير والكبير في مسيرته في الشعر‏.‏
وقد عرفت محمود درويش عن قرب والتقينا كثيرا في مناسبات عديدة منذ دعاني الراحل الكبير ياسر عرفات إلي الغداء في مقره في عمان في منتصف الثمانينيات‏,‏ وكنا نقدم يومها مسرحية الوزير العاشق علي مسرح جرش‏,‏
وكنت في صحبة عبدالله غيث‏,‏ وسميحة ايوب‏,‏ ونخبة من نجوم مصر كان في مقدمتهم كرم مطاوع وسعد أردش ومنذ هذا اليوم لم تنقطع صلتي بمحمود درويش‏,‏ وكثيرا ما جمعتنا لقاءات نزار قباني ومحمود درويش وأنا‏.‏
ولا شك أن رحيل محمود درويش خسارة كبيرة للشعر العربي‏,‏ وخسارة أكبر للقضية الفلسطينية‏.‏ ولأصدقاء درويش ومحبيه وما أكثرهم‏!,‏ غياب محمود درويش سوف يترك فراغا رهيبا‏.‏
.................................
*الأهرام ـ في 11/8/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 01:59 AM
(29) كفاحه

بقلم: سمير عطا الله
.........................

قرأت كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر وأنا يافع. ثم قرأته شاباً. ثم اكتفيت. واعتقدت انها اضاعة للوقت ان يقرأ الانسان، حتى لكسر الملل، رجلاً دمر المانيا بحجة نصرها، وأذل «الشعب الجرماني» بداعي اعلاء شأنه، ووسع الهوة بين النمسا والمانيا بسبب مشروعه (الانشلوس) لتوحيدهما. اما الضرر الذي ألحقه بالشعوب والبلدان الاخرى، من اوروبا الى روسيا، فلا حدود له.
عدت الى قراءة «كفاحي» (يا له من عنوان متواضع) قبل ايام ليس من اجل العودة الى هتلر وفكره بل لكي اتساءل كيف يمكن لشعب مثل الشعب الالماني، شعب الفلاسفة والموسيقى والفكر الجدلي والاختراع والصناعة، ان يتبع رجلاً سقيماً مملاً فظاً في سعيه لإقامة «الدولة العنصرية» وتفوق «العرق الآري» و«تنظيف» الارض من المعوقين وذوي الخلقة غير المكتملة؟ كيف اتبع الالمان حتى الموت رجلاً يقول انه «لا يمكن لنصف قرد (اي لملون) ان يصبح طبيباً»؟ كيف اتبع الالمان، جماعات لا تحصى، رجلاً ينادي بأن المساواة بين البشر كفر ماركسي؟ كيف تقبل الالمان الفكر العنصري القائل بأن الحياة والمجد للنخب والهلاك للجماهير والعامة؟ كيف قرأ الألمان خطابه القائل بأن «على الدولة ان تفرض شروطاً تتعلق بالإنجاب مفادها ان الكائنات التي يتم انجابها يجب ان تمجّد صورة الخالق وتكون سليمة ومعافاة».
استأذنكم، وأرجو سماحكم، في التالي: دعانا وزير خارجية المغرب الاستاذ محمد بن عيسى الى العشاء في منزله خلال تجمعات اصيلة. ووقف بين ضيوفه في المنزل الاثري وقال لزوجته: «ماذا افعل كل صباح». وتساءلت السيدة العذبة: «ماذا تقصد يا سي محمد». فقال: «ماذا اقرأ لكِ كل صباح». وارتبكت السيدة العذبة وقالت في حياء «مقال الضيف...». وتطلع اليَّ الوزير الذي اتعرف اليه للمرة الاولى، وسألني امام ضيوفه: «بربك، هل سمعت اطراء اجمل من هذا في حياتك». وأصرّ على الجواب. وقال السامعون: «لا تكن جباناً. هل هناك اجمل من ان يقرأ وزير خارجية دولة عربية كبرى لزوجته كل صباح مقال كاتب ما».
قلت للوزير العزيز المتكرّم: «هناك فقط اطراء واحد اشعر انني لن ألقى ما بعده. ذات مساء نزلت في مطار دبي ورأيت شاباً وسيماً على كرسي متحرك تدفعه شقيقتاه. وعندما رآني هبَّ يحاول الوقوف، وأدركت فاقتربت منه فاحنى رقبتي وقبلني في جبيني. ومنذ أمي لم اتذوق قبلة أكثر حناناً».
طلبت سماحكم في رواية ذلك، لأشرح لكم ماذا شعرت وأنا اعيد قراءة ادولف هتلر، ذلك المعاق الاشهر الذي طالب بإبادة المعاقين.
.................... ....................
*الشرق الأوسط ـ في 9/10/2006م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:00 AM
( 30 ) هاشم الرفاعي .. اغتراب وألم
تأليف: الدكتور محمد علي داود

عرض: أ.د. حسين علي محمد
.............................

أصدر الدكتور محمد علي داود (1944 ـ 1998م) الأستاذ بجامعتي الأزهر والإمام محمد بن سعود الإسلامية كتاباً مؤخراً بعنوان "هاشم الرفاعي .. اغتراب وألم" في 128 صفحة من القطع المتوسط.
وهاشم الرفاعي (1935-1959م/1354-1379هـ) شاعر من شعراء الصحوة الإسلامية وقصيدته التي مطلعها:
أبتاهُ ماذا قدْ يخُطُّ بنـاني .:. والحبلُ والجلاّدُ ينتظراني؟
معروفة ومحفوظة في الصدور.
وكذلك قصيدته عن شباب الإسلام التي مطلعها:
ملكنا هذه الدنيــا قرونا .:. وأخضعَهـا جدودٌ خالدونـا
ما الذي أورث هذا الشاعر المسلم الشاب السأم والألم فجعله يعيش مغتربا، وهو شاب يُفترض فيه أن يتفجّر بالحياة والرغبة في الإصلاح؟
لقد نشأ هاشم الرفاعي نشأة دينية أورثته غيرة على الإسلام والوطن، وبعثت في نفسه عوامل النهوض والإصلاح، لذا ظل يجاهد بشعره، ويُدافع عن مبادئ الإسلام، ولم يدّخر وسعاً في سبيل الوصول إلى مراده، وعلى رأس ذلك: نهضة الإسلام، ورفعة الوطن، وتحقيق الحياة الكريمة للشعب، وكم نادى بالإصلاح، وكم قال شعراً، ولكنه أحسَّ أن أحداً لا يستجيب له، وأن أشعاره لا تؤتي ثمارها، وأن الواقع يٌحاصر آماله ويُجهضُها، ومن ثم رأينا أشعار الاغتراب والألم.
ومن أشعاره الرائعة التي تعبر عن ذلك:
وحولي من سكون الليـ .:. لِ والأوهـامِ أستـارُ
وفي رأسي خيــالاتُ .:. تموجُ بهِ وأفكـــارُ
سجينٌ لي من الظلمــا .:. تِ قضبــانٌ وأسوارُ
تُعذِّبني أحا سيـــسٌ .:. لها بالقلبِ أظفـــارُ
تموجُ لديْــهِ آمــالٌ .:. وتذوي منهُ أزهــارُ
ويحيا حين تبرقُ مــنْ .:.سنــا الأحلامِ أنوارُ
وبين يديْــهِ مسكوبٌ .:.من الأوهام مــدرارُ
لهُ لليــأسِ أسبـابُ .:. وللتأميــلِ أعــذارُ
لقد تناول المؤلف في كتابه الحياة السياسية والاجتماعية في زمن الشاعر، وبين كيف أثرت فيه، ووضح أسباب اغتراب الشاعر، وهي:
1-التناقض بين المربى (البيئة الخاصة) والواقع.
2-تناقض ذاته وآماله مع الواقع.
3-انقلاب المعايير والموازين.
ثم تناول مضامين الاغتراب عنده، فوضح أنها اغتراب موضوعي، واغتراب بمعنى عدم القدرة والعجز عن التغيير، واغتراب بمعنى تلاشي المعايير واختلال الموازين، واغتراب باعثه ديني أو سياسي. ثم تناول مظاهر الاغتراب في شعر هاشم الرفاعي وقصصه الشعري، وختم الكتاب بنموذجين شعريين للاغتراب عنده.
إنه كتاب جديد في موضوعه، فلم يتناول واحد من الذين كتبوا عن هاشم الرفاعي من قبل ـ وهم كثير ـ ظاهرة الاغتراب في شعره، وهذه خصيصة في أبحاث الدكتور محمد علي داود؛ فهو يلجأ إلى موضوعات جديدة لم تُطرق من قبل في دراساته لتكون له لذة الاكتشاف والدخول إلى أراض بكر لم تطأها قدم من قبل.
..............................................
*من كتاب "من وحي المساء" للدكتور حسين علي محمد.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:02 AM
( 31 ) رجاء النقاش يكتب ذكرياته عن أنور السادات في مواجهة زكريا الحجاوي

فنان الشعب زكريا الحجاوي: أمير الصعاليك
.........................................

في صيف عام 1953، قرر مجلس قيادة الثورة في مصر إصدار أول صحيفة تنطق باسمه، وصدر ترخيص هذه الصحيفة وهى صحيفة «الجمهورية»، وكان صاحب الامتياز الصحفي، أي مالك الجريدة وهو جمال عبدالناصر حسين، ولا يزال هذا الترخيص ـ فيما أعلم ـ موجودا إلى الآن في هيئة الاستعلامات باسم جمال عبدالناصر، قرر مجلس قيادة الثورة أن يكون المسئول عن إصدار الجريدة هو أنور السادات الذي كان في المنصب المعروف الآن باسم رئيس مجلس الإدارة، أما رئيس تحرير الجريدة فقد وقع اختيار الثورة على الصحفي الراحل الأستاذ حسين فهمي ليشغل هذا المنصب، وكان حسين فهمي رئيسا لتحرير جريدة «الزمان» المسائية التي كان يملكها إدجار جلاد باشا أحد الرجال المقربين إلى الملك فاروق، ولا أعرف الأسباب التي جعلت مجلس قيادة الثورة يختار حسين فهمي بالتحديد لرئاسة التحرير، فلم يكن حسين فهمي من المعروفين بأن لهم صلة سابقة برجال الثورة، مثلما كان معروفا عن أحمد أبو الفتح وإحسان عبدالقدوس وحلمي سلام، ثم ذلك النجم الذي بدأ يلمع بقوة وسرعة في تلك الأيام وهو محمد حسنين هيكل.
وكل ما سمعته عن سبب اختيار حسين فهمي لرئاسة تحرير «الجمهورية» هو أنه كان قريبا لأحد الضباط الأحرار المهمين وهو لطفي واكد، وكان لطفي واكد في ذلك الوقت مديرا لمكتب عبدالناصر ومن أقرب الضباط إليه. على أن الرجل الأول في مشروع جريدة «الجمهورية» كان هو أنور السادات وكان هو صاحب القرار في كل شيء، ولعل عبدالناصر قد اختار أنور السادات لمشروع جريدة «الجمهورية»، لأن السادات كان يعمل بالصحافة في فترة من حياته قبل الثورة، فقد عمل في مجلة «المصور»، وعمل في «روزاليوسف»، وكان بصورة عامة معروفا في الأوساط الصحفية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات قبل الثورة.
وقد شعر رجال الثورة بعد أن تولوا السلطة أنه من الضروري أن تكون لهم جريدة تعبر عنهم وتنقل وجهة نظرهم إلى الناس، ولم تكن فكرة تأميم الصحف قد تبلورت في أذهانهم بعد، حيث إن هذا التأميم أو التنظيم كما سمي في وقتها لم يتحقق ـ فيما أذكر ـ إلا في مايو 1960.
أما الصحف اليومية الكبرى القائمة في ذلك الحين في مصر فكانت هي «المصري» و«الأهرام» و«الأخبار»، ولم يكن رجال الثورة يشعرون بالاطمئنان إلى هذه الصحف، وكانت «المصري» بالتحديد تمثل أكبر تهديد وأخطر مصدر من مصادر القلق بالنسبة لهم، فهي جريدة قوية واسعة الانتشار والتأثير، وهى من ناحية أخرى جريدة «حزب الوفد» الشعبي الضخم الذي كان يمثل أكبر قوة سياسية في البلاد في ذلك الحين.
وكان رئيس تحرير «المصري» والشخصية الرئيسية المؤثرة فيها هو أحمد أبو الفتح، وكان كاتبا شعبيا معروفا بالوطنية والجرأة والشجاعة، وكان أحمد أبو الفتح يعرف جمال عبدالناصر وعددا آخر من رفاقه منذ وقت مبكر قبل قيام الثورة، وكان عبدالناصر نفسه ـ فيما يقال ـ يتردد على «المصري» بين الحين والحين، وكان يلتقي «أحمد أبو الفتح» ويحاول أن يسرب بعض أفكاره وأفكار زملائه من الضباط الأحرار عن طريق «المصري» بل إن كثيرين من المؤرخين للثورة يقولون إن أحمد أبو الفتح قد أسهم في تحديد موعد قيام الثورة، فقد كان مقررا، أن تتم حركة الثورة في الجيش بعد موعدها المعروف وهو 32 يوليو بعدة أشهر أخرى، ولكن أحمد أبو الفتح أبلغ الضباط الأحرار عن طريق واحد من كبار هؤلاء الضباط وهو ثروت عكاشة أن الملك فاروق عرف بقضية هؤلاء الضباط الأحرار وأنه قرر تصفيتهم عن طريق ضابط كبير هو حسين سرى عامر الموالى للقصر، ومن المعروف أن أحمد أبو الفتح هو زوج شقيقة الدكتور ثروت عكاشة، وبناء على المعلومات التي قدمها أحمد أبو الفتح إلى الضباط الأحرار، قرر عبدالناصر تقديم موعد قيام الثورة، وكان الموعد الجديد هو موعدها المعروف الآن أي ليلة 23 يوليو سنة 1952.
كان أحمد أبو الفتح يعرف رجال الثورة وعلى رأسهم عبدالناصر، ولم يكن يحس أن هؤلاء الرجال موضع خوف أو غموض بالنسبة له، فقد كان يعتبرهم أصدقاءه ومن الذين تأثروا بجريدة «المصري» واستفادوا منها في الإعداد لحركتهم الثورية، وهكذا كانت «المصري» أقوى صحيفة، وكان أحمد أبو الفتح أقوى صحفي في الساحة الإعلامية في الأشهر الأولى للثورة، ومع ذلك فقد كان مقدرا أن يحدث صدام عنيف بين «الثورة» و«المصري» بعد تسلم الضباط الأحرار للسلطة، فقد كانت الثورة تشعر أنها قوة سياسية جديدة، وأنها لن تتمكن من أن تلعب دورها وتنفذ برنامجها الكامل إذا بقيت القوى السياسية القديمة على حالها، فقد كان على هذه القوى القديمة أن تحمل عصاها وترحل في نظر الثورة، وكان عليها أن تترك المسرح الوطني لقوة الثورة الجديدة، ولكن عالم السياسة لا يعرف أبدا قوة تركت مكانها بإرادتها واختيارها.
ولذلك كان لابد من «الصدام» بين الثورة والقوى السياسية القديمة.. وهو الصدام الذي وقع بالفعل سنة 1954 وانتهى بإغلاق جريدة «المصري» وحل الأحزاب جميعا بما فيها حزب الوفد. وكان للوفد و«المصري» جريدته الأولى، قوة شعبية واسعة التأثير عميقة النفوذ شديدة التغلغل في نفوس الناس وعقولهم.. وإن كان من الثابت أن هذا الحزب الكبير لم يكن قائما على التنظيم «الدقيق»، وكان أشبه بتيار وطني عام يجتمع الناس حوله ويؤيدونه.
ويبدو أن أحمد أبو الفتح كان يتصور أن الثورة قد أدت دورها بوضع نهاية للنظام الملكي وإعلان الجمهورية، وأن على رجال الثورة أن يسلموا القيادة لحزب الوفد، مادام الوفد هو حزب الأغلبية، وبالطبع كانت هذه الفكرة تتناقض تماما مع خطة الثورة وبرنامجها.. ولم يستطع أحمد أبو الفتح أن يتفهم الوضع الجديد فعارض الثورة بعنف ولا يزال يعارضها ويلقى عليها وعلى زعيمها عبدالناصر بالاتهامات حتى اليوم.
وليس المجال هنا هو مجال الحديث عن الصدام الذي وقع بين الثورة وبين القوى السياسية القديمة، أو الصراع بين عبدالناصر وأحمد أبو الفتح.. فذلك موضوع آخر يخرج عن نطاق هذه الذكريات.. والمهم هو أن الثورة قررت إصدار جريدة جديدة تعبر عنها وتدافع عن مواقفها وفلسفتها واختارت أنور السادات لإنشائها والإشراف عليها. وكان من أقرب أصدقاء السادات إليه منذ الفترة التي خرج فيها من الجيش في الأربعينيات قبل أن يعود إليه قبل الثورة بسنوات قليلة صحفي مشهور هو الكاتب الفنان زكريا الحجاوي الذي كان يشغل في ذلك الحين سكرتير تحرير جريدة «المصري»، وكان السادات ـ كما هو معروف ـ قد تم طرده من الجيش في أواخر الأربعينيات، وتعرض لظروف شخصية بالغة القسوة، وجاع وتشرد واضطر للاختفاء عن العيون.
وفى هذه المحنة التي تعرض لها السادات التي استمرت لعدة سنوات، وقف زكريا الحجاوي جانبه بكل قوة ونبل، ولم يكن الحجاوي يعرف في ذلك الحين أن السادات يمكن أن يعود إلى الجيش أو أن يكون له شأن في حكم مصر ذات يوم، ولذلك كانت مساندة الحجاوي لـ «السادات» في محنته خالصة لوجه الله والوطن والصداقة.
كان زكريا الحجاوي فنانا متعدد المواهب، وكان إنسانا جذابا ساحر الشخصية بالغ الصدق والأمانة، وكان فيه «رجولة شعبية» أصيلة وهى الصفة التي تجعلنا نطلق عليها صفات مثل «ابن البلد» و«الجدعنة»، بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من خفة ظل غير محدودة، ومن الثابت أن الحجاوي لم يبخل بشيء من أجل حماية السادات والبحث عن عمل له ومساعدته في الاختفاء كلما طاردته السلطة، وكان الحجاوي حريصا على أسرة السادات حرصه على أسرته الخاصة.. فكان يرعى هذه الأسرة ويقدم لها كل أنواع العون والمساعدة.
كان هذا هو موقف الحجاوي من السادات، عندما كان السادات يمر بمحنة طويلة قاسية، ولذلك كان المعروف عند الجميع أن علاقة السادات بـ «الحجاوي» هي علاقة صداقة قوية جدا، كما أنها علاقة قديمة تسبق قيام الثورة، وعندما تقرر إنشاء جريدة «الجمهورية» سنة 1953، كما سبقت الإشارة، كان الحجاوي يحتل مركزا صحفيا حساسا في الصحيفة التي كانت تعارض الثورة وتتحداها وهى «المصري»، ولذلك فعندما أراد السادات أن ينشئ جريدة «الجمهورية» كان من الطبيعي أن يختار زكريا الحجاوي مساعدا له، بسبب ما بينهما من صداقة قديمة حميمة، وبسبب خبرة الحجاوي الصحفية الواسعة، وبسبب موقعه من جريدة «المصري» كسكرتير لتحرير هذه الصحيفة القوية الكبيرة التي كانت الثورة تضعها على رأس القوى الكبيرة المعارضة لها.
أما من جانب الحجاوي فقد كان شديد الإيمان بأن مصر بحاجة إلى قيادة شابة جديدة، وكان يرى في الثورة ورجالها ما يمثل هذه القوة الجديدة التي يمكن أن تنهض بـ «مصر» وتواجه مشكلاتها الصعبة، أي أن الحجاوي قد تقبل العمل مع السادات عن اقتناع وإرادة وطنية قوية، وليس لمجرد الصداقة القديمة بينهما، كما أن الحجاوي كان بعيدا كل البعد عن منطق الخيانة لأصدقائه القدماء من أصحاب «المصري» وعلى رأسهم أحمد أبو الفتح.
وذهب الحجاوي ليعمل مع السادات في تأسيس جريدة «الجمهورية» وأعطى الحجاوي للعمل الجديد كل شيء وقته وإخلاصه وخبرته وتعب أيامه وسهر لياليه، وقام الحجاوي بدور غير عادى لإقناع كل الخبرات الصحفية العالية في جريدة «المصري» وغيرها بالانضمام إلى «الجمهورية»، في الوقت الذي كانت فيه الجريدة الجديدة لا تزال مشروعا على الورق، ولم يكن مشروعا مضمون النجاح، بل لقد كانت الثورة نفسها لا تزال في خطواتها الأولى تواجه رياحا عاتية من كل الاتجاهات وحتى من داخلها هي نفسها، ولم تكن المراهنة على الثورة وجريدتها بالأمر السهل أو المأمون الجانب.. ولكن الحجاوي راهن على الثورة والجريدة، لأنه كان مفكرا وأديبا وفنانا شعبيا بكل معنى الكلمة، وكان يعرف بذكائه وقلبه وتجاربه الشخصية الخاصة أن شعب مصر يعانى معاناة كبيرة، وأنه بحاجة إلى قوة جديدة لإنقاذه.
وقد رأى في الثورة هذه القوة الجديدة. وبفضل جهود الحجاوي انضم إلى مشروع «الجمهورية» عدد من أكفأ الصحفيين أصحاب الخبرة الفنية العالية، أذكر منهم الفنان الكبير عبدالسلام الشريف والأستاذ إبراهيم موسى الذي كان رئيسا للقسم الخارجي في «المصري» والأستاذ إبراهيم عامر الذي كان من الكُتاب السياسيين المعروفين في «المصري» وغيرهم.
كان عبدالرحمن الخميسي قد عرفني بـ «زكريا الحجاوي» منذ الأيام الأولى لانتقالي من قريتي إلى القاهرة في أواخر عام 1951، وذلك قبل قيام الثورة بأقل من عام واحد وقد وجدت في الحجاوي منذ الأيام الأولى لمعرفتي به أبا وأستاذا وأخا وصديقا لا مثيل له في خدمة الآخرين، دون أن يشكو من العناء والتعب ودون أن يتردد في تقديم عون هو قادر عليه، وكان الحجاوي خلال صلتي به يعرف كل شيء عنى، ويعرف الظروف الاقتصادية الصعبة التي كنت أمر بها وكانت تهددني بالحرمان من الاستمرار في تعليمي الجامعي، حيث إن أبى ـ رحمه الله ـ وكان مدرسا إلزاميا ـ لم يكن يستطيع من خلال راتبه الضئيل أن يواصل الإنفاق على حياتي وتعليمي، وكان الوالد مسئولا وحده عن أسرة تضم أكثر من عشرة أفراد.
وذات صباح وفى فترة الإعداد لإصدار «الجمهورية»، فوجئت بـ «الحجاوي» يطرق باب شقتي المتواضعة التي كنت أسكن فيها مع الأسرة في «حارة مهدي» بحي شبرا، وكانت زيارة الحجاوي مصدرا لدهشتي الكبيرة إلى أبعد حد، فـ «الحجاوي» لم يكن يعرف عنوان بيتي، ولم يكن قد زارني أبدا في هذا البيت، وسألته عن الطريقة التي وصل بها إلى عنواني فقال إنه عرف منى بالمصادفة اسم الحارة التي أسكن فيها، فجاء إلى هذه الحارة وطرق كل الأبواب وسأل السكان في جميع الشقق حتى اهتدى إلى مسكني.
بهذه الطريقة.. وبهذا الجهد، وهذا الإصرار النبيل، استطاع الحجاوي أن يصل إلى ليقول في بساطة: إنه عينني في «الجمهورية» مقابل عشرة جنيهات في الشهر تعينني على الاستمرار في دراستي الجامعية، وكان ذلك بالنسبة لي طوق نجاة لا شك فيه. وبدأت أتردد على جريدة «الجمهورية».. أذهب إليها كل يوم بعد انتهاء دروسي في كلية الآداب في الثانية بعد الظهر، وأبقى في الجريدة حتى منتصف الليل.
وكنت أبقى جالسا فوق مكتبي لا أغادره أبدا، ولم أكن أحب أن اختلط بالآخرين، أو أفرض نفسي على أحد، وكنت أصطحب معي بعض الكتب للقراءة كلما وجدت فراغا لذلك. وأخذت حركة الإعداد والتحضير لإصدار الجريدة تنشط وكان النجم الأساسي وسط هذه الحركة الدائبة المتجددة هو زكريا الحجاوي.
كان لا يمل من العمل، وكان متفائلا مستبشرا، وكان يملأ أجواء الجريدة بحيويته المتدفقة وخفة ظله وإنسانيته، وكثيرا ما كان يردد أن «الجمهورية» سوف تكون بداية لعصر صحفي جديد في مصر، وأنها سوف تكون مثالا حيا للصحافة الوطنية المتحررة من الضغوط الاقتصادية والسياسية، وأنها سوف تكون منبرا لأصحاب المواهب الحقيقية من أبناء البلاد الذين لن يفرضهم على العمل سوى قدراتهم وليس أية عوامل أخرى خارجية.
وتمر الأيام، والحجاوي ممتلئ بالنشوة والسعادة والآمال الكبيرة، وكان كما يقول المثل الشعبي أشبه «بأم العروسة.. فاضية ومشغولة»، وكان يحس أن مشروع الجريدة الجديد كبير وجميل، وأن الولادة الرائعة أصبحت قريبة. وفجأة، وقبل صدور العدد الأول من «الجمهورية» بحوالي أسبوع، ودون مقدمات، وجدنا قرارا موقعا باسم أنور السادات معلقا على لوحة الاستعلامات في مدخل الجريدة، وكان مضمون هذا القرار هو «إيقاف زكريا الحجاوي عن العمل ومنعه من دخول الجريدة».
كان القرار مثيرا للذهول عند الجميع، فقد كان الحجاوي محورا للحركة والنشاط والأمل داخل الجريدة، وكان خالي الذهن تماما مما يتم تدبيره له في الظلام، ولم يتوقع، ولا توقع أحد، صدور مثل هذا القرار مع صداقته الطويلة والشهيرة لـ «السادات»، ومع ما له من فضل عليه أيام محنته، وما بذله من جهد غير عادى في إنشاء الجريدة وتوفير عناصر الحياة لها.. لم يكن الحجاوي ينتظر أبدا مثل هذه النتيجة المؤلمة، التي جاءت بغير مقدمات تفسرها أو تبررها.
وذهبت إلى الحجاوي حيث كنت أتوقع وجوده، وذلك في قهوة «عبدالله» الشعبية الصغيرة بميدان الجيزة، وهى «القهوة» التي تعود عدد كبير من أدباء مصر المعروفين في الخمسينيات أن يلتقوا فيها، وكان الحجاوي من ألمع نجوم هذا المقهى الصغير الذي لا يبعد أكثر من بضع خطوات عن بيته.
ووجدت الحجاوي كما توقعت، وكان مهموما بدرجة كبيرة، وكان وجهه غارقا في الحزن والألم والتعاسة. وأحسست أن عمره قد تقدم به سنوات كثيرة في أيام قليلة، وانعكس هذا التقدم في العمر على كل شيء فيه.. من كلماته إلى حركاته إلى ملابسه إلى نظرات عينيه الحزينتين المرهقتين.
وبعد أيام صدرت جريدة «الجمهورية» بكل العاملين فيها إلا صاحب «العُرس» الأصلي: زكريا الحجاوي، وحرصت في هذه الفترة على أن أذهب إلى الحجاوي كل يوم بصورة منتظمة لألتقيه في «قهوة عبدالله»، رغم ما كان في ذلك من عناء شديد لي، بل حرصت على أن أقدم إليه جزءا من راتبي التافه الصغير، وذلك لأنني لاحظت أنه وقع في أزمة مالية واضحة، ولم تكن قروشي القليلة ذات نفع من أي نوع له. ولكنها كانت كل ما كنت أملكه للتعبير عن مشاعري نحوه في هذه المحنة العجيبة.
وتغيرت الدنيا حول زكريا الحجاوي، وكنت ألاحظ هذه التغييرات في ألم وحسرة، فقد كنت شابا صغيرا لم أصل إلى العشرين بعد، وكان إحساسي بالحياة أكثر براءة من أن يتحمل ما رأيته أمام عيني من مشاهد وأحداث. أصبح الحجاوي وحيدا، لا تجد حوله أحدا ممن كانوا يحيطونه في كل لحظة وفى كل مكان.. في بيته ومكتبه وفى الشارع والمقهى.. لقد أصبح الزحام الشديد حوله فراغا وبرودة.
وقد علمتني الحياة بتجاربها العديدة أن هذه ظاهرة طبيعية في مجتمعنا، بل لعلها تكون ظاهرة طبيعية في حياة الناس جميعا، فالناس مع الغالب لا مع المغلوب، ولكنني في ذلك الوقت ـ سنة 1953 ـ لم أكن أستطيع أن أستوعب مثل هذه الظاهرة المريرة، ولم أكن أجد لها تفسيرا أو مبررا، فكيف تخلى الناس بهذه السرعة عن رجل كانوا يملؤون حياته بالضجيج، ويظهرون له من العواطف ألوانا كثيرة وبراقة؟!
لقد ترسب في نفسي من إثر هذه الصدمة الأولى والكبرى في حياتي الثقافية شعورا بأن الأديب في مجتمعنا ضعيف مهما كانت قوة موهبته وأصالة نبوغه، بل ترسب في نفسي أكثر من ذلك شعور بأن الإنسان في هذا المجتمع كائن هش يمكن أن تعصف به المصادفة في أية لحظة، ولم أكن أتصور أن يتعرض أديب وفنان موهوب مثل زكريا الحجاوي لما يمكن أن نسميه الآن بـ «الإعدام المدني» لمجرد غضب شخصي عليه، مهما كانت قوة هذا الشخص ومهما كان سلطانه ولم أكن أتصور أن يصبح الحجاوي أو أي إنسان آخر متهما ومحكوما عليه دون أن يعرف حقيقة تهمته ودون السماح له بكلمة واحدة ينطقها في الدفاع عن نفسه.
لقد تحولت حياة زكريا الحجاوي بعد هذه الصدمة تحولا أساسيا، فلم يعد إلى الصحافة أبدا بصورة جدية، وظل كذلك حتى وفاته حوالي سنة 1975 فيما أذكر، أي خلال أكثر من عشرين سنة قضاها في الحياة الثقافية بعد الصدمة التي تعرض لها على يد السادات، وقضى الحجاوي هذه السنوات الطويلة يكتب للإذاعة والمسرح، وقطع أرض مصر بمدنها وقراها من الإسكندرية إلى أسوان بحثا عن الفن الشعبي في ألحانه وأغانيه وأصوات مطربيه.
وأنجز الحجاوي في هذا المجال إنجازات رائعة، وأتاحت له أجواء الثورة بعد استقرارها فرصا للتألق والنجاح في المجالات الجديدة التي اقتحمها وفتح له في الثقافة والفن أبوابا كانت مغلقة. وقد كان ما تعرض له الحجاوي هو ـ كما أشرت ـ أول صدمة ثقافية كبيرة في حياتي. وقد حاولت في ذلك الحين أن أعرف الأسباب التي كانت وراء قرار السادات المفاجئ بطرد زكريا الحجاوي على هذه الصورة المؤلمة التي تخلو من أي معنى من معاني الوفاء.. وكنت راغبا إلى أقصى حد في فهم الأمر على حقيقته.. كما أنني كنت أحب الحجاوي أعمق الحب، وكنت على يقين بأنه لم يرتكب خطأ يستحق هذا العقاب.. وكنت فوق ذلك كله أريد أن أفهم كيف يدور العالم حولي، وكيف تدور فيه الأحداث وتحدد المصائر الإنسانية.
وكانت الفرصة أمامي متاحة لمحاولة الفهم، فقد كنت وقتها «مصححا» في «الجمهورية».. ولم يلتفت أحد إلى وجودي المتواضع المحدود في الجريدة.. فكنت أذهب إلى الجريدة كل يوم وأسمع بعض ما يتردد فيها حول هذا الموضوع. خرجت من بحثي عن الحقيقة.. بمجموعة من الأسباب تردد في حينها وتناولت هذه القضية.. فقد قيل إن السادات تلقى معلومات تؤكد له أن الحجاوي كان يتصل بـ «جمال عبدالناصر» ويحرضه على السادات ويحاول أن يقنعه بأن السادات خطر على الجريدة ولابد من تغييره، بل لقد قيل إن السادات يملك تحت يديه تقارير منسوبة إلى الحجاوي ومرفوعة منه إلى جمال عبدالناصر تدور كلها حول هذا المعنى، وقيل إن الحجاوي كان يعامل السادات أمام المحررين كصديق قديم له.. وبل وكصاحب فضل عليه، فكان يناديه باسمه المجرد أي «.. يا أنور»، وكان هذا الأسلوب في التعامل مزعجا لـ «السادات» ومرفوضا من جانبه.
كان السادات قد تغير وضعه، وأصبح في أعلى درجات السلطة، ولكن الحجاوي كان يعامله كصديق قديم له، وكان يخاطبه بنوع من الألفة، وأحيانا كان يخاطبه بلهجة تعليمية، استنادا إلى ما كان بين الاثنين من علاقة قديمة، ويبدو أن هذا الأمر عند السادات كان خطيئة لا تغتفر. وقيل أيضا إن الحجاوي كان ينسب لنفسه الفضل الأكبر في تأسيس «الجمهورية»، مما كان يسيء إلى السادات وإلى موقعه كمسئول أول عن الجريدة. ولم أكن في حاجة إلى أن أبذل جهدا كبيرا لكي اكتشف أن الاتهام الرئيسي الموجه إلى الحجاوي كان اتهاما مزورا.. فـ «الحجاوي» لم يكتب تقارير سرية ضد السادات أو غيره.. ذلك أمر تم تلفيقه بالتأكيد، لأن طبيعة الحجاوي ونفسيته وأخلاقه كانت جميعا لا تسمح له باللجوء إلى مثل هذا الأسلوب.. وكان لابد من تلفيق تهمة بهذا الحجم لـ «الحجاوي» وإشاعتها بين الناس دون تقديم أي دليل مادي واضح عليها لتبرير إصدار قرار ضده بطرده من عمله.
أما ما كان ينسب إلى الحجاوي بعد ذلك من طريقة معاملته لـ «السادات» فهو صحيح من حيث المظهر، ولكن الحجاوي كان يفعل ذلك بمحبة وحُسن نية وأدب جميل في التعامل، فقد كان الحجاوي أستاذا في حُسن التعامل مع الجميع.. وما كان يفعله مع السادات كان قائما على الاعتقاد بأن أساس العلاقة بينه والسادات هو أساس إنساني يقوم على الثقة المتبادلة منذ أن تعرض السادات لمحنته القديمة، وكان الحجاوي هو أقوى الذين وقفوا إلى جانبه وعاونوه معاونة جدية. لقد كان الحجاوي على شدة ذكائه طيب القلب شديد الثقة بالناس غير عابئ بالزوايا المظلمة التي تعمل عملها العنيف في بعض النفوس، وقد كان على الحجاوي أن يدفع ثمن هذا كله.
ومنذ هذه التجربة التي تعرض لها الحجاوي تخلى السادات نهائيا عن صديقه القديم، وعندما كان السادات رئيسا للجمهورية تعرض الحجاوي لظروف عديدة، منها فصله من وزارة الثقافة «الثقافة الجماهيرية» وانهيار المنزل الذي كانت تقع فيه شقته في الجيزة، لم يجد مخرجا من هذه الظروف العسيرة إلا أن يترك مصر ويسافر إلى قطر للعمل هناك، وفى قطر لقي رعاية رائعة واستثنائية من الكاتب الكبير «الطيب صالح» الذي كان مديرا للإعلام في قطر في ذلك الوقت.. وقضى الحجاوي في قطر ثلاث سنوات حيث مات هناك بعد أن أتعبته التجارب والصدمات ورحلة الحياة الخالية من الأمان.
وعندما عاد الحجاوي ميتا ليدفن في مصر، تذكره السادات، وأمر بإقامة حفلة لتكريمه بعد رحيله في مسرح السامر، وحضر السادات بنفسه هذا الحفل، ثم أمر بتغيير اسم مسرح «السامر» إلى مسرح «زكريا الحجاوي» ولم تمض فترة طويلة على ذلك حتى اختفى اسم زكريا الحجاوي بعد رحيله، خاصة ابنه الأكبر أسامة الحجاوي.. ولا أدرى مدى صحة هذا الكلام، وليس من المستبعد أن يكون هذا هو ما حدث بعد موت الحجاوي.
على أن هذه الصدمة التي تعرض لها الحجاوي سنة 1953، وتعرضت لها معه في بداية حياتي الثقافية، ظلت حية في أعماقي بآثارها العنيفة، وكانت هذه الآثار توجهني على الدوام في فهمي لـ «أنور السادات» وتحليلي لشخصيته خاصة بعد أن تولى السلطة الكاملة في مصر من سنة 1970 إلى 1981، فالأسلوب الذي تخلص به السادات من الحجاوي هو نفس الأسلوب الذي لجأ إليه مرارا في التخلص من أقرب الناس إليه في قمة السلطة، فقد كان دائما يلجأ إلى المفاجأة، بعد أن يتظاهر بالمودة والصداقة الكاملة لمن ينوى أن يعصف بهم ويقضى عليهم.
وكنت واثقا من أن السادات سوف يضرب ضربته المعروفة باسم 15 مايو، ليعصف بكل من ساعدوه على الوصول إلى السلطة، وبنفس الطريقة المفاجئة، وتلفيق الوثائق والمستندات والأسباب.. وقد ظلت في نفسي «علامة استفهام» كبيرة حول شخصية السادات الإنسانية منذ تلك الصدمة الأولى الكبيرة. وعلامة الاستفهام هذه لم تزل قائمة في نفسي، ولم أستطع أن أتخلص منها أبدا وهى تصاحبني دائما كلما فكرت في السادات أو حاولت أن أفسر بعض مواقفه العديدة بعد أن أصبح شخصية أساسية في تاريخنا المعاصر، وانعكست آراؤه وقراراته على الشعب كله. دائما.. في عقلي ونفسي يبدو السادات لي ـ من الناحية الإنسانية على وجه خاص ـ مصحوبا بعلامة استفهام كبيرة.
ــــــ
*العربي (الناصرية) العدد (1101)، في 30/3/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:03 AM
(32 ) دار الكتب وتراث لطفي السيد

بقلم: فاروق شوشة
......................

مشاركة لجامعة القاهرة في احتفاليتهاالمئوية‏,‏ اعادت دار الكتب والوثائق القومية نشراعمال لطفي السيد‏,‏ باعتباره واحدا من رؤساء الجامعةالكبار‏,‏ وصاحب مواقف فكرية واخلاقية وسياسية جعلته في مقدمةالمفكرين الذين اسهموا باقتدارفي صياغة العقل المصري خلال النصف الاول من القرن العشرين‏.‏
وفي المقدمة الضافية والمتميزة التي قدم بها الدكتور محمد صابر عرب رئيس هيئة دار الكتب والوثائق القومية للمجلد الاول من تراث احمد لطفي السيد ـ الذي يضم المنتخبات‏,‏ ثم صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية في مصر ـ يوضح الدكتور صابر مدي ايمان لطفي السيد منذ مطالع القرن العشرين بأهمية استقلال مصر الذي كان الهدف الاول للحركة الوطنية المصرية‏,‏ وايمان لطفي السيد بأن التعليم هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاستقلال وشيوع الديمقراطية‏,‏وكانت له مقولة مشهورة هي‏:‏ من اراد الدنيا فعليه بالعلم ومن اراد الاخرة فعليه بالعلم‏,‏ ومن ارادهما معا فعليه بالعلم‏,‏ وقد كان لطفي السيد ـ كما يوضح الدكتور صابر عرب ـ علي الطرف الاخر من موقف الزعيم الوطني مصطفي كامل وانصاره الذين رأوا ان يواجهوا المحتل وان يؤلبوا عليه الرأي العام في الداخل والخارج‏,‏ اعتمادا علي السلطة الشرعية المتمثلة في الخديو عباس حلمي الثاني وان يستثمروا الخلافات الانجليزية الفرنسية‏.‏ اما لطفي السيد فكان من انصار الدعوة السلمية الي الاستقلال والدستور‏,‏ وكان من رأيه ان استبداد الخديوي لايقل خطرا عن الاحتلال‏,‏ وان التمسك بتبعية مصر للدولة العثمانية لاجدوي من ورائه‏,‏وانقسم المصريون‏,‏ معظمهم انضموا الي مصطفي كامل‏,‏ بينما التفت القلة حول لطفي السيد‏,‏ وهي القلة المتميزة الواعية‏.‏ ويوضح الدكتور صابر عرب بفكره الثاقب ولغته الصافية المتدفقة كيف ان انقسام الجماعة السياسية المصرية لم يكن بسبب مغانم او مصالح شخصية‏,‏ وانما كان انقساما حول فكرة كبيرة‏,‏ وان لطفي السيد كان ـ في جوهرة وحقيقة نزوعة وتكوينه ــ ديمقراطي الفكر والسلوك‏,‏ فقد كان يؤمن بالتطور المستند الي تراكم المعرفة‏,‏ واثقا من ان الطفرة قد تحدث عواقب لاتؤمن عواقبها‏,‏ وكانت هزيمة الثورة العرابية ومانجم عنها ماثلة امام عينيه‏,‏ من هنا فقد كان علي ثقة بأن الديمقراطية والتعليم والوعي جميعها قضايا في حاجة الي الوقت‏,‏ حتي تكون الامة جديرة بالاستقلال الحقيقي ـ ويؤكد الدكتور صابر عرب ــ المؤرخ واستاذ التاريخ ـ أن لطفي السيد لم يكن محبذا للعنف باعتباره وسيلة للارتقاء والتقدم‏,‏ بل كان يري في التعليم والسلام والوعي الطريق الاكثر امنا لحصول مصر علي استقلالها‏,‏ وكان مؤمنا بمبدأ التطور والارتقاء‏,‏ واثقا من ان نتائجه باهرة لمن يواصل العمل دون صخب‏,‏ فهو اذن صاحب مشروع ضخم في الديمقراطية والحياة الثقافية والتعليمية والاجتماعية والقضية الوطنية‏.‏
والغريب ان لطفي السيد لم يكتب كتابا واحدا حول هذاالمشروع‏,‏ و انما كتب مقالات لاتحصي ــ تقدر بالآلافـ في صحيفة الجريدة منذ صدورها عام‏1907‏ حتي توقفها في يوليو عام‏1915‏ في اثناء الحرب العالمية الاولي‏,‏ جمع كثيرا منها زوج شقيقته اسماعيل مظهر في مجلدين بعنوان المنتخبات‏,‏ ومجلد ثالث بعنوان تأملات في الفلسفةوالادب والسياسة والاجتماع ومجلد رابع بعنوان صفحات مطوية‏;‏
وتضيء سيرة لطفي السيد بالمواقع والمناصب التي تولاها‏:‏ اول مدير مصري لدار الكتب عام‏1915,‏ ومديرا للجامعة عدة مرات اخرها سنة‏1941,‏ ووزيرا للمعارف العمومية في وزارة محمد محمود عام‏1928,‏ ورئيسا ثانيا لمجمع اللغة العربية من عام‏1945‏ حتي عام‏1963,‏ كما اختير وزيرا للدولة سنة‏1937‏ ثم الداخلية والخارجية‏,‏ كما حصل علي جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام‏.1958‏
وأتيح لكثير من آثار لطفي السيد الزخري ان تنشر بعد أن جميعها طاهرالطناحي وصدرت في كتاب الهلال عام‏1963‏ بعنوان مباديء في السياسةوالادب الاجتماعي وكان كتاب الهلال قد نشر له عام‏1962‏ كتابه قصة حياتي‏,‏ ومن اشهر مقالاته المدوية ذائعة الصيت خمسة عشر مقالا ذات عناوين منها‏:‏ معني الحرية‏,‏ والحرية الشخصية‏,‏و الحرية والأحزاب‏,‏ والحرية وحقوق الامة‏,‏ والحرية ومذاهب الحكم‏,‏وحرية التعليم‏.‏ وحرية القضاء‏,‏ وحريةالصحافة‏,‏ وحرية الاجتماع‏,‏ وغيرها‏.‏ وحين توقفت الجريدة عكف لطفي السيد علي مشروعه التنويري في الترجمة‏,‏ فترجم عام‏1924‏ كتاب الاخلاق لارسطو الذي كان مقدمة لكتاب السياسة‏,‏وقد نشرته دار الكتب عام‏1947‏ وترجم كتاب الكون والفسادعام‏1932‏ وكتاب الطبيعة عام‏,1935‏ صدرت جميعها عن دار الكتب المصرية‏:‏ مؤمنا بأن الترجمة تسبق التأليف كماحدث في عصرالنهضة الاوروبية‏,‏ فضلا عن ميوله الفلسفية وبخاصة اعمال ارسطو الذي ترك اثرا باقيا في العلوم والاداب الانسانية‏,‏ لذا فقد اعتبره مدخلا طبيعيا للتفكير العلمي الذي شكل كثيرا من المذاهب الفلسفية الحديثة‏.‏ وقد بدأت دار الكتب ــ مشكورة ــ بنشر مؤلفات لطفي السيد علي أن تتبعها بترجماته‏,‏ فما احوجنا ــ كما يقول الدكتور صابر عرب ــ الي اعادة قراءة مصادر الثقافة التي كونت الفكرالمصري الحديث في النصف الاول من القرن العشرين‏,‏ متمثلا في واحد من اهم البنائين العظام هو لطفي السيد‏.‏
والحديث عنه موصول إن شاء الله
.................... .................... ..
*الأهرام ـ في 15/6/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:04 AM
(33) المفتون

بقلم: محمد جبريل
.................... ..

عبدالمنعم تليمة قيمة ثقافية كبيرة. بالإضافة الي كتاباته التي تضيف لحياتنا الثقافية. أو تثير فيها ما ينبغي اثارته من الآراء. فإني أجد في د.تليمة محدثاً بارعاً. يجيد تبسيط الملغز والصعب من القضايا. والاحاطة بموضوع العمل الذي يناقشه من خلال حصيلة معرفية وافية.
تحدث د.تليمة في ندوة بنادي القصة عن المجموعة القصصية "نصف سرير ووسادة" للدكتورة سامية الساعاتي. لاحظ المزج الواضح بين فن القص والسيرة الذاتية. وأشار الي قلة السير الذاتية في أدبنا. حتي أنه عد ستة كتب فقط. أذكر منها السير الذاتية لسلامة موسي وطه حسين والحكيم وشكري عياد ولويس عوض.
لا أدري لماذا قصر د.تليمة معني السيرة الذاتية علي الكتب الستة. ثمة سير ذاتية أخري صريحة إن جاز التعبير للطفي السيد وعبدالعزيز فهمي وأحمد أمين ووسيم خالد ولطيفة الزيات ونوال السعداوي وأحمد عباس صالح وغيرهم ممن لا تسعفني بهم الذاكرة. ما يهمني تأكيده أن السيرة الذاتية بعد مهم في السرد العربي الحديث. ولعلي أسمح لنفسي بأن أشير الي كتابي "حكايات عن جزيرة فاروس".
كتاب فؤاد قنديل الجديد "المفتون" إضافة ممتازة الي السيرة الذاتية في سردنا المعاصر. أذهلتني صراحة الكاتب المطلقة. ورفض نظرية قتل الأب التي يؤمن بها الكثير من مبدعي الجيل الحالي. فهو ينسب الفضل لكل من أفاده بنصيحة أو توجيه. أو ناقشه في أحد أعماله. وفي المقابل. فإن ملاحظاته السلبية أهملت الانحياز أو المجاملة. كتب ما حدث في طفولته ونشأته وعلاقاته بالآخرين. لم يكذب هذا هو الانطباع الذي أفلح في توصيله لي ولم يتجمل. استعاد ما جري بالفعل. وكتبه كما حفظته الذاكرة!
الجوانب الحسية رغم أهميتها مشكلة تواجه غالبية كتاب السيرة الذاتية. فهم يتجاوزونها. أو يكتفون بالايماءة المضمرة. اقتحم فؤاد ما يعد لا أدري لم؟ محظوراً. لكنه لم يفتعل الاثارة. وتجنب العبارات التي قد تنزع عن السرد صفته الجمالية.
السؤال الذي شغلني وأنا أطوي صفحات هذا الكتاب. المفيد والممتع في آن: هل كان فؤاد قنديل يكتب بكل هذه الصراحة عن فتاته التي لم يتزوجها. لو أنهما واصلا المشوار الي نهايته؟
لكن هذه ملاحظة ثانوية .
........................
*المساء ـ في 14/6/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:05 AM
(34) أحمد حسن الزيات يكتب:
: افتتاحية مجلة «الرسالة»
.................... ...............

(العدد الأول، القاهرة في يوم الأحد 18 رمضان 1351هـ 15 يناير 1933م)

وأخيراً تغلب العزم المصمم على التردد الخوار فصدرت الرسالة، وما سلط على نفوسنا هذا التردد إلا نذر تشاع وأمثال تروى.. وكلها تصور الصحافة الأدبية في مصر سبيلاً ضلت صوابها وكثرت صرعاها فلم يوف أحد منها على الغاية، والعلة أن السياسة طغت على الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص، والأمة من خداع الباطل في لبس من الأمر لا تميز ما تأخذ مما تدع! فلما تناصرت على هذه الوساوس حجج العقل، ونوازع الواجب، وعدات الأمل، أصبحت الأسباب التي كانت تدفع إلى النكول بواعث على الإقدام وحوافز للهم، لأن غاية (الرسالة) أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهرج الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق.
أجل هذه غاية الرسالة! وما يصدفنا عن سبيلها ما نتوقع من صعاب وأذى، فإن أكثر الناهضين بها قد طووا مراحل الشباب على منصة التعليم، فلا يعييهم أن يخلقوا بُرد الكهولة على مكتب الصحافة، والعملان في الطبيعة والتبعة سواء، ومن قضى ربيع الحياة في مجادب ذلك، لا يشق عليه أن يقضي خريفها في مجاهل هذا!
أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث، ووصل الشرق بالغرب. فبربطها القديم بالحديث تضع الأساس لمن هار بناؤه على الرمل، وتقيم الدرج لمن استحال رقية بالطفور! وبوصلها الشرق بالغرب تساعد على وجدان الحلقة التي ينشدها صديقنا الأستاذ أحمد أمين في مقاله القيم بهذا العدد.
والرسالة تستغفر الله مما يخامرها من زهو الواثق حينما تَعِد وتتعهد؛ فإن اعتمادها على الأدباء البارعين والكتاب النابهين في مصر والشرق العربي، واعتصامها بخلصائها الأدنين من لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهم صفوة من خرَّجت مصر الحديثة في مناحي الثقافة، إذا اجتمعا في نفسها ما انطوت عليه من صدق العزم وقوة الإيمان أحدثا هذه الثقة التي تشيع في الحديث من غير قصد.
على أن للرسالة من روح الشباب سنداً له خطره وأثره، فإنهم أحرص الناس على أن يكون لثقافتهم الصحيحة مظهر صحيح، وما دامت وجهة الرسالة الإحياء والتجديد، وطبيعة الشباب الحيوية والتجدد، فلابد أن يتوافيا على مشروع واحد!
فإلى أبناء النيل وبَردى والرافدين نتقدم بهذه الرسالة، راجين أن تضطلع بحظها من الجهد المشترك في تقوية النهضة الفكرية، وتوثيق الروابط الأدبية، وتوحيد الثقافة العربية، وهي على خير ما يكون المخلص من شدة الثقة بالمستقبل وقوة الرجاء في الله.
أحمد حسن الزيات

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:06 AM
(35 ) الشعر في حياتنا: يحيــا العــدل‏!‏

بقلم‏:‏ أحمد عبد المعطي حجازي
..............................

‏..‏ وأنا أكتب عن الشعر في حياتنا لا أستطيع أن أتجاهل الدور الذي لعبه الشعر في قضية مهندسة الديكور هند الحناوي والممثل أحمد الفيشاوي‏,‏ فقد ذكرت الصحف أن محكمة استئناف القاهرة للأحوال الشخصية برئاسة المستشار أحمد رجائي دبوس أصدرت حكمها النهائي في قضية اثبات نسب الطفلة لينا بنت هند الحناوي‏,‏ وقضت بأن والدها هو أحمد الفيشاوي‏,‏ وقالت الصحف إن رئيس المحكمة لم يكتف بما أورده من مقدمات وأسانيد أسس عليها حكمه النهائي‏,‏ وإنما أضاف الي الحجج القانونية مقطعا من قصيدة لنزار قباني يتحدث فيها بلسان فتاة تقف موقفا شبيها بموقف هند الحناوي‏,‏ وتخاطب رجلا يقف في مكان الفيشاوي قائلة له‏:‏
لا تمتقع‏!‏ هي كلمة عجلي‏/‏ إني لأشعر أنني حبلي‏/‏ وصرخت كالملسوع بي‏!‏ كلا‏/‏ سنمزق الطفلا‏/‏ وأردت تطردني‏/‏ وأخذت تشتمني‏/‏ لا شيء يدهشني‏/‏ فلقد عرفتك دائما نذلا‏!/‏ وبعثت بالخدام يدفعني‏/‏ في وحشة الدرب‏/‏ يا من زرعت العار في صلبي‏/‏ وكسرت لي قلبي‏/‏ ليقول لي مولاي ليس هنا‏/‏ مولاه ألف هنا‏/‏ لكنه جبنا‏/‏ لما تأكد أنني حبلي‏!/‏ ليراتك الخمسون تضحكني‏/‏ لمن النقود؟ لمن؟ لتجهضني؟‏/‏ لتخيط لي كفني؟‏/‏ هذا إذن ثمني‏!/‏ ثمن الوفا يا بؤرة العفن‏/‏ أنا لم أجئك لمالك النتن‏/‏ شكرا‏!‏ سأسقط ذلك الحملا‏/‏ أنا لا أريد له أبا نذلا‏!‏
والعنوان الحقيقي للقصيدة هو حبلي وليس طفولة نهد كما ذكرت بعض الصحف‏,‏ وهي من مجموعته الشعرية قصائد التي نشرها في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي‏,‏ في تلك المرحلة الأولي من شعره التي كانت المرأة فيها موضوعه الأول أو موضوعه المفضل‏.‏
والمرأة في قصائد هذه المجموعة هي المرأة كما يحب الدون جوان الشرقي للمرأة أن تكون‏,‏ فهو يريدها في البداية جميلة أنيقة تثيره وتشبعه‏,‏ ثم يريدها في النهاية ضحية منكسرة مضطرة للتنازل عن حقوقها والرضا بمصيرها‏,‏ وهذا هو الفرق بين بطلة قصيدة نزار وهند الحناوي‏.‏
بطلة نزار لم تملك إلا أن تستسلم للحكم الوحشي الذي نزل بها وقضي بأن تتخلي عن جنينها‏,‏ وتكتم عن الناس قصتها‏,‏ وتعود إلى بيتها منهارة مسحوقة‏.‏ أما هند الحناوي فلم تخضع لهذا الحكم الجائر‏,‏ ولم تستسلم لهذا المصير الذي قرر شريكها أن يدفع بها إليه ويفر بجلده‏.‏
المجتمع في معظم طبقاته ومؤسساته في حالة فرار وانسحاب من الحاضر وارتداد إلى الماضي‏,‏ لا يعترف بالحب‏,‏ ولا يعبأ بالحرية‏,‏ ويسيء الظن بالمرأة ويتهمها ولا يرضي عنها إلا اذا انسحبت واختفت وابتلعتها الظلمة السوداء‏,‏ وأسلمت روحها وجسدها للقوامين‏!‏ فإن أبت وأصرت علي أن تفكر برأسها وتختار لنفسها كما فعلت هند الحناوي فهي امرأة آثمة عليها أن تتحمل وحدها نتيجة ما فعلت‏,‏ وعلي أسرتها أن تنبذها إن لم تقتلها‏,‏ وعلي المجتمع أن يلعنها ويتبرأ منها‏,‏ أما شريكها فليس عليه إلا أن يشهد بأن ما بينه وبينها لم يكن إلا علاقة آثمة‏!‏
ومع أن الوصف الذي وصف به أحمد الفيشاوي علاقته بهند يسيء إلى صورته وسمعته كشاب مهذب وفنان موهوب‏,‏ فقد فضل أن يكون طرفا في علاقة آثمة علي أن يكون زوجا أو عاشقا‏,‏ لأنه يريد أن يعفي نفسه من أي مسئولية قانونية أو أخلاقية‏,‏ معتمدا علي أن المجتمع يغفر للرجال آثامهم ويغض الطرف عنها‏,‏ وقد يشجعهم علي ارتكاب المزيد منها‏,‏ لكنه يقتل المرأة الآثمة‏!‏
ومن هو الذي سيعترض الآن وقد تراجع الضمير وفسدت اللغة‏,‏ فلم تعد تنطق بلسان العصر أو بلسان العقل أو حتى بلسان الجسد‏,‏ وإنما اللغة الآن أقنعة مهترئة وألوان وأصباغ لإخفاء الحقيقة وتزيين الكذب‏.‏
وفي الوقت الذي فسدت فيه اللغة‏,‏ واهتزت القيم فلم نعد نعرف الفرق بين الحب والزنا‏,‏ وبين المرأة والفراش‏,‏ يعجز المجتمع عن أن يوفر لمعظم أبنائه حاجاتهم الأساسية حتى أن أعمار الكثيرين تنقضي دون أن يتمكنوا من اختيار الشريك وبناء الأسرة‏,‏ ولا يكون أمامهم في النهاية إلا هذه المغامرات العشوائية التي خلفت لنا حتى الآن مليوني طفل يتهرب منهم آباؤهم‏,‏ ويرفضون الاعتراف ببنوتهم‏,‏ ليس لان هؤلاء الآباء أشرار بطبيعتهم‏,‏ ولكن لان المجتمع يحتقر المرأة ويطلق العنان للرجال‏.‏ ولو أن هذا الشاب الموهوب وجد من يخلص له النصح ويشجعه علي أن يمد يده للفتاة التي أحبها‏,‏ وان يمنح اسمه للطفلة البريئة التي تواجه العالم دون أن تحمل اسم أبيها الذي منحها الحياة ـ لو أنه وجد هذا الناصح المخلص الأمين لكان له سلوك آخر‏,‏ ولاشك في أن هند الحناوي مدينة لشجاعة أبويها وثقافتهما واستنارتهما بالانتصار الذي حققته لنفسها ولبنات جنسها‏,‏ ولعب فيه الشعر دورا مشهودا‏.‏
لقد أراد القاضي الفاضل المثقف أن يخاطب ضمائر المصريين‏,‏ ويستنهض هممهم‏,‏ ويشجعهم علي مراجعة أنفسهم‏,‏ ويساعدهم علي فهم العدالة وتمثل حقيقتها‏,‏ فالعدالة ليست مجرد نصوص ومواد مكتوبة‏,‏ ولكنها ثقافة وخبرة‏,‏ ليست قواعد وإجراءات شكلية بل هي وعي وضمير ووجدان‏,‏ والعدالة لا تكون عدالة إذا تعارضت مع قيمة أخلاقية أو مثل أعلي أو حق من حقوق الإنسان‏.‏ ولقد وقفت الفتاة الحبلى في قصيدة نزار وحدها عزلاء لا تملك إلا الحقيقة التي أنكرها شريكها المتحصن خلف جبنه ونذالته‏,‏ فمع من نقف؟ هل نتركها تسقط حملها؟ أم ننقذ الحمل وننقذ الحامل؟
وهل كانت لغة القانون قادرة وحدها علي أن تخاطب ضمائرنا علي هذا النحو‏,‏ وتلقي علينا هذا السؤال‏,‏ وتستفزنا للجواب عليه كما ينبغي أن يكون الجواب؟ لا‏,‏ وإنما الشعر هو وحده القادر علي أن يخاطبنا جميعا في وقت واحد‏.‏
لغة نزار في هذه القصيدة وفي شعره كله أو معظمه تتأرجح بين الفصحى والعامية‏,‏ ومع انه صانع ماهر يملك أدوات الكتابة الشعرية فهو يفضل الكتابة باللغة التي نستعملها في حديثنا اليومي‏,‏ مستخدما جملها ومفرداتها ونحوها ومنطقها وإيقاعها‏,‏ يقول هي كلمة عجلي كأنه يقول هي كلمة ورد غطاها‏,‏ ويقول الخدام لا الخادم‏,‏ ويقول مولاه ألف هنا بدلا من أن يقول مولاه هنا ألف مرة‏,‏ وهو لا يقدم لنا في قصيدته تقريرا أو وصفا محايدا‏,‏ بل يتقمص الشخصية ويتحدث بلسانها‏,‏ ولهذا استمعنا لما قالته بطلة قصيدته‏,‏ وانفعلنا بقصتها‏,‏ ووقفنا إلى جانبها‏,‏ وانتقلنا من القصيدة إلى القضية المطروحة أمامنا‏,‏ فرأينا الظلم الذي وقع علي بطلة نزار يقع من جديد علي هند الحناوي وعلي طفلتها لينا التي تقف إلى جوارها‏,‏ فنطقنا مع القاضي الفاضل بالحكم العادل‏:‏ يحيا العدل‏!‏ ويحيا الشعر‏!‏
.................... ..................
*الأهرام ـ في 31/5/2006م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:09 AM
( 36) هوامش للكتابة - تغريدة البجعة -1

بقلم: أ.د. جابر عصفور
........................

يقال إن البجعة إذا شعرت بدنو أجلها، وانتهاء الوهج الذي يربطها بالحياة، تباعدت واعتزلت القطيع الذي تنتسب إليه، ورحلت بعيداً كي تكون وحيدة تماماً، وأطلقت صوتاً شجياً، يبعث الحزن والأسى، كما لو كانت ترثي نفسها قبل موتها الذي تستهله بهذا النواح الحزين الرجع وقد تحولت «تغريدة البجعة» إلى مجاز أو كناية تستخدم في المواقف الإنسانية المشابهة، ولعل أبرز من استخدم هذا المجاز وأكده في الكتابة العربية حديثاً، هو المفكر زكي نجيب محمود الذي كتب مقالاً مهماً عن «السيرة الذاتية» أطلق عليه عنوان «تغريدة البجعة» وكان يقصد من اختياره العنوان أن السيرة الذاتية هي العمل الإبداعي أو الكتابي الذي يلجأ إليه المبدع أو المفكر، عندما يشعر أن حياته أوشكت على النهاية، وأنه يقف على شاطئ نهر الموت، منتظراً أن يعبره إلى عالم آخر، وحيداً مع الواحد المطلق، وهي لحظة تتشابه دلالتها مع دلالة تغريدة البجعة، خصوصاً حين تشعر «أنا» الكاتب أن عليها استرجاع شريط حياتها بأكمله، على سبيل العزاء، أو التأمل في ما جرى، كما لو كانت «الذات» تنقسم على نفسها، فتغدو فاعل التأمل ومفعوله، في مدى الفعل المعرفي المتعاقب للتذكر أو الاسترجاع وتبدو الذات، على هذا النحو، أشبه بالناظر في المرآة التي هي إياها، قبل أن تنطوي الصفحة الأخيرة، أو المشهد الأخير من حياتها أو حضورها وقد فعل سعيد، بطل مسرحية صلاح عبدالصبور الشعرية، «ليلى والمجنون»، ما يشبه ذلك، حين أسلمته الأحداث المأسوية التي عاناها إلى الجنون الذي أفقده الصلة بالعالم الخارجي الذي ناوشته فيه سهام القمع والخيانة والوحشية من كل جانب، فكانت نهاية سعيد الدمار النفسي الذي دفع به، قبل أن تنطبق عليه تماماً زنزانة الجنون التام الذي يعني الموت المعنوي، إلى كتابة آخر قصيدة له، وكانت مرثية لجيله الذي مات قبل الموت، وانهزم من دون أن يكمل المعركة للنهاية.
وينطبق الأمر على «أيام» طه حسين، قبل صلاح عبدالصبور بجيلين على الأقل، حين قامت الأعاصير التي لم تهدأ، إلى اليوم، حول كتابه «في الشعر الجاهلي» (1926) وانهال عليه التكفير والتهديد من كل جانب، وانتهى به الأمر للمثول أمام النائب العام، فكان الموقف شبيهاً بنهاية حَدِّية لمرحلة هذا الشعور بالنهاية، حتى لو كان ما بعدها بداية مغايرة، هو ما دفع طه حسين إلى نوع مواز من تغريدة البجعة في كتابه «الأيام» الذي كان استرجاعاً للماضي الذي عاناه طه حسين إلى أن وصل إلى النقطة الحاسمة، مفترق الطرق الذي يفضي إما إلى سكة الندامة أو سكة السلامة أو سكة «اللي يروح ما يرجعش».
وسواء كانت «الأيام» تغريدة للبجعة كلياً أو جزئياً، فهي تنطوي على الدلالة المجازية التي ينطوي عليها المجاز نفسه تغريدة البجعة ويمكن أن نضم إلى هذه الدلالة ما يتجانس وإياها من روايات السيرة الذاتية، أو رواية الأجيال، أو الجيل الذي وصل إلى النهاية التي تشبه شاطئ نهر الحياة الذي ليس بعده سوى الموت، فتغدو الرواية شبه مرثية لهذا الجيل الذي ناوشته أعاصير دمار خارجي، ناتج من شروط موضوعية في واقع الضرورة، ومن جرثومة عطب داخلي، انطوى عليها هذا الجيل، تجاوبت عواملها مع العوامل الخارجية إلى أن أوصلت هذا الجيل إلى عمق إحساسه بالهاوية، ووصوله إلى قرارة القرار من المأساة التي توازيها تغريدة البجعة، رمزياً، أو إبداعياً، في نوع الرواية التي تنبني على عمق الإحساس المأسوي بالنهاية التي ليس بعدها بداية.
ولأسباب عدة، فإن هذا الإحساس المأسوي يتجسد في الرواية بالدرجة الأولى، ولا يخلو منه المسرح الذي تعد نماذجه الموازية لتغريدة البجعة أقل من الرواية، أولاً لأن الرواية أكثر قدرة على احتمال التفاصيل الكلية والجزئية التي يستكمل بها مشهد «التغريد» ملامحه وموازياته الرمزية، فضلاً عن تمثيلاته أو لوازمه الواقعية، وثانياً لأن الرواية تنبني بالضرورة على التصوير الحسي الملموس بعيني الخيال للأسباب الداخلية والخارجية التي أدت إلى عمق الإحساس المأسوي بنهاية عالم الأبطال الواقعين تحت مطارق القمع الخارجي، ونقطة الضعف في التكوين الذاتي وثالثاً ربما لأن الرواية وأؤكد ربما تزدهر في الفترات الرمادية من التاريخ، حيث تفضي مرحلة مهزومة إلى أخرى لاحقة، تنطوي على معنى من معاني التيه الذي لا يبين له مخرج، وذلـــك في اللحظة التي يسقط فيها الوعي الروائي ما بين نهاية وبداية، الأولى مدمرة، والثانية لا تحمل بشارة واضحة من ضوء ولا يخلو الأدب الروائي في تعاقب تيارات عصوره الحديثة من هذا النوع من الروايات اتي تتعدد تياراتها الإبداعية وتتنوع أبنيتها الجمالية ولكن بما لا يمنع وأؤكد ما لا يمنع وجود نماذج مماثلة في فن المسرحية التي لا تنبسط أفقياً أو رأسياً، في النهاية، إلى المدى الأكثر اتساعاً وتجاوباً، بين الخارج والداخل، كما يحدث في فن الرواية.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يكتب القاص المصري مكاوي سعيد، في هذا السياق، روايته التي وصل بها إلى درجة لافتة من التميز، أعني رواية «تغريدة البجعة» التي أصدرتها «الدار للنشر والتوزيع» في القاهرة في كانون الثاني (يناير) 2006 التي جاءت بعد رواية «فئران السفينة» المنشورة عن «دار ميريت» القاهرية عام 2004، وبعد ثلاث مجموعات قصصية «الركض وراء الضوء» الصادرة عن «دار النديم» 1981 و «حالة رومانسية» 1991 المنشورة على نفقة الكاتب وبعدها «راكب المقعد الخلفي» عام 2000، وكلها أعمال تؤكد تمرس مكاوي سعيد بكتابة الفن القصصي، كما تمرس في إعداد الأفلام التسجيلية، والروائية المأخوذة عن بعض أعمال نجيب محفوظ تحديداً. وقد تصادف أنه كتب روايته «تغريدة البجعة» في الوقت الذي كان يعد فيلماً تسجيلياً وثائقياً عن أبطال الشوارع، وهو إعداد جعل عدسته الروائية تبدأ من الواقع القاسي الذي ينتج هذه الظاهرة التي تغدو علامة على نهاية مأسوية لأحلام وطن وجيل، يصحو على نهاية مأسوية، كاشفة عن سقوط الأحلام التي خايلته، والأماني التي عاشها عن وطن حر وشعب سعيد. وقد كان هذا، في تقديري، هو الجانب الدافعي الذي انطلقت منه «تغريدة البجعة» تجسيداً لحال من الوعي بالسقوط في مأساة وطن وجيل.
ولعل هذا السبب هو الذي جعل الرواية، بعد اكتمالها ونشرها، تلمس العصب العاري من وعي مجموعات قرائية عدة، خصوصاً من المهتمين بالرواية، فتستقبل الرواية استقبالاً دالاً في حماسته، إلى الدرجة التي دفعت دار النشر التي أصدرتها إلى إصدار طبعة ثانية لها بعد أقل من عام واحد، وصدرت الطبعة الثانية في أيلول (سبتمبر) 2007 ولا يزال الإقبال الحماسي على قراءة الرواية مستمراً، فتقوم لجنة التحكيم لجائزة «بوكر» الــعربية مــهما كان الرأي في بعــض أعضائها، أو اختياراتهــم باخــتيار الرواية ضــمن القــائمة القــصيرة التي تســتحق رواياتها الفوز بالجائزة، فتجاور «تغريدة البجعة» رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر.
وأحسب أن سبب هذه الحماسة المتزايدة للرواية يرجع إلى أنها استفزت، ولا تزال وعي الرفض المتوتر لأجيال متقاربة، ترجع جذورها إلى شرائح الطبقة الوسطى التي أدت التحولات التاريخية إلى تهديدها وتآكلها، ومن ثم وصولها إلى الدرجة التي دفعت رمزي زكي إلى كتابة كتابه المهم «وداعاً للطبقة الوسطى»، وأتصور أن أكثر الأجيال انفعالاً بهذه الرواية، وحضوراً فيها، الجيل الذي ولد في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، وتخرج أبناؤه وبناته في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، وهو الجيل الذي ينتسب إليه مكاوي سعيد المولود عام 1956 الذي تخرج في كلية التجارة عام 1979، أعني الجيل الذي وصل إلى مرحلة النضج والممارسة السياسية خلال سنوات مراحل الدراسة الجامعية في السبعينات التي كانت قد توهجت فيها طليعة هذا الجيل الذي توزعه تياران، أولهما التيار الناصري، وثانيهما التيار الماركسي بفصائله المختلفة التي جمعت ما بين «الأخوة الأعداء» من التروتسكيين والتيار الثوري وحزب العمال والحزب الشيوعي، و8 كانون الثاني وغيرهم... وكان يجمع بين أطياف الناصرية واليسار رفض تراجع السادات، تدريجاً، عن الخط الناصري، والارتماء في أحضان الولايات المتحدة، في موازاة تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية الملازمة للتزايد المتصاعد في الهوة بين الطبقات، وصعود طبقة جديدة، طفيلية، مخرِّبة لكل قيم الماضي الإيجابية، فضلاً عن تزايد صور الفساد الحكومي، والإفساد غير الحكومي المدعوم من النظام الجديد للحكم المتحالف معه على نحو أو آخر، وكان ذلك في الفترة التي أخذ فيها السادات يعمل على دعم المجموعات الإسلامية التي صاغها على عينه، لتكون عوناً له في القضاء على المجموعات الناصرية القومية واليسارية الاشتراكية والشيوعية، خصوصاً من أبناء هذا الجيل الذي بدأ نشاطه السياسي بمعارضة السادات، حالماً بتغيير سياساته إلى ما يحقق العدل الاجتماعي، والاستقلال السياسي، وإكمال مهمة إزالة آثار كارثة العام السابع والستين، أقصد هذا الجيل الذي سرعان ما انهالت عليه مطارق الأجهزة القمعية للدولة الساداتية، في موازاة حراب مجموعات الإسلام السياسي في صعودها وتزايد هيمنتها التي لم تتوقف، وهو الجيل الذي تدور حوله رواية مكاوي سعيد التي هي ملحمة جيل السبعينات في انزلاقه من الحلم إلى الكابوس، وسقوطه من أفق الثورة التي انطوى عليها إلى وهاد الضرورة التي انتهى إليها، ماضياً في طريقه المحتوم إلى الكارثة الفردية والجمعية للهزيمة التي دفعت بطليعة هذا الجيل إلى النهاية المأسوية التي انقلب فيها كل شيء رأساً على عقب، وذلك في السياق الذي شهد اغتيال أمثال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، كما شهد الإحباط المتزايد الذي التف على مشاعر هذا الجيل ووعيه كالمدارات المغلقة، اليائسة، المقهورة التي تنتهي إلى الجنون والانتحار والموت المبكر كمداً، والأمثلة متاحة في انتحار أمثال أروى صالح وانقصاف أعمار أمثال أحمد عبدالله، ورضوان الكاشف، وإكرام خليل... إلخ، فضلاً عن التغيرات العنيفة التي قلبت بعض هذا الجيل من النقيض إلى النقيض، خالعين عنهم أثواب المقاومة والنضال، استسلاماً ويأساً وعجزاً، أو تبريراً للسقوط، حتى من قبل أن يغتال السادات حلفاؤه من جماعات الإسلام السياسي.
ولكن رواية «تغريدة البجعة» لا تتناول بداية أو نهاية جيل السبعينات الذي تنتسب إليه مع نهاية الحقبة الساداتية فحسب، وإنما تمضي إلى ما بعدها، وتصل إلى السنوات الأخيرة التي تصل ما بين نهايات القرن الماضي وبدايات سنوات القرن الحالي، فنقرأ في فصولها الافتتاحية عن تبلور «حركة كفاية» مع عام 2005 التي آزرت القضاة في مواقفهم المحتجة على النظام القائم، وحركة «شايفنكو» الموازية التي أخذ صوتها يعلو مع عام 2006، وتصل قبل ذلك إلى شهر أيلول عام 2005 الذي احترق فيه عدد من أبناء هذا الجيل المهتمين بالمسرح، نقاداً ومبدعين ومتذوقين، في كارثة مسرح قصر ثقافة بني سويف الشهيرة التي كانت، ولا تزال، تجسيداً موجعاً للكوابيس التي يعانيها هذا الجيل، ونعانيه معه نحن الذين ننتسب إلى الجيلين السابق واللاحق.
وظني أن التقاط عدسة «تغريدة البجعة» مشهد احتراق بعض طليعة هذا الجيل، في مسرح قصر ثقافة بني سويف، المشؤوم، كان تركيزاً على الدلالة التي اقترنت بالنهاية المأسوية لأشباه الأبطال الذين تصور هذه الرواية مسيرتهم المحبطة المحاصرة بالقمع بكل ألوانه منذ البداية، أعني النهاية المأسوية لأبطال «تغريدة البجعة» الذين تصورهم الرواية كما لو كان مقدوراً عليهم السقوط منذ البداية ولا أدل على ذلك من نهايات الأبطال والأجيال سواء في علاقات حبهم المحكوم عليها بالدمار سلفاً، أو في علاقتهم بالواقع الذي يغتالهم بتحوله الكلي عنهم مثل يوسف حلمي أو مطاردتهم بقمعه الوحشي، الذي ينقلب بهم من النقيض إلى النقيض، فيتحول أحمد الحلو، المناضل الشيوعي تحولاً جذرياً، مع حبيبته شاهيناز المتطرفة في أصوليتها الماركسية التي تنتهي وحبيبها الزعيم إلى اتجاه إسلامي متطرف، كما لو كانت الأصولية الشيوعية لا تنقلب إلا إلى أصولية موازية في القوة، ومناقضة في الاتجاه وينتهي مصير البطل مصطفى وأقرانه إلى الجنون أو الدمار أو الهجرة التي تبدو كالخلاص من اليأس، إلى آخر ما نراه من الفضاء الروائي الذي لا نرى فيه سوى ما يؤدي إلى السقوط في قاع اليأس الذي يلازم حال «تغريدة البجعة»، ويؤدي إلى تأكد مغزى هذا الحال ضياع قيم التحرر الوطني، واستكمال سيطرته على أرضه، واستقلال حريته، فلم تعد مصر للمصريين، بل لغير أبنائها ولا أدل على ذلك من شعور البطل مصطفى أن الوطن الذي كان ينادي بتحريره من الاستعمار الإسرائيلي، قد تحول إلى وطن للغزاة الأجانب من كل حدب وصوب، في زمن الاستعمار الجديد والعولمة، وذلك إلى الدرجة التي تدفع البطل، مصطفى، إلى القول:
«في الأيام الأخيرة بالذات بدأت أشعر بهم يحيطون بي في كل مكان وبدأت أحلم بهم أسير في شوارع وسط البلد التي أحفظها جيداً وفي منطقة الهرم التي ولدت بها وفي حي الحسين الذي أعشقه، فلا أجد أحداً أمامي غير الأجانب، أذني تلتقط لغات مختلفة ليست اللغة العربية من بينها دائماً، يقابلونني وجهاً لوجه بجواري لا أحد، وخلفي لا أحد وهم صفوف كثيفة على مرمى البصر».
هذه الصــورة الدالة للحضور الطاغي المهيمن للأجانب الذين انتزعوا وســـط البلد، أو قلبها من المصـــريين، هي نموذج تمثيلي لإحساس البطل بالمكان الذي ينتمي إليه، وهي صـــورة تـــوازي إحساسه بالزمان الذي يعيشه على هذا المكان، حيث يشعر أن كل ساعة ممكنة من الساعات الجـــميلة هي ســـاعة منتزعة مسروقة من الزمن الغادر الذي يعيشه، ساعة لا يمكن إلا أن تذكــره بأن ما يأتي بعدها هو الساعات التي تقترب به من يوم الـــدينونة الذي ينتهي فيه كل ما حلم به، بل الحياة نفسها، فلا يبقى له سوى تغريدة البجعة./يتبع....
...................
*عن موقع: دار الحياة.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:10 AM
(37 ) هوامش للكتابة - تغريدة البجعة - 2

بقلم: أ.د. جابر عصفور
........................

أتصور أنه بالقدر الذي نقرأ فيه رواية «تغريدة البجعة» لمكاوي سعيد بصفتها رواية تجسد رؤيا النهاية الوشيكة، ووعي السقوط بالأسباب والمقدمات التي أفضت إليه، يمكن أن نقرأها بالقدر نفسه، على أنها رواية تنتسب إلى خطاب ما بعد الاستعمار، حيث الثنائية الضدية الفاصلة، دلالياً وبنائياً، بين نقيضين في كل شيء الآخر المُستَغِل المتحالف مع قوى داخلية حاكمة بأجهزة أيديولوجية قامعة، في موازاة الذات الوطنية التي تتجسد قدرتها على المقاومة في أفعال الطليعة من أبنائها الذين تتراوح حركتهم ما بين تغريبة المقموعين إلى بلاد النفط التي يهيمن عليها الآخر، أو وطنهم الذي سقط في براثن استعمار جديد، أو ما بعد استعمار استيطاني قديم، سلاحه الاقتصاد لا قمع السلاح، وأداته الهيمنة على الوعي المؤدلج، الوعي المزيف المخدوع الذي يبقي ضحاياه في ما يشبه الرمال المتحركة التي تبتلعهم بعد طول أو قصر مقاومة، سواء في تغريبة أبناء المجتمع إلى بلاد النفط المحكومة بالآخر، أو بلادهم التي سقطت في شراك قضت على آمالهم، غير عابئة، أو مستجيبة إلى أمانيهم الوطنية التي انكسرت، جزئياً أو كلياً، بعد مقاومة محكوم عليها بالفشل منذ البداية.
وليس من الغريب، والأمر كذلك، أن تبدأ الرواية في منطقة وسط البلد في القاهرة، حيث لا تزال بقايا العهد الاستعماري القديم من ثلاثينات القرن الماضي، ماثلة في أشكال العمارة التي قصد بها أن تكون مصر قطعة من أوروبا، حيث لا يزال يتحرك بين شوارعها الأجانب من كل حدب وصوب والوقت بعد منتصف الليل بقليل، حيث يجلس البطل في مقهى، فات موعد إغلاقه، منتظراً كريم الصبي الذي تعرف إليه بصفته أحد قادة أطفال الشوارع الذين يتركزون في الشوارع الخلفية المهجورة لمنطقة وسط البلد، الموطن السكني للمهمشين المُطاردين من الصغار الذين لا يتورعون عن فعل أي شيء، وكأنهم يردون على القمع الواقع عليهم بمثله، ابتداء من القمع الذي يمارسونه على أنفسهم بمنطق نحن المقتولون القتلة، أو الذي يمارسونه على غيرهم من المنتسبين إلى الشرائح الاجتماعية الأعلى الذين يحتلون الشوارع الكبيرة المضيئة، ويكاد مصطفى البطل يقع فريسة إحدى عصابات أطفال الشوارع، لا ينقذه من أمواسهم المشرعة سوى نطقه اسم كريم الذي يفعل فعل السحر في تركهم له، كي يعود إلى حال سبيله، آمناً، بفضل اسم الزعيم الصغير كريم الذي خرج البطل مصطفى، باحثاً عنه، ليتفق معه على أن يجمع شراذم أطفال الشوارع، لكي يكونوا مادة فيلم تسجيلي عنهم، يشترك فيه مع «مارشا» الأميركية التي تتولى التمويل، وتنيب عنها مصطفى الذي تعينه بالدعم المالي كي تكشف عن أحشاء وسط البلد التي أصبحت أزقتها الخلفية المراح السري لعصابات أولاد الشوارع، والقصد هو إخضاع كل شيء، في مصر، للدراسة التي تغدو ممارسة لشكل غير مباشر من أشكال الهيمنة التي تمارسها رموز الاستعمار الجديد. وعلى رغم ذلك لا تخلو العلاقة بين مارشا ومصطفى من ثنائية ضدية، يؤدي كل منهما فيها دوراً لا يخلو من معنى التمثيل الرمزي لمن يملك السلطة المعنوية والنفوذ المادي، مقابل النقيض الذي لا تزال تكمن فيه بقايا أحلام المقاومة وإرادة الاستقلال الوطني، لكن بعد أن تكسرت إرادة المقاومة في تغريبة المقموعين إلى بلاد النفط التي جزّت أجنحة المقاومة واستبدلت بها إيثار الراحة الكسول على تلهب الرفض لشروط الضرورة ولوازمها التي تحوّلت العلاقة بها إلى علاقة اتّباع لا يخلو من أصداء مقاومة قديمة، لا فاعلية لها، بعد أن نزعت عنها التغريبة إلى بلاد النفط أظفارها وبقايا إرادتها.
وتتعامد العلاقة بين طرفي الثنائية، مارشا ومصطفى، تعامد العنصر المحلي الغارق في التبعية على العنصر الأجنبي الذي يملك إرادة الفعل ووسائل الغواية بتنفيذه وما بين القطبين المتناقضين في الملامح والغاية. تتحرك أحداث الرواية وشخصياتها، في ما يشبه مستويات متعددة من بنية دائرية، يتعارض فيها رأسياً مصطفى ومارشا، وتنبسط بينهما، أفقياً، محاور من ثنائيات متوازية، متحولة، يتحرك، في مداها، أبطال لا يختلفون عن قرينهم مصطفى، في أنهم يسيرون إلى النهاية المحكوم عليهم بها، كالحتم أو القدر أو المصير الذي تفرضه علاقة غير متكافئة بين رموز القمع وأقنعته من ناحية، ورموز المقموعين وأقنعتهم التمثيلية من ناحية مقابلة. ولذلك تنتهي الرواية بدمار الشخصيات التي تربطها بمصطفى، البطل، علاقة زمالة نضالية قديمة، انقلبت إلى نقيضها، كما انقلب حال الزعيم الماركسي الأصولي أحمد الحلو وزوجه الماركسية المتعصبة مثله، بل أكثر منه، حيث انتهى الأمر بهما إلى أصولية دينية، كأنها رد الفعل المساوي لنقيضه في القوة والمخالف له في الاتجاه. وقس على ذلك العلاقة بين كريم ووردة التي هي علاقة بين مقتولين قتلة، يتبادل فيها كلاهما القمع الذاتي على نفسه وعلى الآخرين، في ما يغدو انعكاساً للقمع الخارجي الواقع على الجميع.
ولا تختلف عن ذلك علاقة مصطفى بيوسف حلمي، رجل السينما القديم الذي لم يبق من مجده الآفل سوى الذكريات، وأقل القليل الذي لا يستطيع أن يهبه للبطل، مصطفى، في ما عدا مسدس ابنه الطيار الذي استشهد في المعارك مع إسرائيل ولم يبق له من أولاده سوى ابن، انخرط في الجماعات الإسلامية، ليكون مع زوجه نقيضاً قمعياً لأبيه، وأداة تعذيب له، وبديلاً جذرياً لكل ما يمثله أو ينطوي عليه من معاني الحضور الآفل. ولذلك ينتهي الرجل الذي كان صوته يدوّي في أي استوديو سينمائي، فيقف كل العاملين، وتتوقف كاميرات التصوير ويقف كاسْت التمثيل، وكأن على رؤوسهم الطير، الرجل الذي كانت ترتعد منه النجمات والنجوم، وتترصده الصحافة، وتتابع أخباره كي ترفع التوزيع، والذي غامر بكل أمواله من أجل الفن أكثر من مرة، وخسرها كلها مرات عدة، لينهض بإرادته من جديد، فيربح أكثر مما خسر، تنقله كلمات قاسية من ابنه شريف إلى العناية المركزة في مستشفى القصر العيني، وينجو ليعود خالياً من يوسف حلمي القديم الذي يموت غير مأسوف عليه، في زمن اللحى والجلاليب البيضاء.
ويبدو الأمر، من خلال هذا المنظور، أن أحمد الحلو ورفيقته المناضلة القديمة شاهيناز، جنباً إلى جنب شريف ابن يوسف حلمي وزوجه، قد أصبحا النموذج الغالب نتيجة دوران دائرة الرواية ما بين نقيضين يتجاذبانها، أولاً حضور مارشا الذي يخاف البطل مصطفى خذلانها، لئلا تنقطع علاقاته النفعية مع الأجانب الذين يعلمهم اللغة العربية، أو حتى مع العرب الذين يريدون العيش كأجانب، وثانياً تصاعد الأزمات الاقتصادية التي تدفع إلى هجرة المقموعين المحبطين في أوطانهم إلى بلاد النفط، حيث الاستلاب أهون الأضرار، في مناخ لا يخلو من العنف، أو دماء هندي بائس رمى نفسه تحت عربة، مثل غيره من الهنود والباكستانيين الذين كانوا يلقون بأنفسهم أسفل السيارات، فيلقون حتفهم من أجل أن يحصل أهلهم على قيمة الدية البالغة أربعين ألف ريال، وما بين أولاً وثانياً، تشيع الأصولية الدينية، وتحل محل المعتقدات القديمة، تماماً كما تحل الدشداشة محل الحلة الإفرنجية، أو الجلباب القصير محل القميص والبنطال، فينقلب ابن يوسف حلمي على ما يمثله أبوه، ويغدو هو وزوجه أصوليين في الانتماء إلى تيار الإسلام السياسي المعادي للفن الذي كان يمثله يوسف حلمي، فيغدو الفن بعامة، والسينما بخاصة، ضلالة، نهايتها الكفر الذي يستوجب استئصال فاعله، مادياً ومعنوياً. ولذلك يتوازى حضوره وزوجه مع حضور أحمد الحلو وزوجه اللذين يستبدلان التطرف الإسلامي بالتطرف الماركسي، فيغدو الثنائي الأول منطوياً على الهيمنة نفسها التي يعاني منها الثنائي الثاني، في مواجهة الأبطال الذين يعانون في هذا النوع من روايات ما بعد الاستعمار القديم، وصعود الاستعمار الجديد، وذلك في مدى الموازيات الرمزية الروائية التي يتضافر فيها القمع المحلي في عنفه المباشر والقمع الأجنبي بأقنعته الجديدة ذات الأيدي الحريرية، والقمع الديني الذي يبدو كالمطهر الذي يحيل المعتقدات من النقيض إلى النقيض، خصوصاً في اتجاه التطرف والإرهاب اللذين لا يمكن فصلهما عن غيرهما من أشكال القمع الداخلي والدعم الخارجي. والنتيجة هي غلبة التطرف الديني الذي يعادي الفنون، كالسينما وما يلازمها من أنواع الإبداع الأخرى التي أصبحت محلاً للهجوم عليها وتكفير مبدعيها، في موازاة استلاب وعي المرأة التي تستبدل، في فعل أدلجتها، بالاستقلال التبعية، وبمعنى الفاعلة في الوجود المنفعلة للنواهي التي يتقلص بها معنى الفاعلية إلى أن يغيب، تماماً كما تستبدل بالسفور الحجاب أو النقاب فتغدو كالرجل المتطرف، في مدى الأصولية نفسها، معادية قيم التحرر بكل مجالاته، والعدل الاجتماعي بكل لوازمه، وحق الاختلاف والاجتهاد في كل ممارساته.
صحيح أن عصام الرسام، الصديق المقرب لمصطفى الذي اختار مجال تدريس اللغة العربية الذي قاده إلى الصحافة. أقول صحيح أن عصام الرسام لا ينقلب من نقيض إلى نقيض، وأنه يظل، مثل مصطفى، مبقياً على العنصر الليبرالي في تكوينه، بعيداً من المنحنى الماركسي الذي انعطف إليه وخرج منه سريعاً، ولكن عصام يقع في شراك الأجنبي، ممثلاً هذه المرة في امرأة بالغة الثراء من سنغافورة التي دخلت مدار الاستعمار الجديد إلى آخر مدى، فتسرقه من عالمه القديم، وتجعل منه جزءاً عضوياً من عالمها، فينتهي مصيره إلى النهاية المحتومة نفسها، تلك النهاية التي لا تختلف جذرياً عن نهاية بقية الأبطال الذين يتحولون، بمعنى أو بآخر، إلى مستذلين مهانين، واقعين بين مطرقة القمع المحلي وسندان القمع غير المحلي، فيغدو حضورهم الروائي أقرب إلى حضور الضحايا، كأنهم جميعاً نماذج متنوعة، موازية لحضور وردة التي تحكي كيف اغتصبها سبعة عشر ولداً ذات مرة، وعشرون عامل نظافة مرة أخرى، أو خمسة عساكر وثلاثة مجندين وغيرهم في مرة أخيرة، وقد تزوجها كريم الذي هجرته، كأنها ارتعبت من صورتها المرتسمة في حضوره، وانتهى مآلها إلى مارشا الأميركية التي جعلت منها وزوجها الذي هجرته فأرين للتجارب، شأنهما في الوضع التابع شأن جوليا الخادمة التي قادها حظها التعس إلى مارشا التي تتهمها، في النهاية، بسرقة بضعة آلاف من الدولارات، وتتولى تعذيبها مستعينة بمصطفى الذي لا يختلف وضعه عن وضع جوليا، في التحليل الأخير والنتيجة هي مصرع الخادمة البائسة التي تقفز من الدور العشرين فراراً من التعذيب، وبالطبع تغطي مارشا على الجريمة بادعاء أن الخادمة اختل توازنها فسقطت من الارتفاع الشاهق وينتهي الأمر بحفظ التحقيق ضد القاتلة الأميركية التي قتلت الخادمة البائسة مثلما قتل الجيش الأميركي البؤساء من أبناء أفغانستان، إلى جانب ما قام به من فظائع ضد أسرى الحرب العراقيين في سجن أبي غريب.
ولا يبقى سوى مصطفى البطل الممزق بين نقيضين يتنازعانه إلى أن ينتهي الأمر بتوحده الكامل، شاعراً بانهيار كل ما كان ينتسب إليه، عبر رحلته التي لا يفارقها الشعور بالتوحد والفقد، وذلك منذ أن ماتت حبيبته هند موتاً عبثياً، هند التي كانت تنشد معه شعر أمل دنقل في الزمان القديم: «لا تصالح ولو توَّجوك بتاج الإمارة، كيف تنظر في يد من صافحوك فلا تبصر الدم في كل كف! إن سهماً أتاني من الخلف سيجيئك من ألف خلف، فالدم الآن صار وساماً وشارة». وها هو، مع نهاية الرواية يسترجع حياته، فلا يجد فيها سوى السقوط، فقد صالح حيث لا مجال للمصالحة، وباع حلمه القديم بدنانير النفط فما ربحت تجارته، وجاءه السهم من ألف خلف، وفقد كل من كان يمكن أن يسير معهم في طريق الخلاص، وقادته الرمال المتحركة التي أوقعته مارشا فيها إلى قرارة القرار من التوحد، في عالم لم يعد فيه سوى تجاوب أصداء تغريدة البجعة، فأصبح مثل عصام، مرآته وقرينه، كالبجعة في أيامها الأخيرة حين تستشرف الموت، فتتجه إلى شاطئ المحيط، وتنطلق في رقصتها الأخيرة، وتغرد تغريدتها الوحيدة الشجية ثم تموت.
هكذا يتحد مصطفى مع عصام، توأم روحه، في النهاية التي يقودهما إليها الشعور المُرّ بالهزيمة التي بدأت من الداخل، قبل الخارج، ويفقد الحبيبات اللائي كان يمكن أن يكن خلاصاً على المستوى الفردي على الأقل: هند روح البراءة والشعر، زينب التلقائية التي لم تخل عفويتها من عبق الجنوب، ياسمين التي جاءت متأخرة في عالم لم يعد يسمح بتحرر أمثالها، فلا يتبقى لمصطفى الذي هو نموذج وموازاة رمزية لجيله سوى الاكتئاب الذي تتكرر دوراته في الرواية، في نوع من السوداوية التي لم يخلصه منها الطبيب النفسي، ولا حتى أدوية مضادات الاكتئاب، فقد أوصدت أمامه الأبواب، خصوصاً بعد أن أغلق عصام بابه وأصابه الجنون، وزينب خلعت بابها وطارت، ومارشا توارب بابها إلى أن تغلقه بعد أن تشركه معها في جريمة قتل جوليا ولم يعد البطل المتوحد في حاجة إلى معاودة طبيبه النفسي بقدر ما هو في حاجة إلى الغوص في قرارة القرار من وحدته وتوحده يدفعه إلى ذلك وعيه الشقي بالسقوط، وفشل محاولاته في الحضور، خلال التظاهرات التي تكاثرت، احتجاجاً على وحشية الاستعمار الأميركي في العراق، والعدو الإسرائيلي في فلسطين، وعلى ضحايا الفساد في مصر، فقد كانت كل محاولاته صرخات يائس يوشك على الغرق، ولا يجد ما يشده من يد عفية تعيده إلى جلده القديم، لقد فقد كل ما كان ينتمي إليه، ولم يبق من الحلم القديم سوى الكوابيس الهلاسية التي يعانيها تحت وطأة واقع تغير فيه كل شيء، حتى اسم شارعه القديم، في حيه القديم، الطالبية، منذ أن انقلب اسم الشارع من خوفو إلى شارع خاتم المرسلين وباعدت تغريبته إلى بلاد النفط ما بينه والأجيال الجديدة التي حملت الشعلة بعد سقوط جيله، أو تفرقه في المنافي الاختيارية والمهاجر ولم يعد في الإمكان إقامة علاقة جديدة يمكن أن تقود إلى خلاص بالاندماج في تمرد الجيل الجديد الذي لن يتردد في إدانته، إذا انفتحت أبواب المحاسبة.
إذاً، ليس سوى الوحدة مع الواحد، الذات، والعزلة عن العالم المعادي الذي أصبح يموج بالعنف الذي انسرب إلى أكثر صفحات الرواية، ونشع على لغتها التي نقرأ فيها على لسان البطل «كان كل إحساسي لحظتها أنني غارق في مستنقع من الخراء، وأستنكف أن أدعو أحداً لانتشالي، مفضلاً الغرق فيه على سخرية أبدية عقب النجاة»، وتلك كلمات بالغة الدلالة الوظيفية في إشارتها إلى العالم الذي احتمى به الأبطال المنكسرون، سدى، فقد حاولوا أن يخلقوا لأنفسهم، وراء عزلتهم عن العالم الحقيقي الذي يموج بالعنف، عالماً آخر موازياً، ليس جميلاً ولا محمّلاً بالمثل، بل عالماً تافهاً متعالياً خالياً من الروح، لا يعمره سوى وعي السقوط، وانتهاء الحضور الفاعل في الوجود، أي الحياة التي تستوي والموت المعنوي في الغياب عن الحضور، أو التوحد في قاع الدائرة التي يتعامد في محيطها نقيضان، يسهم أحدهما في قمع الثاني، ويستجيب ثانيهما إلى هذا القمع نتيجة خلل ذاتي متأصل، كأنه كعب أخيل الذي يتحدد به مصير البطل منذ البداية، سواء في حتمية الوجود أو الحضور.
...................
*عن موقع: دار الحياة.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:11 AM
( 38 ) شيء من دموع مندور

بقلم: رجاء النقاش
..........................

هذا موضوع كتبت فيه من قبل‏,‏ ولكني أحب أن أعود إليه اليوم لعدة أسباب‏,‏ أولها أنه يتصل أشد الاتصال بعدد من الموضوعات التي كتبتها علي صفحات الأهرام في الأسابيع الماضية‏,‏ وفي هذا الموضوع توضيح لبعض ما ورد في المقالات السابقة‏,‏ والسبب الثاني الذي يدعوني للعودة إلي هذا الموضوع هو ما يشير إليه من حقيقة مؤلمة‏,‏ حيث ان بعض متاعب أهل الفكر والثقافة في تاريخنا الحديث كان مصدرها مثقفين آخرين لا يترددون في اتهام زملائهم في تقارير سرية يقدمونها إلي أجهزة الأمن‏,‏ مما يترتب عليه أن يكون هناك ضحايا يتعرضون لمواقف قاسية بسبب هذه التقارير‏,‏ ومثل هذه التقارير التي كان يكتبها بعض المثقفين ضد إخوانهم وزملائهم هي دليل علي أن الثقافة إذا خلت من العنصر الأخلاقي فإنها تكون أشد خطرا علي المجتمع من الجهل والجهلاء‏.‏
ومن الطبيعي أن يختلف الناس في أمور الثقافة والفكر‏,‏ ومعالجة مثل هذا الإختلاف لها حلول كريمة متعددة‏,‏ وليس من بين هذه الحلول أن يطعن المثقفون بعضهم بعضا وأن يحرضوا أجهزة الأمن ضد من لا يتفقون معهم في رأي من الآراء‏.‏
وأخيرا فأنا أعود إلي هذا الموضوع لأنه يكشف عن صورة سلبية في العلاقة بين السلطة والمثقفين‏,‏ وهو أمر لا ينتهي إلا بالشر‏,‏ حيث يدفع المجتمع كله ثمنا غاليا‏,‏ ولاشك أن الهجرة شبه الجماعية للمثقفين في مصر إلي البلاد الأوروبية والعربية في سبعينيات القرن الماضي بسبب الضغوط التي تعرضوا لها من جانب السلطة كانت تمهيدا لظهور العنف والتطرف‏,‏ وهما الظاهرتان اللتان عانت منهما البلاد لفترة طويلة‏,‏ ومن الطبيعي عندما يهاجر المثقفون وتخلو البلاد من أصحاب العقول الكبيرة أن يصبح المجال مفتوحا أمام الذين لا يفكرون إلا بالمسدس والقنبلة والجنزير‏.‏
أعود بعد ذلك إلي الموضوع الأصلي‏,‏ وقد كان ذلك سنة‏1958‏ حيث كانت الاستعدادات تجري لعقد مؤتمر للأدباء العرب في الكويت‏,‏ وفي هذا المؤتمر كان هناك وفد مصري رسمي يرأسه الأديب الكبير الراحل يوسف السباعي‏,‏ وقد رأت الكويت أن هذا الوفد لا يضم بعض الوجوه الثقافية المهمة في مصر‏,‏ فوجهت عددا من الدعوات الشخصية لبعض من اختارتهم من الاسماء الأدبية الكبيرة‏,‏ وكان من بين من وجهت الكويت اليهم دعوتها الناقد الكبير والكاتب صاحب التاريخ الوطني المعروف الدكتور محمد مندور‏,‏ وكان مندور شخصية عامة مهمة‏,‏ وكان معروفا بثقافته الأدبية الرفيعة‏,‏ بالإضافة إلي ثقافته السياسية والقانونية الواسعة‏,‏ وفي الفترة التي سبقت ثورة‏1952‏ كان مندور كاتبا لامعا يحظي بمكانة كبيرة فقد كان الكاتب الأول في صحف حزب الوفد القديم صاحب الأغلبية الشعبية في ذلك الوقت‏,‏ وقد احتل مندور مكانه في مقدمة الكتاب والمفكرين الوطنيين المؤثرين بما كان يملك من مواهب عالية وصدق في الوطنية وعمق في فهم القضايا التي يتعرض لها في السياسة والأدب والمجتمع‏.‏
وقد تمكن مندور منذ عودته من بعثته إلي باريس سنة‏1939‏ من الوصول إلي مكانة رفيعة في السياسة والأدب‏,‏ لا في مصر وحدها‏,‏ ولكن في العالم العربي كله‏,‏ ومن هنا كان حرص الكويت علي اختياره بصفته الشخصية للمشاركة في مؤتمر الأدباء العرب‏,‏ ما دام إسم مندور لم يكن بين اسماء الوفد الرسمي الذي يمثل مصر في هذا المؤتمر‏.‏
وكان علي مندور أن يحصل علي تأشيرة خروج من الجوازات المصرية للسفر إلي الكويت‏.‏ ولكن الكاتب الكبير فوجئ بأنه ممنوع من السفر‏.‏
وتشاء الظروف أن التقي بمندور في مساء نفس اليوم الذي عرف فيه بقرار منعه من السفر‏,‏ وكان ذلك في مكتب الفنان الراحل سعد الدين وهبه الذي كان في تلك الأيام لايزال يعمل ضابطا بالشرطة‏,‏ وكان مسئولا عن مجلة اسبوعية تصدرها وزارة الداخلية هي مجلة البوليس وكان سعد الدين وهبه إلي جانب عمله في الشرطة كاتبا شابا موهوبا يحاول ان يخرج من نطاق عمله في وزارة الداخلية إلي المجال الواسع للحياة الثقافية والفنية‏,‏ وهو ما حققه بعد ذلك حيث أصبح واحدا من أهم كتاب المسرح في مصر‏,‏ كما كان سعد الدين وهبة قد أصدر مجلة ثقافية هي الشهر‏,‏ وبدأ المثقفون يترددون عليه كرئيس لتحرير هذه المجلة‏,‏ وباعتباره واحدا من الذين لهم علاقات طيبة بالسلطة في ذلك الحين‏,‏ وكان العديد من المثقفين يلجأون إليه لحل بعض مشاكلهم ــ وما كان أكثرها ــ مع أجهزة السلطة المختلفة‏,‏ ولم يكن سعد الدين وهبه ــ رحمه الله ــ يتردد في بذل أي جهد يمكنه أن يبذله لمساعدة الآخرين‏,‏ فكان ينجح أحيانا في مساعيه‏,‏ وفي أحيان أخري تخيب هذه المساعي‏,‏ وتبقي المشكلة علي ما هي عليه‏.‏
جاء مندور إلي سعد الدين وهبه يشكو من قرار منعه من السفر‏,‏ وفجأة وجدت مندور يبكي متأثرا بما أصابه‏,‏ ثم ازداد انفعاله فإذا به يشد شعره الأبيض‏,‏ ويقول بصوت خفيض تخنقه الدموع‏:‏
ماذا فعل مندور حتي يتعرض لهذه الإهانات؟‏!‏ هل يجوز بعد كل هذا الكفاح الوطني والثقافي‏,‏ وبعد ما قدمته للوطن وللثقافة العربية أن أجد نفسي بكل هذه البساطة هدفا لمثل هذه المواقف الصغيرة؟‏!‏
كان هذا المشهد هو أحد المشاهد المؤلمة التي انطبعت صورتها في قلبي‏,‏ ولا يمكنني أن أنسي هذا المشهد المحزن مهما طال الزمن‏,‏ ومهما ازدحمت الأحداث بعد ذلك في النفس والذاكرة‏.‏
كان مندور يومها في الواحدة والخمسين من عمره‏,‏ وكان مهيبا ضخم الجسم‏,‏ ذا وجه شديد التأثير في كل من يراه‏,‏ وكان شعره كله قد أصابه بياض الشيب فزاده هيبة علي هيبته الطبيعية‏,‏ وفي مقدمة جبينه كان هناك أثر لجرح قديم تخلف من عملية جراحية خطيرة أجراها له في رأسه سنة‏1950‏ الجراح الإنجليزي هارفي جاكسون وهي عملية استئصال للجزء الأكبر من الغدة النخامية الكائنة أسفل فصي المخ الأماميين‏,‏ وكان مندور مهددا بالعمي الكامل لو لم يقم باجراء هذه العملية الخطيرة‏,‏ وقد نتائج هذه العملية تؤثر في جسد مندور الصلب حتي توفي سنة‏1965‏ وكان في الثامنة والخمسين من عمره‏.‏
كان مشهد مندور وهو يبكي ويشد شعره الأبيض مؤلما ومؤثرا إلي أبعد الحدود‏,‏ وقد أصابني حزن كبير وأنا أتأمل هذا الصرح الكبير صاحب القامة الفكرية العملاقة‏,‏ وهو في هذه الحالة التي تشبه الإنهيار‏,‏ وأخذت أقول لنفسي‏:‏ إذا كان مندور يتعرض لكل هذه المعاملة السيئة‏,‏ فماذا سوف يكون مصيري ومصير غيري من الذين كانوا شبابا في تلك الفترة‏,‏ وكانوا في العشرينيات من عمرهم‏,‏ ولم يكن لدي أحد منهم ما يملكه مندور من تاريخ وتراث وطني وفكري عزيز‏.‏
كنت قد قرأت كل ما كتبه مندور ثم تعرفت عليه شخصيا وأنا طالب في الجامعة سنة‏1953‏ وكان من حظي أن أقترب منه لفترات طويلة‏,‏ حيث كان يملي علي بعض مقالاته بعد أن ضعف بصره ضعفا شديدا‏,‏ ولم يعد قادرا علي الكتابة بنفسه‏,‏ وكان مندور في نظري ونظري كثيرين غيري من شباب تلك الفترة أستاذا ورائدا عظيما ومفكرا كبيرا قضي عمره في خدمة وطنه وأضاف إلي الثقافة العربية والحركة الوطنية إضافات لا تنسي‏.‏
ومرت لحظات بعد هذا المشهد المؤثر‏,‏ وعاد مندور إلي طبيعته وهدوئه‏,‏ فقد كان رغم اشتعاله الوجداني والفكري رجلا وديعا مهذبا شديد التحضر يحب الحوار مع الآخرين حتي لو كانوا من ألد أعدائه وأشد المختلفين معه كان رجلا ديموقراطيا صافي القلب والعقل‏,‏ وكان يدرك تماما أن الحوار والمناقشة والأخذ والرد هي الوسائل الصحيحة للتعامل الفكري بين الناس‏,‏ وهي وحدها التي تحفظ كرامة العقل الإنساني‏,‏ وتعبر عن هذه الكرامة لقد كان مندور في كلمات موجزة‏,‏ من أجمل وأعمق وأغني الشخصيات الإنسانية والفكرية التي عرفتها في حياتي‏.‏
سألت مندور عن السبب الذي من أجله تقرر إعلان الحرب عليه ومنعه من السفر‏,‏ وعرفت أن ذلك الموقف يعود إلي تقارير أمنية قدمها ضده أحد الأدباء المعروفين‏,‏ لأن مندور تجرأ علي توجيه نقد صريح لعمل من أعمال هذا الأديب الذي كان علي صلة قوية بالسلطة في تلك الفترة‏,‏ وقد قرر هذا الأديب أن يعاقب مندور بافتراسه‏,‏ وإقناع السلطة بعدم إخلاصة‏,‏ وضرب الحصار حوله ولو أدي به ذلك إلي أن يفقد كل شئ حتي موارد رزقه‏.‏
كان مندور لا يستحق هذه المعاملة‏,‏ وكانت السلطة مخطئة في محاربة مثقف وطني عظيم له تاريخ مضئ بهذه الطريقة السيئة‏.‏
أما أن يكتب بعض المثقفين والأدباء تقارير أمنية ضد بعضهم لمجرد الاختلاف في الرأي‏..‏ فتلك مصيبة‏,‏ وهي مظهر من مظاهر الخروج بالثقافة عن دورها الإنساني الكريم‏,‏ وعن الاخلاق التي بغيرها تفقد الثقافة أي معني لها‏...‏ وأي قيمة‏.‏
......................................
*الأهرام في 18/12/2005م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:12 AM
( 39 ) مــرتزقة ومــــوهوبون

بقلم: رجاء النقاش
.........................

في كل بيئة أدبية وثقافية يظهر المرتزقة والموهوبون‏,‏ ويدور بينهما صراع عنيف ينتهي بانتصار أحد الجانبين‏,‏ وللأسف فإن الموهوبين هم الذين يتعرضون في معظم الأحوال للهزيمة‏,‏ لأن عددهم أقل‏,‏ ولأنهم ينصرفون بجهودهم إلي تنمية مواهبهم والتعبير عن هذه المواهب بأفضل صورة‏,‏ فالموهبة تحتاج إلي الاتقان‏,‏ والموهوب الحقيقي لا يلتفت إلي المؤامرات والدسائس أو يفكر فيها وإلا فقد قدرة التركيز علي موهبته‏,‏ وهذا التركيز هو مهمته الأولي في الحياة‏,‏ وفي المقابل فإن مرتزقة الأدب والثقافة يعيشون علي تلك المؤامرات والدسائس‏,‏ لأن هؤلاء المرتزقة إن كانوا موهوبين في شيء فإن ذلك هو صناعة التآمر‏,‏ والعمل الأصلي لهؤلاء المرتزقة هو شن الحرب علي الموهوبين وتنكيد عيشهم ووضع العقبات في طريقهم‏.‏ ونعود إلي بعض الصفحات في تاريخ الأدب العربي‏,‏ لنجد أمامنا فصلا مؤلما من فصول الحرب المستمرة والمتكررة بين المرتزقة والموهوبين‏,‏ ويتجسد هذا الفصل في قصة المتنبي مع الحياة الأدبية في مصر‏,‏ في عصر كافور الإخشيدي‏,‏ ففي هذا العصر جاء المتنبي إلي مصر وقضي فيها مايقرب من خمس سنوات دون انقطاع‏,‏ وكان المتنبي يمثل أرقي ما وصلت إليه الموهبة الشعرية العربية في عصره‏,‏ ولم يكد المتنبي يصل إلي مصر حتي ثار الحسد والحقد في قلوب المرتزقة الذين أحسوا منذ اللحظة أن وصول المتنبي العظيم فيه خطر غير محدود عليهم‏,‏ وعلي ما هم فيه يرتعون من مناصب وممتلكات مادية مختلفة تتيح لهم الرخاء والاسترخاء‏,‏ وقد كان هؤلاء المرتزقة جميعا بالنسبة للمتنبي من أصحاب المواهب المحدودة أو المتوسطة في أحسن الأحوال‏,‏ ولم يطق هؤلاء المرتزقة وجود المتنبي في مصر‏,‏ لأن المتنبي سوف يطفيء نورهم ويقضي علي انفرادهم بالنفوذ والسلطة‏,‏ بما يملكه من قوة العبقرية والنبوغ‏,‏ مع شدة اعتزازه بكرامته الفنية والشخصية‏.‏
كان المتنبي قد ترك سيف الدولة في حلب بعد أن قضي في بلاطه تسع سنوات‏,‏ هي أسعد سنوات عمره وأخصب مراحل إبداعه الفني‏,‏ فقد كتب خلالها مجموعة من أروع قصائده‏,‏ وعندما علم كافور‏,‏ حاكم مصر في ذلك الحين‏,‏ بنبأ الخلاف الذي نشأ بين سيف الدولة والمتنبي‏,‏ بذل جهدا كبيرا لاقناع المتنبي بالذهاب إلي مصر‏.‏ وأعطي للمتنبي وعودا كثيرة‏,‏ حتي وافق المتنبي علي التوجه إلي مصر فوصلها سنة‏346‏ هـ وبقي فيها إلي سنة‏350‏ هـ‏.‏ وفي مصر كان هناك طبقة من المثقفين تحيط بكافور الإخشيدي‏,‏ وكان علي رأس هؤلاء جميعا وزير هو جعفر بن الفضل بن جعفر الذي كان معروفا باسم ابن حنزابة نسبة إلي أمه وكان اسمها حنزابة ولا أدري من أين جاء هذا الاسم‏,‏ وأغلب الظن أنه اسم فارسي أو تركي‏.‏ المهم أن الوزير ابن حنزابة هذا قد طمع في أن يمدحه المتنبي ببعض شعره‏,‏ ولكن المتنبي لم يتجاوب مع رغبات الوزير‏,‏ ولعل المتنبي كان يحس أنه لم يأت إلي مصر ليمدح كل من هب ودب‏,‏ وكل من يستحق أو لا يستحق‏,‏ هذا والمتنبي لم يقطع صلته بسيف الدولة‏,‏ ويطوي المسافات الشاسعة ليمدح الوزراء وأشباه الوزراء‏,‏ ومن هنا بدأ ابن حنزابة في التآمر علي المتنبي وتشويه سمعته والعمل علي
إثارة حاكم مصر كافور الإخشيدي ضد هذا الشاعر العظيم‏.‏
أخذ الوزير الموتور يردد في كل مكان بأن المتنبي يسرق معانيه من شعراء آخر‏,‏ فهو ليس بشاعر ولكنه لص‏,‏ كذلك أخذ الوزير يجمع حوله بنفوذه عددا من مرتزقة الشعر والأدب ليجعل منهم حزبا ثقافيا ضد المتنبي‏,‏ وكان بين هؤلاء شاعر اسمه أبو القاسم ابن العفير فأخذ يهجو المتنبي بشعر محدود القيمة‏,‏ لا جمال فيه ولا عمق ولا صدق‏,‏ وكان من بين هؤلاء أيضا عالم لغوي هو محمد بن موسي بن عبدالعزيز الكندي‏,‏ وكان الناس يسمونه الموسوس‏,‏ وإن كان قد اشتهر باسم سيبويه المصري وأخذ هذا العالم اللغوي الذي انضم إلي حزب المرتزقة يمشي في مجالس العلم ومنتديات الثقافة والأدب معلنا علي رؤوس الجميع أن المتنبي يخطيء في اللغة والنحو‏,‏ وأخذ سيبوبه المصري هذا يتصيد الأخطاء للمتنبي ويفتعل ذلك افتعالا شديدا وينشر علي الناس نبأ هذه الأخطاء المفتعلة‏,‏ كل ذلك رغم أن المتنبي كان بجانب موهبته الشعرية من أعلم الناس باللغة العربية‏,‏ ومن أكثرهم فهما وذوقا ومعرفة بأسرار هذه اللغة‏,‏ ولو لم يكن المتنبي شاعرا كبيرا لكان من عظماء اللغويين‏,‏ ومع ذلك فقد أصبح الهم الأكبر لسيبويه المصري هو أن يسيء إلي المتنبي ويهدم سمعته الأدبية الرفيعة وينغص عليه حياته في مصر‏,
فكلما أنشأ المتنبي قصيدة جديدة أخذ سيبويه المصري يفتش في هذه القصيدة عن أخطاء‏,‏ وعندما كان يعجز عن الوصول إلي مثل هذه الأخطاء‏,‏ فإنه كان يلفق العيوب والمآخذ التي لا تقوم علي أي أساس من المعرفة أو الذوق‏,‏ ومن المعروف أن علم النحو العربي حافل بالمدارس المتضاربة والمتناقضة‏,‏ وبالامكان وصف ما هو صواب في مدرسة نحوية بأنه خطأ في مدرسة نحوية أخري‏,‏ وهكذا يمكن اللعب بالنحو لتخطئة أعظم الأدباء‏,‏ فهناك ألاعيب نحوية عند التحقيق فيها فإن العلم ينفيها بصورة كاملة‏.‏ وتلك اللعبة السخيفة هي التي استخدمها سيبويه المصري في حربه ضد المتنبي من أجل القضاء علي هيبته الأدبية‏.‏ ومن الذين التفوا حول الوزير ابن حنزابة ضد المتنبي شاعر مصري هو ابن وكيع التنيسي نسبة إلي جزيرة تنيس في منطقة بحيرة المنزلة في مصر‏,‏ حيث ولد هذا الشاعر ومات هناك‏,‏ وابن وكيع بالنسبة إلي المتنبي يعتبر شاعرا متوسط الموهبة أو دون ذلك بكثير‏,‏ ومع ذلك فقد شغل هذا الشاعر نفسه بتأليف كتاب عن سرقات المتنبي من شعر الآخرين‏,‏ وأسماه باسم المنصف‏,‏ والحقيقة أن هذا الكتاب لم يكن منصفا أبدا‏,‏
وهكذا وقف حزب المرتزقة ضد المتنبي‏,‏ ذلك الموهوب الأعظم بقصد تحطيمه والإساءة إليه‏,‏ وبقصد أكبر هو تطفيشه من مصر في أسرع وقت‏,‏ حتي يرتاح المرتزقة ويناموا مطمئنين‏.‏
ولعل هؤلاء المرتزقة لم يجدوا لجهودهم أثرا كافيا‏,‏ فقد ظل جمهور الأدباء في مصر والعالم العربي يتنافسون علي حب المتنبي وقراءة أشعاره ودراستها وترديدها‏.‏ ومن هنا كان علي حزب المرتزقة أن يضرب ضربة أخري قاضية‏,‏ وهي إفساد العلاقة بين حاكم البلاد كافور والمتنبي‏,‏ فركزوا جهودهم علي توصيل رسائل مستمرة إلي كافور تحضه علي الحذر من المتنبي والتخلص منه في أسرع وقت‏,‏ فالمتنبي صاحب طموح سياسي‏,‏ وقد يتآمر علي كافور للاستيلاء علي الحكم بدلا منه‏,‏ وهي خطة معروفة ومتكررة عند أحزاب المرتزقة علي مر عصور التاريخ المختلفة‏,‏ فالمرتزقة يلتفون حول مراكز السلطة‏,‏ ويصورون لأصحاب هذه المراكز أنهم هم المخلصون دون غيرهم‏,‏ وبعد أن يجدو أذنا صاغية لهم‏,‏ فإنهم يبدأون في العمل علي تصفية أعدائهم والدس لهم والتخلص منهم‏,‏ وذلك باتهامهم بأنهم ضد السلطة‏,‏ وأنهم يعملون علي هدم هذه السلطة ثم إقامة سلطة جديدة لهم‏,‏ والمرتزقة لا يقدمون علي شيء من ذلك إلا بعد أن يهيئوا الجو النفسي العام لكي تكون مثل هذه التهمة مقبولة‏,‏ ومن هنا يسهل للمرتزقة أن يضربوا ضربتهم الأساسية ضد الموهوبين‏,‏ ويبعدوهم عن الساحة ويقضوا عليهم‏,‏ خاصة إذا كان هؤلاء الم
وهوبون من ذوي الاهتمامات السياسية الواضحة مثلما كان الحال مع المتنبي‏,‏ مما قد يثير الشك والقلق حول هذه الشخصيات‏.‏
وهذا هو ماحدث مع المتنبي في مصر‏,‏ فبعد أن كان كافور سعيدا إلي أبعد حد بوجود المتنبي إلي جانبه في مصر‏,‏ تغيرت نفسيته تجاه المتنبي‏,‏ ويبدو أنه لم يستطع أن يخفي مشاعره‏,‏ وما كان باستطاعته أن يفعل‏,‏ فالمتنبي شاعر شديد الحساسية‏,‏ ولاشك أنه أدرك الانقلاب الذي حدث لكافور‏,‏ فبدأ يخطط للهروب من مصر‏,‏ ولم يكن كافور جاهلا بالأدب والثقافة‏,‏ ولم يكن جاهلا بقيمة المتنبي وأهميته‏,‏ فقد كان كافور كما قال عنه المؤرخون من محبي الشعر والشعراء‏,‏ وكان كما يقول المؤرخ الذهبي في كتابه النجوم الزاهرة‏:..‏ عظيم الحرمة‏,‏ خبيرا بالسياسة‏,‏ فطنا ذكيا‏,‏ جيد العقل‏,‏ داهية‏,‏ وكانت تتم عنده كل ليلة قراءة السير وأخبار الدولتين الأموية والعباسية‏.‏ ومعني هذه الشهادة لكافور من جانب المؤرخ الذهبي والتي كررها مؤرخون آخرون في حق كافور أنه كان علي استعداد لتقدير المتنبي وإعطائه حقه من الحرص عليه وتكريمه ورعايته وحمايته من الحاسدين والحاقدين‏,‏ أي من حزب المرتزقة الذي يتصدي للموهوبين في كل عصر وكل مكان‏..‏ لقد كان ذلك ممكنا لولا حزب المرتزقة الذي التف حول كافور وآثار في قلبه الشكوك والمخاوف‏,‏ مما أدي بكافور إلي التضييق علي المتنبي وبث العيون والرقباء عليه لمعرفة حركاته وسكناته‏,‏ وأدي بكافور أيضا إلي إخلاف وعوده للمتنبي‏,‏ وبذلك انتصر حزب المرتزقة ضد المتنبي‏,‏ وأصيب الشاعر العظيم بالضيق الشديد من وضعه الأليم‏,‏ فهرب من مصر وكتب قصائده الهجائية العنيفة ضد كافور ورجاله‏,‏ وشدد في قصائده هذه علي حزب المرتزقة هؤلاء‏,‏ فأدانهم وفضحهم في قصائد كثيرة وامتلأت أشعار المتنبي بعد خروجه من مصر بالمرارة‏,‏ ولكنها كانت شعرا قويا خالدا‏,‏ ولا يزال الكثيرون منا يرددون إلي الآن الكثير من أبيات المتنبي ضد كافور ورجاله‏,‏ وضد أحوال مصر في ذلك العصر الذي تقدم فيه حزب المرتزقة وانهزم حزب الموهوبين‏,‏ ولاشك أن كافور قد خسر كثيرا بالميل إلي المرتزقة الذين يحسنون الدس والإساءة إلي الناس‏,‏ فقد كتب عنه المتنبي قصائد بالغة الروعة فنيا وبالغة المرارة من حيث الإحساس والشعور‏,‏ وقد رددها الناس في عصرها ومازالوا يرددونها إلي الآن‏,‏ وأصبحت الصورة التي رسمها المتنبي لكافور هي الصورة الشائعة عنه حتي اليوم‏,‏ وهي صورة بالغة السوء‏,‏ أما صورة كافور في التاريخ فلا يذكرها أحد إلا المتخصصون في الدراسات التاريخية والمؤرخون أحيانا يرفضون شهادة الشعراء‏,‏ رغم أن الشهادة الشعرية إن كانت قوية وصادقة تكون أكثر تأثيرا وأوسع انتشارا وأبقي في الأرض‏.‏
.........................................
*الأهرام ـ في 20/5/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:13 AM
( 40 ) وداعاً رجاء النقاش

بقلم: د. جابر عصفور
.......................

ها هو رجاء النقاش يرحل عنا بعد أن أوجع قلوبنا بمرضه الطويل الذي ظل يسرقه، شيئاً فشيئاً، من محبيه، إلى أن قرر الموت أن يسرقه منا، تاركاً في نفوسنا ألم الفقد، ومرارة الحزن، والشعور القاهر بالخسارة، خصوصاً في زمن لا يزال في حاجة إلى أمثال رجاء النقاش، يملأون الحياة الثقافية من حولهم، بالحيوية الدافقة والاستنارة التي تتسع بعقول القراء وتمتد إلى ما لا نهاية برحابة أفق الثقافة التي تظل في حاجة إلى العقول التي تقود وتضيء وتشع بقيم الحق والخير والجمال في كل مكان حلّت أو تحل فيه، فرجاء النقاش آخر الوارثين لجيل الموسوعيين العظام من أبناء ثورة 1919، جيل طه حسين والعقاد والمازني وبعدهما يحيي حقي وبقية النجوم الوضاءة التي لا تزال الثقافة العربية مدينة لها بغرس وتعميق معنى الجامعة، والنظرة الشاملة التي تتعدد أدوارها الثقافية في المجتمع الذي تسعى للانتقال به من وهاد الضرورة إلى أعلى آفاق الحرية ولذلك كان رجاء النقاش دارساً وصحافياً ومحرراً أدبياً ورئيس تحرير لمجلات عدة، أحدث في كل منها ما دفعها إلى المزيد من الإنجاز والتقدم والاستشراف الطموح للمستقبل الخلاق الذي تدين له به مجلات رأس تحريرها، مثل مجلة «الكواكب» التي رأس تحريرها ما بين عام 1965و1996، ومجلة «الهلال» (1969-1971) و «الإذاعة والتليفزيون» (1971-1972) وأضف إلى ذلك كله دور المحرر الأدبي الذي يؤديه رجاء بعد تخرجه في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1956، مزاملاً الأعلام الذين تخرجوا معه أو قبله أو بعده، بسنوات قليلة، من أبناء الجيل الذي يضم صلاح عبدالصبور، وعز الدين إسماعيل، وعبدالغفار مكاوي، وعبدالرحمن فهمي، وفاروق خورشيد، وأحمد كمال زكي وهو جيل نضج وعيه في ظل الأفكار القومية التي أشاعها أمثال ساطع الحصري وتبناها البعث ثم الناصرية بعدها وهي أفكار لم تكن تحول بين التوجه القومي واليسار في دائرة اللقاء التي كان أساسها الإيمان بالعدل الاجتماعي والعداء للاستعمار الذي كان حارساً للرأسمالية القائمة على الاستغلال وقد ظل رجاء محافظاً على فكره القومي، منتسباً إليه، مؤمناً به في كل الأحوال، لا يتحول عنه مهما كانت التغيرات العاصفة التي ناوشت وهددت مسار الفكر القومي ولا أزال أذكر مقالاته في ذلك، خصوصاً تلك التي جمعها في كتابه «الانعزاليون في مصر» الذي كتبه رداً على دعاة انفصال مصر عن محيطها العربي ولذلك كان رجاء النقاش متأثراً على نحو خاص بأستاذنا عبدالعزيز الأهواني الذي كان أبرز القوميين بين أساتذة قسم اللغة العربية الذي تخرج فيه رجاء النقاش ولكن كانت سهير القلماوي الأستاذة الأكثر تأثيراً في وعي رجاء النقاش، أولاً لاقترابه من الأدب الحديث، ووقوفه في صف التجديد في هذا الأدب، وضرورة انفتاحه على آداب العالم، ودراسته من هذا المنظور وكانت سهير القلماوي، التلميذة الأقرب إلى طه حسين، نصير الجديد دائماً، هي النموذج الذي يجسد هذا المنزع أكثر من غيره في قسم اللغة العربية، وكان ذلك في زمن أمين الخولي الذي تحلّق حوله شكري عياد وفاروق خورشيد وغيرهما من أعضاء «الجمعية الأدبية المصرية» ومؤسسيها في ما بعد وكان رجاء النقاش أقرب إلى صلاح عبدالصبور الذي تخرج قبله في المنزع الحداثي نفسه ولذلك لم يكن من المصادفة أن يقوم كلاهما بتسجيل عنوان أطروحة ماجستير، تحت إشرافها في قضايا التجديد الأدبي عموماً، والشعر خصوصاً، ولكن للأسف حال انشغالهما بالصحافة، والغرق في دواماتها من دون الانتهاء من أطروحتي الماجستير اللتين حلما معاً بإعدادهما.
ولقد تخرجت في القسم نفسه الذي تخرج فيه كلاهما، وبعد تسع سنوات من تخرج رجاء على وجه التحديد وابتدأت معرفتي له بقراءة ما يكتب في «أخبار اليوم» ما بين 1961 و1964 وكانت البداية أن أستاذتنا جميعاً، سهير القلماوي، قرأت معنا في إحدى محاضرات «النقد التطبيقي» إحدى قصائد أحمد عبدالمعطي حجازي من ديوانه الأول «مدينة بلا قلب» وكان الديوان قد صدر منذ سنوات معدودة وكان تدريس سهير القلماوي، وقد كانت ملء سمع النقد الأدبي وبصره في تلك الأيام، حدثاً ترك أعمق الأثر في نفوسنا، وفي تذوقنا للشعر الجديد الذي بدأنا ننحاز إليه بفضلها وكانت النتيجة أننا اشترينا الديوان الذي صدر عام 1959 مع دراسة بالغة الأهمية كتبها رجاء النقاش الذي كانت دراسته خير مقدمة لشعر أحمد عبدالمعطي حجازي، وخير مدخل إلى الشعر الحر عموماً وسرعان ما اكتشفنا أن كاتب هذه المقدمة هو رجاء النقاش الشاب الذي تخرج قبلنا بتسع سنوات، عام 1956 على وجه التحديد.
ولا أزال أعتقد، إلى اليوم، أن هذه الدراسة الاستهلالية لديوان حجازي كانت، ولا تزال، إحدى وثيقتين رائدتين في مجال تبرير الشعر الحر وتحليله. أما المقدمة الثانية، فقد كتبها بدر الديب لديوان صلاح عبدالصبور الأول «الناس في بلادي» الذي صدر عن «دار الآداب» البيروتية في مطلع 1957، قبل صدور ديوان حجازي بعامين ويعني ذلك أنني قرأت ديوان صلاح عبدالصبور الأول بعد أن قرأت حجازي الذي أكملت ديوانه الأول بعد أن قرأت دراسة رجاء قراءة الطالب الذي يريد أن يفهم ويتعلم وينحاز إلى قضية الشعر الحر التي أصبحت أهم قضايا التجديد الأدبي لأبناء جيلي.
وقد كانت الدراسة التمهيدية التي كتبها رجاء لديوان حجازي هي البداية التي دفعتني إلى السعي وراء قراءة ما يكتبه في النقد الأدبي وكانت البداية في جريدة «أخبار اليوم»، التي كان يكتب لها مقالاً أسبوعياً في النقد الأدبي وكان، أيامها، منغمساً، قبل السنة السابقة على تخرجي بكتابه «مقالات عن العالم الروائي عند نجيب محفوظ» الذي كان قد استقر على عرش الرواية العربية من دون منازع، وانهالت عليه مقالات يحيى حقي ورمسيس عوض وعبدالقادر القط وسهير القلماوي وأحمد عباس صالح ومحمد مندور وغيرهم من كبار النقاد في الستينات من القرن الماضي، ولكن رجاء النقاش آثر أن يرى روايات نجيب محفوظ بعدسة نقدية مغايرة، فاكتشف جوانب لم يكتشفها أساتذته، وكان لما اكتشفه أبلغ الأثر في إعجابي به بوصفه ناقداً أدبياً واعداً، مرهف الإحساس، فقد كان نقده لا يقل أهمية ولا قيمة عن نقد أساتذته، بل كان يضيف إليهم ما تهديه إليه بصيرته النقدية النافذة وأذكر، على سبيل المثال ما أجمع عليه النقاد في تناولهم رواية «الطريق» الشهيرة، حيث رأى أكثر النقاد في بطلتها إلهام نموذجاً للصفاء الروحي المقرون بالطريق الهادي للابن الضال، كي يصل إلى أبيه الرمزي الحقيقة المطلقة وهناك يجد، لديه وبواسطته، الأمن والسلام والكرامة، على عكس كريمة التي رأوها تجســيداً لعالم الحواس والغرائز الغارق فيها الابن صابر وللاسم مغزاه، فيعجز عن الوصول إلى فيء أبيه وصدره الحنون، فإذا برجاء النقاش يقلب التفسير، ويجعل من كريمة موئل الروح التي لا نصل إليها إلا بعد أن نصل إلى قرارة القرار من الحــسية التي ليس بعدها سوى الروح، وذلك بمنطق له بعد صوفي بمعنى أو بآخر.
هكذا انتقلت مع كتابات رجاء، قارئاً، من الشعر إلى الرواية، ومن الرواية إلى المسرح ومضيت متابعاً له، مستمتعاً بما يكتب إلى أن انتهت الحقبة الناصرية، واضطر إلى العمل في قطر، رئيساً لتحرير مجلة الدوحة واستطعت خلال هذه الفترة أن أصوغ صورة لنقده الأدبي في ذهني، خصوصاً بعد أن استهواني الجانب التنظيري، أو النقد الشارح، للنقد وانتهيت إلى أن نقده يتميز بسمات أساسية عدة.
أولاها أنه نقد متطور، يفيد من التطورات الأخيرة لنظرية التعبير في ذلك الوقت، وأن العملية النقدية تبدأ عنده منذ اللحظة التي يتأثر فيها وجدانه بالعمل المقروء، فيسعى إلى فهمه وتفسيره، ومن ثم تقييمه وما بين الفهم والتفسير، يظل مشغولاً بجمع القرائن الدالة التي يجدها في العمل، ويصل بينها لتصور معناه، قبل تقديم هذا المعنى إلى القارئ في هيئة تفسير للنص وهي عملية تفضي إلى تحديد القيمة الموجبة للعمل أو نفيها عنه وهو في ذلك كله لم يكن يتطلع إلى إجراءات معقدة مثل البنيوية التي نفر منها، وما جاء بعدها، مثل التفكيك وغيره من البدع التي كان يمزح معي، مبرراً موقفه منها.
وثانيتها أنه ظل يرى في الناقد قارئاً خبيراً، اكتسب تجارب عميقة من طول معاشرة النصوص الأدبية والغوص فيها، ولذلك جعل دور الناقد أشبه بدور الوسيط الذي يجمع بين طرفين يحبهما، النص الأدبي والقارئ، مؤكداً هذا البعد بنقده التطبيقي الذي يسعى إلى إيصال معنى النص إلى القارئ في بساطة آسرة، بعيداً من التقعر أو التقعيد، أو التنظير المتعالي، أو التقليد الساذج لنقد آخر، أجنبي على وجه الخصوص وكانت نصوصه النقدية، في معظمها، رسائل محبة إلى القارئ عن نص محبوب، فقد ظل رجاء أميل إلى الكتابة عن النصوص التي يحبها، والتي يهتز بها، ولم يكتب عن النصوص التي نفر منها أو رآها عديمة القيمة.
وثالثتها أنه كان يتمتع ببصيرة نقدية، تجعله قادراً على اكتشاف الجوهر الصافي في النصوص، قبل أن يكتشفها الآخرون، ولذلك كان هو السباق في الكشف عن جوهر شعر أحمد عبدالمعطي حجازي، ممهداً الطريق أمام من جاء بعده من نقاد حجازي وقد جاء بعد حجازي بسنوات اكتشافه الطيب صالح الذي لم يكن هناك أحد يعرف عنه على امتداد العالم العربي، فإذا برجاء يمسح التراب وغبار عدم المعرفة عن رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال» مؤكداً ظهور عبقرية فريدة في الرواية العربية وكان نقده لرواية الطيب صالح بداية لاهتمام متزايد بهذا الروائي الذي ما كان العالم النقدي ليحتفل به إلا بعد أن أزاح رجاء الستار عن تفرد إبداعه الروائي وقل الأمر نفسه عن شعر محمود درويش وشعر شعراء المقاومة ثانياً، وكانت النتيجة كتابه عن محمود درويش الصادر عن «دار الهلال» القاهرة وكان ثمرة اكتشافه محمود درويش الذي كان لا يزال مجهولاً بالنسبة إلى النشاط النقدي الأدبي والذائقة الشعرية عموماً ولذلك فليس من المبالغة القول إن نقد رجاء النقاش التعريفي والتفسيري والتقييمي لمحمود درويش، وبعده شعراء المقاومة، بمثابة الضوء الذي وضع درويش وأقرانه في الدائرة التي سرعان ما جذبت إليها الجميع، فتسابق في اكتشافها وتناولها، إلى درجة أنها أصبحت «موضة».
ورابعتها أنه كان يؤمن أن أي نوع أدبي لا يمكن فهمه إلا في علاقته بغيره من الأنواع، فالأدب كيان متكامل، تتبادل أنواعه التأثر والتأثير، وتقوم بالعملية نفسها مع الفنون التي تتجاوب إبداعاتها وتتراسل على نحو لا يمايز بينها إلا بنوعية الأداة التي تقترن بطبيعة الفعل التعبيري للإبداع من ناحية، وطبيعة الموضوع في علاقته بالمتلقي الذي يتلقاه من ناحية مقابلة ولذلك كان رجاء يكتشف عمليات التراسل بين النصوص الأدبية، وبينها والأعمال الإبداعية في الدوائر المتسعة من عمليات الاستقبال والتلقي.
وخامستها أنه ظل على إيمانه في عملية التقييم المرتبطة بالتفسير أن للأدب وظيفة إنسانية، تجاوز لغتها إلى غيرها من لغات العالم، وأن الغوص إلى قرارة القرار الإنساني من المحلية هو الطريق إلى العالمية، وأن الأديب المؤثر حقاً هو الأديب الذي يتميز إلى جانب عمق مشاعره وصدق إحساسه بحرصه على التواصل مع قرائه، والوصول إلى أوسع دائرة من المتلقين، غير ناس أنه ينتسب إلى مجتمعات تغلب عليها، بل تتزايد، الأمية ولذلك ظل نافراً من ما رأى فيه تعقيداً مسرفاً في الرمزية لا السريالية، مؤثراً الوضوح الأبولوني على الغموض أو الجنون الديونيسي، فكان أميل إلى حجازي وصلاح عبدالصبور ومحمود درويش في مواجهة أدونيس وغيره من شعراء الحداثة ذات الجذور الفرنسية التي كانت، ولا تزال، مختلفة كل الاختلاف عن الحداثة التي ترجع إلى جذور أنكلوسكسونية.
وكان البعد الفني في هذا الجانب الأخير الوجه الآخر من البعد القومي، فقد ظل نفوره من أدونيس نابعاً من تصوره أن شعره تجسيد لرؤية الحزب القومي السوري للعالم، واصفاً إياها بأنها رؤية فينيقية غير عربية، وأن إبداعه غريب الوجه واليد واللسان للقارئ العربي ولذلك، أيضاً، ظل أقرب إلى شعر أحمد حجازي القومي، نافراً من تحولاته الأخيرة التي انقلب فيها على القومية والناصرية وبالقدر نفسه، ظل أقرب وجدانياً إلى شعر صلاح عبدالصبور الذي كان حريصاً على استكتابه في الدوحة القطرية، حين كان رئيس تحريرها، كما ظل أقرب إلى تحولات صلاح الشعرية، في القصائد الغنائية والمسرح الشعري، أعني التحولات التي ظلت أقرب إلى الوضوح الأبولوني منها إلى الغموض والجمود الديونيسي، فشعر صلاح شعر من «كان يريد أن يرى الجمال في النظام/ وأن يرى النظام في الفوضى».
وهما سطران يصوغان في إيجاز بالغ، مذهب رجاء النقاش في الحياة والفن.
وليس من المصادفة، والأمر كذلك، أن تتوثق العلاقة الإنسانية بين صلاح عبدالصبور ورجاء النقاش، فقد كان كلاهما بالغ التقدير للآخر، كما ظل كلاهما، ويا للمفارقة، منطوياً على جرح لم يندمل، وندم لم يكن له علاج ناجع، فما أكثر ما كان يحدثني كلاهما، بعيداً من الآخر، وفي لحظات استرجاع التاريخ الماضي، عن الأسف البالغ لأن كليهما غرق في الرمال المتحركة للصحافة، فأخذ من كل شيء بطرف، وخاض معارك خاسرة، وفرض عليه ما لم يكن يميل إليه، فانشغل عن التفرغ اللازم للبحث العلمي الهادئ طويل النفس، ونسي حلمه القديم بالاستمرار في الطريق الأكاديمي، لكن وآه من قسوتها «لكننا»: «لأنها تقول في حروفها الملفوفة المشتبكة/ بأننا ننكر ما خلفت الأيام في نفوسنا/ نود لو نخلعه/ نود لو ننساه».
ولكن، وليس آه من قسوتها هذه المرة، على الأقل في نظري، فقد حقق كلاهما إنجازاً يدعو إلى الفخار، وأضاف كيفياً، وعميقاً، في مجاله النوعي، وكلاهما أثر، ولا يزال، يؤثر في أجيال متتابعة، وكلاهما انطوى، في إنجازه وإضافته، على إيمان عميق بالإنسانية وجعل من ممارسته الإبداعية والنقدية منارة تستضيء بها الأجيال المتعاقبة، ويستهدي بها وطنه في الطريق الشاق للانتقال من شروط الضرورة إلى آفاق الحرية، ولذلك سيبقى منهما الكثير للتاريخ، وسيظل فقدهما جرحاً عميقاً، غائراً، لا يندمل في نفسي، وحزناً لا يفنى ولا يتبدد، فقد كان كلاهما صديقاً حميماً، وأخاً كبيراً راعياً، وزميلاً سابقاً في القسم الذي أنتسب فيه، مثلهما، إلى تقاليد طه حسين الجذرية، العقلانية التي استمرت في تلامذته المباشرين، وانتقلت منهم إلى صلاح ورجاء، ومنهما معاً إلى، من ينزل منهما منزلة الأخ الصغير الذي أدركته، مثلهما، حرفة الأدب فوداعاً يا رجاء، يا شبيهي، يا أخي.
...............................
*الحياة ـ في 13/2/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:15 AM
( 41 ) حدثنا شوقي ضيف فقال

بقلم : رجاء النقاش
.......................

غاب عنا منذ اليوم العاشر من شهر مارس الحالي أستاذ أساتذة الأدب واللغة ورئيس المجمع اللغوي الدكتور شوقي ضيف‏1910‏ ـ‏2005.‏ وقد تعودنا أن نقول عن الذي يغيب عنا ويترك وراءه آثارا كثيرة تنفع الناس وتبقي في الأرض انه الغائب الحاضر‏,‏ وهذا الوصف هو أصدق الأوصاف وأقربها إلي الصواب عندما نتحدث عن شوقي ضيف‏,‏ فقد ترك وراءه ما يقرب من خمسين كتابا في اللغة والدين وتاريخ الأدب والنقد‏,‏ وهي كلها كتب لا غني عن الرجوع إليها والاعتماد عليها عند أي باحث متخصص وعند القاريء غير المتخصص أيضا‏,‏ بفضل ما تقدمه هذه الكتب من علم ومعرفة وبحث دقيق‏,‏ بالاضافة الي ما كان يملكه هذا الأستاذ الكبير من أسلوب واضح سهل جميل‏,‏ وبهذه الأعمال الكثيرة العامرة بالمعرفة والمتعة الأدبية سوف يبقي شوقي ضيف حيا متألقا في هذا الجيل وفي كل الأجيال القادمة‏,‏
فهو حقا غائب وحاضر علي الدوام‏.‏
سوف أتوقف اليوم مع جانب إنساني في شخصية شوقي ضيف‏,‏ وهو الجانب الذي يتصل بعلاقته مع بعض أساتذته الكبار الذين تعلم علي يديهم‏.‏ ولا شك أن من أجمل ما كتبه شوقي ضيف هو حديثه عن أساتذته‏,‏ ففي ذلك ما هو أكثر من الوفاء الجميل‏,‏ لأننا نجد فيه نوعا من المعرفة الواسعة والفهم العميق والعلاقة المثالية كما ينبغي أن تكون بين الأساتذة والتلاميذ‏.‏
في كتابه معي وهو سيرة حياته يحدثنا شوقي ضيف عن عدد من أساتذته الكبار‏,‏ وهو في هذا الكتاب الجميل يشير الي نفسه دائما باسم الفتي‏,‏ وذلك علي طريقة طه حسين في كتابه الأيام‏,‏ وفي غيره من الكتب‏,‏ حيث إن طه حسين لم يكن يستخدم كلمة أنا في معظم كتاباته‏,‏ وكان يستخدم بدلا منها كلمة الفتي أو الضمير هو أو كلمة صاحبنا‏,‏ وذلك عندما يريد أن يتحدث عن نفسه‏,‏ وهو نوع من التأدب والذوق والتواضع في مخاطبة الناس‏.‏ وعلي هذه الطريقة سار شوقي ضيف في كتابته عن نفسه فلم يقل أنا وإنما قال الفتي وهو يعني بذلك الاشارة إلي شخصه‏.‏
يتحدث شوقي ضيف عن أحد أساتذته الكبار في الجامعة‏,‏ وهو أحمد أمين فيقول‏:‏ كان من أساتذة الفتي المحببين اليه وهو في السنة الثالثة بكلية الآداب سنة‏1933‏ أحمد أمين أستاذ الحياة العقلية الاسلامية‏,‏ وكان من خريجي مدرسة القضاء الشرعي‏,‏ وحين تخرج من هذه المدرسة اختاره ناظرها عاطف بركات ليكون معيدا له فيما يدرسه للطلاب من علم الأخلاق‏.‏ وكان يوضع لأحمد أمين كرسي لكي يستمع مع الطلاب إلي عاطف بركات وهو يلقي دروسه في علم الأخلاق‏,‏ وكان مما درسه معهم رسالة عن مذهب المنفعة للفيلسوف الانجليزي جون ستيوارت ميل جاء في مقدمتها منذ جلس الشاب سقراط يتلقي العلم علي الشيخ فيثاغورس‏...‏ الخ‏,‏ فأطلق الطلاب علي المعيد الشاب أحمد أمين اسم الشاب سقراط‏.‏ وكان أحمد أمين قد عكف علي اللغة الانجليزية فتعلمها‏,‏ وأصبح أستاذا في قسم اللغة العربية بكلية الآداب سنة‏1926,‏ ورأي أن يغير زيه‏,‏ وكان قد انتقل من القضاء الشرعي فغير عمامته الي الطربوش وخلع الجبة والقفطان ولبس البدلة انسجاما مع بيئته الجامعية الجديدة‏.‏ ثم يقول شوقي ضيف‏:‏ كان أحمد أمين في طليعة من جمعوا بين الثقافتين القديمة والحديثة جمعا رائعا‏,‏
يعينه عقل بصير ونظر دقيق ودأب لا يماثله دأب في البحث‏,‏ واستيعاب لا يدانيه استيعاب لكنوز الفكر الاسلامي وذخائره‏.‏ وكان يحاضرنا في الحياة العقلية الاسلامية‏,‏ ولم تكن صورة هذه الحياة واضحة في نفوس المثقفين‏,‏ فأكب عليها يدرسها ويذلل صعابها‏,‏ فإذا كل ما كان يحجبها عن الأعين ينزاح‏,‏ لا يفترق في ذلك جانب عن جانب‏,‏ بل استطاع أن يسلط أضواء قوية علي كل الجوانب‏,‏ وساعدته في ذلك ثقافته القديمة في الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي وثقافته الغربية الحديثة وما قرأه من آراء المستشرقين‏.‏ وكان الفتي يعجب إعجابا شديدا بكل ما يعرضه أستاذه أحمد أمين حين يراه يتعمق في وصف الظواهر العقلية للأمة العربية‏,‏ وما وضعته من العلوم وصاغته من الأفكار‏.‏ وكان أحمد أمين ينهي طلابه أشد النهي عن الجدل العقيم وما يحمل من مغالطات‏,‏ ويكرر أن طريقة الجدل اللفظي عند القدماء حلت محلها في العصر الحديث طريق التحليل والاعتماد علي المنطق العقلي‏,‏
ولعل هذا ما جعل الفتي فيما بعد يحرص علي ألا ينزلق في أي مجادلة عقيمة لا تجدي نفعا‏.‏ وهناك جانب مهم آخر في شخصية أحمد أمين هو حسن انتقائه للنصوص التي تصور الفكر العربي الاسلامي‏,‏ وكأنما كانت لديه حاسة يلتقط بها أدق ما يقرؤه وأروعه‏.‏
ومن أساتذة شوقي ضيف أيضا الشيخ مصطفي عبد الرازق أستاذ الفلسفة الاسلامية بكلية الآداب في ثلاثينيات القرن الماضي‏,‏ ووزير الأوقاف سنة‏1938‏ وشيخ الأزهر سنة‏1945‏ وحتي وفاته سنة‏1947.‏ والشيخ مصطفي عبد الرازق تخرج في الأزهر وتتلمذ علي الإمام محمد عبده الذي كان يعتبره ابنا له بسبب ما رآه فيه من فرط الذكاء والدأب علي الدرس‏.‏ وبعد إتمام مصطفي عبد الرازق لتعليمه الأزهري ذهب إلي باريس ودرس في السوربون‏,‏ وعندما عاد الي مصر قام بتدريس الفلسفة الاسلامية في كلية الآداب‏,‏ حيث يقول عنه تلميذه شوقي ضيف‏:‏ إنه ظل يحتفظ بزيه الأزهري في صورة أنيقة دون بهرجة‏,‏ وكان يحف به وقار ومهابة وجلال‏,‏ كما كان يحف به حب طلابه لسماحة نفسه وكريم شمائله‏,‏ إذ كان يفتح قلبه لهم‏,‏ وكان غاية في التواضع وأدب الحديث دون أي ترفع‏,‏ وكأنه أب رءوف وصديق عطوف‏.‏
ثم يحدثنا شوقي ضيف بعد ذلك عن أستاذ ثالث من أساتذته هو أمين الخولي فيقول عنه‏:‏ كان قد تخرج في مدرسة القضاء الشرعي وعين إماما في سفارة مصر بإيطاليا وألمانيا‏,‏ فرأي الغرب‏,‏ ووقف علي جوانب الحضارة والفكر فيه‏,‏ وعندما عاد إلي مصر رجع إلي زيه الأزهري‏,‏ وهو مع ذلك يكره الجمود ويحب التجديد‏,‏ وكان يدفع تلاميذه إلي نقد كل ما يقرأون‏,‏ وأيضا إلي نقد آرائه هو نفسه‏,‏ وكان يتقبل أفكار تلاميذه بصدر رحب وسعة أفق‏,‏ غير مظهر لأي طالب تبرما أو ضيقا مهما أطال التلميذ في حواره وفي مناقشته وجداله‏.‏
ثم يحدثنا شوقي ضيف عن أستاذه الأكبر والأقرب إليه وهو طه حسين فيقول عنه‏:‏ لم يعرف الفتي محاضرا شد إليه الاسماع وجذب اليه القلوب كما عرف ذلك عند أستاذه طه حسين‏,‏ فقد كانت محاضراته مهوي الأفئدة‏,‏ وكان أحيانا يلقيها بالجمعية الجغرافية أو بقاعة إيوارت في الجامعة الأمريكية‏,‏ فكنت لا تجد مكانا‏,‏ لا للجلوس فقط‏,‏ بل أيضا للوقوف‏.‏ وكل ذلك‏,‏ أو كثير منه بفضل صوته المحبب الرائع الذي اكتسبه لنفسه خلال تعلمه تجويد القرآن الكريم‏,‏ وكان قد أتقن هذا التجويد صبيا‏,‏ وكثيرون مثله في أيامه أتقنوه‏,‏ ولكن أحدا منهم لم يستطع أن يلائم بينه وبين محاضراته ومخارج كلامه وصورة إلقائه كما فعل طه حسين
ويروي شوقي ضيف عن أستاذه طه حسين أن الاستاذ قد سأله يوما عن رأيه في محاضرة له‏,‏ كان قد ألقاها في الجامعة الأمريكية‏,‏ قال له شوقي ضيف إنها محاضرة طيبة‏.‏ فاستغرق طه حسين في الضحك ووضع إحدي يديه علي الأخري وقال‏:‏ طيبة فقط؟‏!‏ ثم قال طه حسين بعد ذلك‏:‏ ما رأيك أنني ظللت أعد هذه المحاضرة في نحو شهر‏,‏ أقرأ لها كتبا مختلفة‏,‏ حتي استوعبت موضوعها وألقيت فيه المحاضرة التي سمعتها‏.‏ ويعلق شوقي ضيف علي ذلك فيقول‏:‏ خجل التلميذ ـ أي شوقي ضيف نفسه ـ من أستاذه طه حسين لأنه لم يكن يطرأ علي باله أنه يعني بإعداد محاضراته كل هذه العناية‏,‏ وخاصة أنه كان يمتاز ببراعة فائقة في الأداء‏,‏
وهي براعة لم تتح لأي محاضر في أيامه‏.‏ وكان ذلك درسا رائعا للتلميذ ليتعلم‏,‏ بل ويستقر في نفسه أنه لا يوجد عمل أدبي ـ محاضرة أو غير محاضرة ـ جدير بالتقدير مهما يصغر حجمه دون أن يكلف صاحبه جهدا كبيرا ومشقة متعبة‏.‏ حتي طه حسين صاحب البيان الساحر الذي كان يخلب به مستمعيه يتحمل جهدا مضنيا‏,‏ لا في بحوثه الطويلة وكتبه فحسب‏,‏ بل أيضا في محاضراته العامة‏.‏
تلك صورة حية يرسمها شوقي ضيف لأساتذته‏,‏ وهي صورة تقدم لنا ملامح عصر كان فيه الأساتذة كبارا‏,‏ وكانت فيه صلة الأساتذة بطلابهم أشبه بالعلاقة بين الآباء والأبناء‏,‏ أي أنها علاقة قائمة علي الحب والرحمة والحنان والرعاية والقدوة الرائعة‏,‏ ولذلك كان من الطبيعي أن يكون شوقي ضيف نفسه أستاذا عظيما لأساتذة عظماء‏.‏
ـــــــــــــــ
الأهرام ـ 27/3/2005م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:16 AM
( 42) هل أدركنا بعد 60 سنة السبب الحقيقي للنكبة؟

بقلم: د. محمد جابر الأنصاري
..............................

عندما قامت "إسرائيل" عام (1948م) كانت المجتمعات العربية سائرة بشكل طبيعي في طريق التطوّر. ولكن بقيامها في ذلك العام تبدلت الأرض غير الأرض، وساد الأجواء العربية مناخ من التشدد يركز على نجدة شعب فلسطين وتحرير أرضه قبل كل شيء. وذلك رد فعل متوقع في مثل هذه الحالة، لكن التجربة الطويلة المريرة إلى يومنا كشفت أن الانغماس في رد الفعل هذا قد أوقف مسيرة النهضة العربية، بل أعادها إلى الوراء، مع العجز المتتابع والمتفاقم في مواجهة "إسرائيل" عسكرياً وسياسياً، رغم التضحيات الجسام التي قدمها شعب فلسطين والشعوب العربية. بل إن "إسرائيل" توسعت وضاع المزيد من الأرض والحق. واليوم يطرق العرب أبواب الحل السلمي، و"إسرائيل" هي المتمنعة والمتشددة بعد قبول الفلسطينيين بجزء يسير من وطنهم.
النهضة العربية بدأت في القرن التاسع عشر. لكن دعنا نؤرخ مع بدايات القرن العشرين قبل أربعة عقود من قيام "إسرائيل".
عام 1908 قبل تلك العقود الأربعة تحديداً شهدت البلاد العربية، وهي لا تزال في قبضة السلطة العثمانية، «حركة دستورية» ضد استبداد السلطان عبدالحميد. وكان لتلك الحركة صداها الواسع في الخطاب العربي صحافة وثقافة وبدا أن العرب على وشك دخول العصر سياسياً، ولكن تلك الحركة الدستورية تم إجهاضها برد فعل السلطان العثماني، وإن بقيت جذورها في ضمائر العرب.
وكانت مصر، التي استقلت جزئياً عن تلك السلطنة، قد بدأت مساراً دستورياً وشورياً، بتأسيس مجلس الشورى المصري في حينه، والذي مثل أول مشروع برلمان في العالم العربي.
وفي العام ذاته (1908م) تم تأسيس جامعة القاهرة، التي احتفل بمرور مائة سنة على إنشائها هذا العام (2008م)، وكان تأسيس الجامعة، الذي تم بدعم سخي مع سيدة من الأسرة المالكة بمصر عندئذ، حدثاً حضارياً ضخماً في مصر والعالم العربي. وتم استقدام كبار الأساتذة والباحثين المقتدرين علمياً من الخارج، فنشأت تقاليد البحث العلمي والتفكير الحر داخل الجامعة وخارجها وكانت تلك بداية النهوض الثقافي الذي قادته مصر في محيطها العربي، فنشأت جامعات أخرى في مراكز الثقل العربي، وواكبت هذه النهضة العلمية نهضة سياسية تمثلت في الأنظمة الدستورية البرلمانية في كل من مصر وسوريا والعراق. وقد حققت هذه الأنظمة إنجازات لا تنكر، وليس كما أشاع خصومها الانقلابيون عنها بعد الهزيمة (1948م).
ولكن ثمة مأخذ أساسي على تلك الأنظمة التي كان ينبغي أن تستمر وتتطور وتصلح من نفسها وهي أنها لم تحتفظ بانطلاقة البداية وروحها. بل سمحت لنفسها أن تقع في الفساد، ولم تصلح نفسها في اللحظة الضرورية وابتعدت عن هموم الأكثرية من القطاعات الشعبية، والأخطر أنها انهزمت أمام "إسرائيل"، ما أتاح لخصومها تأكيد اتهامهم لها من ذلك الواقع الآني المباشر في حينه، مع التغطية على منجزاتها السابقة، التي تفتتح في ظلها وعي الانقلابيين أنفسهم.
وإذا كان العرب يحاولون العودة اليوم إلى النظم الدستورية والبرلمانية، فيجب أن يصحب ذلك إصلاح حقيقي لمؤسساتهم وحكوماتهم، وإلا فهي الحراثة في البحر.. من جديد (وليس مجدياً في تقديرنا إظهار الملك فاروق بمظهر إنساني في مسلسل تلفزيوني رمضاني بعد وقوع الفأس في الرأس).
ولا يقل أهمية عن الإصلاح السياسي، العودة إلى الإقبال على استيعاب مقومات القوة الحضارية الحديثة في عالمنا. فقد مثّل افتقاد العرب لهذه المقومات في مواجهاتهم المختلفة من أجل فلسطين "كعب أخيل" في البنيان العربي، وهذا هو السبب الحقيقي للنكبة.
فقبل عام النكبة (1948م) وحتى ذلك العام، عندما واجهت الجيوش العربية ما يسميه العرب عادة "عصابات" الهاغانا، كانت هذه “العصابات” أفضل استيعاباً للسلاح الحديث وأكثر اقتداراً على استخدامه، وأقرب إلى روح التنظيم الفعّال من جيوشنا العربية كما أوضح بالوثائق مؤرخون فلسطينيون وعرب نحترمهم هذا رغم الإقرار بما قدمه الفلسطينيون والعرب جيوشاً ومتطوعين ومنظمات - من تضحيات بطولية لا يمكن إنكارها، لكنها ضاعت هدراً بسبب الفارق الحضاري بين الجانبين.
وما زال الكثيرون من قادة الرأي في عالمنا العربي والإسلامي، للأسف، يقفون موقف المتشكك أو المتردد حيال الحضارة الحديثة في العالم من اليابان إلى كندا ويرونها رجساً من عمل الشيطان رغم أن الأمم في العالم لم تنهض وخاصة أمم الشرق في آسيا إلا بمشروعات "التحديث" كل على طريقته الخاصة المناسبة لظروفه وبطبيعة الحال فثمة أسباب أخرى يتم الحديث عنها في الخطاب الإعلامي العربي كعجز عن تحقيق الوحدة أو التنسيق اللازم بينهم، وسطوة الاستبداد في الحكم الذي يؤدي إلى قرارات كارثية وإخضاع قضية فلسطين للحسابات الداخلية للأنظمة وصراعاتها مع الأنظمة العربية الأخرى.. الخ. وهذه أسباب حقيقية، ولكننا نعتقد أن السبب الأهم هو التخلف الحضاري الراهن، ولا بد من تسميته باسمه الحقيقي، وهو لا يعني فقط التخلف في المخترعات والبحث، وإنما يشمل أيضاً مستوى الإنتاجية في كل مجالات الحياة واستيعاب الفكر العلمي العقلاني ونبذ الخرافة، وتطوير التعليم طبقاً لبرامج ملموسة ومحددة تصل إلى عقول الناس وأيديهم بعيداً عن الشعارات والتلميع، والانتباه إلى أن التقدم، إذا لم تتم المحافظة عليه من جانب المواطنين والدولة ومؤسسات المجتمع المدني يمكن أن يضيع ويعود الإنسان إلى تخلفه البدائي، كما نرى في بعض مجتمعات الغرب التي كانت، نعم كانت متقدمة، واليوم مثلها مثل مجتمعات الثقل العربي التي كانت "متقدمة" تصحو على كارثة العودة إلى الوراء في أخلاق الناس ومستوى إنتاجهم ومدى استعدادهم للعمل والكدح. وهذا العامل الأخير هو الذي يفتح مجال الهجرة الأجنبية ومخاطرها للتعويض عن كسل السكان الأصليين، كما نرى ذلك أيضاً في بعض مجتمعات الخليج التي سيصحو أهلها على ما تفعله أيديهم ولكن، نخشى، أن يكون ذلك بعد فوات الأوان وذهاب سكرة "الازدهار".. ولات ساعة ندم!
والمحك اليوم، كامتحان جدي ملموس لاختراق جدار التخلف العلمي والحضاري، هو مدى قدرة المجتمعات العربية قاطبة على بناء قوتها النووية السلمية في غمرة الأخطار المحدقة بها، والتي أصبحت قاب قوسين أو أدنى، فهذا مؤشر عملي محدد للاختبار إن كانت تريد أن تتجنب «نكبة» أخرى.
إن استمرار سيطرة الفكر الأحادي في العقلية العربية المصاب بعاهة النظر إلى كل الظواهر العالمية في بعد واحد والعيش تحت هاجس "المؤامرة"، كتجاهل البعد الحضاري لدى القوى المعادية أياً كانت وإيهام النفس بقرب انهيارها. وهو انهيار غير مستبعد، لكن قوى أخرى جديدة ستحل محلها وتتقاسم تركة الضعفاء والعاجزين عن الفعل.. نقول: إن استمرار سيطرة هذا النوع من التفكير المضلل لأصحابه يستحيل أن يؤدي إلى الخروج من نفق "النكبة" إلى فضاء العالم الرحب.
قبل قرن كانت الصين معادية للغرب بعد أن احتلها وأهانها، لكنها أدركت أنه لا بد أن تقتبس من الغرب نفسه سلاحاً مضاداً له. لذلك اختار ماوتسي تونج، لإخراجها من حالة الضياع، أيديولوجيا وتنظيماً من نتاج المجتمع الغربي، وأضفى عليه مسحة صينية أصيلة. وهنا بدأت حركة الصين نحو التغيير. إن كلمة السر هنا هو اختيار أيديولوجية معادية لقوى الغرب الاستعماري من صميم فكره الحديث، واستخدامها ضده سياسياً.
صحيح أن ذلك لم يكن حلاً نهائياً، ولم يكن حلاً صالحاً لكل زمان ومكان، كما في اليابان أو الهند أو ماليزيا حيث قرر كل مجتمع اختيار الطريق الأنسب له، والصين اليوم تنفتح تدريجياً على "اقتصاد السوق" وقد تطور نظاماً اقتصادياً خاصاً بها، ولكن تلك كانت نقطة البداية.. بداية الرد على التخلف وتبعاته.
يراهن كثيرون من العرب على التناقضات الداخلية في "إسرائيل" وربما على صدود بعض قوى الغرب عنها، وهذا وارد ومحتمل. ونعتقد أن "العولمة" التي أصبحت "الشيطان الأسود" لدى كثير من الكتاب العرب، وأشبعوها صراخاً وعويلاً، تهدد بدرجة أكبر "الخصوصية" "الإسرائيلية" لكيان يهودي متميز. فالعولمة يمكن أن تصهر الكيانات الناشزة في نهاية الأمر إذا لم تتغير طبيعتها. وإذا ما غيرت "إسرائيل" طبيعتها، فقدت مبرر وجودها، فهي مهددة بالعولمة، طوعاً أو كرهاً. هذه مسألة برسم باحثي "المستقبل" العرب الذين يشتمون العولمة بمناسبة وبغير مناسبة.
وقد تصح هذه الفرضيات أو لا تصح، ويبقى السؤال، ماذا لدينا نحن لتطوير أنفسنا التطوير الحقيقي اللازم الذي حققته الأمم الجديدة الصاعدة في العالم؟
وعلينا أن ننتزع حقنا في التقدم انتزاعاً من بين فكي القوى المعادية لتقدمنا، فهي لن ترسل لنا بطاقة تهنئة على أي تقدم يتحقق. والكثيرون ما زالوا يتذكرون ماذا حدث للمفاعل النووي العراقي ولبعض علماء الذرة العرب. وأن نملأ الفضاء بالشكوى من ظلم تلك القوى لن يغير من موازين القوى شيئاً وسيبقى "ظاهرة صوتية".
وحان الوقت لندرك أن الأمة رغم صعوبة أوضاعها السياسية تحقق تقدماً في التعليم والتنمية والعمران، ولا بد أن ينعكس ذلك أخيراً في السياسة، ولا داعي للإحباط والاكتئاب الشامل.
ثم إن قضية فلسطين قد حققت انتصاراً تاريخياً وإن يكن مرحلياً بقيام كيانها الوطني المعترف به نتيجة كفاح شعب فلسطين البطولي. وهو انتصار ينبغي البناء عليه وعدم تضييعه. أما عقلية إما كل شيء أو لا شيء، فإنها تنتهي إلى لا شيء لمن يريد التعلم من تجاربه.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:17 AM
(43) زوينة وأدب الغربة في الرواية العربية

بقلم: د. محمد عبد الحليم غنيم
.....................................

يتميز الروائي المصري محمد جبريل بغزارة الإنتاج خاصة في السنوات العشر الأخيرة , فله كل عام تقريبا رواية أو مجموعة قصصية , بل إنه لينشر أحيانا أكثر من عمل في لسنة الواحدة , والواقع أن التميز عند محمد جبريل ليس قاصرا على غزارة الإنتاج , فثمة تميز في مستوى هذا الإنتاج الإبداعي , وأحدثه روايته القصيرة التي نتناولها الآن " زوينة " الصادرة منذ شهور قليلة عن نادي القصة بالقاهرة العام الماضي .
تنتمي رواية " زوينة " إلى ما يمكن تسميته برواية الغربة , وهي تختلف عما أطلق عليه من قبل رواية الصدام الحضاري بين الشرق والغرب , كعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم والحي اللاتيني لسهيل إدريس وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح , والساخن والبارد لفتحي غانم , وغيرها , إننا هنا مع ( زوينة ) أمام نوع آخر من الغربة ,إنه غربة العربي فى وسطه العربي أو الشرقي بين أهله الذين يتكلمون لغته, فالبطل فى رواية"زوينة" ليس طالب علم يسعى على شهادة أو كسب معرفة أو تجربة حياتية جديدة , فيصطدم أثناء ذلك بالأخر حضاريا, ولكننا مع بطل تعلم وتكون في وطنه الأول , جاء إلى وطنه الثاني ـ إذا جاز التعبير ـ ساعيا وراء لقمة العيش أو بحثا عن الريال على حد قول أحد شخوص الرواية .
وتمثل " الغربة " التيمة المركزية المهيمنة على معظم شخوص الرواية , غير أنها تتجسد بشكل مباشر وموسع في المروية الرئيسية المهيمنة على الفضاء السردي , أي مروية الراوي / المشارك وزوينة , فالأول شخصية مجهولة الاسم , بيد أنه معروف الهوية , فهو صحفي وروائي معا , ولعل المؤلف قصد من عدم ذكر اسم البطل تنشيط أفق التوقع لدى القارئ , إحداث نوع من الالتباس بين شخصية الراوي وشخصية المؤلف الحقيقية محمد جبريل الذي عمل لفترة طويلة في عمان صحفيا في جريدة الوطن , وكان يمارس كتابة القصة والرواية في ذات الوقت .
أما الشخصية الثانية " زوينة " فهي فتاة عمانية قدمت من زنجبار , تعمل مضيفة أرضية في شركة طيران الخليج , وكانت أول شخصية التقاها الراوي عند نزوله لأول مرة أرض عمان .
غربة الراوي واغتراب زوينة :
كان الراوي قبل حضوره عمان يعيش حياة شبه مستقرة , حيث يعمل صحفيا في جريدة كبرى , ويسكن قلب العاصمة في ميدان الدقى , إنه لا يعيش في غربة أو يشعر باغتراب , لقد كانت مشكلته الحقيقية في ضيق ذات اليد , هذا الضيق الذي يجعله يبطئ في إتمام الزواج من خطيبته مها , إن غربة البطل واغترابه يبدآن في الواقع من لحظة مغادرته القاهرة والانتقال بعيدا عنها إلى مكان مغاير ومختلف اختلافا قاسيا إنه انتقال من الصخب والحياة والحركة واعتدال الجو إلى الصمت والسكون والرطوبة والحر الشديد , صحيح أن إحساس الراوي بهذا الجو المغاير يتبدل تدريجيا مع تنامي علاقته بزوينة والشروع في بناء قصة حب أجهضها المؤلف , لكن يظل الإحساس بالغربة مسيطرا على الراوي .
ويبدو لي أن المؤلف كان واعيا وهو يجعل زوينة تتجلى فيها تيمة الغربة , لذلك جاءت هذه الشخصية أعمق و أكثر صدقا من شخصية الراوي ,وهكذا كان من التوفيق والذكاء أن يأخذ عنوان الرواية اسم هذه الشخصية"زوينة" , إنها الفتاة الزنجبارية التي تفقد وطنها " زنجبار " فتطرد منه لتعيش في مسقط وطنها الأول أو الثاني شكلا , ولكنه في الواقع ليس وطنها أبدا , إنها في الظاهر مواطنة عمانية , تحمل جواز سفر عماني , لكنها من داخلها لا تنتمي إلى ثقافة هذا الوطن وتقاليده , من هنا تجتمع الغربة والاغتراب معا داخل شخصية زوينة , ويصير الأمر أكثر تعقيدا عندما تنجذب أو تحب الراوي ( وإن كان المؤلف لم يطور هذا الحب ) وهو مصري أو وافد , في الوقت الذي يفرض عليها الأهل علاقة شرعية , مثل قيد الحديد , تتمثل في مشروع خطبتها من ابن عمها زاهر , الذي يعد أكثر اغترابا منها ومن الراوي , حيث يدخل عمان بتأشيرة دخول , لأنه وإن كان عمانيا زنجباريا ليس له حق الجنسية , وعليه لكي يحصل على الجنسية أن يستقر في عما ويعمل ويتزوج من ط زوينة " , وهو ما لم يحدث , بقطع النظر عن الأسباب , لذلك يستمر حبل الوصال ممدودا بين زوينة والراوي إلى انتهاء سنوات الإعارة , فيجبر على العودة إلى مصر , ومن ثم يترك زوينة , وهنا يزداد اغتراب زوينة , فقد تركها كل من زاهر والراوي .
وإذا كان الراوي وقد عاد إلى مصر يستطيع أن يداوي جراحه بالعودة إلى خطيبته مها , فإن زوينة لا تستطيع مداواة جراحها , بعد أن أجبر زاهر أيضا على عدم البقاء في مسقط والعودة إلى زنجبار , وإلا فقد عمله هناك , وهذه الرغبة في الحرص على العمل تؤكد أن المشكلة الحقيقية للشخصيات هي الفقر , فالفقر سبب رئيسي في الغربة , كما قيل الفقر في الوطن غربة .
وقد تجلت براعة المؤلف محمد جبريل الروائية في توزيع هذه التيمة , أقصد تيمة الغربة المسربلة بالفقر على معظم الشخصيات رئيسية كانت أم ثانوية , سواء كانت نازحة ( وافدة ) إلى عمان أم مقيمة فيها , فمن الشخصيات النازحة عبد العال الذي يتحدث عن الموت , وتتكشف لنا مأساته الحقيقية , حيث في الوقت الذي يشعر فيه بالغربة والوحدة ويحرص على العمل جمع المال يترك امرأة خائنة هناك في القاهرة هي زوجته , وشخصية الصحفي الذي يوزع راتبه بين شرب الخمر حتى التسمم , والحرص على إرسال المال إلى أهله في مصر , ومن الشخصيات المقيمة التي تستحق الوقوف , لأن اغترابها ليس سببه المباشر البعد المكاني أو الفقر , إن اغترابها اغتراب روحي ثقافي في المقام الأول , أقصد شخصية " ناصر التميمي " الصحفي العماني الذي يأتي به صاحب الجريدة إلى الراوي كي يدربه على العمل في الصحيفة , إن ناصر موزع الجهد والوقت والنفس بين قريته البعيدة وبين المدينة التي يعمل
بها , بين تقاليد القبيلة وانطلاق المدينة , فوالده يصر على بقاء ابنه ناصر بجواره في ( قريات ) ولذلك لا نعجب عندما يموت ناصر بسبب حادث سير , أثناء عودته إلى قريته , وإن كان هذا الحادث يمثل في الظاهر السبب المباشر في موت ناصر إلا أنه في الوقت ذاته يعد المعادل الموضوعي لاغتراب ناصر وغربته .
البناء الدائري في زوينة :
يعتمد محمد جبريل في هذه الرواية بناء دائريا في عرض الأحداث , إذ تبدأ الرواية من نقطة ليست هي البداية الحقيقة في المتن الحكائي , فنلتقي مع السطر الأول بالراوي وهو في الطائرة وهي تكاد تحط على أرض مطار السيب : " تنبهت إلى اقتراب الطائرة من مسقط , حيث أضيئت اللوحة في أعلى " ممنوع التدخين .. اربط الحزام " بدت ـ من نافذة الطائرة ـ أضواء الشوارع والدوارات وشعلات البترول , أعددت نفسي للجو الخانق , والرطوبة العالية والصهد اللافح , قال الشيخ حمود النبهاني : أنت تستطيع دخول البلد بأية كمية من النقود أو الذهب أو البضائع , لكنك لا تستطيع أن تدخل بالخمر ولا المخدرات ولا الأفكار المتقدمة . إذا علم الضابط على حقيبتك بالطباشير , فإن من حقك مغادرة المطار إلى داخل المدينة ..
علا السلم الآلي ثم انفتح الباب .." ( الرواية , ص 10 . )
إن هذه الفقرة الاستهلالية ليست هي البداية الحقيقية لمتن الأحداث , إن مضمون هذه الفقرة يشير إلى خبرة المتكلم بجو عمان , لقد أعد نفسه للجو الخانق والرطوبة العالية , والصهد اللافح , كما أنه تحدث مع صاحب الجريدة عن المحاذر , إنها ليست المرة الأولى لسفر الراوي , إنها على الأقل السفرية الثانية أو بعد العودة من أول إجازة , إن جمل مثل : التدخين ممنوع ـ اربط الحزام ـ لا تستطيع , تشير بمفرداتها " ممنوع , اربط , الحزام , حرف النهي لا " إلى روافد الغربة والاغتراب اللذين تعيشها الشخصيات الرئيسية والثانوية في الرواية . كما أن جملتي " علا السلم الآلي , ثم انفتح الباب " تشيران بشكل قوي إلى استلاب الراوي , فالسلم يعلو وحده ليجبره على النزول , كما أن الباب يفتح آليا أو يفتح ليبدأ الحكي أو الرواية , ثم تقفل الرواية أو تنتهي الأحداث بالفقرة الأخيرة .
والراوي معلق أيضا في الهواء , وقد قفل الباب هذه المرة , قفلا نهائيا ليترك جرحا لن يندمل في عمان هو قلب زوينة الموزع بين زنجبار ومسقط والقاهرة , لنقرأ فقرة النهاية :
" أقلعت الطائرة
فككت الحزام من حول وسطي , وتهيأت لأخذ نسخة من الصحف المصفوفة بالقرب من الباب الأمامي .. بدت مسقط في صعود الطائرة مناطق متناثرة بين الجبال والصحراء البحر والزراعات القليلة . ميناء قابوس , وكورنيش مطرح , وألق الأمواج , والجبال المتلاصقة , والقلاع , والطوابي ، ومساحات الخضرة المحدودة تضاءلت ـ بارتفاع الطائرة ـ وشحبت , ثم لم يعد إلا الفراغ المحيط وصوت المحركات والطائرة تخترق أفقا من السحاب الأبيض المتكاثف .." ( الرواية , ص 154 . )
إن جمل مثل : أقلعت الطائرة , فككت الحزام , تهيأت لأخذ نسخة من الصحف المصفوفة , تشير بوضوح إلى انطلاق الدائرة وعودة الراوي إلى وضعه الأساسي قبل الذهاب إلى مسقط , فالإقلاع يشير إلى الانطلاق , وفككت يوحي بالحرية , وتهيأت يوحي بالاستعداد والبدء من جديد , لقد ترك الراوي غربته واغترابه خلف ظهره في مسقط , ترك الغربة والاغتراب لتتجرع سمهما زوينة التي استحق أن يوضع اسمها بامتياز فوق غلاف الرواية .

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:18 AM
(44) اتفاقيــة المعــابر لم تعــد تلزمنــــا

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
...........................

أسوأ ما في الأمر أن يصبح تدمير حياة الفلسطينيين في غزة خبرا عاديا‏,‏ وأن يعد استمرار الحصار حدثا مقبولا‏,‏ وأن نقف متفرجين أمام كل ذلك‏.‏
‏(1)‏
يسألني فهد الرشود من الرياض‏:‏ ما هو مستقبل أهلنا في غزة؟ وأتلقي رسالة من لجنة أهالي المرضي في غزة تتساءل عما إذا كان هناك حكم بالإعدام على ‏1200‏ مريض يحال بينهم وبين العلاج في الخارج‏.‏ ويصبحون مخيرين بين الموت علي فراش المرض أو الموت برصاص حرس الحدود‏.‏ يتزامن ذلك مع المظاهرة السلمية التي احتشد فيها الفلسطينيون أمام معبر رفح مطالبين بفتحه‏.‏
كما يتزامن مع المذكرة التي قدمها رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور سليم الحص باسم اللجنة العربية لفتح معبر رفح وفك الحصار،,‏ إلي السفير المصري في بيروت‏,‏ والمظاهر التي قام بها بعض النشطاء المصريين أمام مقر وزارة الخارجية بالقاهرة،‏ مطالبة بفتح المعبر ورفع الحصار‏.‏ وأخيرا‏,‏ الباخرتين اللتين حملتا بعضا من النشطاء الأوروبيين واتجهت إلي غزة لمحاولة كسر حصارها‏.‏
وسط هذه الأجواء نشرت الصحف المصرية تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية تحدث فيها عن التزام القاهرة باتفاقية المعابر في عام ‏2005.‏ كما نشرت الصحف الإسرائيلية هاآرتس‏(‏ في 12/‏8)‏ الخطوط الرئيسية لمشروع التسوية النهائية الذي قدمه أولمرت إلي الرئيس محمود عباس وبدد الأمل الذي علقه البعض علي إمكان التوصل إلي اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حتي وإن كان اتفاق رف‏,‏ يحسن المنظر دون أن يقدم أو يؤخر‏.‏
هذه المؤشرات التقت علي أمرين‏,‏ أولهما أنها استدعت موضوع فتح معبر رفح ليصبح أحد العناوين الرئيسية للأسبوع الماضي،,‏ وثانيهما أنها استبعدت‏,‏ في ظل موازين القوة الحالية‏,‏ إمكان التوصل إلي حل سلمي مع الإسرائيليين‏.‏ وهو ما يدعونا إلي الكف عن المراهنة علي حسن نيات الآخرين‏ (إن وجدت‏),‏ ويطرح علينا السؤال الذي يهرب الكثيرون من الإجابة عنه وهو‏:‏ ماذا علينا أن نفعل في هذه الحالة؟
‏(2)‏
منذ أكثر من شهر يقف الناشط الفلسطيني الدكتور خليل النيس علي باب معبر رفح وقد اصطحب معه من اسكتلندا سيارة محملة بطن ونصف الطن من الأدوية والمساعدات الطبية،‏ أراد توصيلها من خلال دول أوروبا إلي أن وصل إلي العريش في نهاية المطاف،‏ لكن دخوله إلي القطاع‏,‏ الذي يفترض ألا يستغرق عدة دقائق يجتاز خلالها معبر رفح‏,‏ أصبح مشكلة لا حل لها‏,‏ خلال شهر كامل علي الأقل‏.‏
حالة الدكتور خليل ليست فريدة في بابها بطبيعة الحال‏,‏ بعدما أصبح إغلاق معبر رفح الوحيد الذي يربط فلسطين بالعالم الخارجي هو الأصل‏,‏ وهو الإغلاق ذاته الذي يسري علي المعابر الأربعة الأخري‏,‏ التي تتحكم إسرائيل فيها‏,‏ وتستخدمها في إحكام الحصار وخنق الفلسطينيين وإذلالهم‏.‏
لم يعدم الغزاوية حيلة لتحدي الحصار‏,‏ إذ إلي جانب ثورتهم ضد المعابر ومحاولتهم كسر القيود التي كبلت حياتهم‏,‏ فإنهم لجأوا إلي حفر الانفاق لمحاولة تمرير بعض الأغذية والأدوية التي تسد الرمق وتخفف بعضا من الوجع‏.‏ وفي تقرير نشرته الشرق الأوسط‏(‏ في 12/‏8)‏ ذكرت أنهم حفروا نحو‏900‏ نفق عبر الحدود من رفح إلي غزة‏,‏ لتوصيل بعض البضائع‏,‏ إلا أن الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون أصروا علي إغلاقها وتدميرها‏,‏ بحجة أنها تستخدم في نقل السلاح إلي غزة‏,‏ في حين أن الذين أقاموها وبدأوها كانوا مهربي المخدرات بالدرجة الأولي‏,‏ وبعدهم دخل التجار علي الخط وتوسعوا في العملية‏,‏ الأمر الذي رفع من أجور حفاري الأنفاق حتي وصل الأجر الشهري للواحد منهم إلي‏2500‏ دولار‏.‏
وخلال العام الأخير احتلت عملية تدمير الأنفاق مكانة خاصة في مشروع الحصار‏,‏ حتي قيل إن الأمريكيين ساعدوا علي توفير أجهزة متقدمة جدا للكشف عن الأنفاق وتتبع مسارها‏,‏ كما أنهم وفروا للجهات المعنية أنواعا معينة من الغازات التي تطلق في النفق فتصيب مستخدميه بالاختناق‏.‏
وإذا أضفنا إلي هذه الخلفية أن ثمة قرارا لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار في شهر سبتمبر ‏2006,‏ الذي أعقبه صدور قرار مماثل من جانب وزراء خارجية الدول الإسلامية في الشهر التالي مباشرة‏,‏ وتذكرنا أن مثل هذه القرارات تبخرت فور صدورها‏,‏ فسوف ندرك أن جهود إحكام الحصار والتضييق منه تواصلت وتقدمت‏,‏ في حين أن جهود رفعه وفتح معبر رفح لم تتقدم خطوة واحدة إلي الأمام‏.‏ وتلك خلاصة كاشفة‏,‏ لأنها تشير بوضوح إلي أن القدرة العربية في هذه القضية في مستوى الصفر‏,‏ الأمر الذي يستدعي السؤال التالي‏:‏ إذا كانت هناك حدود القدرة العربية في قضيتهم المركزية‏,‏ فما بالك بها فيما دون ذلك من قضايا؟‏!‏
‏(3)‏
لا مفر من الاعتراف بأن إسرائيل نجحت في فرض ترسانة من الاتفاقات التي كان هدفها الأساسي التحكم في قطاع غزة‏,‏ وتحويله إلي سجن كبير تملك مفاتيحه‏,‏ وإن استخدمت في ذلك واجهات أخري‏.‏ وهذه الاتفاقات أربع‏,‏ هي‏:‏ اتفاقية المعابر الإسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة في ‏15‏ نوفمبر ‏2005,‏ اتفاق إسرائيلي ـ أوروبي فلسطيني لمراقبة المعبر‏,‏ الاتفاق المصري ـ الإسرائيلي الموقع في أول أغسطس عام ‏2005‏ المعروف باسم اتفاق فيلادلفي‏,‏ واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة في ‏29‏ مارس‏1979.‏
للباحث القانوني محمد سيف الدولة بحث مهم في هذا الموضوع تحدث فيه عن ضرورة تحدي البنية التحتية للحصار‏.‏ وكيف أن خنق معبر رفح بوجه أخص أسهمت فيه أربعة اتفاقات وثلاثون دولة‏.‏ وقد ذكر بأن معبر رفح يخضع من الناحية الشكلية للسلطات الفلسطينية والمصرية‏,‏ وأن هناك معبرا آخر بين غزة ومصر يخضع لسلطات الاحتلال‏,‏ هو معبر كرم أبو سالم ‏(كيريم شالوم‏).‏ من الناحية الشكلية أيضا فإن تنظيم الحركة بالمعبر تشترك فيه عدة أطراف هي إسرائيل والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة ومصر‏,‏ والاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين‏.‏
وهذه الأطراف هي الموقعة علي الاتفاقات الأربعة سابقة الذكر‏.‏ لكن من الناحية العملية فإن التحكم في المعبر يتم من خلال عدد من أجهزة التصوير ‏(الكاميرات‏)‏ وأجهزة الفحص للأشخاص والسيارات التي فرضتها إسرائيل للمراقبة‏.‏ وهذه الأجهزة تتحكم في فتح وإغلاق المعبر‏,‏ لأن وجودها شرط أساسي لاستخدامه طبقا لنصوص تلك الاتفاقات‏.‏ ولذلك فإن إسرائيل عندما تريد إغلاقه فإنها إما أن تمنع المراقبين الأوروبيين من الذهاب إلي عملهم‏,‏ والذرائع لديها كثيرة‏,‏ علي رأسها الحجج الأمنية‏.‏ وإما أن تسطو علي الأجهزة وتأخذها إلي مواقعها بعيدا عن المعبر‏,‏ الأمر الذي يؤدي إلي إغلاقه تلقائيا‏.‏ ذلك أنه لا عبور دون مراقبين‏,‏ ولا عبور دون أجهزة تصوير ومراقبة‏,‏ وهذه هي خلاصة اللعبة التي تتم منذ أكثر من عامين‏.‏
‏(4)‏
الحجج التي أوردها المتحدث باسم الخارجية المصرية‏,‏ السفير حسام زكي‏,‏ لا تخلو من وجاهة لأول وهلة‏,‏ لكن هناك أكثر من رد عليها‏.‏ ذلك أن هذه الاتفاقات لا تتحرك في فراغ قانوني‏,‏ بمعني أنها تظل محكومة بمرجعية القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني‏.‏ والكلام ليس من عندي‏,‏ ولكنه رأي لا يختلف عليه فقهاء القانون‏,‏ وقد أثبته مفصلا الدكتور صلاح عامر أستاذ القانون الدولي العام بجامعة القاهرة‏,‏ الذي أعد مذكرة قانونية بطلب من الحكومة الفلسطينية حول النتائج المترتبة علي إغلاق إسرائيل المعابر‏.‏
وفي هذه المذكرة تحدث بوضوح عن أن حق الاتصال بين الدول هو من الحقوق المعترف بها والمقررة قانونا‏,‏ الأمر الذي لا يجيز لأي دولة أن تفرض حصارا يعزل أي دولة عن العالم المحيط بها‏,‏ ويمنع وصول مقومات الحياة إليها‏.‏ في رأيه أيضا أنه في حالة التعارض بين أي اتفاقات موقعة وبين القانون الدولي الإنساني فالأولوية للقانون الأخير‏,‏ لأنه في غير حالة الحروب المعلنة فينبغي ألا يسمح بالتضحية بحياة البشر لأي سبب كان‏.‏
تحدث الدكتور صلاح عامر أيضا عن أن اتفاقية المعابر التي يكثر الاستشهاد بها تحمل إسرائيل بالتزامات أخلت بها‏,‏ منها مثلا النص علي أن تعمل المعابر بشكل متواصل‏,‏ وأن تسمح إسرائيل بتصدير جميع المنتجات الزراعية بالقطاع‏,‏ وأن تضمن انسياب حركة مرور الأشخاص والبضائع والمنتجات عبر المعابر التي تصل الأراضي الفلسطينية بمصر ‏(معبر رفح‏)‏ وبإسرائيل والأردن‏.‏ منها أيضا النص علي تشغيل ميناء غزة مع تعهد إسرائيل بعدم التدخل في عمله‏.‏ ولأن إسرائيل لم تف بشيء من تلك الالتزامات جريا علي عادتها في أن تأخذ ولا تعطي‏ (‏تاريخها حافل في رفض الشرعية الدولية التي نتذرع بها‏,‏ من رفض قرارات مجلس الأمن الداعية إلي بطلان إجراءات تهويد القدس إلي قرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء الجدار‏,‏ وإخلالها بما تم الاتفاق عليه في أنابوليس لوقف الاستيطان‏).‏ لذلك‏,‏ فإن من حق السلطة الفلسطينية وحكومتها إما أن تنهي هذه الاتفاقات من جانب واحد وأن توقف العمل بها‏,‏ استنادا إلي المادة ‏(60)‏ من اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات‏.‏
كما أن لها الحق في أن تطالب إسرائيل بالتعويضات المالية عما لحق بالفلسطينيين من أضرار محققة من جراء مخالفاتها الجسيمة للاتفاقات المعقودة‏.‏
النقطة الثانية التي أثارها المتحدث الرسمي‏,‏ التي لا تخلو من وجاهة أيضا‏,‏ هي أنه يتعذر فتح معبر رفح وتشغيله في غياب السلطة الفلسطينية الشرعية‏.‏ لكن ذلك أيضا مردود عليه بأن ذلك العامل له أهمية‏,‏ لكنه ينبغي ألا يكون سببا لاستمرار محاصرة القطاع ومنع وصول الاحتياجات الحياتية إليه‏,‏ لأن الاعتبارات الإنسانية هنا ينبغي أن تسمو فوق أي اعتبار سياسي‏.‏ من ناحية ثانية فإن في فلسطين شرعيتين وليس شرعية واحدة‏,‏ ذلك أن السلطة القائمة في غزة لها شرعيتها المستمدة من فوزها في الانتخابات النيابية‏,‏ كما أن السلطة الموجودة في رام الله لها شرعيتها المستمدة بدورها من الانتخابات الرئاسية‏.‏ وفي حدود علمي فإن سلطة غزة قبلت بإدارة فلسطينية مشتركة بين الطرفين‏.‏ وهو حل وسط يمكن القبول به بشكل مؤقت حتي يتم الوفاق بينهما‏.‏
لقد استغربت قول المتحدث باسم الخارجية أن مصر تضغط علي إسرائيل لكي تزود القطاع باحتياجاته الإنسانية‏,‏ لأننا الأولى بذلك‏,‏ إن لم يكن لما تمثله مصر فعلي الأقل احتراما لقواعد القانون الدولي الإنساني‏.‏ ثم ينبغي ألا ننسي أن صبر المحاصرين ليس بلا حدود‏,‏ وأننا ينبغي أن نتوقي أسباب الانفجار قبل أن نضطر للتعامل معه بعد وقوعه‏.‏
.......................
*الأهرام ـ في 19/8/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:19 AM
(45) علاقتي بنجيب محفوظ

بقلم: محمد جبريل
........................

نحن نحتفظ بالصور الفوتوغرافية لأنها تستعيد حياتنا. تذكرنا بما قد ننساه. نسد الفجوات التي ربما يصنعها توالي الأعوام.
أضع الصور علي الأرض. أنشرها في أكبر مساحة. أتأملها. أستعيد العلاقة بيني وبين أصحاب الصور بيني وبين ما مضي من أحداث. أحياناً تبطئ ذكريات الصور في استدعاءاتي لها. وقد تأتي غير مترابطة. وتتحرك في الذهن بسرعة خاطفة. كأنها الومضات.
الصورة لي مع نجيب محفوظ. أتحدث. ويضع يده علي أذنه منصتاً. نشرتها الصحف في أكثر من مناسبة. تعيدني إلي اكتشافي الذي لم أعد له لنجيب محفوظ.
المصادفة وحدها هي التي قدمتني إلي أعظم الروائيين العرب. لأني كنت أتردد كل يوم. في إجازة صيف علي مكتبة المنيرة. وجدت فيها مكاناً مناسباً لا يبتعد بها عن البيت. وعن مشروع القراءة الذي بدأته. دون أن يشغلني السؤال: متى أتمه؟
بدأت قراءاتي بحرف الألف. كان آدم متز أول الأسماء. تبعته أسماء أخري لا أذكرها. وعرفت بعد ما يقرب من الأيام العشرة أن مشروعي لن يجاوز الأمنية المستحيلة. أدركني اليأس. وتشوش ذهني حول ما ينبغي قراءته. ولمحت في طريقي إلى خارج المكتبة كتاباً تركه قارئه مفتوحاً علي صفحاته الأولي. تابعت أحمد أفندي عاكف. الموظف الأربعيني المكدود. وهو يتجه عقب انصرافه من ديوان الوزارة إلي البيت الجديد في خان الخليلي. بدلاً من البيت القديم في السكاكيني. استغرقتني القراءة تماماً. فلم أترك الرواية حتي نبهني الموظف إلي موعد إغلاق المكتبة. وعدت في اليوم التالي لأواصل قراءة "خان الخليلي". ثم قرأت خارج المكتبة بقية أعمال نجيب محفوظ إلي "بداية ونهاية".
عدت إلي الإسكندرية. وفي وجداني أصداء من العالم السحري الذي أتاحته لي قراءة نجيب محفوظ. شعرت أنه من الصعب أن اقرأ لكتاب آخرين. بدت مسافة القيمة الروائية بينه وبينهم واسعة. وتفهمت فيما بعد ملاحظة سعيد السحار وهو يقود سيارته. وشقيقه عبدالحميد الروائي الذي ينتمي إلي جيل محفوظ يجلس إلي جانبه. وأنا في المقعد الخلفي. قال: نجيب هو أفضل الروائيين العرب علي الإطلاق. لا أحد يفوقه. ولم يظهر انفعال من أي نوع على عبدالحميد. تصورت أن الأمر بالنسبة له حقيقة لا تحتمل المناقشة.
حرصت منذ تلك الأيام أن أتابع كل ما يتصل بكاتبي المفضل. وكان في الأغلب عن نشاطه ككاتب للسيناريو "أحتفظ بورقة في مجلة تتضمن خبراً عن القاص يوسف جوهر والسيناريست نجيب محفوظ!". واتصلت صداقتي لعالم محفوظ الإبداعي. عندما نشر الجزء الأول من ثلاثية "بين القصرين" في الرسالة الجديدة. وكان ترددي علي ندوة كازينو أوبرا أول ما حرصت عليه. حين قدمت إلي القاهرة للإقامة الدائمة.
ثم تحولت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ إلي صداقة. هي أثمن ما أعتز به في حياتي.
.................................
*المساء ـ في 15/11/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:20 AM
( 46 ) آخر ما كتب الراحل يونان لبيب رزق : العيب في ذات أفندينا
.................................................. ..............

كان أحمد حلمي هو أول من »عاب« في ذات أفندينا، وأول مصري يدخل السجن لهذا السبب. جري ذلك قبل مائة عام تقريباً، كان وقتها شاباً في الثالثة والثلاثين، يصدر جريدة »القطر المصري« بعد سنوات أمضاها يعمل في »اللواء« جريدة الحزب الوطني بزعامة مصطفي كامل. في 13 نوفمبر 1908 كتب حلمي منتقداً شهر العسل الذي طال بين عابدين وقصر الدوبارة، وأنهي مقاله بنصيحة للسير جورست المعتمد البريطاني بأن ينقل إقامته إلي عابدين حتي لا يستنفد طاقته في المشاوير ذهاباً وإياباً بين القصرين.
سعي الخديو عباس حلمي إلي استمالة الرجل، وأرسل له من يحذره، وكان بين محذريه أمير الشعراء أحمد بك شوقي، الذي كان صديقاً مقرباً من الخديو ورئيساً تعلم الترجمة بالمعية الخديوية، لكن أحمد حلمي لم يستجب وواصل هجومه غير المسبوق علي أفندينا، وفي 8 يناير 1909 شن هجوماً عنيفاً علي الخديو، مستنداً إلي مقالات نشرتها صحيفة تركية، ترجع فيه أسباب الخراب والتأخر الذي حاق بالمصريين إلي الأسرة العلوية، ودعا المصريين إلي التخلص من هذه العائلة الظالمة التي تتعامل مع المصريين باعتبارهم إرثاً أو عقاراً.
وعلي الرغم من أن أحمد حلمي حاول بعد أن نشر ترجمة لهذه السلسلة من المقالات أن »يوازن« المسألة، فنشر مقالات أخري تدافع عن العائلة، إلا أن الحيلة لم تنطل علي الخديو، وبسرعة تم »إعمال« مواد قانون المطبوعات التي تعاقب بالحبس وبالغرامة كل من مس مركز الجناب العالي بالسب أو بالقذف أو بالتلميح بأي صورة من الصور، وبدأ نظر القضية في أبريل ،1909 وصدر الحكم في 23 من نفس الشهر بحبس المتهم عشرة شهور »حبساً بسيطاً« وأمرت بتعطيل جريدته »القطر المصري« ستة شهور، وإعدام كل ما يضبط من هذا العدد من الجريدة، ولكن أحمد حلمي علي ما يبدو ولم يتعلم من الدرس، فحين عادت الجريدة إلي الصدور كتب في 29 أكتوبر مقالاً عنوانه »صلاح الرعية بصلاح ملوكها« قال فيها: ياكل ملك غشوم أو حاكم ظالم، ما ضرك لو تتزود قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، فلا تحكم في عباد الله بحكم الجاهلين«.
وفي 26 نوفمبر صدرت الجريدة بمانشيت عريض »فلتسقط حكومة الفرد«، وهو ما دعا الحكومة البريطانية بعد استئذان المندوب السامي ـ لاحظ ـ إلي إصدار قرار بإغلاق القطر المصري في 8 يناير 1910.
هذا هو أحمد حلمي صاحب الشارع الشهير في شبرا، وموقف الضواحي والأقاليم الذي نحمد الله أن أزالوه.
وفي 1923 صدر قانون خاص للعيب في الذات الملكية، وكان أول من مثل أمام المحكمة بمقتضاه هو الدكتور محمود عزمي، الذي كتب مقالاً في جريدة السياسة عام 1927 تحت عنوان »يجب وضع حد لهذه التدخلات وإلا كان الدستور مجرد حبر علي ورق«، انتقد فيه تدخل القصر في شئون الحكم، مؤكداً في نهاية مقاله أن الملك يملك ولا يحكم، وصدر الحكم بالحبس لمدة ستة شهور، غير أن المواءمات السياسية حالت دون تنفيذه، إذ لم يكن الوقت مناسباً للصدام بين الأحرار الدستوريين التي تصدر »السياسة« والقصر الملكي، فتم تخفيف الحكم في النقض إلي الغرامة.
غير أن أشهر قضايا العيب في ذات أفندينا كانت تلك التي اتهم فيها الكاتب الكبير عباس محمود العقاد، وكان وقتها عضواً في مجلس النواب (1939)، في ذلك الوقت تقدم النحاس باشا باستقالته من الوزارة احتجاجاً علي تدخلات الملك فؤاد في عمل الوزارة، وذهب النحاس باستقالته إلي البرلمان يعلمه بها، ووقف العقاد يلقي كلمته تعقيباً علي هذا الموقف، فماذا قال؟
قال الكاتب الكبير: ليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلد في سبيل صيانة الدستور وحمايته.
وتصور العقاد أنه أفلت بفعلته، بعدما كتب مقالاً في جريدة »كوكب الشرق« ينكر فيه أنه قال أكبر رأس بل كل رأس، وأن دعوته لحماية الدستور ليست ضد الملك، وإنما هي لصالح الملك والشعب معاً، لكن ذلك أيضاً لم يشفع له، إذ تحين القصر الفرصة بعد سقوط دستور 1923 وصدور دستور 1930 في عهد إسماعيل صدقي لتحاسب العقاد والوفد بأثر رجعي، خصوصاً أن العقاد لم يرعوي واستمر يهاجم القصر ويصفه بالرجعية والاستبداد، وفي 31 ديسمبر ،1930 أمرت المحكمة بحبس العقاد تسعة أشهر.. إذ »تيقنت المحكمة أن العقاد كان يقصد الملك بالحديث عن الرجعية، وأنه بذلك ارتكب جريمة العيب في الذات الملكية الرفيعة، فأسند إليها أموراً تظهر الملك بمظهر المعتدي علي حقوق الأمة«.
المؤرخ الكبير الراحل، يتابع فكرة العيب في ذات الحاكم عبر أمثلة عديدة منذ عهد عباس حلمي حتي اليوم، وينتصر لفكرة نقد الحاكم لا شتمه، والاعتراض عليه لا سبه، وهي مسألة لا أظن أن كثيرين يقدرون عليها، في مناخ اختلطت فيه المعايير وغامت الرؤي إلي حد التشويش.
..........................................
*الوفد ـ في 3/3/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:21 AM
( 47 ) قراءة في قصة «الحارس» لحسين علي محمد

بقلم: ثروت مكايد عبد الموجود*
................................

(1)
(نص القصة):
بعد عناء المحاولة في هذا القيظ .. عَدلتَ عن كتابة القصيدة، وصمّمت على أن تسهر مع أغنية أم كلثوم "أغار من نسمة الجنوبِ"!
الإذاعة مشغولة بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس، وأبوك مضطر إلى أن يسهر الليلة لحراسة حديد البناء بعد أن ذاعت شائعات كثيرة عن وجود عصابات من الشباب العاطل تخصصت في سرقة مؤن البناء!
ماذا تصنع الآن؟ على فوّهة البركان جلست أنت والبنّاء (عبد الرحمن) تحرسان الغيم، وتنسجان الشباك للأحلام ..
"سناء" الحاصدة الأولى تعبر في منتصف الظهيرة .. تتوَكَّأ على عصا، فرجلها مكسورة منذ هبوطها ـ منذ عدة ليال ـ سلم بيتكم الطينيِّ في أطراف القرية.
أمشي في دروب صاعدة .. رائحة الروث تملأ المكان .. وسط فِخاخ سأتحرَّك .. عينا "إيمان" شقيقتي الصغرى ترانا من خلف الشيش .. عيناها تعكسان سرًّا صامتاً لا تُريد أن تبوحَ به.
يسرق "عبد الرحمن" الحديد، ويمضي، وأنت تستقبل أربع عيون لعصفورتين مائيتين (سناء، وإيمان). تُغادرك "إيمان" .. تُحدِّق في عيني سناء الممتنّتين .. وتمضي.
عيونكما الأربع تتحرّك في رعب بطيء.
يُطلُّ أبوك خارجاً من باب المسجد المقابل مرتدياً قميصه الكتانيَّ المزهَّر بالنيلة الزرقاء. ينظر إليكما عابساً، بينما سراديب الدهشة واللذة تُغلق أبوابها.

المساء 20/12/1997م.
...............................

(2)
(القراءة)
...........
**يترصّد القاص في قصة «الحارس» حركة بطله، ويرسم لنا صورة نابضة بالحياة؛ فهاهو ذا شاعر يجلس أمام أوراقه، والعرق يتصبب من جبهته، ثم يُلقي بتلك الأوراق، فالقصيدة تأبى أن تجيء..
لكن صبراً، ففي المساء وعلى صوت أم كلثوم، ستولد تلك القصيدة..
وفي هذا القيظ الذي لم يُسعفك، ولم تنجح فيه فإن السادات يزور القدس مادا يده بالسلام، أما والدك فمضطر للسهر كي يحرس حديد البناء الذي يسرقه العاطلون..
أنت والبناء عبد الرحمن..
لكن .. ماذا تفعل والأحلام كبيرة، وأنت فقير، وبيتك من الطوب اللبن على أطراف القرية..
وعينا «إيمان» شقيقتك عرفت سرا تتعذب به.. عرفت سرك أنت..
هذا الحارس.. والدك.. يخرج من باب المسجد مُقطباً، يحمل إرادة الإمساك باللص في الوقت الذي تيأس فيه من ولوج عالم الشعر بعد أن أُغلِقت سراديب الدهشة واللذة..
ولا تأتي زيارة «السادات» للقدس في القصة عبثاً.. فماذا يقصد القاص؟
ألمجرد أن يخبرنا بالزمن الذي حدثت فيه القصة؟
ربما.. لكن لا يمنع هذا أن نجد في القصة تفسيراً ما، لذكر تلك الزيارة..
فالبطل يُحاول كتابة قصيدة ويُجهد نفسه، لكنه لا يفلح في ذلك، وبدلاً من هذا يُخطط لسرقة حديد البناء الذي يعمل أبوه حارساً له..
وعبد الرحمن يسرق بمعونة البطل ذلك الحديد، ويبيعه.. وقد كثرت البطالة..
فالرئيس الراحل أنور السادات ـ رحمه الله ـ نظر إلى الحالة الاقتصادية للبلد، وأراد أن يُجنِّبها ويلات الحرب حتى يشتغل بالبناء والتعمير، وقد خبر الحرب وخاضها، بل وانتصر فيها..فهو حين يذهب ـ لصُنع السلام! ـ يذهب بعزة المنتصر.. وكان الرجل ـ عليه رحمة الله ـ صادقاً في هذا، غير أن تمنُّع الشعر، يوحي برفض المثقفين لهذه الزيارة، لكنهم إذ يرفضون ليسوا أسوياء، بل هم لصوص..
إنهم غير شرفاء، وفي هذا إدانة لرفضهم..
ولعل سبباً آخر قصده القاص، غير أننا لا نحوم في فضاء الاحتمالات دون دليل من النص نفسه. فعلى هدي النص يسير النقد..
ولِم لا نُبحر مع النص، لنرى لمَ جاء كاتبنا بخبر الزيارة في قصته تلك؟..
إن البطل شاعر.. والشعر وجدان.. وقد تأبّى الوجدان.. ففي هذا دلالة على رفض الوجدان الشعبي للزيارة، غير أن العقل يُقرر ما فيه المصلحة.. مصلحة هذا الوطن، ليبني نفسه، ويقويَ دعائمه..
نعم، لم يحدث شيء من هذا؛ فلمْ يبن الوطن نفسه، لأننا لم نستغل فترة السلم، كما لم نستغل دفعة نصر رمضان المجيد، فثلة المُنافقين كالغربان لا تحيا إلا مع الجِيَف.
***
في هذه القصة يبلغ القاص القمة في كل شيء.. وهي تعد نموذجاً للقصة القصيرة حيث حدة الوعي..
إنها لا تقل بحال عن «مارش الغروب» و«نظرة» ليوسف إدريس، بل تزيد عليها في حدة الوعي بحال المجتمع .. وتصل إلى أعمق أعماق النفس دون ضجيج..
لقد دفع المجتمع البطل لأن يعتلي فوهة بركان.. فالمجتمع مشغول عنه «بمتابعة رحلة الرئيس السادات إلى القدس».
مشغول بمتابعة السلطة..
مشغول بجانب واحد، بينما الكل في الظل..
ويزيد من حدة العزلة أن البطل مثقف..
إنه شاعر..
لكنه في مثل هذا الجو الذي لا يشعر فيه بوجوده.. ولا يشعر بأي اهتمام من المجتمع، فإنه لا يستطيع أن يُبدع، ومن ثم يصب غضبه على ذلك المجتمع العاق.. ذلك المجتمع الذي يكتم أنفاسه، ليخنقه..
ولكي يكون الغضب متوحشاً، فإنه يصبه على أقرب الناس.. على والده؛ فيسرق حديد البناء الذي يحرسه والده..
إنه لا يقوى على المواجهة في مثل هذا المجتمع المشغول عنه، لذا فهو ينتقم منه سرا..
***
واللغة في قصة «الحارس» مكثفة، ولا تستطيع أن تحذف جزءاً من القصة وإلا اختلّت، بل إنك في «الحارس» ـ مثلاً ـ لا تستطيع أن تحذف سطراً، أو حتى كلمة..
..................................
*ناقد، وروائي مصري.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:22 AM
(48) حوار مع روائي الإسكندرية محمد جبريل

حاوره: د. احمد زياد محبك - سورية
......................................

محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني, عاشق للإسكندرية, منها يستمد معظم مواد رواياته, وعنها يكتب, كأنه نذر لها قلمه وحياته. هي في رواياته بريئة شفافة جميلة, أبطالها فيها يتحركون, وعبق بحرها ينتشر في كل الأنحاء. وهو كاتب صحفي, يشرف على القسم الأدبي في جريدة المساء, وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروة في قلب القاهرة, يستمع إليهم ويرعاهم ويشجعهم, وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء, يمزح كطفل, ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع, ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف, تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام, وأنه يعرفك ويحبك.
كنت التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام, ولم يكن لقاء عابراً, وأول قدومي إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب العسال.
وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء...
* في السؤال الأول صدمة وإدهاش, وسيتقبله مني الأستاذ محمد جبريل بحب, والسؤال: أنت متهم بغزارة الإنتاج, فهل هذا صحيح, وما معنى الغزارة عندك? وكيف تحققت? وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب والأنواع?
- الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلي. وجه الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق - من حيث الكم - كل ما أصدرته لي. والحق أني اعتبر القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي, بصرف النظر عن غزارته أم قلته. فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات - على سبيل المثال - ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. بينما صدر لأستاذنا نجيب محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية.. لكن إبداع كل من صنع الله ومحفوظ يلتقي في القيمة الفنية المؤكدة. ولا أريد أن اضرب أمثلة أخرى حتى لا اتهم بالمجاملة أو بالتجني, وان سهل علينا التعرف على عشرات الأمثلة.
إن محاسبة أي مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه. وأصارحك بأن ما يشغلني من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما صدر لي حتى الآن, فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندي - وليواصل أصحاب الاتهام عجبهم! - يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد المناسب لنشرها, إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات التي يسميها البعض نقداً, واسميها قراءة إيجابية.
وبالنسبة لبقية السؤال فإني أكتفي بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعي الإبداعي مثل عفوية الكتابة الإبداعية, ووجوب أن يعبر مجموع المبدع عن رؤية شاملة, أو فلسفة حياتية, تتضمن مواقفه في المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال, وكل ما يستند إلى موهبة الأديب, وثقافته وخبراته وتجاربه.
ولعله يجدر بي أن أشير إلى عامل مهم, لا يفطن إليه رواد مقاهي وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت, في حين أن الوقت هو الذي يقتلنا...
إني أؤمن بجدوى النظام. انه يكفل مضاعفة الوقت, وإنجاز ما يصعب إنجازه في الفوضى والتكاسل, وإرجاء ما ينبغي التوفر على إتمامه.
*أنت صحفي, عملت في الصحافة طوال عمرك, وقد أخذت منك ثماني سنوات ونصف من التفرغ لها في عُمان, حيث أشرفت على صحيفة «الوطن», فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع? وما أثر الصحافة في كتابتك وحياتك?
- سئل ارسكين كالدويل: هل العمل في الصحافة يساعد أو يعوق كتابة القصة القصيرة?... أجاب: لا أعرف شخصاً واحداً اضرّ به التمرين على الكتابة من أي نوع. إن الصحافة, فضلاً على أنها تفيد في التمرين الدائب على الكتابة, فإنها تساعد أيضاً على تكوين عادة الكتابة كل يوم. إن انتظار الوحي عذر قلّما تجده لدى المؤلفين الذين تمرسوا بالصحافة. وحتى الآن, فإن جارثيا ماركيث يحرص على العمل في الصحافة, ذلك لأن الصحافة - في تقديره - تحميه, وتحرسه, وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقي. كانت الخبرات الصحفية - باعتراف ماركيث - وراء العديد من أعماله الروائية, مثل قصة غريق, حكاية موت معلن, نبأ اختطاف. بل إن رائعته «خريف البطريرك» استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكي لاتيني اتهم في جرائم حرب...
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة, باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية, وان احصل منها على مورد يتيح لي تلبية احتياجات العيش, فلا أنشغل بأعمال أخرى تنتسب إلى الكتابة, لكنها قد تصرفني عن القراءة والكتابة, وأن ألزم نفسي بنظام - مثلي فيه أستاذنا نجيب محفوظ - يحرص على الجهد والوقت. وأخيراً, أن يكون لي بيت زوجية, فلا تواجه مشاعري العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن اسميه بالتسيب.
أذكر أني مارست في العمل الصحفي جميع أنواع الكتابة, كتبت الخبر والتحقيق والمقال والدراسة. أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات لغوية وصياغة وتقنية, باعتبار القارئ الذي أتجه إليه في ما أكتب. وبالتأكيد, فإن كاتب التحقيق الصحفي يختلف عن كاتب المقال الأدبي, واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة. يسرت لي الصحافة سبل اقتناء الكتب التي تعجز مواردي عن شرائها جميعاً. فأنا اكتب في صفحة أدبية. في هذه الصفحة باب للكتب, فأنا اكتب عن كل كتاب يهديه صاحبه - أو ناشره - للجريدة, ثم أحتفظ به لنفسي, وأتاحت لي الصحافة مجالات ربما لم اكن أستطيع أن اقترب منها في الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها, والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته, وبثقافات متباينة, وان لم يتح لي عملي في الصحافة امتيازاً من أي نوع. كانت جيرتي للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق, ولوزير سابق لا اذكر اسمه, مبعث اعتزازي بأني أجاور ناساً مهمين في غياب أصدقاء من السلطة. وحتى لا أبدو في موضع سيئ الحظ, فإني اعترف بحرصي على الوقوف في الطابور, فضلاً عن عدم ميلي إلى مصادقة السلطة, حتى لو تمثلت في اكتفائي باجترار صداقات أتيح لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة في السلطة. وكان عملي الصحفي, الحياة في الصحافة, الأحداث والشخصيات التي تعرفت - بواسطتها - إليها, وراء العديد من أعمالي الروائية, بداية من الأسوار - روايتي الأولى - وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة, مروراً بالنظر إلى أسفل، وبوح الأسرار، والخليج ... وغيرها. بل إن الصحفي هو الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال.
ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو روائياً أو شاعراً في بعض الأحيان, لكنها تريده صحفياً في كل الأحيان. إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر الخ.. مما يتفق وطبيعة العمل الصحفي الذي يعد الأدب - في تقدير القيادات الصحفية - جزءاً هامشياً فيه. أُصارحك بأني نشرت روايتي "قلعة الجبل" في الجريدة التي أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة, وصورتها, ونشرتها في جريدتي, فلم أتقاض في ذلك كله مليماً واحداً, في حين أن الزميل الذي يسبق الآخرين بخبر في بضعة اسطر, يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات!.. وهذا كله يعد انعكاساً واضحاً, ومفزعاً, للنظرة إلى العمل الأدبي, وقيمته ضمن مواد العمل الصحفي.
الفن - الرواية والقصة على وجه التحديد - عالمي الذي أوثره بكل الود. أتمنى أن اخلص لهما - تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع - دون أن تشغلني اهتمامات مغايرة. لكن الإبداع في بلادنا لا يؤكل عيشاً. ربما أتاحت رواية وحيدة في الغرب لكاتبها أن يقضي بقية حياته "مستوراً", أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى قلمه وأوراقه دون خشية من الغد, وما يضمره من احتمالات, لكن المقابل المحدد والمحدود الذي يتقاضاه المبدع في بلادنا ثمنا لعمله الأدبي يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة!!.. من هنا كان اختياري - الأدق: لجوئي - إلى الصحافة, فهي الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته, وهمومه أيضاً.
ولعلي اذكر قول المازني لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة كتاباته: "ستقول إن المازني كان بالأمس خيراً منه اليوم, وانه ترك زمرة الأدباء, وانضم إلى زمرة الصحفيين, وانه يكتب في كل مكان, ويكتب في كل شيء, حتى اصبح تاجر مقالات, تهمّه ملاحقة السوق اكثر مما تهمّه جودة البضاعة.. أليس كذلك? ولكن لا تنس أن الأديب في بلدكم جبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش أولاده, وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان".
لذلك منيت النفس وأنا ارحب - متحسراً - بالسفر إلى سلطنة عُمان للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية - تحولت إلى يومية فيما بعد - بأن أدّخر في الغربة ما يعينني على الإخلاص للفن وحده, لكن الأمنية ظلت في إطارها, لا تجاوزه. وكان لا بد أن اكتب في موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه. وحتى لا افقد ذاتي في سراديب مجهولة النهاية, فقد فضلت أن تكون محاولاتي أقرب إلى ما يشغلني في الفن, وفي الحياة عموماً. وبصوت هامس ما أمكن فإن مصر - الموطن واللحظة والماضي والمستقبل - هي الشخصية الأهم في كل محاولاتي الإبداعية. ذلك ما احرص عليه, وما لاحظه حتى القارئ العادي. تعمدت أن تكون مصر: تاريخها, وطبيعتها, وناسها, ومعاناتها, وطموحاتها, نبض كتاباتي جميعاً. ما اتصل منها بالصحافة, وما لم يتصل, ما اقترب من الأدب وما لم يقترب. وكانت حصيلة ذلك كله - كما تعرف - عشرات الدراسات والمقالات التي تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" مروراً بـ"مصر من يريدها بسوء" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر المكان" إلخ... وانتهاء بما قد يسعفني العمر بإنجازه.
* أنت مثقف واسع الاطلاع, تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية, فقد كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين, ونلت عن هذا المؤلف جائزة الدولة التشجيعية عام 1975 كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ, فما دافعك إلى الكتابة النقدية? وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب الروائي? وما أثرها في إبداعك الروائي?
- ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها, هي أن النقد الذي يقيس الزوايا والأبعاد, ثم يصدر أحكاماً, ويدلل عليها, ليس محتوى كتاباتي التي تختلف عن إبداعاتي في الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها. أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها في أثناء حرثها للأرض. إن الآراء التي أتوصل إليها, هي من قبيل الاجتهادات الشخصية التي ربما كانت أخطاء محضة.
القراءة حرفتي وهوايتي. وأنا اعتمد في قراءتي للكتاب أن أثبت أهم المعلومات التي يشتمل عليها, وآرائي في موضوعاته, وأضيف إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه, سواء في موضوع الكتاب, أم في موضوعات يطرحها النقاش, ويتكون من ذلك بطاقات تكفي لإعداد كتاب, أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد. ومنذ سنوات بعيدة, تحدد عالمي في جدران مكتبي. افرغ للقراءة بامتداد ساعات الصحو, والكتابة الإبداعية يصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن تكون نبض عمل أيام متتالية. إنها تهد الحيل, تجعلك في لحظات الإبداع, وربما قبلها أو بعدها, كأنك لست أنت, كأنك أثقلت بما لا تقوى على حمله.
* ما رؤيتك للرواية? وما مشروعك الروائي? هل ثمة تصور لديك عن العالم? أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها? وما صلة ذلك بحياتك الشخصية?
- ما يغيب عن معظم إبداعنا العربي, وأتصور أنه لا بد أن يكون بعداً أساسياً في أي عمل روائي أو قصصي, هو فلسفة الحياة. والفلسفة التي أعنيها هي الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقيا وحدها. الميتافيزيقا بعد مهم, لكنها جزء من أبعاد الحياة الإنسانية جميعاً. تقول سيمون دي بوفوار "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها هي وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري" ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي.
إن الأدب غير الفلسفة, لكنه - في الوقت نفسه - تصور للعالم, يرتكز إلى درجة من الوعي وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس.. طريقة الفيلسوف هي التنظير والتحليل والإقناع والصدور عن العقل, والاتجاه كذلك إلى العقل. أما طريقة الأديب فهي العاطفة والخيال والحواس, والصدور عن ذلك كله إلى المقابل في الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب, وتتعدد مسمياتها, كالتكنيك والتنامي الدرامي والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال, إلخ...
والحق انه ما من إبداع حقيقي يمكن أن يخلو - بدرجة ما - من فلسفة ما, وإن عاد الأمر - في الدرجة الأولى - إلى مدى قدرة المبدع في بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة. وكما يقول شكسبير فليس المهم هو الأشياء, المهم وجهة نظرنا عن الأشياء. وأذكر بقول تين في كتابة الأشهر "تاريخ الأدب الإنجليزي": «إن وراء كل أدب فلسفة».
وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها في ثنايا أعماله. التجربة الإبداعية - على تنوعها - تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ما يناسبه من تقنية, والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتب.
إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. ان يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة, للنظرة الشاملة, لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال. وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي - كما يقول ادينكوف - تكاملاً وتماسكاً داخلياً. وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. والإنسان - في فلسفة كامي الحياتية - يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلا أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة. والأمثلة كثيرة.
* للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك, فما سر هذا العشق للمكان والإنسان في الإسكندرية? ما رأيك بالإسكندرية نفسها ماضياً وحاضراً? هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل.
- حي بحري بالإسكندرية - السيالة والانفوشي ورأس التين - هو الموطن الذي شهد طفولتي ونشأتي, وهو المكان الذي تمنيت أن اكتب عنه, بكل ما يشتمل عليه من تمايز في خصائص الحياة وسلوكياتها.
إن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في الإسكندرية لا تختلف كثيراً عن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة في بحري هي الصلة بين اليابسة والبحر.. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين والنوات والسفر إلى الموانئ القريبة والبعيدة.. واليابسة بكل ما تمثله من اعتماد على الحياة في البحر, بداية من حلقة السمك, وتواصلاً مع غلبة الروحانية, والإيمان ببركات الأولياء, والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك, أو العمل على السفن الصغيرة والبواخر الضخمة.
على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة. ثمة صيادون وعمال في الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد.
حي بحري هو اصل الإسكندرية. هو راقودة, وفاروس, والمساحة من الأرض التي تشكلت منها - قبل التاريخ المكتوب - مدينة الإسكندرية الحالية.
وإذا كان الاسكندر المقدوني قد أطلق اسمه على المدينة القديمة, فإن ذلك لا يعني غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها, ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول: أريد أن ابني عاصمة ملكي هنا! أراد أن يبني عاصمة ملكه في موقع مدينة كانت قائمة بالفعل, وإن أتاح لها التخطيط أن تتسع, وتتطور, وتصبح عاصمة العالم القديم.
أزور بحري بين كل فترة قصيرة وأخرى: المرسي أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية وقلعة قايتباي والميادين والشوارع والأزقة التي تصنع جواً يفيض بالروحانية, من خلال الجوامع الكثيرة, ومظاهر الحياة الدينية بعامة.. ويفيض كذلك بالحس الشعبي الذي ظل على تماسكه, وعلى معتقداته وتقاليده, وبالذات في العقود التي دانت فيها المدينة لسطوة الأجانب, فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتية بمئات الألوف من الأجانب, بينما افتقد العنصر الوطني انتماءه إلى مدينته.
* لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية, وأنت تعرفه من غير شك, فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي? وما تصورك لمستقبل الرواية? وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن تسير? ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية ورواية الحداثة وما بعد الحداثة?
-أشكرك على رأيك في شخصي الضعيف, ورأيي أن الرواية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي. ولا أكون مغالياً لو قلت إن المكانة التي تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها الرواية العربية كذلك. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس. وحين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن - كما ادعت مستشرقة إسبانية - واحة في صحراء مجدبة, إنما هو مبدع كبير ضمن حركة إبداعية خصبة ومثمرة, متصلة الحلقات والأجيال, تجد بدايتها في قصة الأخوين الفرعونية - أول قصة في التاريخ - تتواصل مع عشرات المعطيات في التراث العربي, وحتى زمننا الحالي الذي يطلق عليه البعض تسمية زمن الرواية. وظني أن هذا الازدهار الذي تحياه الرواية سيظل صورة المستقبل. دليلي أن الرواية هي الجنس الأوفر حظاً في إبداعات الأجيال الحالية المختلفة. وقد طالعتنا - في الأعوام الأخيرة - أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون تشكيليون.
أكرر: إن إبداعنا الحديث يتوازى في القيمة مع إبداعات أمريكا اللاتينية, وهي الإبداعات التي تحتل الآن موضع الصدارة في الأدب العالمي. المشكلة ليست في القيمة, لكنها في الثقة بالذات, وفي الاستراتيجية التي تحرص على تصدير - ومعذرة لرداءة التعبير - الأفضل والأصلح, وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية.
* لقد حققت الرواية العربية حضوراً واضحاً, في معظم أقطار الوطن العربي, وقدمت تقنيات فنية متطورة, كما واكبت تطور الواقع العربي, فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية? وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية?
- بالمناسبة: متى, وكيف, يكون للإنتاج الثقافي العربي موقعه المتميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي? للأسف, نحن نقصر الإبداع العالمي على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة. والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً. إن الإبداع العالمي في أعلى مستوياته نتابعه في إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, وفي شرقنا العربي.. لكننا - كما أشرت - ندين بأحادية النظرة. ما يأتي من الغرب وحده هو الذي يسر القلب. وقد استطاعت أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافي الأمريكي, ليس في الرواية والقصة القصيرة فحسب, وإنما في السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من الأجناس الأدبية.
البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة. في إهمال - عفوي أو متعمد - لثقافات أكثر تفوقاً, وأكثر تعبيراً عن الهم الإنساني في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, فضلاً عن ثقافة المنطقة العربية بل ما يميزها من خصائص, وهي تؤثر في الثقافات الأخرى وتتأثر بها, ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية. واعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة العالمية خطأ معيب, نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة, والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته, فلا يقتصر ذلك على لغة بالذات, ولا مناطق في العالم بعينها. وفي المقابل, فإن منتجنا الثقافي يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن ثقافة مميزة, هي جزء من الثقافة العالمية ككل.
الثقة بالذات, والإبداع الذي يصدر عن الذات والذي يستند إلى التراث, ويفيد من تيارات العصر, هو تجربتنا المطلوبة, الوحيدة.
وان يكون للإنتاج الثقافي العربي موقع متميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي, فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين العرب. وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة.
والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب - حتى الآن - الطموح أو الأمنية. أما الموضع الفعلي, المكانة التي يستحقها بالفعل, فذلك ما يخضع لاعتبارات عديدة, في مقدمتها الاعتبارات السياسية, بحيث يمكن القول - ببساطة - أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى مراجعة شديدة, تحرص على التأمل والمناقشة, ومحاولة التوصل إلى الصورة الصادقة.
* الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي, وهو واقع مؤلم, يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة, ومن توقعات إجهاض حضاري ومعرفي, فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي, وأنت من مثقفي العصر وشاهد عليه? هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه الرؤية المستقبلية?
- من الأعمال التي أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة. لقد حاولت فيها أن أُعبِّـر عن رؤيتي لأحوال امتنا العربية, من خلال رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ, ولا الكوب نصف الفارغ, إنما هي رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة. والمقولة التي ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربي هي عدم المشاركة السياسية من مواطنيه, ومثقفيه بخاصة, مما يفضي إلى غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة, وغلبة الإحساس الفردي أو الإحساس القبلي الذي لا يطمئن إلى القومية, وتحول الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها, لكن الطريق الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق, وجميعها من صنع الحكام, ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتي.
إن مشاركة المواطن في صياغة واقع وطنه ومستقبله, سيبدل الصورة تماماً, بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية!
* ما رأيك في المعوقات التي يواجهها الكتاب العربي, ووسائل انتقاله بين أقطار الوطن العربي المختلفة?
- المعوقات كثيرة, أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من الأبعاد التي تعد ضرورة للإبداع. ثم الخلط بين الثقافة والإعلام, وربما الإعلان, والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى الوسائل الأدائية الأخرى. ولعلي أشير إلى اللا مقابل الذي يتقاضاه المثقف المتحدث في وسائل الإعلام, يتقاضى هو هذا المقابل. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل المعوقات التي تواجهها صناعة الثقافة, بينما يتقاضى معلق كرة القدم في مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات. كذلك فإن النظرة إلى الكتّاب يجب أن تتبدل تماماً, بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين النشر والتصدير, فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه, بدلاً من أن يتقاضى ثمن الكتاب.
* للمرأة مكانة متميزة في رواياتك, وفي حياتك, ونخص بالذكر الزوجة الوفية السيدة زينب العسال, وهي أديبة وناقدة وباحثة, لها حضورها في الساحة الأدبية, فما دور السيدة زينب العسال في حياتك وفي أدبك? وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها?
- لزينب العسال في حياتي أدوار متعددة, فهي صديقة وزوجة وناقدة لأعمالي قبل أن ادفع بها إلى المطبعة, ولأنها أخذت نفسها بصرامة من حيث الدراسة والممارسة, فنالت العديد من الدبلومات, كما حصلت على درجة الماجستير, وتعد الآن رسالة الدكتوراه, ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات. لذلك كله فإني لم أعد أتابع زينب في المؤتمرات والندوات التي تشارك فيها. غاب قلق الأعوام الأولى, وتحريضي لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا, فذلك ما حدث بالفعل.
إن دوري في حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه, وإبداء الملاحظات التي لا ألح في أن تعمل بها, فمن المهم أن تكون لها وجهة نظر, وأن تعبر عنها, وأن تحتمل - في الوقت نفسه - نتائج ما تكتب!
* في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك: وماذا تقول للشباب? جل المستقبل وحاملي الأمانة, والأمل?
- ماذا أقول للشباب? أترك لك الرد على هذا السؤال, فقد رأيت ندوتي الأسبوعية في مقر نقابة الصحفيين, وشاركت فيها, ولك فيها رأي.
(يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك, فقد رأيتك ترعى الأدباء الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير, وتترك لهم حرية التعبير والنقد, ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير, ورأيت لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات, ويرفضون الاجترار والتقليد, وأنت تشجعهم وتؤديهم, ولا تصادر آراءهم, ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى رفيع جدير بالاهتمام, ومما لا شك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف تظهر من خلال ندوتك, إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره الأدبي المتميز, ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم والمستقبل لكم, ولكنك أذهلتني, فقد حولتني في النهاية من سائل إلى مجيب, ومن محاور إلى متحدث).
عناوين فرعية
القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي بصرف النظر عن غزارته أو قلته
لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية
أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها أثناء حرثها للأرض
الرواية العربية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي.. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس
...............................
نقلاً عن موقع «عمَّـان» الإليكتروني .

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:24 AM
(49) أثر المرأة في حياتي وفي أعمالي

بقلم: محمد جبريل
..................

المرأة في حياة المبدع- والإنسان بعامة- هي الأم والزوجة والابنة. تتداخل الشخصيات والمواقف والأحداث، فيسقط الغربال كل شئ، ما عدا الشخصيات الثلاث المؤثرة، التي تمثل بعداً ثابتاً، ليس في مجرد ذكريات المرء، وإنما في تكوينه المعرفي والنفسي، وفي نظرته إلى الأمور.
وعدت القارئ في سيرتي الذاتية "حكايات عن جزيرة فاروس" بأن يقتصر ما أذكره من الأعوام القليلة التي أمضتها أمي في حياتنا، على بعض الصور، أو الومضات السريعة. رحلت أمي قبل أن أبلغ العاشرة، فتصورت أن ما أذكره لن يجاوز تلك الفترة الباكرة من حياتي. فضلاً عن غياب الوعي بصورة كاملة، أو جزئية، في الأعوام الأولى منها. لكن الذكريات التي كانت مطمورة، ما لبثت أن استردتها الكتابة، وهو ما سجلته في "مد الموج" و"الحياة ثانية" و "أغنيات"، وفي العديد من أعمالي الروائية والقصصية.
رحيل أمي
ولعل رحيل أمي هو أول ما أذكره من أيامها بيننا. أشرت إليه في العديد من لوحات السيرة الذاتية، والقصص القصيرة، وفي فصول سيرتي الذاتية. قالت الجدة في شقة الطابق الرابع، إنها كانت تجلس بجوار أمي، تعودها، لما انتفضت أمي- فجأة- وأشارت إلى ما لم تتبينه العجوز، وهتفت: أبعدوه من هنا!. ثم سكت صوتها، وجسدها. أمرني أبي بالنزول إلى الطبيب الأرمني في الطابق الأول. صعد الطبيب السلم بخطوات متباطئة. وكان يقف، في كل طابق، أمام النافذة المطلة على الشارع الخلفي، ربما ليأخذ أنفاسه. وكنت أدعوه- بيني وبين نفسي- إلى الإسراع في الصعود، كي ينقذ أمي.
أطال الطبيب تأمل الجسد الساكن. كانت العينان جاحظتين، والبطن منتفخاً بصورة ملحوظة، والجسد بكامله متصلباً، كأنه وضع في قالب. مال الرجل على صدر أمي، وباعد بإصبعيه بين الجفنين، وضغط بقبضة يده على البطن المنتفخة، ثم هز رأسه في أسى: ماتت!
كانت أمي مثلاً للحنان والقسوة في آن. تثيب للفعل الطيب، وتعاقب للخطأ التافه، أو الذي أتصوره تافهاً. كانت- كما رويت لك في مد الموج- تصر على أن نذاكر حتى موعد النوم، وترفض نزولنا للعب في الشارع الخلفي، لكنها كانت تحرص على أن نجلس بجوار الراديو لسماع بابا صادق، ثم بابا شارع، في موعد برنامج الأطفال. ووافقت على اقتراح أخي الأكبر بأن نشتري قطع "جاتوه" بنقود "العيدية" التي أعطاها لنا خالي، ووضعتها أمي في درج "الكومودينو". وقالت أمي: هل أذنت لكم؟ قال أخي: إنها فلوسنا. ألقت على الأرض ما كانت تحمله، وسحبت من فوق الدولاب حبلاً كانت تخصصه لعقابنا. لفته حول أقدامنا، وتوالت ضرباتها بالشماعة حتى أجهدها التعب.
ويوماً، شارك فيه أخي أبناء الجيران معاكساتهم لعم سيد ساكن الشقة العلوية: "يا راجل يا عجوز.. مناخيرك قد الكوز!". ومع إني عزفت عن المشاركة- ربما لأني كنت أتوقع عقاب أمي- فقد شكا الرجل الطيب لأمي "أولادها". وبهمة غير منكورة، قيدت سيقاننا- أخي وأنا- بحبل واحد، ثم انهالت بعصا "التنفيض"، لا تأبه بتوسلاتنا ولا صرخاتنا، حتى أنقذنا- باستثارة أمومتها- جارنا الأعز "عبده فرج الصبروتي".
ابنتي الوحيدة
ماتت أمي، وكبرت أنا، وتزوجت، وأنجبت. وكان من الطبيعي أن تعود الذكريات، وتنشأ المقارنة، وتتضح معان كانت غائبة، من بينها إشفاق الأبوين على مستقبل أبنائهما، والفاروق بين التدليل والإفساد، والتعويد على الحياة السهلة، أو تلك التي تحرص على القيم. كان الإشفاق والحنان والخشية من الانحراف، هو الباعث وراء الإيذاء المتواصل من أمي.. أدركت ذلك متأخراً، وبعد فوات الأوان.
أمل هي ابنتي الوحيدة. اعتبرتها- منذ طفولتها- صديقة، فهي ترافقني إلى رحلات ومحاضرات وندوات. تبدي الرأي- بتنامي وعيها- فيما يثور أمامها من مناقشات. أهمل ما قد لا يتصل بطبيعة سنها، أو ما يشوب آراءها من سذاجة. الهدف هو أن تحسن المتابعة والإنصات ومحاولة التعبير عن قناعات شخصية.
عدت إلى البيت ذات مساء نظرت أمل إلى الحقيبة الجلدية في يدي، وقالت في نبرة مستاءة:
- كتب مرة أخرى؟!
حاولت - في الأيام التالية- أن أجتذبها إلى القراءة. أن أجعل من الكتب ـ والقراءة بعامة- عوامل مشوقة في تكوينها المعرفي. وضعت بين يديها كتب صديقي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" عن قصص الأنبياء، وقصص آل البيت والصحابة، و"أيام" طه حسين، و"عمرون شاه" لفريد أبو حديد، وكتب كامل كيلاني، والطبعة المبسطة من ألف ليلة وليلة، وموال عشان القنال لصلاح جاهين وغيرها..
أذكر ملاحظتها على قول الشاعر: يا ولاد بلادنا توت.. هاتوا قوام نبوت.. نموت البرغوت.. إيدن خلاص حا يموت..
قالت أمل:
- ماذا فعل الرجل لكي يقتلوه!
- المعنى هنا هو قتل سياسة الرجل.
أضفت موضحاً:
- كان الرجل رئيساً بريطانياً عندما شاركت فرنسا وإسرائيل في الاعتداء على مصر عام 1956.
أحسست بأن ما زرعته يوشك على الإثمار حين رأيت أمل تقلب في مكتبتي. تلتقط كتاباً- لعله تاريخ المقريزي- وتبدأ في قراءته. حدثني- في الأيام التالية- عن التاريخ المصري- والعربي- الذي يبدو شاحباً في معظم الكتابات المدرسية..
أشرت عليها بقراءة جمال حمدان وابن إياس وابن تغري بردي وشفيق غربال. عنيت بقراءة بعض ما كتبوا، وناقشتني فيه..
اتسعت مساحة قراءتها فيما بعد، وتنوعت. وانعكس ذلك ليس على مجرد التحصيل المعرفي فحسب، وإنما على دعامات تكوينها المعرفي نفسه، فقد حرصت على تقوية لغتها العربية، كما أخلصت في دراسة اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقرأت في القضايا السياسية والاجتماعية الشائكة.
تلك هي- فيما أقدر- وسيلة تربية أبي لإخوتي، ولي. أذكر تدخلي في مناقشاته مع أصدقائه حول قضايا ربما لا يتيح فهمها وعي المرحلة السنية. وأذكر ملاحظاتي السلبية حول حادثة كوبري عباس التي أصدر فيها رئيس الوزراء السعدي "محمود فهمي النقراشي" أمره بفتح كوبري عباس على الطلاب المتظاهرين.
ولأن التربية- في بعض أبعادها- مثل أعلى وعدوى وتأثر، فقد حاولت أن أفيد من تجربة أبي في صداقتي لأمل، أتعرف إلى اهتماماتها- بصرف النظر عن سذاجتها آنذاك، - وأحاول أن أضيف إلى ما أجده إيجابياً في تلك الاهتمامات.
إذا راجعت قائمة كتبي، فإن ما كنت قد أصدرته من قبل أن أقترن بزينب العسال اقتصر على أربعة كتب هي: مجموعة تلك اللحظة، كتاب "مصر في قصص كتابها المعاصرين"، رواية "الأسوار"، مجموعة "انعكاسات الأيام العصيبة". تضاعف الرقم- فيما بعد- وإن ظل أملي أن يماهي الإضافة الكمية تطور كيفي يغري بالقراءة والمتابعة!
زوجتي زينب العسال
أستأذنك في أن أعيد ما رويته في "مد الموج" عن بداية تعرفي إلى زينب العسال:
"زارتني في مكتبي بجريدة "الوطن" بصحبة صديقة لي خبيرة في وزارة الشؤون الاجتماعية العمانية. اجتذبني إليها ما لم أستطع تحديده على نحو مؤكد. قلت لصديقي حسين مرسي مدير الإعلانات بالجريدة:
- هذه الفتاة ستزور الجريدة مرات تالية..
- سأل بالدهشة:
- لماذا؟
أغمضت عيني، كأني أجمع نفسي المبعثرة:
- لا تطلب تفسيراً.. لكنها غيرت في داخلي أشياء.
كنت أعاني ظروفاً أسرية قاسية. زارتني أحلام وكوابيس وخواطر مدمرة. بدأ الأفق مثقلاً بالسحب السوداء المتكاثفة. تعالت الأمواج، وتوالت، فغاب الأفق. لم يعد- في كل الاتجاهات- ما يشي بالرسو.
لما قالت زينب العسال إنها مدرسة اللغة العربية في مدرسة للبنات، عرضت عليها أن تعمل- ساعتين كل يوم- في الجريدة. صدمت سمعها كلمة "الأرشيف"، فاعتذرت. أسرفت في التأكيد أن الأرشيف هو البداية والأساس في العمل الصحفي. لجأت إلى تزويقات ورتوش وعبارات باهرة. كنت أريد أن تعود إلى "الوطن".
تفاقمت- في أثناء عملها- مشكلاتي الأسرية. تساقطت من أذني النصائح، والوصايا التي لا تدرك حقيقة ما أعانيه، والآراء الباردة. بدا الطلاق منفذاً وحيداً.
تبينت في كلمات زينت تفهماً لما أعانيه. شدني حياد آرائها وتصرفاتها. تجيب عن أسئلة خنقني حصارها. تهمل التفصيلات، وما قد يبدو شخصياً، أو سراً، ثم تنصرف إلى عملها في "الأرشيف" الذي خلقته خلقاً.
بدت لحيرتي منفذاً وحيداً، مقابلاً.. وتزوجتها"
كانت زينب العسال- في بداية تعرفي إليها- مدرسة للدين واللغة العربية بمدرسة الزهراء الثانوية للبنات بمسقط. تبادلنا القراءات، وإن فاجأتني اهتماماتها الإبداعية عندما وضعت على مكتبي- بعد أشهر- تحقيقاً صحفياً عن التعداد السكاني في سلطنة عمان، الذي شاركت فيه مع عشرات المدرسات المغتربات بالسلطنة.
أتاحت زينب لتشجيعي لها على العمل الصحفي، ثم الكتابة الإبداعية والنقدية فيما بعد- أن ينطلق إلى مداه. تأففت من إصراري على أن تبدأ بتنظيم الأرشيف، ثم أظهرت موهبتها الإبداعية فور أن طالبتها بالمعاونة في صحيفة يشرف عليها، ويتولى تحريرها وإدارتها، شخص واحد. وكالعادة، تحول التشجيع الذي قد لا يرجو الكثير، إلى مطالبة بالمزيد من الكتابات. وجدت فيها- أعترف- إضافة مهمة إلى ما أبذله من جهد شبه فردي.
أتابع الآن خطوات زينب العسال الواثقة، في حياتنا الإبداعية والنقدية. حصولها على العديد من الدبلومات في التربية والمسرح والفن الشعبي والأدب العربي. ثم حصولها على الماجستير، وإعدادها لرسالة الدكتوراه، وتوالي إصداراتها في النقد والكتابة للطفل. أجد لنفسي في ذلك كله دوراً أعتز به، مثلما تعتز به زينت العسال، وربما أكثر!
قد تهبني شخصية هامشية من الخبرات أضعاف ما أحصل عليه من شخصية اختزنت المعرفة، فظلت ساكنة في داخل الذهن والوجدان، دون تأثير حقيقي عليها، وعلى من يخالطونها. وبتعبير آخر، فإن التأثر والتأثير لا صلة لهما بمعرفة ولا ثقافة ولا مرحلة سنية. وأزعم أني أفدت من رحلة أمي القصيرة في حياتي، ومن رفقة زوجتي زينت العسال الناصحة، المشفقة، المتدبرة، ومن تمازج الطفولة والوعي في ابنتي أمل بما لم تبدله الأعوام.
صور مختلفة
تزوجت خادمتنا "دهب"، واستقلت بحياتها، لكنها ظلت على صلتها الأسرية بنا. تزورنا، وتسأل عن أحوالنا- بالذات بعد أن رحلت أمي- واضطر أبي- بتأثير المرض- إلى لزوم البيت، والاعتذار عن غالبية الأعمال التي عرضت عليه- وكان مترجماً!- وعانينا ظروفاً بالغة القسوة.
وصارحنا أبي- ذات يوم- أن "دهب" عرضت عليه مبلغاً نجاوز به ظروفنا. وأرفق أبي شكره باعتذار مؤدب، فقد كان- كما قال لنا- يعرف ظروف دهب جيداً!
أذكر زوجة عم أحمد الفكهاني في الشارع الخلفي الواصل بين بيتنا وجامع سيدي على تمراز. كانت أشد منا حرصاً على "الغديوة" التي نقيمها كل بضعة أيام، ابنها فتحي وأخي وأنا. تفسح لها أسفل عربة الفاكهة الصندوقية الشكل.
تضيف إلى ما نأتي به ثمار فاكهة، وطبق سلطة خضراء، وخبز ساخن من الفرن القريب. تظل طيلة جلوسنا في ظل العربة، وتوصينا بأنفسنا، وبالمذاكرة، وتدعو الله أن يفتح لنا أبواب المستقبل. شخصية الأم المصرية في مثالها المكتمل!
لعلي أعتبر والدة صديقي فتحي الإبياري أما أدبية لي- إن جاز التعبيرـ لم تكن تضيق بزياراتي المتوالية، ولا بمناقشاتنا المسرفة فيما لا شأن لها به. بل إنها كانت تبدي إشفاقها- أحياناً- على إنفاق فراغ وقتنا في القراءة والكتابة والمناقشات التي تبداً ولا تنتهي. مع ذلك، فإنها كانت تعد لنا "الجو" الذي يتيح لنا ذلك كله. وكانت تسألني- إذا تباعدت زياراتي- : ما يشغلك عن صديقك؟
أثق أن خطوات البداية لم تكن، لولا أمومة هذه السيدة الطيبة.
............................
*عن موقع: لها أون لاين.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:25 AM
(50) حوار مع الروائي محمد جبريل:
أرفض الخيال المحض في مضامين أعمالي:

حاوره: أ.د. حسين علي محمد
....................................

غاب محمد جبريل عن الوطن ثماني سنوات (1976-1984) في سلطنة عمان، حيث كان في مهمة جادة لإصدار جريدة "الوطن" التي جعل منها واحدة من الجرائد القوية في منطقة الخليج، كما أصدر ملحقها الأدبي المتميز الذي يجعلنا نتمنى أن تُصدر الصحف الأدبية المصرية مُلحقا مثله.
وبعد عودته من عمان كان هذا اللقاء معه:
*ثماني سنوات من التجربة وأنت بعيد عن وطنك مصر الأثير إلى نفسك، ماذا قدمت لك التجربة؟ وكيف تنظر إليها الآن؟
-حين اتصل بي المرحوم الشيخ سليمان الطائي وألحَّ في أن أُنقذ جريدة "الوطن" من مأزق حقيقي تبدّى في عدم انتظام صدورها، وانقطاعها ـ أحياناً ـ لفترات تمتد إلى الأشهر، وافتقادها للمقومات الأساسية للعمل الصحفي، إلى حد مُصارحة الزميل حسين أحمد مرسي ـ الذي كان يتولى مسؤولية الإعلان والتوزيع ـ إليَّ أن محررها الأوحد ـ قبلي ـ كان العمل الذي يُجيده هو الطباعة على الآلة الكاتبة! يكتفي بتسجيل الأنباء المحلية من إذاعة عمان، ويبعث بها إلى المطبعة التي تتولى طباعة الوطن في بيروت أو القاهرة أو الكويت، فتستكملها بمواد أخرى منقولة بتصوير الأوفست من الصحف المختلفة. وهكذا كانت تصدر "الوطن"، بل وهكذا كانت تصدر كل الصحف العمانية، فيما عدا "عُمان" بالطبع، التي حاولت أن تعتمد على جهود العاملين فيها، وإن لجأت آنذاك ـ كثيراً كثيراُ ـ إلى أسلوب القص واللصق الذي يُعد الوجه الآخر ـ السلبي ـ لطريقة الطباعة بالأوفست.
أقول: حين عرض عليَّ الشيخ سليمان الطائي مسؤولية إنقاذ "الوطن" من مصير واضح كان يتهددها ترددتُ كثيراً، وألحّ دون يأس. فلم أوافق إلا بضغط مباشر من أستاذي عبد المنعم الصاوي الذي وسّطه الشيخ الطائي حتى يُحاول إقناعي .. ذلك لأن عام 1975 الذي قدّم فيه الشيخ الطائي عرضه كان هو عام فوزي بجائزة الدولة في الأدب، وكذلك كان عام سفري إلى العديد من الأقطار العربية لإلقاء محاضرات في فنية العمل الصحفي بتكليف من المركز العربي للدراسات الإعلامية في السكان والتعمير، بالإضافة إلى أني كنت مشغولاً في كتابة روايتي "حكايات عن جزيرة فاروس"، وكتابي "ملامح مصرية" والجزءين الثاني والثالث من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". وكان التخلي عن ذلك كله صعباً وقاسياً. لكنني ـ في النهاية ـ لملمت أوراقي، واحتفظت بها في الأدراج ثماني سنوات كاملة، كنت خلالها مشغولاً بتحقيق المعجزة ـ وليس في التعبير أدنى مبالغة ـ أن تُصدر جريدة أسبوعية بمجهود فردي .. ثم أن أُصدر هذه الجريدة ـ فيما بعد ـ يومية بمجهود شبه فردي.
لكن الجانب الإيجابي المقابل في هذه التجربة، تمثل في استفادتي المؤكدة من الممارسة التطبيقية في كل مجالات العمل الصحفي بدءاً من إدارة التحرير وانتهاءً بالسكرتارية التنفيذية، مروراً بالكتابة الصحفية: كتابة العمود السياسي، والخاطرة اليومية، والتحقيق، والدراسة، والخبر. حتى التصحيح كان من بين مهام المحرر الوحيد الذي كنته! وثمة تعرفي إلى اهتمامات، وأسماء ومناطق أخرى ربما لم أكن أتعرف عليها لولا سفري إلى السلطنة .. بالإضافة إلى أن إقامتي في السلطنة كانت هي الباعث لأن أكتب روايتي "إمام آخر الزمان".
*هل كنت تُواكب أدباء جيلك وأنت بعيد عنهم؟
-لم أكن بعيداً على الإطلاق عن أدباء كل الأجيال السابقة؛ فالسلطنة تأذن بدخول كل المطبوعات، بل لقد أُتيح لي في السلطنة أن أتعرّف إلى أدباء في الوطن العربي لم يُسمع صوتهم في القاهرة بعد. ومن بين كتاباتي الحالية دراسة مطولة عن الأديب عز الدين المدني ـ الغائب تماماً عن اهتمامات المثقفين المصريين ـ ومحاولاته التجريبية التي أجد أنها تتفق تماماً مع نظرتي إلى معنى التجريب.
أما بالنسبة لغيابي الجسدي عن القاهرة، فلم يكن حقيقيا، ذلك لأني كنتُ حريصاً على العودة إلى مصر بين فترة قصيرة وأخرى، وجواز سفري مزدحم بعشرات الأختام التي تبين عن أسفاري المتواصلة بين مسقط والقاهرة.
لم أكن بعيداً عن أدباء جيلي إذن، بل ولم أكن بعيداً عن الحياة الثقافية إطلاقاً! ولعل "الملحق الثقافي" لجريدة "الوطن" ـ وهو خير الإسهامات التي أعتز بها في تجربتي الصحفية بالسلطنة ـ يكشف عن مدى علاقاتي المتصلة بالمثقفين المصريين من كافة الأجيال. ولقد تعرّف القارئ العماني ـ من خلاله ـ إلى نبض الواقع في الحياة الثقافية المصرية، وإلى معظم الأسماء التي تُشكِّل هوية الثقافة المصرية، وإني إعتز بأن الوطن حظيت بكتابات نخبة ممتازة من الأقلام المصرية، كان بوسعهم أن ينشروا ما يكتبونه في صحف عربية أخرى بمقابل مادي حقيقي، وليس بالمقابل الرمزي الذي كانت تدفعه "الوطن" لهم.
*نعود إلى عالمك الفني الأثير لديك: كيف ترى إبداعاتك بين أبناء جيلك؟
-يصعب على أي كاتب أن يتصوّر موضع مؤلفاته بين الإسهامات الأخرى التي قدّمها أبناء جيله. مع ذلك فإن تأملي لقائمة مؤلفاتي التي تضمنتها الصفحة الأخيرة من آخر رواياتي يُبيِّن عن اهتمام ملح بقضايا بلدي (مصر)، سواء بالإبداع أو بالدراسة الأدبية.
أما أولى مجموعاتي "تلك اللحظة من حياة العالم" فإني أعترف بالخطأ لعدم قبول نصيحة أستاذنا نجيب محفوظ بالاكتفاء بعبارة "تلك اللحظة" دون بقية الكلمات، فضلاً عن أنها تبدو لي ـ بعد أعوام طويلة من إصدارها ـ أشبه باسكتشات قصصية تُعبِّر عن الرغبة في التجريب أكثر من تعبيرها عن اكتمال مقوِّمات هذا التجريب. بعكس روايتي "الأسوار" التي تبدو لي خطوة أكثر تفوقاً في تحقيق ما أراه من وجوب استفادة القصة بالأدوات الفنية الأخرى مثلما تستفيد تلك الأدوات من فن القصة. فثمة الفلاش باك، والهارموني، والتبقيع، والحوار الدرامي … إلخ. ولقد سعدت ـ في الحقيقة ـ بحفاوة النفاد بهذه الرواية، وحرصهم على مناقشتها وإبراز دلالتها الفنية والمضمونية في آن معاً.
أما كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" فهو ـ كما أشرت في المقدمة ـ محاولة فنان لقراءة تاريخ بلاده، وتسجيل هذه المحاولة فيما يمكن تسميته بالقراءة الإيجابية. ولقد أسعدني ـ بالطبع ـ أن يفوز هذا الكتاب بجائزة الدولة في النقد الأدبي، وإن كانت سعادتي ستتضاعف لو أني نلت الجائزة في المجال الذي أوثره وهو القصة.
*بدأت محاولاتك مع الفن من خلال القصة القصيرة، هل تحدثنا عن تجربتها معك؟ وهل أثَّرت قراءاتك وتجاربك الشخصية في بداياتك؟ أم أنك بدأت مُغامراً من خلال ما يُمكن أن نسميه قصص الخيال المحض؟
-لعلي أزعم أني لم أبدأ في كتابة قصتي القصيرة الأولى، إلا بعد أن كان في حوزتي حصيلة لا بأس بها من القراءات والتجارب الشخصية وتلك التي عاشها الآخرون. وأضيف: أني رفضت الخيال المحض في مضامين أعمالي الفنية. لقد عملت في مهن متعددة، وقرأت في ثقافات مرتفعة وهابطة، وعايشت أجواء متناقضة، وقضيت أعواماً مقيماً وزائراً في بلاد شتى.
لقد حاولت ـ ولعل ذلك ما أحرص عليه حتى الآن ـ أن أستفيد من كل لحظة قراءة، وكل لحظة تجربة، وكل لحظة تعرُّف ومشاهدة، بحيث يتناثر ذلك كله في محاولاتي دون أن يبين عن مصدره.
*هذا يدفعنا إلى السؤال عن موقفك من "نقل الواقع أو النسخ الحرفي للحياة" من خلال الفن، وهل هذا أمر ممكن؟
-لعلي أوافق أرنولد بينيت على أن النسخ الحرفي أمر مستحيل"، فالرواية ـ بدرجة ما قد تتفوق أو تتأخر ـ لوحة فنية تنبض بالتفصيلات ، وتداخلات الألوان والظلال ، والفكرة والشكل والتلوين .. تلك هي الأشياء التي لابد أن تتوافر في العمل الروائي حتى يستحق هذه التسمية. وكما قلت فإن التصوير في حد ذاته يُعدُّ فنا من حيث اختيار الزوايا والإضاءة والمساحات. ولكن حين يُصبح هو الاختيار الوحيد في رواية ما، فإنها بالقطع لن تكون كذلك.
*إذن ما رأيك في التفسيرات التي يطرحها النقاد على الأعمال الفنية خاصة القصة من منظور الرمز أو المعادلات؟
-المعادلات في معالجة الأعمال الفنية قضية غاية في الخطورة. ذلك لأن القصة ـ كعمل فني ـ يجب أن تحقق المتعة بذاتها. وقد صارحني نجيب محفوظ ـ يوماً ـ أنه يعتبر القصة الفلسفية غاية الفن، ولكنه رفض البحث عن الرمز المقابل لكل شيء، فسيحتاج الأمر إلى لوغاريتمات، وليس إلى فن حقيقي. ساعتها ربما يحتاج القارئ إلى جدول يُطابق من خلاله الواقع على ما يُقابله من رمز. الفنان عندما يبدأ كتابة عمل ما، فإنه لا يعرف كيف أو ماذا يكتب. الفكرة العامة تحيا في ذهنه، لكنها تخضع عند الكتابة لاعتبارات أخرى عديدة، الفنان يكتشف نفسه أثناء الكتابة.
*كخطوة نحو القصة الفلسفية التي يريدها نجيب محفوظ: هل ترى أن الرواية المعاصرة تُقدِّم "فلسفة" للحياة من خلال نظرة مبدعيها؟
-إن الرواية المعاصرة يجب أن تقدِّم فلسفة الحياة الواضحة المتكاملة التي تُعبِّر عن نظرة الأديب الخاصة ومواقفه، لا أعني أن تُقحَم الأفكار الفلسفية المجرّدة داخل إطار العمل الفني. إنها في هذه الحالة تُشكِّل نتوءاً واضحاً في العمل الفني، يقلل من قيمته، إن لم يُبدِّد تلك القيمة تماماً. إن الفنان الذي يصدر عن رؤية فلسفية متكاملة هو الذي يتمكّن من تذويب أفكاره في أحداث عمله الفني، بحيث لا تبدو نشازاً ولا مُقحمة.
وكما يقول "ميرلو بونتي" فإن الفلسفة ليست انعكاساً لبعض الحقائق الجاهزة الموجودة من قبل، ولكنها مثل الفن تمثل التجسيم المباشر للحقيقة. إن الفلسفة الصادقة هي التي تُعلِّمُنا من جديد كيف ننظر إلى العالم. وإن رواية ما ممتازة، يُمكن أن تُصوِّر لنا "بانوراما" العالم، ربما بأدق وأشمل مما تصوّرها الرسالة الفلسفية.
*شاعت في العقد الأخير بعض موجات الحداثة التي تُغفل دور الحدث أو "الحدوتة"، فهل تتعاطف مع هذه الموجات؟
-بالعكس، فإني أرى "الحدوتة" هي النطفة التي يتخلّق منها العمل الفني، وبرغم اختلافي مع "أرنولد بينيت" بأن أساس الرواية الجيدة هو "خلق الشخصيات ولا شيء سوى ذلك"، فلعلي أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية الذي يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ـ نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست في حاجة إليها، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات تضع الحدوتة في مرتبة تالية، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً. ولقد كانت الحدوتة (الحكاية، الفكرة، سمِّها ما شئت) هي الباعث الحقيقي لأن تتحوّل روايتي "الأسوار" في ذهني ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات، ثم تخلّقت في أشكال هلامية عدة، قبل أن تأخذ ـ في طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية.
*هل يعني هذا عندك أن الحدوتة هي الدعامة الأولى في الفن الروائي؟
-نعم، الحدوتة هي الدعامة الأولى في بناء أي عمل فني. ثم تأتي بقية الدعامات الأخرى، وهي ـ في الرواية الجديدة ـ محاولاتها للاستفادة من العناصر والمقومات في وسائل الفنون الأخرى، كالفلاش باك في السينما، والتقطيع في السينما أيضا، والتبقيع في الفن التشكيلي، والهارموني في الموسيقا، والحوار في المسرحية .. إلخ.
*المتابع لإبداعاتك القصصية والروائية يجدك تُلح فنيا على ضرورة استفادتهما من معطيات وتكنيكات الوسائل الفنية الأخرى التي أشرت إليها الآن مثل القصيدة والمسرحية واللوحة التشكيلية والمقطوعة الموسيقية ـ فما هي بواعث هذه الرؤية؟
-لماذا لا يُثري الفنان قصته أو روايته بإسهامات الفنون الأخرى وبما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتكنيكية، فتتحقق للفن الروائي أبعاد جديدة، وتتحقق أبعاد جديدة للفنون الأخرى، مما يجعل رأي "أدوين موير" بأن بعض الفنون ـ مثل النحت والرسم والموسيقا ـ تتحقق في بُعد واحد فقط، أقرب إلى تسمية الشمس بأنها تقوم كل يوم بدورة من الشرق إلى الغرب، وإغفال "أبعادها" الهامة الأخرى! ولعلي بذلك أُناقض دعوى بعض الروائيين الجدد ـ ناتالي ساروت مثلا ـ بأن المقولة في الفن خطأ يجب تجنبه، وأن الالتزام الوحيد في الفن هو الفن نفسه. برغم أن إبداعات هؤلاء الروائيين ـ وأيديولوجياتهم أيضا ـ ترفض تلك الدعوى، فمهمة الروائي ـ في تقديرهم ـ هي إعادة العلاقة بين الإنسان والعالم.
*في قصصك زخم الواقع والحياة ـ وإن كانت مُغايرة للواقع ـ كيف ترى إمكانية تحقق التغايُر والتماثل في آن مع رفضك للنسخ الحرفي للحياة من خلال الفن؟
-الواقعية ليست هي الواقع، والفن ليس هو الحياة بحذافيرها، الواقع مُصادفة وفوضى والفن اختيار. الفنان يُضيف إلى العمل الفني مهما بلغت درجة اقترابه من الحياة، من قراءاته وخبراته ورؤاه .. إلخ، ومن هنا فإن "ابن نفيسة" (بطل روايتي "متتابعات لا تعرف الانسجام") في الحياة ليس هو "ابن نفيسة" في الرواية، برغم أن الرواية تستند إلى الواقع، وأيضاً شخصيات رواياتي وقصص قصيرة كثيرة مما كتبت.
*ألا ترى أن الصحافة تؤثر تأثيراً سلبيا على الأديب المبدع؟
-لقد أدرك أرنست همنجواي أنه من الصعب أن يكون صحفيا وأديباً في آن معاً، وبالتالي فقد رفض كل العروض الصحفية التي كان يمكن أن تُجنبه المآزق المادية التي واجهها في بداية حياته الأدبية. وفضلاً عن القيمة السامقة لإبداعات همنجواي بالقياس إلى مُحاولاتي، فإن الحقيقة التي تذهب في بلادنا مذهب المثل: أن الأدب لا يُؤكِّل صاحبه عيشاً، ومن ثم فإن الوظيفة مطلب حتمي، ولأن الصحافة هي الأقرب إلى الأدب، فقد كان من البديهي أن أتجه إليها. وحتى ذلك لم يكن مُتاحاً في البداية. واجهتُ صِعاباً قاسية حتى أُتيح لي أن أجلس وراء مكتب في صحيفة "المساء" وألتقي بالآخرين بصفتي مُحرراً، وإن كان الأدب هو شاغلي الأول.
*بعد غيبة ثماني سنوات ونيف بعيداً عن مصر، مُتابعاً لما يدور في تربتها من تخلُّق وتحولات، كيف ترى مصر ـ حبك المقيم وهاجسك الدائم ـ؟ وما هي طموحاتك الأدبية؟
-مع أن "روبرت فروس" يقول في قصيدة له: "إن الوطن هو المكان الذي يكون مستعدا لاستقبالك عندما تذهب إليه" فإن مصر كانت هي وطني الوحيد والدائم برغم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي ألجأتني إلى قبول المنفى الاختياري. ثم إن ثماني سنوات من العمل في "الوطن" وتحويلها من صحيفة مُتعثرة تصدر بين الحين والآخر إلى صحيفة يومية جادة أشعرني ببعض الراحة وجعلني أتخذ قرار العودة.
وما فعلته ببساطة ليلة عودتي إلى القاهرة ـ نعم، ليلة العودة تحديداً ـ أني فتحت الأدراج، وبدأت في مواجهة ما كنت قد أرجأته قبل ثماني سنوات.
والحق أن إصراري على تقديم استقالتي من «الوطن» بعد أن حققت أحد أهم أحلامي بإصدارها يومية، كان العودة إلى عالمي الذي أوثره عن كل ما عداه وهو الأدب.
أ.د. حسين علي محمد
.......................
* من كتابي "من وحي المساء"

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:27 AM
(51 ) رباعية بحرى .. تجربة شخصية

بقلم: محمد جبريـل
....................

إذا الإنسان طاف حول الإسكندرية فى الصباح
فإن الله سوف يصنع له تاجاً ذهبياً
مرصعاً باللآلئ
ومعطراً بالمسك والكافور
يشع الضوء شرقاً وغرباً
" ابن دقماق "

تحضرنى ملاحظة ذكية أبداها أستاذنا على الراعى حول مسرحية " مهاجر بريسبان " للكاتب اللبنانى جورج شحادة . تقدير الراعى أن " الأدب العالمى كان يكسب كثيراً لو أن شحادة استخدم قدراته الكبيرة فى ترجمة لبنان إلى العالم (الهلال ـ فبراير 1969) . تقدير الراعى كذلك أن " العالم محتاج إلى أن يتعرف على أجزائه الكثيرة المترامية . وهذه الحاجة ثقافية وفنية قبل أن تكون سياسية . فإذا جاء الممتازون من كتاب البلاد الصغيرة ، وكتبوا بلغة غير مميزة تسلكهم فى أى عداد شئنا ، فالخسارة خسارة الأدب العالمى مثلما هى خسارة الأدب المحلى"
***
بداية ، فأنا لم أكتب عن البحر ، ولا عن الصلة بين البحر واليابسة ، وهو ما يبين فى الكثير من إبداعاتى الروائية والقصصية ، لم أكتب لطرافة الموضوع ، وإنما لأنه لم يكن بمقدورى سوى الكتابة عن البحر . البحر يحتضن الإسكندرية من معظم جوانبها ، ويحيط بحى بحرى من ثلاث جهات ، كان هو المكان الذى تطل عليه شرفة بيتنا، ويطل السطح على امتداد آفاقه . كنت أسير على شاطئه، وأتابع التعامل اليومى معه فى صيد السنارة والطراحة والجرافة ، وعمليات الشحن فى الميناء الغربية ، وركوب البحر نفسه فى قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة ، أو فى لانشات تمضى إلى قرب البوغاز . حتى فى الظلام ، كنت أستمع إلى البحر ، وإن كنت لا أراه . أتذكر قول رامبو : إنه البحر وقد رحل مع الشمس .
البحر ليس موضعاً طارئاً فى حياتى . إنه الحياة نفسها ـ والموت أيضاً ، كما سأحدثك حالاً ـ . وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادى ـ بصورة عملية ـ عن الإسكندرية ، فإنى أفضل ـ حتى الآن ـ أن تدور أحداث أعمالى فى بحرى ، لأنى أشعر أن الحى تحت تصرفى . أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية . أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد . حتى مسميات الأشياء واللهجة هى وسيلة التعبير عندى . حتى مستطيلات البازلت التى تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى ..
البحر عند الشخصيات الأدبية بعامة ، مبعث للتأمل الرومانسى ، ولقضاء إجازة الصيف. البحر عند شخصياتى مصدر للرزق . يحصلون على قوت أيامهم بالعمل فيه ، والإفادة من تنوع خيراته ، وتشقيهم أحواله من نوات وعواصف ورياح ، حتى أنه يختطف البحارة والصيادين ـ أحياناً ـ من فوق بلانساتهم [البلانس هو سفينة الصيد الكبيرة] ويغيبهم فى أعماقه ، ويعطى الموروث الشعبى تأثيراته التى تدين ـ غالباً ـ للخرافة . البحر مرادف للحياة بعامة فى الأعمال الإبداعية ، فهو يتسربل بالسحر والخرافة والأسطورة . أما البحر فى أعمالى ، فهو مرادف للحياة والموت فى آن . قد يكون حصيرة ـ بلغة أهل الإسكندرية ، فيتاح ركوبه ، والحصول على الرزق من أعماقه . وقد يعانى النوات والعواصف والرياح ، فتنعكس معاناته على من يركبونه ، أو يقفون على شاطئه ، بحثاً عن الرزق .
***
كنت أتحدث فى المركز الثقافى الإيطالى عن الإسكندرية ، وحى بحرى بخاصة. لاحظت ـ بدا لى الأمر كأنى أكتشفه للمرة الأولى ! ـ أن أبناء بحرى ينتمون إلى الطبقات ما بين الدنيا ، وما فوق المتوسطة ، فهم يعملون فى صناعة المراكب والصيد وبيع السمك وأعمال البحر وشركات التصدير والاستيراد ، وهم حرفيون وتجار ومهنيون .. لكن أصحاب رءوس الأموال الكبرى ـ وكبار الاقتصاديين بعامة ـ يفضلون السكنى فى منطقة الرمل . لذلك فإن بحرى يخلو إلا من قصرين متقابلين ، أحدهما سراى رأس التين الذى بناه الخديو إسماعيل فى أواسط القرن التاسع عشر ، وهو الآن أحد قصور الدولة . وفى مواجهته قصر آخر صغير ، للسيدة عصمت محسن حفيدة حسن باشا الإسكندرانى ، والتى كان يطلق عليها ـ لا أدرى من كان وراء التسمية ـ لقب أم البحرية . فيما عدا قصرى رأس التين وأم البحرية [أزيل القصر الثانى ـ فيما بعد ـ وشيدت فى موضعه بناية سكنية] فإن ملامح بحرى المعمارية قوامها بيوت قصيرة ، متآكلة ، متلاصقة ، وبنايات متوسطة ، وما فوق المتوسطة . ثمة الأقل من البنايات الفاخرة ، لكن النسق المعمارى لحى بحرى ينتمى ـ فى معظمه ـ إلى الطبقتين الفقيرة والدنيا ..
***
لقد أحب كامى البحر ، ولا أعتقد أن أحداً من الأدباء الفرنسيين عبر عن مشاهد طبيعة البحر المتوسط مثل كامى . وثمة ملفيل فى عمله الضخم " موبى ديك " ، وجوزيف كونراد الذى اتخذ البحر موضوعاً للعديد من رواياته ، وأشهرها رائعته " قلب الظلام " .. وثمة من الأدباء العرب صالح مرسى وحنا مينا وغيرهم ..
وحى بحرى بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات . وقد أردت فى رباعية بحرى بأجزائها : أبو العباس ـ ياقوت العرش ـ البوصيرى ـ على تمراز ، أن أكتب فصولاً مستقلة ، تتكامل فى تصوير حى بحرى الذى أحببته ، وامتداده الطبيعى إلى المكس ، أو إلى الرمل ..
قوام الرباعية هو الحنين إلى الماضى ، إلى الزمان الماضى ، والمكان الماضى . الجو حافل بالأسطورة والصوفية والرموز والخوارق والتأملات الميتافيزيقية والتطلع والخنوع وطلب المدد ..
أردت بهذه الرباعية الروائية أن أكتب فصولاً مستقلة ، لوحات ، تصور الحياة فى حى بحرى بالإسكندرية عقب الحرب العالمية الثانية . لا صلة بين الكثير من اللوحات ، فلا يكاد القارئ يتبين ما يربط بينها . همنى الوحدة الداخلية، سواء على مستوى المكان ، أو الشخصيات ، أو الجو العام ، بحيث تتكامل الفصول ـ أو اللوحات ـ فى بناء روائى يهبنا لوحة بانورامية الأبعاد والتفصيلات لهذا الحى الذى عشت فيه طفولتى وصباى وشبابى الباكر . ومازلت أحيا فيه ـ رغم البعد ـ ويحيا فىّ ، حتى الآن .
حين بدأت فى كتابة أجزاء رباعية بحرى ، كان همى أن أصف الأشخاص القريبين منى ، والذين ألفت رؤيتهم فى جوامع بحرى وميادينه وشوارعه وأزقته ، وصيادى الجرافة بين الكورنيش وشاطئ البحر ، والأماكن المرتبطة فى وجدانى بذكريات باقية . ولعلى أعترف أنى حاولت أن أضمّن الرواية ـ فى سياق السرد ـ الكثير من المعارف البحرية [ اكتشفت ـ وأنا أراجع البوصيرى ـ أنى كررت اسمى لوحتين كتبتهما فى ياقوت العرش . فكرت فى استبدالهما ، لكننى شعرت انه من الصعب أن أختار غيرهما للوحتى البوصيرى ]
الرباعية فصول مستقلة ، فى أجزاء منفصلة ، لكن الفصول والأجزاء متصلة بشكل وثيق . ولأن بعض الفصول جاءت أقرب إلى القصة القصيرة ، فقد نشرها "الأهرام" باعتبارها كذلك ..
***
أنسية ليست مومساً على أى نحو ، ليست حتى مومساً فاضلة ، وليست ـ بلغة علم الاجتماع ـ ضحية بريئة ، لكنها فتاة من الطبقة الأدنى ، واجهت مأزقاً صعباً ، بذلت أعواماً من حياتها للتغلب عليه . وعندما تصورت أن ذلك ما حدث، واجهت مأزقاً أشد قسوة ، وهو أنها قد تعود إلى ما كانت فيه لو لم تنجب ، لو لم تهب الرجل مطلبه فى الولد والامتداد والخلود . وقد تطلع سيد الفران إلى الولد والامتداد لأنه ـ على حد تعبيره ـ كان مقطوعاً من شجرة . وربما لامس المرء الوهم للخلاص من الواقع ، كما فعل حمدى رخا . وحين يعجز المرء عن مواجهة الخطر أو الظلم ، فإنه قد يلجأ إلى قوة عليا يجد فيها الحماية والأمان ، وهى الصوفية . وهو ما فعله على الراكشى عندما أجاد الحاج قنديل حصاره ، فوجد الملاذ فى كلمات يوسف بدوى ، وفى قراءة كتب الصوفية وممارسة طقوسها . وحين ضاقت السبل بجابر برغوت ، فإنه لجأ للسفر إلى القاهرة ، يضع بين أيدى سادة الديوان الذى ترأسه السيدة زينب مشكلات الناس وما يعانون . وكما يقول ايفانز ريتشارد فإن " مواجهة الإنسان للأزمات والكوارث يؤدى إلى شعوره بالخوف والقلق ، وانه لا يستطيع أن يسيطر على مشاعره ، ويقضى على يأسه ، إلاّ عن طريق تكوين الشعائر الدينية " . واللافت أن عدد أعضاء الطرق الصوفية فى مصر قد تزايد بعد نكسة 1967 بنسبة 25 % ( البناء الاجتماعى للطريقة الشاذلية فى مصر ـ فاروق أحمد مصطفى ـ هيئة الكتاب 1980 ) . ولاشك أن الصوفية والأولياء والموالد والأذكار وغيرها من المظاهر الدينية أبعاد ثابتة فى حى بحرى . ثمة أبو العباس والبوصيرى وياقوت العرش وكظمان ونصر الدين وعشرات من الأولياء الذين يحظى بحرى بوجود أضرحتهم ومقاماتهم ، وبملايين المريدين والزوار من طالبى البركة والمكاشفة والنصفة والمدد . ويربط حسن الساعاتى بين وجود عدد كبير من المساجد فى بحرى وبين استقرار الحياة فى الحى ، وزيادة كثافته السكانية ، لأن أضرحة الأولياء تكون مراكز جذب للسكان ، باعتبار أن الأهالى ينزلونهم من أنفسهم منزلة عظيمة ، لأنهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وكان ذلك ما حدث فى رائعة يحيى حقى قنديل أم هاشم ، حين حرص الجد ـ محسوب السيدة زينب ـ على الإقامة بجوار مسجدها. سيدى الأنفوشى له ـ فى قلعة قايتباى ، فى الطرف الشمالى لمدخل الميناء الشرقية ـ مسجد وضريح ومقام ، لكنه ـ دوناً عن جميع الأولياء ـ بلا أتباع ولا مريدين ، بلا دعوات وابتهالات وتهدجات واحتفالات مولد ونذور وأذكار . حياته لا يذكرها أحد : من هو ؟ أصله ؟ فصله ؟ كراماته ؟ سيرته ؟ . الرواية ـ أصلاً ـ غير مؤكدة . ربما الأنفوشى حقيقة ، وربما رفاته فى الضريح الذى يتوسط فناء مدرسة البوصيرى الإلزامية بالموازينى . لكن مسجد قايتباى الصغير بلا اسم ـ معلن ـ لولى . ثمة رأى أن اسم الأنفوشى هو " الكهنفوشى "، وهو اسم فارسى لشيخ عجمى . والاسم موجود فى كتاب " الضوء اللامع " للسخاوى . الهوية المجهولة حياة سيدى الأنفوشى . البداية منبعها الغموض ، مصبها الغموض كذلك ، وربما لم يكن فى حياة الإسكندرية ولى بهذا الاسم . أبو العباس المرسى ، حارس الإسكندرية ، وسلطانها ، وكبير أوليائها ، وحبيب الغلابة والمنكسرين والمظلومين والتائبين ، والباحثين عن الذرية الصالحة والبرء من العلة والسقم . نسيج القصة رائق ، متماسك ، لا ينقص خيطاً : رحلة الزهد والتصوف من مرسيه إلى الإسكندرية : " فو الله ما رأيت العز إلا رفع الهمة عن الخلق ، ولا السلامة فى الدنيا إلا بترك الطمع فى المخلوقين " . انتشار الدعوة ، تكاثر المريدين والأتباع . القسم بياقوت العرش لا يمتد إلى خواء ، وإنما يمتد إلى حياة طيبة ، متكاملة . صديق المرسى ونديمه وصفيه وتلميذه . لم يكن يؤذن لأية صلاة إلا إذا تناهى الأذان من العرش الإلهى . بردة البوصيرى الشهيرة تحيط بصحن جامعه . على تمراز مجذوب ، وله كرامات ، لا يدرى أحد من أين جاء ، ولا كيف سارت حياته إلى الموت . حتى سيدى جابر الذى ترقد رفاته فى الجانب الآخر من المدينة ، له أصل ، وإن كان يصعب تحديده . اجتهادات تؤكد أنه الرحالة ابن جبير . اجتهادات مقابلة ، واثقة ، ترى أنه سيدى جابر الأنصارى . بل إن بعض هؤلاء الأولياء ترتبط مكاشفاته بالبحر . كان الشيخ على الصياد ـ على سبيل المثال ـ صياداً موفقاً . وكان يحب أن يخلو إلى نفسه بعيداً عن الناس حتى ألفته طيور البحر ، فكان يخاطبها بلسانها . وذات يوم أدركه المرض ، فتبارت الطيور فى إحضار الأعشاب الشافية من الجزر البعيدة عبر الأفق ، وراحت تنثرها بين يديه متوسلة إليه أن يجرب علاجه بها ، فقال لها : إذا كان قد حان أوان الشفاء ، فسأشفى بدونها ، وإن لم يكن قد حان ، فما الفائدة ؟. وظل على مرضه حتى لفظ آخر أنفاسه عند الشاطئ . وبكته الطيور البحرية ، ودعت الله أن يجعل مثواه فى مملكتها ، فاحتضنته مياه البحر ، وصار الولى الوحيد الذى تغمر المياه ضريحه . ويحرم الصيادون على أنفسهم محاولة صيد آلاف الطيور التى تحج إلى حرم الضريح ..
***
ما أوجه الاتفاق ـ والاختلاف ـ بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحرى ؟..
صدمنى السؤال فى البداية ، وربما تضايقت منه ، ثم ألفته بالمعاودة . أصارحك أنى تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع فى شبهة تأثر ـ قرارى بكتابة رباعية بحرى يعود إلى مطالع حياتى الأدبية ـ وبالذات فى ضوء الحفاوة النقدية الواضحة ، والتى اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين .
ثم حاولت ـ بعد أن صدرت رباعية بحرى ـ أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف ، لا كناقد ، فقد مللت التأكيد أنه حتى فوزى بجائزة الدولة فى النقد لا يلغى تفهمى لقدراتى النقدية ، وأنى سأظل دوماً خارج أسوار النقد !
***
يقول جون فويلز : " إن المدن المنفتحة هى أمهات للمجتمعات المستنيرة ، ووجود مثل هذه المدن هام بشكل خاص للأدب . ولهذا فإننى أعتقد أننا نتعشق أوهامنا عنها ، ونغفر لها الكثير من خطاياها " . يضيف فورستر : نحن حين نفعل ذلك مع الإسكندرية ، فإننا لا نلام ، لأنها النموذج الأصلى للكوزموبوليس وانصهار المتناقضات ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 11 ) .
وإذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هى صلة هامشية ، حيث اختاروا الإقامة فى الإسكندرية كمنفى ، لا تشغلهم حياة ناسها اليومية ، ولا مشكلاتهم . فالبنسيون بالنسبة لمن يقيمون فيه ـ على حد تعبير سيزا قاسم ـ مكان سلبى أقرب إلى محطة السكة الحديد ، حيث يتقابل ـ للحظات معدودات ـ المسافرون ، كل يلهث فى طريقه ( روايات عربية ـ روايات مقارنة ـ 161 ) . إذا كان ذلك كذلك ، فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية فى حياة الإسكندرية . وعلى سبيل المثال ، فإن يوم الأحد فى الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه فى بقية المدن المصرية . الشوارع خالية نسبياً ، والكثير من المتاجر يغلق أبوابه ، ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التى تحققت من خلال " مواطنة " أعداد هائلة من الجاليات الأوروبية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد . لكن الصورة التى رسمها داريل فى رباعية الإسكندرية ـ على حد تعبير صلاح عبد الصبور ـ تنتمى إلى داريل أكثر مما تنتمى إلى الإسكندرية " فالإسكندرية ليست هى مدينة هذه الحفنة من الأجانب والمتمصرين ، وليس هى مخادع اللذة وأندية الشواذ والمغامرين ، بل هى مدينة ممتدة مليئة بالرجال والنساء الذين يصنعون الحياة ، ويأكلون العيش بعرق الجبين " ( عالم القصة ـ العدد الرابع ) . ويقول صديقى الكاتب المسرحى الكبير الفريد فرج ، إن انتباه داريل ـ قبل أن يكتب رباعية الإسكندرية كان متجها إلى مجتمع الأجانب والمتمصرين دون المصريين ( الأهرام 15/3/1998 ) . المعنى نفسه يورده إدوار الخراط ، فإسكندرية داريل هى أسطورته الشخصية أولاً وأخيراً ، أسطورة تكونت من مشاهد خارجية التقطتها عين أجنبية ، ومشاهد وأخيلة تخلقت فى نفس منفصلة محجوزة عن قلب البلد وروحها ، بانحيازات رازحة وراسخة . داريل لم يعرف من الإسكندرية إلاّ سطحها الخارجى ، قشرتها السطحية : بيوت ومكاتب الديبلوماسيين والموظفين والملاك . الفئة الفوقية من المتمصرين الذين لم يعرفوا من مصر سوى أنها البقرة الحلوب ، يطفون على عباب مدينة تمور بالحياة ، كالزبد أو الرغوة . الشوارع والبيوت ـ والأحياء أحياناً ـ التى كانت محرّمة على أولاد البلد . ما كتبه عن الإسكندرية هو موقع أو حالات نفسية للأجانب ولأشباه المصريين ، أو مجرد استعارات وأقنعة مصنوعة وزائفة للمصريين أو المتمصرين ، الذين لم يعرفوا من مصر إلاّ كيف يستغلونها . أما الوطنيون ، فهم الخدم والبغايا وغيرهم ممن يحيون فى الهامش ، وينظر إليهم الكاتب بنفور ، وبعدم مبالاة فى الوقت نفسه ( الأهرام 16/7/1996 ) . ويضيف إبراهيم فتحى أن رباعية داريل " تموج بأنماط عجيبة من البشر لا تجد بينها وجهاً واحداً نتعاطف معه ، أو يعكس صورتنا الحقيقية . لقد كان داريل يصور الإسكندرية المستلقية فى حلمها الأزرق كأنها إحدى الزواحف القديمة ، يغمرها الضوء البرونزى الذى تلقيه البحيرة " ( إبراهيم فتحى : العالم الروائى عند نجيب محفوظ ـ 126 ) . لقد اختار داريل شخصياته كلها من جو الأقليات الوافدة إلى الإسكندرية : اليهود واليونان والإيطاليين والفرنسيين والأرمن والإنجليز وغيرهم ، ومع ذلك فإن اختياره اقتصر على فئة من الوافدين انغلقت على نفسها تماماً ، فهى تجد فى الإسكندرية مكاناً ، محل إقامة ، دون أن تحاول التفاعل معها كشعب أو كمدينة ( أفكار معاصرة ـ 242 ، 243 ) . وعموماً ، فإن داريل كتب عن الإسكندرية ، مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، ومن ثم فقد جعل الإسكندرية مدينة إغريقية أو متأغرقة !. إنها ـ على لسان كليا ـ تتراوح بين الوهم والحقيقة ، بين الواقع والصور الشعرية التى يثيرها اسمها بذاته فى الأعماق ( كليا ـ 11 )
***
والحق أنه من الصعب أن أجرى شخصياً مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون ، لكن الذى أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية ـ وبحرى تحديداً ـ حلمى القديم ، الجميل ، الذى يرافق محاولاتى الإبداعية منذ بداياتها . السؤال : لماذا ، لم أناقشه ـ بينى وبين نفسى ـ على الإطلاق . فقد كانت الكتابة عن حى الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التى تختلف عن مثيلاتها فى أحياء الإسكندرية الأخرى .. كانت شيئاً أشبه بالقدر .. لكننى أملك ـ فيما أقدّر ـ طرح بعض الآراء التى تناولت رباعية داريل ، ثم أترك للقارئ ـ قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذا المقال ـ أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف ..
***
يقول الناقد الإنجليزى جلبرت فيلبس : " إن داريل يبذل قدراً كبيراً من الطاقة فى رباعية الإسكندرية ، لكنها أقرب تماماً إلى أن تكون طاقة ذهنية ، ناشئة من الذهن ، وموجهة إليه ، ولا يمكن مقارنتها بذلك التعاطف الخيالى العميق الواسع المدى الذى يميز القصة العظيمة فى أى عصر ، والقيم الإنسانية فى رواياته هزيلة ومهتزة ، فالروايات توهم بأنها تحلل الحب ، ولكن أين هذه الأمثلة للعلاقات الإنسانية التى يمكن وحدها أن تدعم الدعوى وتؤيدها ؟.. إن المهارة هنا مهارة ذهنية ، أو متعلقة بالسلوك الجنسى المطلق فى الحب . إنه جنس فى الرأس ان صح التعبير ( مجلة " نادى القصة " ـ نوفمبر 1970 ) .
قدم داريل الإسكندرية المدينة ، التى لا هى باليونانية ولا السورية ولا المصرية ، لكنها خليط ، شئ مشترك من كل هؤلاء ، بل إن بعض شخصياته الأجنبية ـ ومعظم شخصيات الرواية من الأجانب ! ـ كانوا يجدون فى فلسطين ملاذاً مرتقباً لليهود ، وللجاليات الأجنبية فى مصر " لو استطاع اليهود أن يكسبوا حريتهم ، فإننا جميعاً سنكون فى يسر وهناء . إنها أملنا الوحيد " ( ماونت أوليف ـ 251 ) . لكن مدينتى هى الإسكندرية السكندرية ، الإسكندرية المصرية التى ينتمى أهلها إليها بتعاقب الأجداد ، وبالميلاد والطفولة والنشأة وأفق المستقبل .
***
إذا كان البحر المتوسط صغيراً للغاية ، فإن عظمته وامتداد تاريخه ـ والقول للورانس داريل ـ يجعلاننا نتخيله أكبر مما هو عليه حقاً [ يلتازار ] . وقد تحققت العظمة وامتداد التاريخ على أيدى هؤلاء الذين يحيون على سواحل المتوسط ، والسكندريون ـ كما تعلم ـ يحيون على سواحل المتوسط ..
الإسكندرية البعيدة عن الأحياء الوطنية ـ فى رواية داريل ـ ليست مدينة مصرية ، لكنها مدينة متأغرقة ، هى ليست إسكندرية القرن العشرين ، ولكنها إسكندرية القرون الوسطى . فحين انهارت دولة الإسكندر المقدونى ، واقتسمها أتباعه ، ازدهرت عواصمهم الصغرى ، مثل إنطاكية وإسكندرية وغيرهما من مدن الشرق الأوسط القديم . وكانت هذه المدن تحاول أن تتمسك بطابع سادتها الإغريقى ، وتحاول أن تتمثل الثقافة الإغريقية وتعيد بعثها فى أثواب جديدة ومظهر جديد . وحين انتشرت المسيحية فى هذه المدن تصالحت المسيحية مع النزعة الإغريقية ، ومن ذلك كله ولدت نزعتان دافقتان قويتان ، كانت أولاهما عطاء مسيحياً فى أصله ، مختلطاً بالوثنية القديمة ، وذلك هو فلسفة الأفلاطونية الجديدة التى ابتدعها إغريقى سكندرى هو أفلوطين . وكانت ثانيتهما عطاء وثنياً فى جوهره ، محتكاً بالمسيحية الناشئة ، وهى النزعة الحسية المسرفة ، حين تتوزع بين صبوات الجسد ، ثم تتلذذ بعد ذلك بالندم على الخطيئة . ومن استشراف الأفلاطونية الجديدة وتصوفها وإيمانها بالروح ، ومن إيمان الوثنية القديمة بالحس والشهوة والخطيئة ولدت الروح الهلنستية أو المحاكاة للهيلينية ، والمتأغرقة أو المحاكية للإغريقية . ولأن داريل كان يكتب عن الإسكندرية مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، فقد جعلها مدينة هلنسنية أو متأغرقة .. الإسكندرية ـ فى تقدير لورنس ـ عاصمة أوروبا الآسيوية ، حيث تهيمن الفرنسية والإيطالية واليونانية على المشهد كله ، وكل شئ مصبوب فى قالب أوروبى ( مانت أوليف ـ 181 ) . بل إن جوستين تتشابه مع الإسكندرية فى أن لكل منهما نكهة قوية ، دون أن يكون لها شخصية حقيقية ( جوستين ـ 154 ) . ويصف داريل إسكندرية الحرب العالمية الثانية بأنها عاصمة أوروبا الآسيوية . إذا كانت القاهرة تصب حياتها كلها فى قالب مصرى ، حيث العربية هى لغة الجميع ، فإن الأحاديث فى الإسكندرية يهيمن عليها الفرنسية والإيطالية واليونانية " الجو المحيط هنا ، والسلوك الاجتماعى ، وكل شئ مختلف . إنه مصبوب فى قالب أوروبى ، حيث تعيش الإبل وأشجار النخيل وأهل البلد المتلفعون بالعباءات ، يعيشون فقط ، وعلى نحو ما ، كحاشية وضاءة ملونة ، كخلفية وضاءة ملونة ، كخلفية قماشية لحياة مقسّمة إلى أصولها المختلفة " ( مانت أوليف ـ 181) . إنها " خمسة أجناس ، وخمس لغات ، ودستة من المذاهب : خمسة أساطيل تدور بظلالها اللزجة عبر البحر خلف حاجز الميناء . إلاّ أن هناك ما يزيد على خمسة أجناس يبدو العنصر اليونانى الشعبى متميزاً فيما بينها " ( جوستين ـ 12 ) . ويقول : " إن عقل مصر هو مجتمعها الأجنبى " ( مانت أوليف ـ 130 ) . ويتحدث الراوى فى " كليا " عن نسيم الذى بدأ " المصريون " فى تجريده من ممتلكاته ، فانشغلت الإسكندرية كلها فى الدفاع عن عزيزها ( كليا ـ 142 ) ، ومن الواضح أنه عنى بكل الإسكندرية الوافدين إليها من أبناء الجاليات الأجنبية . وإذا كان اليهود ـ فى ثنايا الرواية ـ يتطلعون إلى أرض الميعاد ، فإن الأقباط يمثلون أقلية مستضعفة ومقهورة . الرواية تحفل بعبارات التكريس للعداء المختلق بين المسلمين والمسيحيين . والكاتب يرى أن الإسكندرية التى تبدو مسالمة فى ظاهرها ، لم تكن ـ فى الحقيقة ـ مكاناً مأموناً للمسيحيين " ( جوستين ـ 169 ) . يقول على لسان قبطى مصرى : " إننا الأخوة المسيحيين طابوركم ـ الأجانب ـ الخامس فى مصر " ( مانت أوليف ـ 143 ) . ويتحدث عن حركة سرية ينظمها الأقباط للاستيلاء على الحكم ، وتحرير البلاد من المسلمين ، تستعين فى ذلك بتسليح البدو ( مانت أوليف ـ 275 ) .
لقد عاش داريل فى الإسكندرية فعلاً لوقت قليل خلال الحرب العالمية الثانية حين كان يعمل فى المخابرات البريطانية ، ولكن هذه الحياة المعزولة بطبيعتها ، الضائعة فى صمت التكتم والتآمر لم تتح له الفرصة لمعرفة الإسكندرية بناسها الخلص ونبضها الصادق ، فقد كان كل من يراهم فلولاً من المتمصرين والأجانب والمغامرين والجواسيس المزدوجين ، وكل أولئك البشر حين ينتظم خيط فنى لا يصنعون إلاّ عملاً وثنياً مليئاً بالخطيئة والندم مثل رباعية الإسكندرية " ( مجلة " عالم القصة " ـ العدد الرابع ) . يضيف أحمد بهاء الدين ـ وأعتذر لأن سأنقل نصاً مطولاً ، لكنه مهم للغاية ـ أن داريل يرسم للإسكندرية صورة بنفسجية بديعة ، بكل ما فيها من تفصيلات وضواح وأسماء : محطة الرمل وشوارع سعد زغلول وصفية زغلول والسبع بنات والنبى دانيال وفندق سيسل ومطاعم المكس المطلة على البحر ورمال العجمى البيضاء ، ولكنه يرسم للمجتمع صورة تنزف بالصديد ، ويرسم للمهاجرين صورة تنزف بالصديد ، لا يكاد المرء يعثر فى رواية على شخصية فيها صراع بين القوة والضعف . كل البشر عنده تقريباً مشوهون من الداخل ، مستسلمون تماماً للضعف والنقائص بدون أية مقاومة أو صراع ، واستكمالاً لهذا الإحساس حشد الكاتب فى قصته عدداً لا مثيل له من ذوى العاهات : ليزا الجميلة الفاتنة عمياء ، وسميرة عذراء الإسكندرية بدون أنف ، نيروز شقيق نسيم مشقوق الشفتين ، نسيم نفسه يفقد إحدى عينيه خلال الغارات ، وتنتهى القصة وهو بعين واحدة ، و " كليا " الرسامة تنتهى القصة ويدها التى ترسم بها مصابة ( أفكار معاصرة ـ 248 ، 249 ) . وانطلاقاً من ذلك كله ، فإن أحمد بهاء الدين يعلن ثقته فى أن التاريخ الأدبى لن يضع داريل فى مصاف الأدباء العظام ، لأن كاتب القصة العظيم ـ فى تقدير بهاء ـ لابد أن تكون فيه صفة مهمة جداً ، وهى الإحساس بأنه يتعاطف مع الإنسانية الممثلة فى أبطال قصصه ، كلهم ، أو بعضهم . داريل لا يروى قصة الحياة ، لكنه يروى فضيحتها ، وهو يحاول أن يدس فى نفس القارئ إحساساً بالشماتة لا بالعطف ( المرجع السابق )
من ناحيتى ، فقد أدهشنى أن داريل جعل السيالة حياً للبغاء ، وهو حى له عاداته وتقاليده ومعتقداته الدينية . برر داريل ذلك الخطأ المعيب فى حوار مع صديقى فتحى الإبيارى بأنه اقتبس " الصورة " من حى كلوت بك القاهرى !.. وكانت ميليسا فى رباعية داريل مومساً محترفة ، فاضلة ، ولم تكن أنسية ـ كما تعرف ـ كذلك . لم تكن أنسية مومساً ، إنما هى فتاة مصرية عانت مأزقاً ، وأمضت الكثير من سنى عمرها فى محاولة اجتيازه ..
***
تبقى ملاحظة مهمة يجدر بى أن أشير إليها : إن رباعية بحرى تختلف عن رباعية داريل وميرامار نجيب محفوظ ورجل فتحى غانم الذى فقد ظله ، فى أن الفصول / اللوحات منفصلة ، متصلة ، وأن الرواية لا تتكرر عبر تعدد الأصوات ، فالصوت واحد سواء أكان الراوى العليم ، أو الراوى المشارك ، أو من خلال التداعى ، والمونولوج الداخلى . روايتى بوح الأسرار هى ما ينتسب ـ بالفعل ـ إلى تعدد الأصوات . الحادثة الواحدة يتعدد رواتها ، كل من وجهة نظره . لذلك فإنى أسمح لنفسى بأن أختلف مع صديقى الناقد شوقى بدر يوسف فى أن رباعية بحرى تحتفى بالشكل نفسه الذى سبق أن ظهرت عليه رباعية داريل ( الرافد ـ ديسمبر 2001 )
***
أصارحك أنى لم أفهم قول ا . م . فورستر إن السكندريين لم يكونوا أبداً مصريين حقيقيين ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 48 ) . دعك من حكاية الموقع الفريد ، وغيرها من التعبيرات التى تحاول أن تنزع عن الإسكندرية صفتها الوطنية [ لا يخلو من دلالة وصف ا . م . فورستر الرياح الشمالية الباردة بأنها القديس ـ الولى ـ الحقيقى الحارس للإسكندرية ] . وبالتأكيد فإن أهل الإسكندرية ـ أو غالبيتهم ـ ليسوا امتداداً خالصاً لأبناء الإسكندرية القديمة . ثمة القادمون من الصعيد ومدن الدلتا . ومع اعتزازى بسكندريتى ، وأنها كانت هى بداية تعرفى إلى كلمة وطن ، فإنه من الصعب أن أهمل انتماء أبى إلى عائلة من بركة غطاس بأبو حمص ، ومولد أمى فى دمنهور . وأذكر قول صياد حلقة السمك فى ثقة ، إن السكندرى الحقيقى أصله من رشيد . لا يخلو التعبير ـ بالطبع ـ من مبالغة ، لكن المعنى الذى يهمنى إظهاره أن الكوزموباليتينية التى كانت لإسكندرية ما قبل الحرب العالمية الثانية ، وربما إلى حرب 1956 ، قد انتهت إلى أهلها الوطنيين [ أذكرك بروايتى الشاطئ الآخر ] . وأعداد كبيرة منهم ليست من مواليد المدينة ، أو أن آباءهم ليسوا كذلك . الإسكندرية تكوين فى الجغرافية المصرية ، قطعة من الزمكانية المصرية . المواطن السكندرى هو ابن راقودة وفاروس والصعيد والدلتا والبحر والبادية . هو تلاقى ذلك كله ، واختلاط ذلك كله . قال داريل إن الإسكندرية لن تتغير أبداً طالما استمرت الأجناس تموج هنا كالخمر فى دن من الدنان ( كليا ـ 77 ) . وقد تغيرت الإسكندرية . نزحت الأجناس التى كانت تموج فيها ، ولم يعد إلا أهلها
بالتأكيد فإنى أنتمى إلى موطنى الإسكندرية ، وإلى وطنى مصر ، وإلى قوميتى فى امتداد الأقطار العربية بهمومها ومشكلاتها وتطلعاتها ، وإلى انتمائى إلى المجتمع الإنسانى فى إطلاقه . ولعل فورستر يدحض رأيه الغريب فى تأكيده ـ هو نفسه ـ بأن الأجانب لم يختلطوا بأبناء الإسكندرية الأصليين إلا نادراً ! ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ ت . حسن بيومى ـ المجلس الأعلى للثقافة )
***
البحر عندى امتداد لليابسة ، وبالتحديد هو امتداد لبحرى الصيادين والحلقة والبحارة وعمال الميناء والجوامع وأضرحة الأولياء والمقاهى وحكايات الموروث الشعبى . البحر امتداد للبيئة الساحلية ، للأنشطة التى تعتمد على ركوب البحر والصيد . فضلاً عن رائحة الملح واليود والطحالب والأعشاب . الرائحة التى لا تخطئها أنفى حين أقترب من بحرى . تبدو كأصوات هامسة فى الميناء الشرقية ، ثم تعلو الأصوات ، وتتضوع الرائحة فى الاقتراب من امتداد الطريق إلى معهد الأحياء المائية وقلعة قايتباى ، وانحناءة الطريق إلى الأنفوشى ..
مفردات البحر هى : الأمواج ، الرمال ، الأسماك ، الطيور ، الصخور ، الطحالب ، الأعشاب ، السماء ، الشمس ، القمر ، النجوم ، الأفق ، السفن ، الصيادون ، البحارة ، عمال الميناء ، الموانى ، البواغيز ، الفنارات ، الحاويات ، الأوناش ..
البحر مكان وزمان وأحداث وموروث وواقع يومى ودلالات . إنه الرزق والمغامرة والحرية والآفاق اللامتناهية والجمال والخوف والجو المتمايز ، المعتدل ، والنافذة التى تطل على العالم . تناقضاته هى تناقضات الحياة نفسها ..
البحر فى أعمالى كيان ، شخصية ، محور ، مكان ، سيد ، يهب تأثيراته فى البيئة من حوله ، ويحرك الأحداث ..
البحر عندى هو الموطن ، هو بحرى ، والطفولة ، والنشأة ، والذكريات الملتصقة بلحم جسدى ..
أتذكر قول فورستر ـ تانى ! ـ " إن الطريقة المثلى لرؤية الإسكندرية هى أن تتجول فيها فى هدوء ، وبلا هدف " . أواصل السير ـ الآن ـ فى شوارع بحرى وميادينه وحواريه وأزقته . أتأمل البيوت والدكاكين والجوامع والزوايا والمقامات والأضرحة والمقاهى والأسواق والساحات . كل ما انطبع فى ذاكرتى وألفت رؤيته تغير . اختلط بما لم يكن موجوداً ، أو اختفى .
***
أتمنى أن أظل أكتب ، وأكتب، بينما نظراتي تتجه إلى البحر.
" محمد جبريل ".

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:29 AM
(52) سذاجة فكرية

بقلم: د. محمد عمارة
.............................

ليس هناك ارتباط ضروري ولا علاقة عضوية بين الإعجاب بالثورة والمقاومة وتأييدها وبين الإعجاب والتأييد لعقائد ومذاهب الثوار والمقاومين ...
لقد انبهر العالم ببطولات الجيش السوفيتي في معركة " ستالينجراد " التي فتحت الطريق أمام انهيار النازية والفاشية ـ في الحرب العالمية الثانية ـ وذلك دون أن تكون هناك حتمية للانبهار والإعجاب بالعقيدة والأيديولوجية التي كانت تسود يومئذ في الإتحاد السوفيتي ..ولم يقل عاقل إن ماركسية قائد هذا الجيش ـ "ستالين" {1879-1953} ـ هي التي صنعت هذه البطولات ..
ولقد أيدنا جميعا المقاومة الفيتنامية الباسلة ، وأعجبنا ببطولات الشعب الفيتنامي ضد الاستعمار الفرنسي والأمريكي ....لكننا لم نمنح هذا الإعجاب للبوذية الفيتنامية ، ولا لماركسية الحزب الشيوعي الفيتنامي ، الذي قاد هذا النضال وسطر تلك البطولات ...ومن ثم لم يتحول أحد منا إلى البوذية ولا إلى الشيوعية ـ كما يطلب هذا التحول اليوم بعض السذج الذين يربطون مقاومة حزب الله لإسرائيل بالشيعة كمذهب والتشيع كعقيدة ـ فيطلبون من بعض الشباب ـ السذج ـ التحول عن السنة إلى الشيعة ! ..
ولقد سبق أن كان كل أحرار العالم ـ من كل الديانات والمذاهب والفلسفات ـ مع المقاومة البطولية للشعب الفرنسي ضد الاحتلال النازي ـ إبان الحرب العالمية الثانية ـ وهي المقاومة التي قادها الشيوعيون الفرنسيون ـ بقيادة بوريس توريز {1900-1964}ـ وانخرط فيها الوجوديون الفرنسيون ـ وفي مقدمتهم "جان بول سارتر" {1905-1980م} ـ وذلك دون أن يمتد هذا التأييد العالمي لشيوعية الحزب الشيوعي الفرنسي ولا إلى وجودية الوجوديين الفرنسيين المقاومين للنازية !..فتأييد المقاومة شيء ، والإعجاب بعقائد المقاومين و التمذهب بهذه العقائد شيء أخر ومختلف تمام الاختلاف !..
واليوم ...يمنح أحرار العالم إعجابهم وتقديرهم وتعاطفهم لتيار اليسار المتصاعد في أمريكا الوسطى والجنوبية ..ويؤيدون زعامات هذا اليسار ـ من "كاسترو" إلى "شافيز" ..هذا اليسار الذي يقاوم الطاغوت الإمبريالي الأمريكي ، وذلك دون أن يعني هذا الإعجاب والتأييد لهذا اليسار التحول إلى المذاهب والأيديولوجيات التي يتمذهب بها هؤلاء القادة اليساريون المقاومون للطاغوت الأمريكي وللظلم الاجتماعي الذي يدعمه هذا الطاغوت ...
بل لقد سبق لجماهير عريضة من شباب العالم أن فتنت بالمقاومة الأسطورية "لجيفارا" ( 1928 ـ 1967) ! ....لكنها لم تفتن لا بالماركسية ...اللينينية ...الماوية " التي حركت هذا البطل الأسطوري جيفارا !
وقبل ذلك ..سبق لأحرار العالم أن تابعوا ـ بإعجاب ..وانبهار ـ مسيرة الثورة الصينية الكبرى التي قادها الزعيم الصيني "ماوتسي تونج" {1893-1976} وحزبه الشيوعي ضد كل قوى الاستعمار والرجعية التي احتلت الصين وقهرت شعبها العظيم ..لكن هذا التعاطف وذلك الإعجاب لم يستلزم التحول إلى شيوعية ماوتسي تونج وحزبه ...ولا إلى كونفشيوسية الشعب الصيني ...ذلك أن تأييد المقاومة للظلم والاستعمار ليس من شروطه التحول إلى مذاهب الذين يقاومون الظلم والاستعمار ...وإلا لكان علينا أن نكون في حالة تحول دائم ومستمر إلى المذاهب والأيديولوجيات التي يتمذهب بها المقاومون والثوار !!..
إنها السذاجة الفكرية التي تريد أن تربط بين تأييد المقاومة وبين المذاهب بمذاهب المقاومين ...
......................................
*المصريون ـ في : بتاريخ 2 - 4 - 2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:31 AM
(53) «الشوط الأول» للدكتور حمد بن ناصر الدخيل

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
...................................

يضم هذا الكتاب عشرين مقالة ومقابلة ـ كما يقول المؤلف «تتناول بعض القضايا التاريخية والإسلامية والأدبية والنقدية، كتبتها في أوقات مختلفة، ونشرتُ بعضها في الصحافة، وقليل منها أذعتُُه من إذاعة الرياض»( ).
وسنتوقف هنا أمام ثلاث قضايا من التي تناولها الكتاب:
قامت الصحافة بدور كبير في احتضان الأدب ونشره وتقويمه في الشرق والغرب ـ كما يرى المؤلف، و«قدّمت للأدباء والنقاد خدمات جلى في إذاعة إنتاجهم، وتيسير الاطلاع عليه، وكانت قناة النشر الأولى لكثير من الأعمال الأدبية والنقدية المتميزة»( ).
ويرى أن «صحافة الأمس خير من صحافة اليوم في الاهتمام بالأدب والحرص على نشره في صفحاتها، والقائمون عليها بالأمس أكثر حيوية ونشاطاً في الاتصال بالأدباء، وإغرائهم بنشر إنتاجهم في صحفهم السيارة»( ).
ويرى المؤلف أن ضآلة الاهتمام اليوم بالأدب في الصحف يعزى إلى عدة عوامل «لعل من أهمها أن القائمين على الصحافة ينظرون إلى الأدب نظرة ثانوية محدودة؛ لأنه خارج عن محور اهتمامهم، ويروْن أن توجيه الصحافة للقضايا المتصلة بحياة الإنسان ووجوده وحاجاته أولى من توجيهها إلى الأدب»( ).
ويرى أن الصفحات الأدبية والملاحق التي تُخصصها الصحف لمسائل الأدب والنقد «لم تنهض بما ينبغي أن تقوم به من نشاط إزاء الحركة الأدبية والنقدية، ويُمكن مُعالجة هذا القصور بتحقيق ما يلي:
1-إيجاد قنوات اتصال بين الملاحق ... والأدباء القادرين على العطاء الأكاديمي المتميز في ميدان الأدب والنقد، وعدم اكتفاء الملاحق بنشر ما يرد إليها، بل تأخذ دائماً زمام المُبادرة في الاتصال بالأدباء والنقاد وإغرائهم بالنشر.
2-إسناد الإشراف على الملاحق الأدبية إلى متخصصين في الأدب، أُتيحت لهم دراسة متمكنة، ولديهم إلمام واسع بفنونه ومصادره وتياراته، للنعوض بمستوى ما يُنشر، والقدرة على اختيار المُناسب، واستبعاد الإنتاج الباهت الضعيف.
3-إغراء الأدباء والنقاد بالنشر وتشجيعهم عليه بدفع مكافأة مُجزية على كل مقالة أو دراسة تُنشر، كما تفعل كثير من الصحف في الشرق والغرب...
4-تعميق الصلة بين الملاحق الأدبية في الصحف والأندية الأدبية‘ إذ أن الأندية غالباً ما تستقطب الأدباء، وتكون أكثر من غيرها في الاتصال بهم، وتوظيف نشاطهم الأدبي في برامجها الأدبية والثقافية. وسيكون لهذه الصلة أثر ملموس في كثرة ما يُنشر من الأعمال الأدبية وجودته.
5-وضع شروط معينة للنشر تُثبت في نقاط موجزة في مقدمة كل ملحق أدبي، وتتضمّن أموراً مثل سلامة اللغة، والتقيد بعلامات الترقيم، وتجويد الأسلوب، وبراعة المُعالجة، وتوثيق المصادر إن كان دراسةً أوْ بحثا، وبتلك الشروط يريح المشرف على الملحق قلمه من التعديل والتصحيح والإثبات والحذف»( ).
المكتبة ذاكرة الوطن
في مقالة «مكتبة الملك فهد الوطنية ذاكرة الوطن»، يشير إلى أن تحويل مكتبة الملك فهد إلى مكتبة وطنية يأتي من إدراك أولى الأمر للكتاب، ودوره في نشره المعرفة، وإسهامه في بناء الحضارة. ونظام المكتبة في الاتجاه إلى اقتناء نسخة أو نسخ من كل كتاب يصدر في المملكة ـ أو في خارجها ـ يعني أن المكتبة تسعى لأن تكون ذاكرة الأمة.
هل نحن أمة قارئة؟
يتصل بالمكتبة أن نسأل «هل نحن أمة قارئة؟»، فمن المعروف أن الحضارة الإنسانية منذ بدايتها الأولى ترتبط بالقراءة ارتباطاً وثيقاً، و «من نافلة القول أن الأمم القارئة هي أكثر الأمم أخذاً بأسباب الحضارة، ووسائل العلم والمعرفة، ليس في الميدان النظري فحسب، وإنما في الميدان التقني والتطبيقي أيضاً، والأمم التي توصف بأنها متأخرة، أو التي لم تكن لها مُشاركة في بناء الحضارة الإنسانية، أو قسط من العلم هي الأمم التي لا تقرأ، أو ليس للقراءة نصيب في برنامجها اليومي»( ).
ومما يأسف له الكاتب أننا أصبحنا أمة لا تقرأ، فليس للكتاب نصيب في حياتنا، ويقول: «دعونا نسأل أنفسنا من منا يحمل معه كتاباً مُفيداً إذا عزم على سفر من الأسفار؟ وكيف نقضي وقتنا إذا ركبنا قطاراً أو طائرة؟ وكيف نمضيه في صالات الانتظار في المطارات أو محطات السفر على العموم؟» ( ).
المرأة مبدعة
عنيت الدراسات الأدبية بإبراز دور المبدع رجلاً في ميادين الإبداع المختلفة، ولكن الدكتور حمد الدخيل له دراستان عن المرأة المبدعة؛ الأولى بعنوان «مدخل إلى جمع شعر المرأة العربية ودراسته»، نشرت في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية(العدد: 28، شوال 1420هـ، يناير وفبراير 2000م، ص ص 387-426)، والثاني بعنوان «شعر شواعر بني حنيفة في الجاهلية والإسلام/: دراسة، وجمع، وتحقيق، وشرح»، وهو يُشير في مقابلة أدبية معه إلى أن «المرأة السعودية شاركت كغيرها في الحركة الأدبية في المملكة، وعبَّرت عن مواهبها الأدبية من خلال الشعر، والقصة، والمقالة، والدراسة الأدبية. وأتاحت النهضة العلمية والثقافية التي تحظى بها المملكة للمرأة فرص الدراسة والتعلم، والتزود بألوان الثقافة، مثلها مثل الرجل. وكشفت هذه الفرص أن المرأة السعودية لا تقل عن صنوها الرجل في موهبة الأدب ودرسه، والقدرة على تقديم ألوان منه جديدة ».
وفي الكتاب كثير من الموضوعات الجديرة بالقراءة، ومنها: هل تؤدي الأندية الأدبية دورها؟، والعوامل المؤثرة في أدب المهجر، وتشويه التراث العربي، وهل نهضت الصحافة بالأدب ... وغيرها من الموضوعات الممتعة التي تجعل من الكتاب زاداً ثقافيا خصبا يُقدمه صاحبه في صورة مقالات وخواطر، ولغة ناصعة طيعة قريبة من فهم القارئ، ولا تثقل عليه.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:32 AM
(54) محمد جبريل يكتب عن جابر عصفور

بقلم: محمد جبريل
..................

من حق جابر عصفور أن نثمن دوره في حياتنا الثقافية.
علي الرغم من اختلافنا أحيانا في أداء المجلس الأعلي للثقافة. فان الحقيقة التي لا يختلف فيها حتي الذين لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب. حتي من يلحون في طلب العيب. أن المجلس الأعلي للثقافة في الأعوام الأخيرة هو التمثيل الايجابي لأنشطة وزارة الثقافة. هو التلخيص الذكي لهيئات الوزارة المتعددة.
علي سبيل المثال. فان مهمة هيئة الكتاب هي اصدار الكتب والدوريات والمجلات. بما يتيح لصناعة النشر أن تؤدي دورا مطلوبا في خدمة الثقافة العربية.. لكن اصدارات مجلس الثقافة فاقت بصورة لافتة كل اصدارات هيئة الكتاب. سواء علي مستوي الكم أم الكيف. أذكرك بمشروع الترجمة الذي جعل من مشروع الألف كتاب بهيئة الكتاب خطأ ينبغي التخلص منه!
الطريف أن فاروق حسني أراد أن يهب هيئة الكتاب نشاطا متميزا في معرض القاهرة الدولي الأخير فلجأ الي مطبوعات المجلس الأعلي للثقافة. واجهة لنشاط الهيئة في مجال تخصصها!
ومع تعدد المؤتمرات والمهرجانات والندوات التي تنظمها هيئات وزارة الثقافة. فان ما ينظمه المجلس الأعلي للثقافة من أنشطة. هو الأكثر حضورا. والأشد تأثيرا.. والأمثلة لا تعوزنا.
والمتابعة الواعية للأحداث الثقافية المحلية والعربية والعالمية مهمة يحرص المجلس علي التصدي لها. ومناقشتها. وتحليلها. واتخاذ توصيات وقرارات تضعها في دائرة الضوء أمام المتخصص والمواطن العادي.
حتي المسابقات التي ينظمها المجلس: تيمور. وحقي. ومحفوظ وغيرها. هي الأكثر جدوي وجدية.
والنظرة المتأملة لأنشطة لجان المجلس. تجد أنها تقدم المقابل للركود الذي تعانيه هيئات أخري تابعة لوزارة الثقافة.
أثبت جابر عصفور أن مسئولا واعيا. مدركا لمسئولياته. ويجيد الادارة. يستطيع أن يحقق في الموقع الذي يتولي قيادته ما قد تعجز عنه هيئات. تخصصها المستقل فرع محدد من مجمل حياتنا الثقافية.
قلوبنا مع جابر عصفور.
هامش:
سألت مصطفي علوي رئيس هيئة قصور الثقافة: ما ردك علي الحملة التي تتهم قيادة الهيئة بايقاف مشروع النشر؟
قال: هل تتصور أن مسئولا يتخلي عن واجهة مهمة لأنشطته؟.. النشر كما تعلم من أهم مشروعات الهيئة. وجدواه معلنة. لكن تقلص الموارد المالية. أو غيابها. مشكلة لا حيلة لنا فيها. ميزانية النشر تعاني عجزا من قبل أن أتولي المسئولية. ولاشك ان اصدار الكتب لن يتحقق بالنيات الطيبة. خاصة اذا كنا نطبع في قطاع خاص لغته الربح والخسارة!
ــــــــــــــــــــــ
*المساء ـ في 8/4/2005م

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:33 AM
(55) عزالدين إسماعيل‏:‏ الموقف والرسالة

بقلم: فاروق شوشة
......................
في منتصف الخمسينيات أتيح لي أن أري عزالدين إسماعيل وأستمع اليه عن قرب‏,‏ وهو يتوسط بعض رفاقه المؤسسين للجمعية الأدبية المصرية‏:‏ صلاح عبدالصبور وفاروق خورشيد وعبدالرحمن فهمي‏,‏ كان الأربعة ـ في بداية إعلانهم عن ميلاد جمعيتهم ـ قد رحبوا بدعوة اللجنة الثقافية في كلية دار العلوم وحرصوا علي أن يقوم كل منهم بدور بارز في هذا اللقاء‏,‏ كان صلاح عبدالصبور يعلن من منصة علي مبارك في قلعة الكلاسيكية الشعرية عن تيار شعري جديد يمثل انعطافة كبري في مسار الشعر العربي‏,‏ وكان فاروق خورشيد مهتما بتوضيح وظيفة الأدب ـ كما يفهمها أعضاء الجمعية الادبية ـ الذين خرجوا لتوهم من عباءة جماعة الأمناء وشيخها أمين الخولي ومجلتها أدب‏.‏
وانشغل عبدالرحمن فهمي بشرح المفاهيم الجديدة للقصة الجديدة‏,‏ ويعني القصة في الأدب الحديث‏.‏ أما عزالدين اسماعيل فقد تولي مسئولية المنظر لأفكار الجمعية فيما يتصل بالنقد الأدبي‏,‏ والتأصيل لنظرية التفسير النفسي للأدب‏,‏ كان محمد خلف الله ـ عميد آداب الاسكندرية وعضو المجمع اللغوي ـ قد سبق الي طرح هذا المنهج في تاريخ مبكر‏..‏ وظلت ذاكرتي تحتفظ بصورة عزالدين اسماعيل في قامته السامقة وشموخه ووجهه الجاد حتي اتيح لي أن أتعامل معه بعد ذلك بسنوات بعد ان التحقت بالاذاعة‏,‏ وصادقت فاروق خورشيد‏,‏ الذي كان واسطة العقد في تأليف القلوب من حول الجمعية الأدبية المصرية‏,‏ ونجح ـ بشخصيته القوية الأسرة ـ في أن يجعل من عدد شباب الاذاعيين المنغمسين في الحياة الأدبية والثقافية ـ أصدقاء للجمعية‏,‏ يحضرون ندواتها ومجالسها وأسمارها البديعة ـ في مراحلها المختلفة ـ دون أن يكونوا أعضاء بالفعل‏,‏ وكنت واحدا من هؤلاء‏,‏ وعندما اقتربت من عزالدين اسماعيل وتعاملت معه‏,‏ وأخذت أستضيفه لبرامج البرنامج الثاني ـ البرنامج الثقافي الآن ـ خاصة مع النقاد ثم بعد ذلك بسنوات طويلة للبرنامج التليفزيوني الامسية الثقافية حلت في نفسي صورة ممتلئة بالصفاء والعذوبة والنقاء ـ والقلب الطفولي ـ لانسان جميل‏,‏ وناقد ومفكر ومبدع من طراز رفيع‏.‏ خلال هذه السنوات الطويلة ـ علي مدار أكثر من نصف قرن ـ كان عزالدين يحقق مراقيه وتجلياته في رحلة الحياة والثقافة والفكر‏,‏ استاذا جامعيا في آداب عين شمس‏,‏ ورئيسا لقسم اللغة العربية فيها‏,‏ وعميدا للكلية‏,‏ ثم رئيسا لهيئة الكتاب ورئيسا لتحرير مجلة فصول المدفعية الثقيلة في النقد الأدبي كما كنا نسميها‏,‏ فرئيسا لاكاديمية الفنون‏,‏ وخلال ذلك رئيسا للجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ وحين توقفت علاقته بالمؤسسة الرسمية للثقافة‏,‏ كان نشاطه المتوهج في تأسيس الجمعية المصرية للنقد الأدبي‏,‏ ورئاستها والتخطيط لها مع نخبة من أصدقائه وتلاميذه‏,‏ وإقامة مؤتمراتها الدولية‏,‏ والاصرار علي اقامتها ودفع تكلفتها من جيبه الخاص‏.‏
لكن شيئا لن يعادل السنوات العشر الأخيرة في علاقتنا معا‏,‏ التي عمقت وتأكدت واتسعت لكثير من بوحه وإفضاءاته عن كثير من ظواهر حياتنا الأدبية والثقافية والنقدية‏,‏ وعن كثير من رموز هذه الحياة‏,‏ وعن طعنات الغدر التي تلقاها ممن كانوا ـ بالنسبة اليه ـ في مقام مريديه وطلابه‏,‏ المستعينين به في أمور شتي حياتية وثقافية‏,‏ كان يضمنا معا خلال هذه السنوات العشر بمجلس الأمناء في مؤسسة البابطين الكويتية للابداع الشعري‏,‏ وخلالها كانت عشرات اللقاءات ومئات الحوارات والعديد من الأسفار والرحلات الي عواصم عربية وأجنبية‏,‏ وأشهد أن صوته طيلة هذه السنوات كان الي جانب العدل والموضوعية‏,‏ والجدية في الطرح والتناول‏,‏ والترفع لغة وفكرا ومنهجا عما يمكن أن يعتبره خروجا علي شرف الثقافة والفكر‏,‏ والانتصار الدائم للابداع الحقيقي‏,‏ من غير تحيز الي اتجاه بعينه‏,‏ أو تعصب أيديولوجي الي مذهب بذاته‏,‏ وكان آخر لقاء لي معه وهو في مرضه الاخير ـ قبل رحيله بأيام ـ وأنا أحمل اليه رسالة من مجلس الأمناء‏,‏ بعد أن أعجزه المرض الخطير المداهم عن الحضور والمشاركة‏,‏ كما حال بينه وبين حضور المؤتمر الاخير للجمعية المصرية للنقد الأدبي بعد أن خطط له وتابع كل خطواته ومراحله‏,‏ وغاب عنه عند اجتماعه منذ شهور قليلة في نوفمبر الماضي‏.‏ ويرحل عزالدين اسماعيل عن ثمانية وسبعين عاما‏(1929‏ ـ‏2007)‏ بعد أن فتكت به العلة الشرسة‏,‏ وفي نفسه من الآلام والاوجاع ما يفوق علة الجسد‏..‏ كان يحدثني في آخر لقاءاته عن موقف جامعته من الجمعية التي يرأسها ومن مؤتمرها السنوي‏,‏ وعن إحجامها الشديد عن تقديم أدني مساعدة أو إسهام أو مشاركة في تكاليف هذا المؤتمر‏,‏ وكيف أحس بالغربة الشديدة والإهانة القاسية والموجعة من جامعة انتمي اليها طيلة حياته استاذا وعميدا واستاذا غير متفرغ ومشرفا علي عشرات الرسائل للماجستير والدكتوراه ومربيا لأجيال عدة من الدارسين والباحثين والنقاد‏!‏
وكثيرا ماكنت أذكره بديوانه الشعري البديع دمعة للأسي دمعة للفرح الذي يضم مقطوعاته الشعرية القصيرة المحكمة‏,‏ والتي تنتمي الي فن الابجرامات‏,‏ والابجرام مصطلح يدل علي القصيدة الشعرية الشديدة القصر‏,‏ التي تنتهي عادة بمفاجأة تلقي الضوء علي أبياتها وتخلع عليها دلالة خاصة‏.‏
وأقول له‏:‏ لقد نفست علي نفسك وداويت أوجاعها بهذا الديوان الجميل‏,‏ وأوصلت الرسالة الي من يعنيهم الأمر بعد أن صورتهم في لوحات قلمية شعرية ناطقة‏.‏ لم لا تواصل عملية التطهير التي أشار اليها أرسطو في حديثه عن وظيفة الشعر أو بلغته‏,‏ الدراما‏,‏ وتخرج ديوانك الثاني للناس وفيه الجديد من القصائد والابجرامات‏,‏ وحين أقنعه صديقه وموضع ثقته الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب بنشر هذا الديوان الجديد ضمن السلسلة التي يشرف عليها والتي تصدرها هيئة قصور الثقافة‏,‏ ظهر الديوان في يوم رحيله الأخير تحت عنوان هوامش في القلب كما ظهر ـ قبله بأيام كتابه النقدي الجديد كل الطرق تؤدي الي الشعر صادق العزاء لرفيقة عمره وشريكة حياته الحافلة الدكتورة نبيلة ابراهيم استاذة الادب الشعبي بجامعة القاهرة‏.‏
....................................
*الأهرام ـ في 18/1/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:34 AM
(56) محمد زكي عبد القادر : الصحفي، الروائي، الناقد
(1906-1982م)
......................

*من أكبر كتاب الصحافة في مصر.
*من مواليد قرية (فرسيس) بمحافظة الشرقية.
*له كتب في الصحافة، والقصة القصيرة، والرواية، والقانون.
*أسس مجلة أدبية استمرت قرابة خمسة عشر عاماً: الفصول (1944-1958م).
.................
من مؤلفات محمد زكي عبد القادر:
أ-كتب:
1-أبو مندور، القاهرة 1963م.
2-أجساد من تراب، كتاب اليوم، العدد (133)، القاهرة ـ يناير 1978م.
3-الله في الإنسان، كتاب اليوم، العدد (47)، القاهرة ـ يناير 1976م.
4-البطالة ووسائل علاجها، القاهرة 1936م.
5-تأملات في الناس والحياة، القاهرة 1962م.
6-الحرية والكرامة الإنسانية، القاهرة 1959م.
7-حياة مزدوجة، القاهرة 1964م.
8-الخيط المقطوع، القاهرة 1963م.
9-الدنيا تغيّرت، دار ومطابع المستقبل، القاهرة 1966م.
10-ذنوب بلا مذنبين، كتاب اليوم، العدد (47)، القاهرة ـ فبراير 1972م.
11-رسائل وسائل، القاهرة 1963م.
12-الصدفة العذراء، القاهرة 1961م.
13-صور من أوربا وأمريكا، القاهرة 1960م.
14-صور من الريف، 1949م.
15-على حافة الخطيئة، كتاب اليوم، العدد (65)، القاهرة مايو 1973م.
16-لستُ مسيحاً أغفر الخطايا، كتاب اليوم، العدد (30)، القاهرة ـ ديسمبر 1970م.
17-محنة الدستور، القاهرة 1955م.
18-نماذج من النساء، القاهرة 1965م.
ب-دوريات:
19-الفصول (1944-1958م).

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:35 AM
(57) بين شاعر النيل ونساء مصر

بقلم: رجاء النقاش
.........................

يتولي صديقي الأديب الطبيب العالم الدكتور عمرو أبو ثريا منصب المدير الطبي للمركز الطبي العالمي القائم في الكيلو‏42‏ من طريق الاسماعيلية ـ القاهرة الصحراوي‏,‏ وهذا المركز هو في الحقيقة صرح طبي رائع بأطبائه الممتازين وبقية العاملين فيه من اداريين وفنيين ومجموعات تمريض وأجهزة طبية حديثة متقدمة‏,‏ وهذا الفريق الكبير كله يعمل تحت قيادة الطبيب الإنسان اللواء رضا جوهر حيث يقود العمل في هذه المؤسسة الطبية الكبري بحكمة وحزم وعناية ومتابعة لكل التفاصيل‏,‏ فبارك الله فيه وفي كل العاملين معه‏.‏ والحقيقة أن هذا المركز الطبي العظيم يستحق ان تفخر به مصر‏,‏ وأظن ان من الواجب ان نحرص علي هذا الصرح الطبي كل الحرص‏,‏ وأن نمد له يد المساعدة والمساندة للابقاء عليه في درجة الكفاءة العالية التي يعمل بها الآن‏,‏ وقد كان من حسن حظي منذ اصابتي بالمرض قبل عامين أن يكون علاجي في هذا الصرح الطبي الكبير‏,‏ ومن خلال علاجي الذي لايزال مستمرا حتي الآن في هذا المركز عرفت عنه وعن العاملين فيه الكثير‏,‏ ولعلي أعود في مناسبة قريبة للحديث عن هذا المركز الطبي العظيم‏.‏
أعود بعد ذلك إلي صديقي الدكتور عمرو أبوثريا‏.‏ فهو إلي جانب علمه الطبي الواسع وأخلاقه الكريمة الطيبة معروف بالاهتمام العجيب بالأدب والثقافة‏,‏ وهو قارئ لم أعرف له مثيلا في متابعته الاعمال الأدبية الجديدة والقضايا الثقافية المختلفة‏,‏ وفي حديث أخير بينه وبيني تساءل هذا الصديق الكريم عن سبب استخدام شاعر النيل حافظ إبراهيم لكلمة الغواني في قصيدة له شهيرة كتبها عن أول مظاهرة قامت بها النساء المصريات في ثورة‏1919,‏ وبالتحديد يوم‏16‏ مارس من عام الثورة‏,‏ وقد جاءت كلمة الغواني في أول بيت من أبيات قصيدة حافظ ابراهيم حيث يقول‏:‏
خرج الغواني يحتججن .:. ورحت أرقب جمعهنه
وكلمة يحتججن هي من الاحتجاج ومعناها واضح‏,‏ فالنساء في هذه المظاهرة ثائرات‏,‏ والثورة هي احتجاج علي الأوضاع الخاطئة والظالمة‏,‏ أما كلمة الغواني الواردة في قصيدة حافظ ابراهيم فإنها الآن كلمة سيئة السمعة‏,‏ وهي تشير إلي المرأة اللعوب التي لاتقيم وزنا للأخلاق ولاترتبط بأي شيء تحرص المرأة الشريفة المحترمة علي الارتباط به‏.‏
كيف جاز اذن لشاعر كبير عارف بأسرار اللغة العربية مثل حافظ إبراهيم أن يستخدم كلمة غواني ومفردها غانية في وصف مجموعة من أشرف وأكرم نساء مصر؟ ان موضوع القصيدة هو أول مظاهرة نسائية في تاريخ مصر‏,‏ وهذا الموضوع كان يفرض علي حافظ ابراهيم وهو شاعر الوطنية ان ينظر إلي هؤلاء النساء نظرة احترام واجلال وتقدير‏,‏ فأين الحقيقة في هذه القضية؟ الحقيقة هي ان حافظ إبراهيم كان علي صواب في استخدامه لكلمة الغواني وذلك لأن المعني الأصلي الذي تعترف به قواميس اللغة العربية لهذه الكلمة يختلف تماما عن معناها في استخدام جيلنا المعاصر لها‏,‏ وقد استخدم الشعر العربي قديما وحديثا كلمة الغواني بمعناها الأصلي المحترم‏,‏ ومن ذلك قول شوقي في قصيدة مشهورة له‏:‏
خدعوها بقولهم حسناء .:. والغواني يغرهن الثناء
وكلمة الغواني في قصيدة حافظ وقصيدة شوقي وفي أي نماذج أدبية مشابهة تدل علي المرأة التي لها عز وكرامة‏,‏ وهي المرأة المصانة المحترمة البعيدة كل البعد عن أي صورة سيئة للنساء‏,‏ وهذا المعني هو المعني الأصلي الصحيح للكلمة‏,‏ وقد ظلت كلمة الغواني كلمة محترمة حتي أوائل القرن العشرين‏,‏ أي في جيل شوقي وحافظ وأما في الأجيال التالية فقد بدأت كلمة الغواني تنزل عن عرشها‏,‏ وأصبح الاستخدام العام الشائع لها هومعناها السيئ‏,‏ وليس معناها الأصيل في اللغة العربية‏,‏ ولاشك أننا في استخدامنا لكلمة الغواني بمعناها السيئ مخطئون‏,‏ علي الأقل من الناحية اللغوية الخالصة فالقواميس العربية تعطي للكلمة معني جميلا آخر‏,‏ ومن هذه القواميس ذلك القاموس الوافي البديع الذي أصدره في أربعة أجزاء الأديب العربي الليبي الكبير خليفة محمد التليسي وأسماه باسم النفيس من كنوز القواميس فماذا يقول لنا النفيس عن كلمة الغواني ومفردها غانية؟
في الجزء الثالث من النفيس ـ صفحة‏1669‏ نقرأ مايلي‏:‏ الغانية هي التي غنيت بحسنها وجمالها عن الحلي‏,‏ وقيل هي الشابة العفيفة كان لها زوج أو لم يكن‏,‏ وكل امرأة هي غانية وجمعها غواني ويمكن جمعها علي غانيات أيضا‏.‏
فكلمة الغواني إذن هي كلمة محترمة ولاذنب لها في انحرافنا بها واساءتنا إليها واستخدامنا لها فيما لاتعنيه‏.‏
يقودنا هذا الحديث اللغوي إلي وقفة قصيرة أمام قصيدة حافظ ابراهيم في مظاهرة النساء المصريات‏,‏ فقد ظلت هذه القصيدة ضمن الأدب السري الممنوع نشره في الصحف أو ترديده علنا في أي مجال‏,‏ وذلك بأمر الاحتلال الانجليزي‏,‏ ولكن أحرار ثورة‏1919‏ طبعوها في منشورات‏,‏ ووزعوها سرا علي الجماهير‏,‏ فنالت القصيدة شهرة واسعة برغم أنها ممنوعة بأوامر عسكرية‏,‏ وبذلك طارت القصيدة من قفص الاحتلال واحتمت بأحضان الناس‏,‏ وقد حملت القصيدة تحية جميلة وتأييدا حارا للنساء المتظاهرات‏,‏ كما تضمنت القصيدة هجوما عنيفا علي الاحتلال وتنديدا قويا به‏,‏ وقد ظلت هذه القصيدة ممنوعة من النشر في الصحف لمدة عشر سنوات متواصلة‏,‏ وبقيت منشورا ثوريا ينطلق من يد إلي يد حتي سنة‏1929‏ حين استطاع حافظ أن ينشرها في الصحف لأول مرة‏,‏ وكان ذلك بالتحديد في‏12‏ مارس‏1929,‏ رغم أنها مكتوبة سنة‏1919,‏ وبعض القصائد لها تاريخ شريف خاص بها‏,‏ ولاشك ان قصيدة حافظ هي في مقدمة مثل هذه القصائد التي كانت تحارب مع الناس في معارك الحياة أوالموت ضد الاحتلال‏.‏
والقصيدة التي كتبها حافظ هي قصيدة سهلة جميلة مليئة بالموسيقي العذبة والصور الحية‏,‏ ولاشك ان حافظ إبراهيم كان يضع في اعتباره‏,‏ وهو يكتبها ان تكون القصيدة سهلة وقادرة علي الانتقال بين الناس دون صعوبة أو تعقيد‏,‏ فهي قصيدة جماهير وليست قصيدة صالون وفي هذه القصيدة يقول حافظ‏:‏
خرج الغواني يحتججن‏...‏ ورحت أرقب جمعهنه
فإذا بهن تخذن من‏...‏ سود الثياب شعارهنه
فطلعن مثل كواكب‏...‏ يسطعن في وسط الدجنه
وأخذن يجتزن الطريق‏...‏ ودار سعد قصدهنه
يمشين في كنف الوقار‏...‏ وقد أبن شعورهنه
وإذا بجيش مقبل‏...‏ والخيل مطلقة الأعنه
واذا الجنود سيوفها‏...‏ قد صوبت لنحورهنه
وينتهي حافظ ابراهيم بالسخرية من الجيش الانجليزي الذي تصدي بعنف شديد للمظاهرة النسائية فيقول‏:‏
فليهنأ الجيش الفخور ... بنصره وبكسرهنه
و قد ورد في الأبيات السابقة كلمة دجنة ومعناها الظلام‏,‏ ووردت عبارة دار سعد والمقصود هو سعد زغلول زعيم الثورة‏,‏ وكان المصريون يسمون دار سعد باسم بيت الأمة وقد ورد في القصيدة‏,‏ أيضا قول الشاعر وقد أبن شعورهنه والمقصود هنا ليس شعر الرأس ولكن المقصود هو الشعور والعواطف الوطنية‏.‏
بقي أن نشير اشارة سريعة إلي هذه المظاهرة الوطنية النسائية الأولي في تاريخ الحركة الوطنية المصرية‏,‏ ويكفي هنا ان نقرأ هذا المشهد المؤثر من مشاهد هذه المظاهرة التاريخية كما يقدمه لنا المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي في كتابه ثورة‏1919‏ ـ صفحة‏211‏
تقدمت واحدة من المتظاهرات وهي تحمل العلم إلي جندي انجليزي كان قد وجه بندقيته اليها وإلي من معها‏,‏ وقالت بالانجليزية‏,‏ نحن لانهاب الموت أطلق بندقيتك في صدري لتجعلوا في مصر مس كافل ثانية‏,‏ و مس كافل التي تشير اليها المتظاهرة الشجاعة هي ممرضة انجليزية كانت تعمل في صفوف المقاومة ضد الألمان في الحرب العالمية الأولي‏,‏ وقد وقعت في الأسر‏,‏ فأعدمها الالمان بالرصاص‏,‏ وكان لإعدامها ضجة كبري في العالم‏.‏
.................................
*الأهرام ـ في 1/4/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:37 AM
(58 ) تلميذ السيدة زينب

بقلم : رجاء النقاش
.......................

في الشهور الأخيرة من حياة يحيي حقي‏1905‏ ـ‏1992‏ اشتد المرض علي الأديب الكبير‏,‏ وأصدر رئيس الوزراء في ذلك الوقت الدكتور عاطف صدقي ـ رحمه الله ـ قرارا بعلاجه علي نفقة الدولة‏,‏ ودخل يحيي حقي المستشفي بناء علي هذا القرار‏,‏ وبعد أيام قليلة وقع زلزال مصر الشهير في‏12‏ أكتوبر سنة‏1992,‏ فأصر يحيي حقي علي الخروج من المستشفي وقال‏:‏ إن السرير الذي أشغله أولي به أحد المصابين في الزلزال‏,‏ ولم تطل حياة يحيي حقي بعد ذلك كثيرا‏,‏ فقد عاد إلي المستشفي وتوفي في يوم‏9‏ ديسمبر‏1992.‏
لم يكن موقف يحيي حقي عندما أصر علي ترك سريره في المستشفي لأحد المصابين في الزلزال نوعا من التمثيل لإثارة العطف أو لفت الأنظار‏,‏ بل كان موقفا حقيقيا صادقا من جانب أديب انسان عاش حياته كلها ملتزما بالصدق والأمانة من البداية إلي النهاية‏.‏
ولد يحيي حقي الذي نحتفل بذكري ميلاده المئوية هذا العام في حارة الميضة بحي السيدة زينب في‏7‏ يناير سنة‏1905,‏ وقد سافر يحيي حقي بعد إتمام تعليمه في كلية الحقوق سنة‏1925‏ إلي كثير من بلدان العالم‏,‏ وتعلم لغات عديدة‏,‏ وعرف العواصم الكبري وعلي رأسها باريس وروما‏,‏ وتزوج من السيدة جان الفرنسية‏,‏ بعد أن ماتت زوجته الأولي التي أنجبت له ابنته الوحيدة السيدة نهي ومع هذه التجارب كلها ظل حي السيدة زينب في قلبه علي الدوام‏,‏ لاينساه ولايبتعد عنه روحيا ولو بخطوة واحدة‏.‏ ويكاد يحيي حقي يقول لنا في كل ما يكتبه إن هذا الحي الشعبي العريق هو الجامعة التي تعلم فيها أحسن العلم‏,‏ وأحسن الأدب‏,‏ وأحسن الأخلاق‏,‏
وأحسن الألفاظ والعبارات‏,‏ ولاينافس يحيي حقي في عشق المكان إلا عبقري آخر هو نجيب محفوظ الذي عشق حي الجمالية بنفس الدرجة التي عشق بها يحيي حقي حي السيدة زينب‏,‏ ويكفي أن نلقي نظرة سريعة علي عناوين كتب يحيي حقي حتي نعرف أن قاموسه الأدبي مستمد من هذا الحي‏,‏ أو من هذه الجامعة الشعبية الكبيرة‏,‏ فمن عناوين كتب يحيي حقي نقرأ أم العواجز وهي لقب يطلقه الناس علي السيدة زينب نفسها‏,‏ وهناك ايضا قنديل أم هاشم وأم هاشم هو لقب آخر يطلقه الناس علي السيدة زينب‏,‏ ثم نقرأ من عناوين يحيي حقي الأخري خليها علي الله ومن فيض الكريم وعطر الأحباب ومن باب العشم وكناسة الدكان وكل هذه العناوين وثيقة الصلة بلغة حي السيدة زينب‏,‏ وهي لغة التواضع والتسامح‏,‏ والفرح بالحياة‏,‏ والتأدب في مخاطبة الناس‏,‏ وفتح الباب بالمحبة والمشاعر الطيبة للتعامل الكريم مع الآخرين‏.‏
إن تأثير أجواء السيدة زينب واضح جدا علي يحيي حقي وأدبه‏,‏ وشخصية يحيي حقي نفسها منعكسة تماما علي لغته الأدبية‏,‏ أي علي أسلوبه وهنا نجد تطبيقا حيا صادقا للقول الفرنسي المشهور بأن الأسلوب هو الرجل‏,‏ ونستطيع أن نقول بناء علي هذه القاعدة الصحيحة إن لغة يحيي حقي‏,‏ هي يحيي حقي نفسه‏,‏ وفي هذه اللغة نجد نوعا من الخشوع والتقوي والتدين‏,‏ وهو شعور نخرج به دائما من كتابات يحيي حقي‏,‏ ولا أظن أبدا أن الذين يحبون هذه الكتابات يخطئون حين يشعرون بأنهم يقرأون كتابة فيها روح دينية صوفية‏,‏ بالاضافة إلي ذلك فنحن نجد أننا مع يحيي حقي أمام لغة دقيقة ليس فيها طرطشة‏,‏ ولاثرثرة‏,‏ وليس فيها ذيول يجرها كاتبها وراءه دون أي ضرورة فكرية أو لغوية‏,‏ ومن أقوال يحيي حقي عن نفسه أنه دائما يلتزم بدقة اختيار اللفظ ووضعه في مكانه ثم يضيف إلي ذلك قوله إنني عاشق متيم باللغة العربية فهي من أغني لغات العالم‏,‏ وقواعدها بسيطة‏,‏ ومن الممكن معرفتها بسهولة‏.‏
هذا هو إحساس يحيي حقي باللغة العربية التي يعبر بها عن أفكاره ومشاعره‏,‏ فهو من ناحية يحرص علي الدقة في اختيار ألفاظه‏,‏ بحيث تبدو اللغة في كتابته لغة هندسية ومنضبطة‏,‏ ومن ناحية أخري فإن عشقه للغة العربية يجعله قادرا علي اكتشاف مافي هذه اللغة من جمال‏,‏ لانك لاتستطيع أبدا اكتشاف جمال شيء إلا إذا أحببته باخلاص وصدق واستمتاع‏.‏
وقد اندفع يحيي حقي من خلال حبه للغة العربية إلي قراءة الأصول الأدبية الأساسية في هذه اللغة‏,‏ فقرأ روائع الشعر العربي في عصوره المختلفة‏,‏ من الجاهلية إلي العصر الحديث‏,‏ وعندما نقول انه قرأ هذا التراث الشعري‏,‏ فينبغي أن نعرف انه قرأه قراءة متأآنية دقيقة متذوقة‏,‏ وقرأه بفهم عميق واحساس صادق أصيل‏,‏ ولم يقرأ هذا الشعر قراءة سريعة خاطفة‏,‏ وهذه نقطة ينبغي أن تلتفت إليها أنظار الأجيال الأدبية الجديدة‏,‏ حيث يظن البعض أن القصة لا علاقة لها بالشعر‏,‏ وهذا خطأ كبير‏,‏ يحذرنا منه يحيي حقي‏,‏
فهذا الأديب الكبير لم يصل إلي لغته النقية المكثفة الدقيقة إلا من خلال جهد واسع في قراءة التراث الشعري العربي‏,‏ وجهد آخر في استيعابه ودراسته وتذوقه‏,‏ بل لقد وضع يحيي حقي أمامنا معني بالغ الأهمية من خلال حبه للغة العربية وتراثها الشعري‏,‏ وقد عبر عن هذا المعني بقوله إنني أشترط أن يكون في أي قصة نفس شعري‏,‏ وتلك فكرة دقيقة ومهمة‏,‏ فالقصة إذا خلت من روح الشعر فقدت الكثير من أهميتها وقدرتها علي التأثير العميق‏,‏ وهذا مانحسه بوضوح في أدب يحيي حقي‏,‏ فإلي جانب إحساسه الصوفي الديني بالناس والاشياء‏,‏ وأفكاره العميقة في النظر إلي ال حياة والمجتمع‏,‏ فإننا نحس بروح الشعر وهي ترفرف علي أدب يحيي حقي كله فترفعه إلي مستوي فني وانساني بالغ القيمة والمتعة والجمال‏,‏ وتوفر له نوعا من الموسيقي الرقيقة الخفية التي لايخطئها القلب علي الإطلاق‏.‏
وفي أدب يحيي حقي نلتقي بظاهرة أخري شديدة التميز‏,‏ فهو أدب يخلو تماما من الصراخ والخطابة والوعظ والإرشاد والمناقشات الطويلة المملة‏,‏ وهو أدب شديد التركيز والكثافة دون أن يقوده ذلك إلي أي نوع من الغموض المرفوض‏,‏ وفي عبارة بديعة ليحيي حقي نسمعه يقول‏:‏ حين تكتب أغلق فمك‏,‏ وإياك أن تفتحه وهذه عبارة رائعة تستحق أن يضعها كل كاتب حقيقي صادق أمام عينيه‏,‏ وأن يقرأها كل يوم‏,‏ مرة واحدة علي الأقل‏,‏ فالكتابة المهمة غير الصاخبة والبعيدة عن الضوضاء والخالية من الزخارف الشكلية هي التي تصنع الناس وتؤثر في المجتمعات وتقود الحياة إلي الأمام وفي عبارة جميلة أخري عن الأدب المثالي في نظره يقول يحيي حقي‏:‏ إنني حين أقرأ هذا الأدب‏,‏ لا أشعر أنني أقرأ‏.‏
وهكذا يقدم لنا يحيي حقي مقياسا دقيقا للأدب الجميل المؤثر‏,‏ فقمة النجاح الأدبي تكون عندما يشعر قاريء الأدب انه لا يعاني من أي إرهاق روحي أو ذهني‏,‏ وأنه يقرأ كلاما قريبا إلي القلب‏,‏ وليس أدبا فضفاضا زاعقا مليئا بالضجيج والصخب‏,‏ فالأدب الجميل المؤثر هو الذي نقرؤه ونحس كأننا لانقرأ من فرط السهولة واليسر والتجاوب بيننا وبين مانقرؤه‏,‏ وليس ذلك لأن هذا الأدب سطحي يتناول الحياة والتجارب الانسانية بخفة وسهولة‏,‏ بل علي العكس تماما‏,‏ لأنه يكون أدبا صادقا يتسلل إلي النفوس دون تعقيد أو افتعال‏.‏
تلك بعض اللمحات من حياة يحيي حقي الخصبة التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلا بمناسبة ذكري ميلاده المئوية‏,‏ والهدف من ذلك هو تجديد الاهتمام به‏,‏ والإشارة بوضوح إلي أن الذين يريدون أن يدخلوا عالما من الافكار الرائعة والفن الجميل ويريدون أن يلتقوا بشخصية انسانية ساحرة في حديثها إلينا عن طريق القصص أو المقالات من يريدون شيئا من ذلك‏,‏ فعليهم بالعودة إلي يحيي حقي وكتاباته الممتعة التي تفيض بالفكر والحكمة والجمال والتنوع غير المحدود فقد كان يحيي حقي إلي جانب موهبته الأدبية الرائعة صاحب ثقافة واسعة جدا‏,‏ كما أنه كان من أصحاب التجارب الكبري التي اتاحت له أن يعرف الكثير عن الدنيا والناس‏.‏ كل ذلك جعل منه شخصية فريدة‏,‏ وقد انعكست مواهبه وتجاربه وثقافته علي كتاباته‏,‏ فأنت مع هذه الكتابات تعيش في عالم ممتع متنوع الفكر والثقافة والتجربة‏.‏
كل ذلك في إطار من طيبة القلب والأمانة والدقة‏,‏ مع الإحساس الدائم بأن يحيي حقي يكتب كأنه يصلي‏.‏
ولاعجب في ذلك‏,‏ فهو تلميذ السيدة زينب‏,‏ وقد بقي تلميذا لها حتي بعد أن دار ولف في أنحاء العالم وعرف أهم لغات الدنيا‏,‏ وقد تعود‏,‏ مهما ابتعد‏,‏ أن يعود من جديد إلي رحاب الست الطاهرة أم هاشم‏,‏ فهناك فتح عينيه علي الحياة‏,‏ وهناك أقام بوجدانه وقلبه وروحه إلي النهاية‏,‏ وهناك استحق أن نقول عنه انه تلميذ السيدة زينب وياليت الذين يقرأون هذا الكلام‏,‏ ممن لهم كلام أن يطلقوا اسم يحيي حقي ولو علي حارة الميضة التي ولد فيها‏,‏ فلاشك أن ذلك سوف يكون خير نبأ تسعد به وتطرب له روح هذا الأديب العظيم‏.‏
.................................
*الأهرام 22/5/2005م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:38 AM
(59 ) ناقد لبناني يستغيث من شعر العقاد‏!‏

بقلم‏:‏ رجاء النقاش
..........................

قام طه حسين بمبايعة العقاد بإمارة الشعر سنة‏1934,‏ وذلك بعد سنتين من وفاة أمير الشعراء الأول والأخير أحمد شوقي سنة‏1932,‏ وكانت مبايعة طه حسين بلا جدوي‏,‏ لأن أحدا لم يتبعه في اعطاء تاج الإمارة للعقاد‏,‏ ذلك لأن العقاد العظيم عند الناس كان هو العقاد المفكر صاحب العقل الكبير والثقافة الواسعة والقدرة الفذة علي التحليل‏,‏ أما العقاد الشاعر فلم يكن موضع إجماع‏,‏ بل كانت نسبة قليلة محدودة من قراء الشعر ونقاده هي التي تري في شعر العقاد ما رآه طه حسين من الجمال والقوة والتميز علي غيره من شعراء عصره مما يجعله في رأي هذه الأقلية جديرا‏,‏ بأن يكون أميرا علي الشعر والشعراء‏,‏ وإن كانت هذه الإمارة في واقع الأمر بلا عرش ولا مال ولا جاه‏.‏ والذي أعطي لإمارة الشعر هيبتها وجلالها المادي في أيام شوقي‏,‏ أن شوقي كان أميرا أرستقراطيا ثريا وجيها في الحياة قبل أن يكون كذلك بين الشعراء‏.‏ أما العقاد المكافح القادم من أسوان فقد كان فقيرا‏,‏ وسوف يبقي فقيرا طيلة حياته ولو جعلوه أميرا علي الشعراء والناثرين‏,‏ أو جعلوه‏..‏ محافظا لأسوان‏!!‏
أشرت في مقال سابق الي أن مبايعة طه حسين للعقاد بالإمارة كانت عملا من أعمال السياسة أكثر منها عملا من أعمال الأدب والنقد‏,‏ وفي ذلك العصر‏,‏ أي في ثلاثينات القرن الماضي كانت عين السياسة والسياسيين مركزة علي الأدب والأدباء‏,‏ فالقصر الملكي يريد أن يكون له أدباؤه وشعراؤه‏,‏ وكان هناك رجل في القصر الملكي اسمه زكي الابراشي باشا كان وكيلا للديوان ـ فيما أذكر ـ وقد جعل من أهم وظائفه السياسية أن يكسب الي صف الملك فؤاد أدباء وشعراء لهم وزن وتأثير‏,‏ وكانت له ميزانية غير قليلة لشراء من يستطيع من الأدباء والفنانين‏.‏
أما الأحزاب السياسية فقد كانت تتقاتل فيما بينها لتحظي بين صفوفها بأديب شاعر تتوجه من خلاله الي الجماهير وتطلب علي يديه الرضا والقبول‏.‏ وتلك قصة جديرة بأن تجد من يرويها في يوم من الأيام‏,‏ لما فيها من متعة‏,‏ ولما تكشفه من صفحات وطنية وسياسية كثيرة لاتزال غائبة عن العيون وعن ذاكرة الناس‏.‏
في عام‏1934,‏ وفي هذا المناخ الخاص الذي كانت فيه القوي السياسية تعتبر الأدباء والشعراء أداة بالغة الأهمية في كسب الرأي العام والتأثير عليه‏,‏ التقي طه حسين مع العقاد في حزب الوفد تحت قيادة الزعيم الوطني مصطفي النحاس‏.‏ والعقاد وفدي قديم منذ انشاء الحزب علي يد سعد زغلول في ثورة‏1919,‏ أما طه حسين فقد كان وفديا حديث العهد بالوفد‏,‏ وقد جاء الي الوفد من صفوف الأحرار الدستوريين حوالي سنة‏1930,‏ ولابد أن طه حسن قد أدرك بعد اقترابه من الوفد أن الوفد كان يحب أن يرفع شأن العقاد‏,‏ فالعقاد كان في ذلك الوقت هو نجم نجوم الكتاب والأدباء والصحفيين الوفديين‏,‏ وكان قد دخل السجن سنة‏1930‏ بتهمة العيب في الذات الملكية وكانت التهمة الحقيقية هي دفاع العقاد في شجاعة هائلة عن الدستور وحرية الوطن والمواطنين‏,‏ مع هجومه بلا تحفظ علي الاستبداد والمستبدين من أنصار الملك وأعوان الانجليز‏.‏
ومن أطرف الذين وقفوا ضد شعر العقاد ناقد لبناني كبير هو مارون عبود‏1886‏ ـ‏1962‏ في كتاب شهير له عنوانه علي المحك علي وزن مفك ففي هذا الكتاب دراسة واسعة لشعر العقاد‏,‏ يخرج فيها الناقد اللبناني الكبير بالرفض لشعر العقاد‏.‏
وهذا نموذج مما كتبه مارون عبود عن العقاد‏,‏ حيث يقف هذا الناقد علي الطرف المقابل للمتحمسين لشعر العقاد‏.‏ يقول مارون عبود‏:‏ طالعت دواوين ثلاثة للعقاد أنفق علي تحبيرها برميل حبر وقنطارا من الورق وغابة من الأقلام‏.‏ تحسبه سمسارا يصدر شعرا في دواوين وبضاعته أشكال وألوان‏,‏ فكأنه دكان قرية فيه جميع حوائج البيت‏,‏ وليس الذنب ذنب الأستاذ‏,‏ فهو عارف بأصول الفن‏,‏ ولكن الكلام يستعصي عليه‏,‏ نفسه تطلب ومعدته لا تقطع‏,‏ فيقعد ملوما محسورا‏,‏ خذ هذا العنوان الرائع عيد ميلاد في الجحيم‏.‏ فماذا تري في هذه القصيدة وهي خير ما في ديوانه وحي الأربعين؟ بيانا دون الوسط‏,‏ وشعرا أجش‏,‏ تغلب عليه صنعة النثر وصبغته‏,‏ وعلي ضوء قوله إنما الشاعر يشعر ـ بفتح الياء وضم العين ويشعر ـ بضم الياء وكسر العين رحت أفتش في جحيمه ولا نور يهديني‏,‏ فما وجدت خيالا يرضيني‏,‏ ولا شعورا يسليني‏,‏ فعدت بخيبة أردد‏:‏ مالي لا أري الهدهد‏.!!.‏
وهنا يشير الناقد مارون عبود الي الآية القرآنية الكريمة من سورة النمل وهي علي لسان سيدنا سليمان ونصها‏:‏ وتفقد الطير فقال مالي لا أري الهدهد‏,‏ أم كان من الغائبين‏.‏
والناقد يريد القول هنا أن الفن كان غائبا في القصيدة كما غاب الهدهد عن طيور سليمان‏.‏
ويواصل مارون عبود تعليقه علي القصيدة فيقول‏:‏ القصيدة غراء فرعاء أي طويلة ممشوقة مصقول ترائبها أي ناعمة الصدر ولكنها مقعدة تخلو من الاهتزازات والنبرات والصدي البعيد‏,‏ أنكون في جهنم ونبرد؟ أنحضر عيدا‏..‏ ونحزن؟ ثم نقول‏:‏ إن الشاعر من يشعر ويشعر؟‏.‏
وتبلغ السخرية في نقد مارون عبود للعقاد حدا عنيفا عندما يعلق علي أبيات أخري له فيقول‏:‏ ماذا نقول؟
أما في مصر عاقل ينصح هذا الرجل؟ المروءة ياناس‏!‏
أنقذوا أخاكم‏,‏ وكفوا عنا شعروركم
والشعرور تصغير للشاعر‏.‏
أما الأبيات التي علق عليها مارون عبود بكل هذه السخرية‏,‏ وهذه الاستغاثة الط ريفة وإن كانت قاسية‏,‏ فهي أبيات من قصيدة للعقاد في ديوانه عابر سبيل وعنوان القصيدة هو سلع الدكاكين في يوم البطالة‏,‏ والمقصود بيوم البطالة ـ كما هو واضح ـ يوم العطلة‏,‏ وقد كتب العقاد مقدمة نثرية للقصيدة يقول فيها‏:‏
بشيء من التخيل يستطيع الانسان أن يسمع سلع الدكاكين في أيام البطالة أو العطلة تشكو الحبس والركود‏,‏ وتود هذه السلع أن تبرز لتعرض علي الناس وتباع ولا تفضل الراحة والامان علي مايصيبها من البلي والتمزيق بعد انتقالها الي الشراة المشترين‏,‏ كما أن الجنين في عالم الغيب لا يفضل أمان الغيب علي متاعب الحياة وآلامها‏,‏ ولذلك تظهر الأجنة جمع جنين ألوفا بعد ألوف الي هذا المعترك الأليم‏.‏
ثم تأتي بعد ذلك الأبيات التي علق عليها الناقد اللبناني مارون عبود تعليقه الساخر المستغيث‏,‏ حيث يقول العقاد في قصيدته‏:‏
مقفرات مغلقات محكمات
كل أبواب الدكاكين علي كل الجهات
تركوها‏...‏ أهملوها
يوم عيد عيدوه ومضوا في الخلوات
البدار‏...‏ ما لنا اليوم فرار
أي صوت ذاك يدعو الناس‏...‏ من خلف جدار
أدركوها‏...‏ أطلقوها
ذاك صوت السلع المحبوس‏...‏ في الظلمة ثار
وليس عندي ما يدل علي أن هناك أي خصومة شخصية بين الناقد اللبناني مارون عبود وبين العقاد‏,‏ بل ليس عندي ما يقول بأنهما قد التقيا في أي مناسبة‏,‏ ولذلك فأنا أظن أن رأي مارون في شعر العقاد هو رأي أدبي قائم علي ذوق الناقد وطريقة فهمه للشعر‏.‏ أما ماجاء في نقد مارون عبود من سخرية قاسية فتلك صفة خاصة تتميز بها كل كتابات مارون عبود‏,‏ سواء كانت كتابته عن العقاد أو عن غيره‏.‏
أنا لا أستطيع أن أسخر من العقاد‏,‏ فالعقاد عندي له إجلال ومهابة ومقام عظيم‏,‏ وهو أحد الكبار الذين حملوا الأنوار الي العقل العربي في القرن العشرين‏,‏ والذين أناروا كما أنار العقاد‏..‏ كيف نقف منهم موقف الساخرين؟‏!.‏
لكني مع ذلك وبكل تواضع أميل من الناحية الموضوعية الي رأي مارون عبود في قصيدة العقاد‏.‏ فالقصيدة هي فكرة جافة خالية من العاطفة وفيها صنعة‏,‏ ولكن ليس فيها فن‏,‏ والصنعة هي التعبير عن المهارة‏,‏ أما الفن فهو التعبير عن الشعور ونبضات القلب والتجربة الانسانية‏.‏

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:39 AM
(60 ) الحلم الصهيوني تم تقويضه

بقلم: د. عبد الوهاب المسيري
......................................

ليس هناك من سبيل لفهم وتفسير العنف الإسرائيلي المشهور في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية،‏ إلا من خلال العودة إلي الرؤية الصهيونية للواقع،‏ التي تحدد إدراك الإسرائيليين لأنفسهم ولمن حولهم‏،‏ وإدراك المرء للواقع ‏(وليس الواقع في حد ذاته‏)‏ هو الذي يحدد سلوكه وكيفية استجابته لما يدور حوله‏.‏ كان علي العودة إلي المقولة البسيطة الساذجة التي تشكل أساسا للتصور الصهيوني للواقع‏، وهي أن فلسطين أرض بلا شعب وأن اليهود شعب بلا أرض‏.‏ والنصف الثاني من المقولة‏:‏ أن اليهود شعب جائل لا وطن له،‏ ثبت كذبه.‏ إذ إنه بعد قرن كامل من الاستيطان الصهيوني وبعد نصف قرن من إعلان الدولة‏، لا تزال الغالبية الساحقة ليهود العالم موجودة خارج الدولة الصهيونية‏،‏ مما ينفي عن هذه الدولة صفة أنها وطن كل يهود العالم،‏ وينفي عن اليهود صفة أنهم شعب يتطلع للعودة لوطنه‏.
وبالنسبة للنصف الأول من المقولة ‏(أرض بلا شعب‏)‏ فالمسألة أكثر عمقا ولا تتحمل أي تهاون،‏ إذ إن الإجماع الصهيوني يستند إليها،‏ ففلسطين من منظور صهيوني‏,‏ هي «إرتس يسرائيل:‏ وطن اليهود القومي»‏ ومن ثم فإن اليهود‏ ـ‏ كل اليهود ـ‏ لهم حقوق مطلقة فيه،‏ والحقوق المطلقة لا تقبل الآخر،‏ مما يعني إنكار حقوق العرب في أسوأ تقدير أو تهميشها في أحسنه‏، ومن هنا قانون العودة الصادر عام‏1950‏ الذي وصفه بن جوريون بأنه عمود الصهيونية الفقري،‏ وهو قانون يمنح أي يهودي ترك وطنه المزعوم من عدة آلاف من السنين الحق في العودة ليصبح مواطنا فور عودته، وتنكر ـ‏ في الوقت نفسه ـ‏ هذا الحق علي ملايين الفلسطينيين القابعين في مخيمات اللاجئين‏.‏
هذا الإجماع نموذج للعنف الفكري‏،‏ فهو رؤية اختزالية للواقع المركب يستبعد من وجدان الصهاينة فلسطين وشعبها وتاريخها بل وجغرافيتها‏،‏ والصهيونية في هذا لا تختلف عن التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية الأخرى‏؛‏ حين يتم نقل كتلة بشرية من أوروبا ويتم توطينها في أرض جديدة فيزعم أعضاء هذه الكتلة أن الأرض التي حلوا فيها أرض عذراء، ومن ثم يحق لهم اغتصابها من سكانها الأصليين‏،‏ ويحل لهم إبادتهم أو طردهم‏.‏
ومما عمق من العنف الإدراكي لدي الصهاينة،‏ هو تفسيرهم للعقيدة اليهودية،‏ فقد حولوا العهد القديم إلي فلكلور الشعب اليهودي‏،‏ وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضها العبرانيون ضد الكنعانيين وغيرهم من الشعوب التي أبادوا بعضها‏،‏ وهو يفصل فصلا حادا بين الشعب اليهودي المقدس والأغيار ـ أي غير اليهود‏ ـ‏ بكل ما يتبع ذلك من ازدواجية في المعايير، تجعل الآخر مباحا تماماً، وتجعل استخدام العنف تجاهه أمرا مقبولا‏.‏
إننا إذا ما حاولنا أن ننظر للواقع من خلال عيون مستوطن صهيوني يري العالم من خلال هذه العدسات الإدراكية فسنجده يقول‏:‏ إذا ظهر عربي علي شاشة وعيي،‏ فإنه يتحدى خريطتي الإدراكية،‏ المفروض أنه غير موجود،‏ وإن تجاسر وطالب بحقوقه ونادي بتطبيق قرارات هيئة الأمم علي «إرتس يسرائيل»،‏ أرض الميعاد اليهودية،‏ فهذا دليل علي جهله وتخلفه،‏ ولابد من تلقينه درسا‏ً،‏ وإن بدأ يتحرك نحوي‏ ـ‏ أنا اليهودي، عضو الشعب المختار، وصاحب الحقوق المطلقة ـ‏ فهذا يعني أنه إنسان مجنون وخطر لابد من القضاء عليه‏،‏ فالعرب لا يفهمون سوي لغة القوة ‏(وهذا هو أحد بنود الإجماع الصهيوني‏).‏
هنا يتحول العنف الإدراكي إلي عنف فعلي مسلح‏،‏ أي إلي إرهاب‏،‏ فتنطلق الصواريخ والمدافع والطائرات لتصبح فلسطين أرضا بلا شعب‏،‏ أو أرضا يقطنها شعب لا سيادة له يعيش داخل كانتونات تراقبه العيون الصهيونية المسلحة لتضبط حركته وتجعله يتحرك داخل حدود الإدراك الصهيوني‏،‏ وحينما يطالب الصهاينة الفلسطينيين بالجلوس معهم علي مائدة المفاوضات فهم يطلبون منهم ذلك وهم قابعون داخل إدراكهم الصهيوني،‏ فيعرضون عليهم سلاما صهيونيا حسب شروط صهيونية‏،‏ يضمن استسلام الفلسطيني،‏ فإن لم يقبل الفلسطينيون بالسلام ـ الاستسلام،‏ فإن جيش الدفاع الإسرائيلي سيتحرك ليدك المنازل ويسويها بالأرض، ليضمن أن الواقع الفلسطيني يتفق مع الإدراك الصهيوني له‏.‏
‏ثمة إحساس عميق لدي المستوطن الصهيوني بأن العربي الغائب لم يغب‏،‏ وأن وجود الشعب الفلسطيني لا يهدد حدود الدولة أو سيطرتها علي أجزاء من الأرض الفلسطينية وحسب،‏ وإنما يهدد وجودها كله‏.‏ والإسرائيليون دارسون نهمون لتجربة استيطانية سابقة تمت في نفس المكان وهي تجربة حروب الفرنجة‏,‏ وممالك الفرنجة التي دامت نحو قرنين من الزمان،‏ رحل أصحابها،‏ ولم يبق من آثارهم سوي بعض الأطلال،‏ لهذا السبب يتعمق الهاجس الأمني علي مر الأيام،‏ لا يسكنه شيء،‏ ومهما قدم العرب من تنازلات،‏ يظل الهاجس الأمني قائما،‏ وكأنه لا علاقة له بالواقع،‏ فهو حالة إدراكية مرضية لها جذور عميقة في الواقع‏.‏
هذا الهاجس الأمني ولد إحساسا عميقا باليأس لدي الإسرائيليين‏,‏ فالمؤرخ الإسرائيلي «يعقوب تالمون» يتحدث عن عقم الانتصار،‏ بعد أن رأى الجيش الصهيوني ينتصر في حرب تلو الأخرى ولا يحقق شيئا لأن الشعب الفلسطيني يرفض الاختفاء، ولأن الشعب العربي لا يتوقف عن تأييد الفلسطينيين، وأن الشعوب الإسلامية لا تزال مستمسكة بالقدس وبأرض فلسطين‏.‏ أما الشاعر الإسرائيلي «حاييم جوري» فيتحدث عن أرض إسرائيل،‏ أي فلسطين قائلا‏:‏ «إن هذا التراب لا يرتوي،‏ فهو يطالب بالمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى»،‏ بل إنه يري أن «الإسرائيلي يولد وبداخله السكين الذي سيذبحه‏».‏
إن الإحساس باليأس قد يؤدي في النهاية إلي الفرار والهزيمة،‏ ولكنه في المراحل الأولي يؤدي إلي مزيد من العنف الفكري الذي يؤدي إلي مزيد من الإرهاب الفعلي،‏ وكلما زادت المقاومة الفلسطينية زاد البطش إلي أن يصل المستوطن الصهيوني إلي اللحظة التي يدرك فيها أن العنف لن يجدي فتيلا أمام المقاومة،‏ وأن تحالف إسرائيل الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والعالم الغربي‏ (وهذه هي آخر بنود الإجماع الصهيوني‏)، لن يفيدها كثيرا في محاولة قمع الفلسطينيين،‏ عندئذ سيمارس هذا المستوطن تحولا إدراكيا إذ إنه لن يمكنه الاستمرار في الادعاءات أمام نفسه بأن فلسطين هي «إرتس يسرائيل»، وأنها أرض بلا شعب تنتظر عودته منذ آلاف السنين،‏ عندئذ ستسقط الأسطورة وتبدأ النهاية‏.‏
في ‏18‏ أكتوبر عام‏1973‏ كتبت مقالا بعنوان «لا نهاية للتاريخ»، أشرت فيه إلي أنه بغض النظر عن نتيجة الحرب،‏ فإن نظرية الأمن الإسرائيلية المبنية علي فكرة الحدود الجغرافية الآمنة،‏ والتي تسقط عنصر الزمان،‏ قد انتهت،‏ لأن العرب أثبتوا مقدرتهم علي تطوير أنفسهم بمرور الزمن‏.‏ وحينما حانت اللحظة المواتية‏ تحركوا وألحقوا الهزيمة بالعدو الذي أدرك بعدها أن الأمن لا يوجد في المكان وحسب،‏ وإنما يوجد في الزمان أيضاً،‏ وأنه ليس مسألة خاصة بالعلاقة بالجبال والحواجز المائية والترابية،‏ وإنما أمر يتعلق بالعلاقة مع البشر‏.‏ وقد أنجزت انتفاضة ‏1987م‏ شيئاً من هذا القبيل،‏ فمن خلال فعل المقاومة، تنازل الإسرائيليون واعترفوا بالوجود الفلسطيني،‏ وجوداً هزيلاً،‏ محاصَراً من كل مكان،‏ ولكنه وجود حقيقي‏,‏ أي أن الخريطة الإدراكية الصهيونية تم تعديلها بشكل جذري،‏ أما انتفاضة الأقصى ‏(التي يطلق عليها البعض اسم انتفاضة الاستقلال‏)‏ فقد تركت جرحا غائرا في الوجدان الصهيوني أكثر عمقا وجذرية من أي جرح سابق،‏ إذ إنني أرى أن الحلم الصهيوني قد تم تقويضه وإلى الأبد،‏ وانتهى الوهم بأنه يمكنه التعايش مع العربي.‏ ومن الآن فصاعداً،‏ مهما يحدث بعد انتفاضة الأقصى‏، حينما سينظر الصهيوني إلي العربي بعيونه المسلحة،‏ فإنه سيري مشروع انتفاضة،‏ وسيري يداً تُمسك بحجر‏,‏ وأن هذا العربي الذي يسير أمامه في سلام‏،‏ هو في واقع الأمر عربي يلتقط أنفاسه ليعود ليقاوم وليرفع رايات العدل والصدق في زمن يكثر فيه الكذابون والجبناء‏..‏ وهذا هو الإنجاز الأعظم لانتفاضة الاستقلال‏..‏ والله أعلم‏».‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
*المصدر: صحيفة "الأهرام"، العدد (41609)، الصادر في، 7/11/2000م، ص11.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:40 AM
(61) كيف تُكتب الرواية الجديدة؟

بقلم: محمد جبريل
.........................

كانت المعادلة الصعبة التي طرحت نفسها في البداية. هي أن أكتب ما أطمئن إليه. وأن يطمئن القاريء إلي قيمة ما أكتب. وبالتحديد. فقد كنت أحب أن أضع القصة في الإطار الذي أتصوره في عصرنا مناسباً لها. وليس في إطار السلفية الثابتة. ولم يكن التجديد لمجرد التجديد هو هدفي في الحقيقة. بقدر ما كان يصدر عن نظرة يقينية أن دائرة الفنون الخلاقة مكتملة. وأن الأسلوب الذي يعالج به الفنان لوحة. ربما يفيد منه كاتب القصة القصيرة. والوسائل التكنيكية التي يلجأ إليها كاتب السيناريو السينمائي قد تحقق التأثير ذاته في رؤية أدبية. والهارموني الذي يحرص عليه المؤلف الموسيقي هو ما يحقق للقصيدة الشعرية وحدتها العضوية. ولفرجينيا وولف مقولة شهيرة "في ديسمبر 1910. أو حوالي هذا التاريخ. تغيرات الطبيعة الإنسانية". وكانت فرجينيا وولف تقصد بتغير الطبيعة الإنسانية. تغير المعرفة بالطبيعة الإنسانية. أما التاريخ الذي كان بداية لذلك التغير. فهو تاريخ إقامة معرض للرسامين بعد الانطباعون في لندن. عرضت فيه أعمال لسيزان وفان جوخ وماتيس وبيكاسو. كانت تمثل ثورة علي المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي. والتي تقف في موازاة المدرسة الطبيعية في الرواية "حددت فرجينيا وولف تاريخ الثورة علي المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي. والطبيعية في الرواية. بأنه ديسمبر .1910 مع ذلك. فإن محاولات نجيب محفوظ في الأربعينيات من القرن العشرين جاءت أشبه بثورة في دنيا الرواية العربية!". بلغ يقيني بصلة الفنون بعضها ببعض. وضرورة تأثر كل فن بالفنون الأخري. أني رفضت "قد" في رأي سارتر بأن الفنون في عصر واحد قد تتبادل التأثير فيما بينها. ذلك لأني كنت أومن ومازلت بضرورة إن لم يكن بحتمية ذلك التأثر والتأثير الذي تتبادله فنون العصر الواحد. وطبيعي أن الرفض ينسحب علي قول ميشيل بوتور بأن الرواية الجديدة انتهت "ومهمتها كانت إزالة الحواجز بين الفنون". إنه رأي متناقض وغير منسجم. لأن إزالة الحواجز بين الفنون ليست عملاً طارئاً. ولا وقتياً. ولا تعبيراً عن مودة موسمية. إن الأدب علي نحو ما محور لبقية الفنون. نقطة جذب واتصال. إيقاع المفردات والتعبيرات يتسلل إلي الأذن. فيحمل طبيعة الموسيقي. ويطالع العين. فيحمل طبيعة الفن التشكيلي. وقد استطاعت الرواية عندما لجأت إلي فنيات الإبداعات الأخري أن تغادر عنق الزجاجة. تجاوز الاستاتيكية إلي ديناميكية متجددة. تستوعب الإبداعات الأخري. وتسيطر وربما تفوقت عليها.
الرواية هي أشد الأجناس الأدبية قدرة علي احتواء بقية الأجناس من قصة وشعر وحوار درامي. وهي الأشد قدرة علي استيعاب الفنون الأخري من مسرح وسينما وموسيقي وفن تشكيلي إلخ. بل إنها الأشد قدرة علي احتواء الموروث الشعبي والأسطورة والاجتهاد الفلسفي والمشكلة الاجتماعية والواقعة التاريخية والتحليل النفسي. بحيث تتشكل من ذلك كله أو بعضه ضفيرة العمل الروائي.
أخيراً. فإن الرواية هي الأشد قدرة علي احتواء الإنسانيات في اطلاقها. واستيعابها لصالح بنائها المضموني والشكلي. بما يجعل من الرواية فناً يعني بالتواصل والمعرفة معاً.
تعبير الرواية الجديدة يستفز التأمل. ذلك لأنه سوف تولد دائماً رواية جديدة. إلي جانب أن الرواية الجديدة لاتعني اتجاهاً محدداً لكل الأدباء. فاتجاه ميشيل بوتور مثلاً يختلف عن اتجاه ناتالي ساروت وآلان روب جرييه. واتجاه جرييه يختلف عن اتجاه ساروت وبوتور إلخ. ولعلي أوافق جرييه علي قوله بأن تعبير الرواية الجديدة ليس دلالة علي مدرسة بل ولا جماعة معينة من كتاب يعملون بطريقة واحدة. وإنما هي تسمية مناسبة تشمل كل من يبحثون عن أشكال جديدة للرواية. قادرة علي التعبير عن علاقات جديدة. أو علي خلق هذه العلاقات بين الإنسان والعالم.
كانت الرواية جديدة دائماً. وينبغي أن تظل كذلك. حقق جدة الرواية كل في زمانه جوجول وبلزاك وتورجنيف وفلوبير وزولا وديكنز وديستويفسكي وبروست وفرجينيا وولف وكافكا وجويس وهمنجواي ومحفوظ وعشرات غيرهم.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:41 AM
(62) البوشيون العرب وحلف الفضول

بقلم: د. جابر قميحة
......................

أصبح لبوش والولايات المتحدة, حزب في مصر والبلاد العربية يمكن أن نطلق عليه حزب (البوشيين العرب). وهذا الحزب يعد - في نظري - تطويراً فنياً لحزب «التطبيعيين» الذين عاشوا وشغلهم الشاغل الدعوة والعمل الدائم علي تطبيع العلاقات مع إسرئيل.
والبوشيون العرب – ومنهم حكام وكتاب وساسة ورجال أعمال - لم يعودوا يكتفون بالدعوة إلي الوقوف بجانب الولايات المتحدة في «محنتها» و"رسالتها", والعمل علي ضرب الإرهابيين في كل مكان, ولكنهم بدءوا يصرخون - بوجوه كالحة لا تعرف الحياء - بضرورة الدخول في الحلف الأمريكي , أي تحت عباءته , وسقف خيمته , حرصا علي المصالح العربية والوطنية, بل حرصا علي الوجود العربي ذاته كما يعتقدون, وذلك بعد أن أعلن «الامبراطور الكوني» بوش: «من ليس معنا, فهو علينا» أي لا وسطية... أي: إما أبيض, وإما أسود, ولا مكان «للرمادي» بأية حال. وعلي سبيل الفرض والتمثيل: لو أن دولة أعلنت أنها ستساعد الولايات المتحدة في ضرب الإرهاب بصدق وأمانة انطلاقا من المصالح الوطنية, مع احتفاظ الدولة باستقلالها في اتخاذ القرار, واختيار الأسلوب المناسب لمحاربة الإرهاب.. لو حدث ذلك لكان - من وجهة النظر الأمريكية - مرفوضاً.. مرفوضاً بشدة, أي لابد من الدخول صراحة في «الحلف البوشي», وطبعا سيكون في الحلف تابع ومتبوع, وآمر ومأمور, وسيد ومسود.
وواضح أن الامبراطور الكوني بوش سيكون هو السيد الآمر المتبوع, أما التابعون المسودون المأمورون, الصادعون بما يُأمرون فالدول الأعضاء في الحلف البوشي, وخصوصاً دول العالم الثالث, فلو أن الامبراطور بوش - أو أحد مساعديه المختصين - أصدر أمراً بالقبض علي المواطن المصري «زعبلاوي مؤنس المفتخر» وتسليمه للولايات المتحدة خلال أسبوع من إصدار الأمر لشبهة اشتراكه في التخطيط للضربات التي نزلت بالولايات المتحدة لكان علي المسئولين تنفيذ الأمر, ولا حق لهم في طلب أدلة تدين المواطن «ز.م. المفتخر»» لأن مثل هذا الطلب يعد تمردًا علي «الامبراطور الكوني» من ناحية, وعلي الحلف المقدس من ناحية أخري.
**************
ولكن دعك من هذا الآن , لنقف أمام ما هو أدهي وأمرّ, وأعني به توظيف الدين والسيرة النبوية لتبرير الدخول في «الحلف البوشي». فالمسلم العاقل يصاب بالغثيان حينما يري «مسلماً» - المفروض أنه عالم - يزعم أن الإسلام لا يمانع في محالفة غير المسلمين (والمقصود هنا الحلف البوشي) إذا كانت المصلحة في ذلك , فالرسول - صلي الله عليه وسلم - قبل البعثة اشترك في حلف الفضول الذي عقدته جماعة من قريش - وهم وثنيون - بهدف نصرة المظلومين. كما أنه أثني علي الحلف بعد أن بعث نبياً ورسولا.
***************
وهذا الإيجاز قد يكون مخلا , لأنه يوقع المسلم في اللبس والخطأ والحرج, لذا أجد من اللازم أن نقف وقفة بصيرة أمام هذه الواقعة التاريخية لنري إن كان الاستشهاد بها لتبرير الاشتراك في الحلف البوشي صحيحاً سديداً, أو ساقطا ذميما.
كان حلف الفضول قبل البعثة بعشرين عاما, ويقال في سببه :أن رجلا يمنيا من زبيد قدم مكة ببضاعة اشتراها منه «العاص بن وائل» وهو واحد من أغني وأشرف رجال مكة, ولم يدفع للرجل ثمن بضاعته, وأخذ يماطل ويمتنع, فاستعدي عليه كبارا من قريش, فرفضوا أن يعينوه ونهروه, وذلك لمكانة «العاص» فيهم. فوقف الرجل علي جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة, وبأعلي صوته ألقي شعرا يعرض فيه قضيته. فقام الزبير بن عبدالمطلب ورجال من هاشم وزهرة وتيم لمناصرة الرجل الغريب واجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان فتعاقدوا وتعاهدوا - كما يروي ابن إسحاق - علي ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه, وكانوا علي من ظلمه حتي ترد عليه مظلمته. وسمي الحلف حلف الفضول (والفضول جمع فضل, وفضيلة أي الدرجة العليا من الإحسان) وقد حضره محمد - صلي الله عليه وسلم - وسنه عشرون أي قبل بعثته بعشرين عاما. وبعد بعثته قال: «لقد شهدت في دار عبدالله بن جُدعان حلفا ما أحب أن لي به حمرَ النَّعَم, ولو اُدعى به في الإسلام لأجبت».
ومن هذا العرض تتضح حقيقة هذا الحلف , والهدف الذي دعا إلي إنشائه, وتتضح كذلك الفروق الهائلة بينه وبين الحلف البوشي:
1- فحلف الفضول قام علي أساس واضح متين لتحقيق هدف إنساني محدد هو مناصرة المظلوم علي ظالمه حتي يأخذ حقه منه.
أما الحلف البوشي فغير محدد الأساس, وهدفه - كما أعلن عنه - ذو مفهوم هلامي منفوش. فإذا قيل: إن هدفه القضاء علي الإرهاب, وجدنا أن هذا التحديد يفقد الطابع الإنساني , لأنه لا يصدق علي الإرهاب الموجه إلي المسلمين والفلسطينيين, بل إنه يخل بالمفاهيم السوية فيجعل من المقاومة والجهاد لتحقيق الحرية وتحرير الأرض من غاصبيها إرهابا يجب أن يضرب ويقضي عليه.
2- كان لحلف الفضول هدف أو وجه واحد واضح وهو الحرص العملي علي «إقامة العدالة» والقضاء علي الظلم, أما الحلف البوشي فثبت أن له وجوها ثلاثة هي:
وجه ظاهر: يتمثل في مقاومة الإرهاب وضربه.
ووجهان خفيان باطنيان: أولهما: فرض السيطرة الأمريكية الكاملة علي شعوب العالم وحكوماته سياسياً واقتصاديا وعسكريا.
وثانيهما ضرب الإسلام, وكل المؤسسات والجماعات الإسلامية حتي المعتدلة منها, وقد كان بوش صادقاً حينما وصف الحرب القادمة بأنها «حرب صليبية جديدة».. نعم كان صادقا في هذه المقولة - وهو الكذوب - وإن تراجع بعد ذلك عن تصريحه هذا بعد أن نبهه رجاله إلي أن هذا التصريح فيه خدش لشعور المسلمين, وإثارة لقواهم الكامنة, وإحراج لحكامهم أمام شعوبهم. ثم عاد وتحدث عن إصراره على ضرب "الفاشية الإسلامية".
كما قرأنا الهجوم الخسيس الذي هاجم فيه رئيس الوزراء الإيطالي الإسلام والمسلمين والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية. وظهرت بعدها الرسوم الدانمركية التي تتهكم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم كانت الجريمة القذرة التي ارتكبها بابا الفاتيكان النازي الصهيوني .
3- قام حلف الفضول علي مبدأ الحرية, فلم يجُبر عاقدوه الآخرين علي الاشتراك فيه. أما الحلف البوشي فهو «إجباري».. وإلا.. فهو يعتمد علي مبدأ «من لم يشترك في الحلف كان ضد الحلف, ومن كان علي الحياد, أو ساعدنا من بعيد فهو علينا».
4- نشأ حلف فضول كرد فعل «لظلم داخلي» وقع من ظالم من زعماء مكة علي «مظلوم خارجي» أي غريب مستضعف. أما الحلف البوشي فجاء رد فعل «لكارثة داخلية» - مازال فاعلها مجهولا, ونتج عنها قيام "الامبراطور" بالتلطيش العشوائي, والاتهام بالشبهة للمسلمين في الداخل والخارج.
5- كان حلف الفضول «عادلا» إذ جعل الجزاء من جنس العمل دون إسراف وشطط, فلم يتجاوز «رد الظلم عن المظلوم, وأخذ الحق لصاحبه».
أما الحلف البوشي فآليته حرب مسعورة جائحة ضد جماعات وقيم, وحكومات وشعوب عسكريا وسياسيا واقتصادياوعقديا, ومن تصريحات بوش أنها ستكون حربا هجومية منهجية ستستغرق وقتا طويلاً, وستكون أوسع نطاقا مما يتصور الآخرون».
6- كان حلف الفضول «حلفا محلياً» لا يستفيد منه إلا من ظُلم بمكة - أرض الحرم - يستوي في ذلك أهلها ومن دخلها من سائر الناس.
أما الحلف البوشي فيصر الامبراطور بوش وحواريوه علي أن يستغرق الكرة الأرضية كلها.
*****************
فهل يحق لمسلم - من المفروض أنه عالم - أن يجيز اشتراك الحكومات المسلمة في «الحلف البوشي» قياسا علي حضور النبي - صلي الله عليه وسلم - حلف الفضول في دار عبدالله بن جدعان قبل أن يبعث بعشرين عاما, وثنائه علي الحلف وهو نبي, بعد أن رأينا الفروق الهائلة بين هذا الحلف الجاهلي النبيل والحلف البوشي العدواني الوبيل»?
وأخيرًا أقول لعالم السلطة : رحم الله من سُئل: مَن السِّفلة فقال: «إنهم الذين يأكلون بدينهم».
komeha@menanet.net
.....................................
*المصريون ـ في 13/10/2006م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:42 AM
(63) مائة عام على رحيل فارس السيف والقلم
محمود سامي البارودي

بقلم: صلاح حسن رشيد
.............................

تجمعت عوامل خاصة وظروف مواتية ساعدت على بزوغ نجم شاعر العرب في العصر الحديث، ورائد التجديد والإحياء بلا منازع وشاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي باشا (1839 1904م) الذي رد لشعرنا العربي صورته النقية، ووجهه الصحيح، وروحه التي ضلت عن السرب، حيث استقرأ تاريخنا الشعري عبر صفحاته المتلألئة زمن الجاهليين والعباسيين.
توصل بقريحته الفذة، وخياله المحلق في الإبداع الإنساني - وعلى رأسه ما أنتجته السليقة العربية من فنون الوجدان والأنغام الساحرة إلى أعلى نموذج فني وأدبي يمكن أن تهتدي إليه الذائقة العربية.. وهكذا أحيا البارودي في الوجدان العربي تاريخنا الفني القشيب، متجاوزاً مرحلة السجع والجناس ومن ثم استنبت البارودي لأمته العربية ما يصلها بجذورها الممتدة الراسية في شجرة الحضارة والنهضة التي أسسها الأجداد العظام، وربط ما انقطع برباط متين، ولفت الأنظار إلى النموذج الأعلى في عالم الجمال الفني لكي نستمد منه الأصالة والحيوية والفتوة، وننطلق من خلال المعاصرة إلى مناحٍ أخرى من التجديد والتطوير والإضافة ولكن بروح عصرنا ومنطق بيئتنا وظروفنا الخاصة، بالاعتماد على مضمون جديد في إطار الشكل المتعارف عليه رمز البلاغة والموسيقى.
نشأة البارودي وبيئته
ولد البارودي في قرية إيتاى البارود بمصر، فاتحاً عينيه على نغمات ربة الشعر حيث عاش ونما وترعرع في بيئة تعتز باللفظ الرشيق، وتميل إلى ترديد الفخم الجزل من الأبيات التي تعلم الفروسية والبطولة والنخوة والشهامة وكراهية الضيم. وما إن بلغ السابعة من عمره إلا وعانقته ربة الشعر والتحمت بكيانه.. فقد وجد متسعاً من الوقت في بيته ليطالع أمهات الدواوين من الشعر القديم حفظاً وتذوقاً ومعايشة كما وجد في أعمامه وأخواله وأسرته خير معين على تغذية شاعريته المتفجرة.
يقول البارودي صبياً:
أنا في الشعر عريق لم أرثه عن كلالة
كان إبراهيم خالي فيه مشهور المقالة
وقدر لهذا الشاعر الكبير أن يكون فارس الميدان العربي فروسية فعلية وقولية، حيث التحق بالمدرسة الحربية بمصر يريد أن يتخرج فيها ضابطاً على غرار أبيه، وكأنما كان يحن إلى استعادة أمجاد البطولة والفخار والانتصارات العسكرية المدوية في جنبات أوروبا التي سجلها عصر محمد علي باشا.
وكأن القدر اختار لهذا الفتى النابه أن يجمع بين الحسنيين معاً.. الريادة الشعرية، والمجد العسكري.
يقول الشيخ المهدي: وفى هذه الأيام من عهد عباس الأول دخل البارودي المدرسة الحربية فلم تستطع أن ترده عن مناهل الشعر العربي القديم بل مضى يعكف عليها، ويسرف في العكوف، وكأنما أصبحت جزءاً من نفسه، وكانت العروبة تتعمق في هذه النفس بحكم أسرته وبحكم بيئته المصرية العربية، وبعد تخرجه من المدرسة الحربية نراه محولاً إلى نفسه هذا السيل الغزير، وكان أكثر ما يستهويه أشعار الحماسة والبطولة والقوة وما يتراءى له في الأفق البعيد من أمجاد أسلافه المماليك الذين عصفوا بالصليبيين والمغول وطردوهم شر طردة.
هذا هو البارودي وعالمه الشعري الذي تستوحي في أجوائه معاني النضال القومي والتحرير الوطني والفروسية بأجوائها التاريخية في سياقات وأشعار المتنبي وأبى فراس الحمداني، ومن قبلها شهامة ونخوة عمرو بن كلثوم ودفاعه عن العروبة إزاء غطرسة الآخر المتجبر، وهذا هو قاموسه الشعري غير المسبوق في زمانه الذي نحته نحتاً من غير مثيل ولا شبيه، وكأنه أعاد إلينا زمن المتنبي، حيث الفحولة والمتانة والفروسية ورسالة الشاعر القومية والمجتمعية.
وبسبب فروسيته تلك شعراً وحرباً اشترك البارودي في الحرب التي قادتها مصر عندما استنجدت بها الخلافة العثمانية لإخماد الثورة التي نشبت في جزيرة كريت، وأبلى فيها بلاءً حسناً حتى هفا قلبه لرؤية بلاده، فقال:
سرى البرق مصرياً فأرقني وحدي
وأذكرنى ما لست أنساه من عهد
النضال والثورة ضد الظلم
ولما عانى الناس من الظلم والفاقة في عهد الخديوي إسماعيل ثار الغيورون، وعلى رأسهم بالقطع فارس الحلبة وشاعر العرب ومصر محمود سامي البارودي الذي قال:
حلبت أشطر هذا الدهر تجربة
وذقت ما فيه من صابٍ ومن عسل
فما وجدت على الأيام باقية
أشهى إلى النفس من حرية العمل
لكننا من رجال السوء في زمن
أهل العقول به في طاعة الخمل
ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت
قواعد الملك حتى ظل في خلل
وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة
بعد الإباء وكانت زهرة الدول
ولهذا فلا ننتظر من البارودي الثائر، الفارس المغوار، الباني للعربية مجدها الشعري في العصر الحديث سوى مجابهة الطغيان والذل والقهر، وليس الخضوع والاستسلام؛ لأن قاموسه الحياتي والشعري لا يعرف إلا لغة القوة والصمود.
قوة العزيمة
وباستقراء ديوان البارودي المكتنز بالخيال الجميل، والصور الرائعة، والألفاظ المتينة القوية ذات الجرس العالي نلحظ ميله إلى الحديث عن طلب المجد وسل السيف ونشدان الحرية مثلما كان يفعل المتنبي، وكأنه قرينه في هذا العصر:
من صاحب العجز لم يظفر بما طلبا
فاركب من العزم طرفاً يسبق الشهبا
لا يدرك المجد إلا من إذا هتفت
به الحمية هز الرمح وانتصبا
يستسهل الصعب إن هاجت حفيظته
ولا يشاور غير السيف إن غضبا
إن حل أرضاً حمى بالسيف جانبها
وإن وعى نبأة من صارخ ركبا
فاحمل بنفسك تبلغ ما أردت بها
فالليث لا يرهب الأخطار إن وثبا
يقول الدكتور شوقي ضيف عن ريادة البارودي مصرياً، وعربياً وحمله تاج الإحياء والتجديد: "وبينما يعاني الشعر العربي في كل قطر من الأقطار العربية هذه المحنة يقصد التكلس الشعري زمن المماليك والعثمانيين التي تأخذ بأنفاسه إذا مصر يقدر لها أن تكون أسبق هذه الأقطار إلى النهوض به وبث الحياة فيه من جديد لا عن طريق هؤلاء الشعراء، وإنما عن طريق البارودي الذى كان أمة وحده في عصره، والذى امتلأ طموحاً بتحقيق مجد شعري تعنو له الوجوه، وقد ملك عليه الشعر قلبه، واستهوى لبه؛ فإذا هو يرفع لواءه محرراً له من قيوده الغليظة، وإذا هو يحمل شعلته إلى الأجيال الجديدة، وسرعان ما توهجت وهجاً لا نزال نعيش فيه إلى اليوم".

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:48 AM
(64) المسلسلات والصراع مع الصهاينة

بقلم: دينا الحسيني
......................

بعث السفير الإسرائيلي لدى مصر شالوم كوهين برسالة احتجاجية إلى أنس الفقي وزير الإعلام عبر فيها عن استيائه من قيام التلفزيون المصري بتكرار عرض الأفلام والمسلسلات، التي تتناول الصراع التاريخي مع إسرائيل، وحرب الجاسوسية من واقع ملف المخابرات المصرية.
وعلمت "المصريون" من مصدر أمني أن المستشار الإعلامي للسفارة أعد تقريرًا حول الأفلام والمسلسلات الوطنية المصرية التي تعرض علي شاشة التلفزيون والقنوات الفضائية، والتي تحكي تاريخ الصراع بين مصر وإسرائيل منذ نكسة 1967وحتى الانتصار في أكتوبر عام 1973.
وساق في تقريره نماذج على ما قال إنها مسلسلات مثيرة لاستفزاز مشاهديها من الإسرائيليين، مثل "الحفار" و"السقوط في بئر سبع"، و"رأفت الهجان"، و"دموع في عيون وقحة"، وعدد من الأفلام مثل "مهمة في تل أبيب"، و"الطريق إلي إيلات" و"بئر الخيانة"، و"إعدام ميت" وغيرها من أفلام.
وأكد كوهين في رسالته التي وجهها إلى الوزير أمس الأول أن هناك اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل ولا داعي لاستفزاز الشعب الإسرائيلي بمثل هذه الأعمال.
وقد التزم وزير الإعلام من جانبه الصمت، ورفض التعليق على الرسالة.
يذكر أن مثل هذه الشكاوى دأبت إسرائيل على إرسالها إلى مصر منذ توقيع اتفاقية السلام بين الجانبين، وكان أشهرها في مسلسل "فارس بلا جواد"، الذي أثار عنده عرضه منذ سنوات جدلاً كبيرًا، بسبب تطرقه إلى مال يعرف بـ "بروتوكولات حكماء صهيون".
.........................
*المصريون ـ في 8/6/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:49 AM
(65) لماذا توقف برنامج "أمسية ثقافية" لفاروق شوشة؟

بقلم: محمــــــــــــــد جبريــــــــــل
........................................

لا شك أن برنامج "لغتنا الجميلة" الذي يقدمه الشاعر الكبير فاروق شوشة هو أحد المعالم المهمة في إذاعة القاهرة لا أذكر بدايته فهي تعود إلي سنوات بعيدة وإذا كانت صفية المهندس تتحدث في مقدمة البرنامج -باسم البحر- عن الدر الكامن الذي يعني الغواص باستخراجه من الأعماق. فإن غوص فاروق شوشة أتاح لنا التعرف إلي ما نعرفه وما لا نعرفه من قسمات اللغة. بداية من المفردة وحتي الجملة ذات الدلالة. مرورا بالخصائص البلاغية للغتنا الجميلة.
وقد مثل برنامج "أمسية ثقافية" الذي قدمته القناة الثانية بالتليفزيون علي مدي سنوات إضافة مهمة من فاروق شوشة إلي برنامجه الإذاعي فقد استضاف رموزا فكرية وثقافية عنوا بمناقشة الإبداعات والقضايا التي تعكس في مراياها جماليات اللغة.
بالطبع فإن إعادة القناة الثقافية تقديم حلقات سابقة من برنامج أمسية ثقافية "يعني جدية الاجتهادات التي يناقشها البرنامج. وتجددها. بحيث لا نملك إلا التعجب من إيقاف هذا البرنامج في قناته الأصلية وكما تري فلم تعد القناة الثانية تقدم برامج جديدة ولا قديمة. وإنما اختفت الأمسيات الثقافية منها تماما!
قيل إن المسئولين عن القناة أخروا موعد تقديم البرنامج إلي ما بعد الثانية صباحا مما اضطر فاروق شوشة إلي طلب إيقافه وعبر الطلب -فيما يبدو- عن هوي المسئولين في القناة فأوقفوا البرنامج بالفعل.
حياتنا متكاملة. أو هكذا يجب أن تكون. الاهتمام ببعد ما يجب ألا يصرفنا عن بقية الأبعاد. والمواد الإعلامية ينبغي ألا تقتصر علي الكرة والأغنيات وأفلام الحب. وقضايا السياسة أحيانا. الثقافة الأدبية. ثقافة الكلمة. قيمة من الخطأ -أيا تكن الأسباب- أن نهملها.
مواد القناة الثانية تمتد بامتداد ساعات الليل والنهار وظني أنه لن يشوه قسماتها برنامج يستهدف تعميق الحس الجمالي في نفوس المشاهدين وبتعبير آخر فإن ساعة من الثقافة الرفيعة ضمن أربع وعشرين ساعة من البرامج الأخري لن يسيء إلي صورة التليفزيون بل إن وجودها يضيف إلي مواد التليفزيون ويؤكد التنوع المطلوب لاكتمال الخدمات الإعلامية.
أخشي أن المسئولين عن القناة يقيسون الأمور من زاوية ميولهم الشخصية ما يحبون وما يكرهون ما يفهمون وما لا يشغلون أنفسهم بمحاولة فهمه فيبحثون من وجهة نظرهم- عما يمتع المشاهد وإهمال ما قد يفيده وهو خطأ إعلامي معيب أثق أن وزير الإعلام أنس الفقي -الذي يجد في العمل الثقافي ضرورة يصعب إغفالها- لن يسمح باستمراره.
أمسية ثقافية.. برنامج يجب علي التليفزيون المصري أن يعتز بتقديمه!
......................................
*المساء ـ في 16/6/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:51 AM
(66) باكثير مقاوما

بقلم: أ.د. حسين علي محمد (1)
........................................

في العاشر من نوفمبر 1992م مرَّ على رحيل علي أحمد باكثير ـ رحمه الله ـ ثلاثة وعشرون عاماً، وقد عرفه الناس روائيا من خلال "سلامة القس"، و"وا إسلاماه"، والثائر الأحمر" … وغيرها. وعرفه الناس كاتبا مسرحيا من خلال "ملحمة عمر"، و"شادية الإسلام"، و"إخناتون ونفرتيتي"، و"حبل الغسيل"، و"الدودة والثعبان" … وغيرها. وعرفه الناس شاعرا من خلال قصائده التي نشرت في "الفتح"، و"الرسالة"، و"الثقافة"، و"أبولو" … وغيرها.
ومسرح علي أحمد باكثير مسرح مقاوم لا نستطيع أن نتناوله بالدرس والتحليل هنا، وإنما يمكننا أن نشير إلى مسرحية "الدودة والثعبان" التي كتبها بعد هزيمة 1967م مباشرة وفيها يدعو إلى إنشاء جيش الشعب لمواجهة الاستعمار الصهيوني الجديد. والمسرحية تتحدث عن مقاومة المصريين أثناء حملة نابليون على مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. ولنقرأ هذا الحوار بين الشيخ الجوسقي وزوجته ناصحة بعد أن رفض ما عرضه عليه نابليون من أن يكون سلطانا لمصر:
ناصحة: تعال هنا يا سيدنا الشيخ، كيف ترفض ما عرضه عليك؟
الجوسقي: إنه أراد أن يستدرجني يا ناصحة!!
ناصحة: يستدرجك؟
الجوسقي: حتى أسقط في عيون الناس، فينفضوا عني إذا علموا أني طامع في منصب السلطنة.
ناصحة: لكنك كنت طامعا في هذا المنصب، وتعمل له منذ خمس وعشرين سنة، فماذا كنت ستصنع؟
الجوسقي:كنت سأنشئ جيش الشعب، وأطرد المماليك من البلاد، وأحرر الأمة من ظلمهم، ثم أعلن نفسي سلطانا فلا يختلف فيَّ اثنان!
ناصحة: لكن ذلك أصبح مستحيلا اليوم بعد مجيء الفرنسيس، فلماذا لا تقبل ما يعرضه كبيرهم عليك؟
الجوسقي: لا يا ناصحة لا أقبل أن أكون خادما للفرنسيس،خائنا للأمة.
ناصحة: انقلب عليهم بعد ذلك، بعد أن تكون سلطانا نافذ الكلمة.
الجوسقي: هيهات يا ناصحة. من باع نفسه للشيطان لا يستردها أبدا( ).
وقد كتب الدكتور أحمد السعدني دراسة عن "مسرح باكثير السياسي" وضح فيها ملامحه الموضوعية والفنية. وعن باكثير الشاعر نشرت دراستان: "علي أحمد باكثير: حياته، شعره الوطني والإسلامي"، للدكتور أحمد عبد الله السومحي، و"علي أحمد باكثير شاعرا غنائيا" للدكتور عبده بدوي، بالإضافة إلى بعض المقالات، ومنها مقالة "شاعر كبير" للدكتور حلمي محمد القاعود( )، وهذه الدراسات القليلة لا تُعطي شاعرا ضخما ذا رسالة مثل باكثير حقه في الدراسة والتقويم.
إن قصيدته المُقاوِمة "إما أن نكون أبدا أو لا نكون" التي كتبها عقب انتصار إسرائيل عام 1967م كانت أولى القصائد التي أشعلت الغضب الإسلامي في الصدور:
إما نكونُ أبداً
أو لا نكونُ أبدا
غداً وما أدنى غدا لو تعلمونْ
إما نكونُ أبدا أو لا نكونْ
ويقول فيها:
لله في المبدأ والمعادْ
بالله في القلبِ وفي الكفِّ وفي الزِّنادِ
ننتزعُ الحياةَ من جوفِ الرَّدى
حتى ننالَ النصرَ أو نسْتشهدا
إما نكونُ أبدا أو لا نكونُ أبدا
هذه القصيدة ذات العقيدة الإسلامية الناصعة في حاجة إلى دراسات فنية من خلال شعره الرائد، فلا يمكننا أن نقول: إن صاحبها من رواد شعر التفعيلة في مسرحه، أو كتب كما ضخما من الدواوين أو تناول الإسلام في جُل قصائده ـ وهذا حق، وهو فعل كل هذا ـ وإنما المطلوب دراسة فنية لشعره المقاوِم تضع يدها على تميزه شاعرا إسلاميا مقاوما ـ قبل شعراء المقاومة ذوي التوجه القومي في فلسطين ( محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد) مع دراسة لإنجازاته في القصيدة الغنائية والمسرح الشعري، ودور المقاومة في تطوير أدواته الفنية.
إن خصوصية الإبداع في الشعر الإسلامي تتجسد عند هذا الرائد الشعري الكبير، ويتعجب الإنسان حينما يرى بعض محدودي الموهبة ورواد الفوضى في القصيدة العربية الحديثة قد كُتبت عنهم الدراسات والكتب، وأُصدرت الملاحق الخاصة من الدوريات بينما الأصلاء من موهوبي هذه الأمة (الإسلامية) يُحيط بهم النسيان والنُّكران من كل جانب!
ـــــــــــــ
(1) نشر في مجلة "الدعوة"، العدد(1370) ،10/12/1992م، ص38.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:52 AM
(67) أعرابي في حمام

بقلم: علي الطنطاوي
..........................

صحبنا في رحلتنا إلى الحجاز، دليل شيخ من أعراب نجد يُقال له:" صْلَبى" ما رأيت إعرابياً مثله قوة جنان، وفصاحة لسان، وشدّة بيان، ولولا مكان النبرة البدوية من لسانه لحسبته قد انصرف الساعة من سوق عكاظ، لبيان لهجته وقوة عارضته، وكثرة ما يدور على لسانه من فصيح الكلام، وكان أبيّ النفس، أشمّ المعطس، كريم الطباع، لكن فيه لوثة وجفاء من جفاء الأعراب، رافقنا أياماً طويلة، فما شئنا خلّة من خلال الخير إلا وجدناها فيه، فكان يواسينا إذا أُصبنا، ويؤثرنا إذا أضقنا، ويدفع عنا إذا هوجمنا، ويفدينا إذا تألمنا، على شجاعة نادرة، ونكتة حاضرة، وخفة روح، وسرعة جواب.
سألناه مرّة: هل أنت متزوج يا صلَبى؟ قال:
ـ لقد كنت متزوِّجاً بشرّ امرأة تزوَّجها رجل، فما زلت أحسن إليها وتسيء إليّ، حتى ضقت باحتمالها ذرعاً فطلَّقتها ثلاثاً وثلاثين.
قلنا: إنَّها تبين منك بثلاث، فعلام الثلاثون؟
فقال على الفور: صدقة مني على الأزواج المساكين!
وطال بنا الطريق إلى تبوك، وملّ القوم، فجعلوا يسألونه عن تبوك، ويكثرون عليه، يتذمّرون من بُعدها، حتى إذا كثروا قال لهم:
مالكم تلوموني على بُعدها؟ والله لم أكن أنا الذي وضعها هناك. ولم يكن صلَبى يعرف المدن، ولم يفارق الصحراء قط إلاّ إلى حاضرته تبوك (وتبوك لا تزيد عن خمسين بيتاً..) فلمّا بلغنا مشارف الشام أغريناه بالإبلاد(1) ودخول المدينة، وجعلنا نصف له الشام، ونشوِّقه فيتأبّى، وكنت صفيّه من القوم وخليله ونجيّه فجعلت أحاوله وأداوره، وبذلت في ذلك الجهد فلم أصنع معه شيئاً لما استقر في نفسه من كراهية المدن وإساءة الظنّ بأهلها، وكان عربياً حراً، ومسلماً موحداً، لا يطيق أن يعيش يوماً تحت حكم "الروم" أو يرى مرّة مظاهر الشرك..
فودعناه وتركناه.
* * *
وعدت إلى دمشق، فانغمست في الحياة، وغصت في حمأتها أكدّ للعيش، وأسعى للكسب، فنسيت صلَبى وصُحْبته، وكدت أنسى الصحراء وأيّامها، ومرّت على ذلك شهور.. وكان أمس فإذا بي ألمح في باب الجابية وسط الزحمة الهائلة وجهاً أعرفه فلحقت به أتبيّنه فإذا هو وجه صلَبى، فصحت به:
ـ صلَبى! قال: لا صلَبى ولا ملَبى.
قلت: ولم ويحك؟ قال: أنا في طلبك منذ ثلاث ثمّ لا تأتي إليّ ولا تلقاني؟
فقلت له ضاحكاً: وأيّ ثلاث وأيّ أربع؟ أتحسبها تبوك فيها أربعمئة نسمة؟ إنَّها دمشق يا صلَبى، فيها أربعمئة ألف إنسان، فأين تلقاني بين أربعمئة ألف؟
قال: صدقت والله.
قلت: هلمّ معي. فاستخرجته من هذه الزحمة الهائلة، وملت به إلى قهوة خالية، فجلسنا فيها ودعوت له بالقهوة المرّ والشاي، فسرّ، وانطلق يحدثني، قال:
ـ لمَّا فارقتكم ورجعت وحيداً، أسير بجملي في هذه البادية الواسعة، جعلت نفسي تحدِّثني أن لو أجبت القوم ورأيت المدينة.. فلمّا كان رمضان مرّ بنا بعض الحاضرين فدعوني إلى صحبتهم لأرشدهم الطريق، ثمّ أغروني كما أغريتموني، وحاوروني كما حاورتموني حتى غلبوني على أمري ودخلوا بي دمشق، فما راعني والله يا ابن أخي إلا سيارة كبيرة كسيارتكم هذه، لكنها أهول وأضخم، لها نوافذ وفيها غرف، وقد خطوا لها خطين من حديد فهي تمشي عليهما، فأدخلوني إليها، فخشيت والله وأبيت، فأقسموا لي وطمأنوني، فدخلت ويدي على خنجري إن رأيت من أحد ما أكره وجأته به، وعيني على النافذة إن رابني من السيارة أمر قفزت إلى الطريق، وجلست، فما راعنا إلاّ رجل بثياب عجيبة قد انشق إزاره شقاً منكراً، لم التف علي فخذيه فبدا كأنّما هو بسراويل من غير إزار، وعمد إلى ردائه فصف في صدره مرايا صغيرة من النحاس، ما رأيت أعجب منها، فعلمت أنَّه مجنون وخفت أن يؤذينا، فوضعت كفي على قبضة الخنجر، فابتسم صاحبي وقال: هو الجابي. قلت: جابي ماذا، جبّ الله (......).
قال: اسكت، إنّه جابي (الترام) أعني هذه السيارة.
ثم مدَّ يده إليه بقرشين اثنين، أعطاه بهما فتاتة ورق، فما رأيت والله صفقة أخسر منها، وعجبت من بلاهة هذا الرجل إذ يشتري بقرشين ورقتين لا تنفعان! وجلست لا أنبس، فلم تكن إلا هنيّة حتى جاء رجل كالأول له هيئة قِزْدية إلا أنّه أجمل ثياباً، وأحسن بزّة، فأخذ هذه الأوراق فمزّقها، فثارت ثائرتي، قلت: هذا والله الذل، فقبّح الله من يقيم على الذلّ والخسيفة، وقمت إليه فلبّبته وقلت له:
ـ يا ابن الصانعة، أتعمد إلى شيء اشتريناه بأموالنا، ودفعنا فيه قروشنا فتمزِّقه، لأمزّقن عمرك.
وحسبت صاحبي سيدركه من الغضب لكرامته، والدفاع عن حقه مثل ما أدركني فإذا هو يضحك، ويضحك النّاس ويعجبون من فعلي، لأن عمل هذا الرجل ـ فيما زعموا ـ تمزيق أوراق النّاس التي اشتروها بأموالهم..
ولمّا نزلنا من هذه الآفة، قال له صاحبي: هلمّ إلى الحمام. قلت: وما الحمام يا أخي؟
قال: تغتسل وتلقي عنك وعثاء السفر.
قلت: إن كان هذا هو الحمام، فما لي فيه من مأرب، حسبي هذا النهر أغطس فيه فأغتسل وأتنظّف.
قال: هيهات.. إن الحمام لا يعدله شيء، أو ما سمعت أنّ الحمام نعيم الدنيا؟
قلت: لا والله ما سمعت. قال: إذن فاسمع ورَهْ.
وأخذني فأدخلني داراً قوراء في وسطها بركة عليها نوافير يتدفّق منها الماء، فيذهب صعداً كأنّه عمود من البلور ثم يتثنّى ويتكسّر ويهبط كأنّه الألماس، له بريق يخطف الأبصار، صنعة ما حسبت أن يكون مثلها إلاّ في الجنان، وعلى أطراف الدار دكك كثيرة مفروشة بالأسرة والمتكآت والزرابيّ، كأنّها خباء الأمير، فلم نكد نتوسطها حتى وثب إلينا أهلوها وثبة رجل واحد، يصيحون علينا صياحاً غريباً، فأدركت أنّها مكيدة مدبّرة، وأنَّهم يريدون اغتيالي، فانتضيت خنجري، وقلت: والله لا يدنو مني أحد إلا قطعت رقبته، فأحجموا وعجبوا ورعبوا، وغضب صاحبي وظنني أمزح، ومال عليّ يعاتبني عتاباً شديداً. فقلت له: ويحك أو ماتراهم قد أحاطوا بنا؟ قال:
إنّهم يرحبون بنا ويسلمون علينا. فسكت ودخلت. وعادوا إلى حركتهم يضحكون من هذا المزاح، ويدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون، وأنا لا أدري ما هم صانعون حتى قادونا إلى دكة من هذه الدكك، وجاءوا ينزعون ثيابنا فتحققت أنّها المكيدة، وأنّهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم قتلي، فقد عجزوا أن يقاتلوني وبيدي الخنجر، فأبيت وهممتُ بالخروج ولكن صاحبي ألحّ وأقسم لي، فأجبت واستسلمت وإن روحي لتزهق حزناً على أني ذللت هذا الذل حتى أسلمهم سَلَبي يسلبونني وأنا حيّ. ولو كنت في البادية لأريتهم كيف يكون القتال.. حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبق عليّ شيء، قلت: أما من مسلم؟ أما من عربي؟ أتكشف العورات في هذا البلد فلا يغار أحد، ولا يغضب إنسان؟
فهدّأ صاحبي من ثورتي وقال: أفتغتسل وأنت متزر؟ قلت: فكيف أتكشّف بعد هذه الشيبة وتذهب عني في العرب فضيحتي إلى الأبد؟
قال: من أنبأك أنّك ستتكشّف؟ هلاّ انتظرت!
فانتظرت وسكت، فإذا غلام من أغلمة الحمام، يأخذ بيده إزاراً فيحجبني به حتى أنزع إزاري وأتزرّ به، فحمد الله على النجاة، وكان صاحبي قد تعرّى فأخذ بيدي وأدخلني إلى باطن الحمام، فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتفّة ملتوية، يضلّ فيها الخرّيت وهي مظلمة كأنّها قبر قد انعقدت فوقها قباب وعقود، فيها قوارير من زجاج تضيء كأنّها النجوم اللوامع في السماء الداجية، وفي باطن الحمام أناس عري جالسون إلى قدور من الصخر فيها ماء، فتعوّذت بالله من الشيطان الرجيم، وقلت: هذه والله دار الشياطين. وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أذكر منها شيئاً، فأيقنت أنّها ستركبني الشياطين لما نسيت من آية الكرسي، وجعلت أبكي على شيبتي أن يختم لها هذه الخاتمة السيئة، وإنِّي لكذلك، وإذا بالخبيث يعود إليّ يريد أن ينزع هذا الإزار الذي كسانيه، فصحت به: يارجل، اتق الله، سلبتني ثيابي وسلاحي، وعدت تجرِّدني وتعرِّيني، الرحمة يامسلمون، الشفقة أيُّها النَّاس، فوثب إليّ النَّاس، وأحدقوا بي، وجعلوا يضحكون، فقال صاحبي:
ـ ما هذا يا صْلَبى، لا تُضحك النَّاس علينا، أعطه الإزار، قلت: وأبقى عرياناً؟ قال: لا، ستأخذ غيره، هذا كساء يفسد إذا مسّه الماء، وإنّ للماء كساء آخر.
ونظرت فإذا عليه هيئة النّاصح، وإذا هو يدفع إليّ إزاراً آخر، فاستبدلته به مكرهاً وتبعت صاحبي إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلسنا إلى قدر من هذه القدور.. وأنا أستجير بالله لا أدري ماذا يجري عليَّ، فبينما أنا كذلك وإذا برجل عار، كأنَّه قفص عظام، له لحية كثّة، وشكل مخيف وقد تأبّط ليفاً غليظاً يا شرَّ ما تأبّط، وحمل ماعوناً كبيراً، يفور فوراناً، فاسترجعت وعلمت أنَّه السمّ وأنّه سيتناثر منه لحمي، فقصد إليّ، فجعلت أفرّ منه وأتوثّب من جانب إلى جانب وهو يلحقني ويعجب من فعلي، ويظن أنِّي أداعبه، وصاحبي يضحك ويقسم لي أنَّه الصابون، وأنه لا ينظف شيء مثله.
قلت: ألا شيء من سدر! ألا قليل من أشنان؟
قال: والله ما أغشّك، فجرِّب هذا إنَّه خير منه.
فاستجبت واستكنت، وأقبل الرجل يدلكني دلكاً شديداً وأنا أنظر هل تساقط لحمي؟ هل تناثر جلدي؟ فلا أجد إلا خيراً فأزمعت شكره لولا أنِّي وجدته يتغفلني فيمدّ يده من تحت الإزار إلى فخذي، فيدلكه ويقرصه، فقلت: هذا ماجن خبيث، ولو ترك من شرِّه أحد لتركني، ولصرفته عني شيبتي، وهممت بهشم أنفه وهتم أسنانه، ولحظ ذلك صاحبي فهمس في أُذني أنَّه ينظفك وكذلك يصنع مع النَّاس كلهم، فلما انتهى وصبّ عليَّ الماء، شعرت والله كأنَّما نشطت من عقال، وأحسست بالزهو والخفّة، فصحت فأنكرت صوتي فقلت : ماهذا؟ أينطق على لساني مغنٍّ من الجنّ؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً. واستخفني الطرب، فجعلني أغني وأحدو، فقال صاحبي: لعلك استطبت صوتك؟
قلت: إي والله. قال: أفأدلّك على باب القاضي؟
قلت: وما أصنع في باب القاضي؟ قال: ألا تعرف قصّة جحا؟
قلت: لا والله، ما أعرف جحا ولا قصّته.
قال: كان جحا عالماً نحريراً، وأُستاذاً كبيراً، لكن كان فيه فضائل نادرة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرَّة فغنّى فأعجبه صوته ـ وكان أقبح رجل صوتاً ـ وراقه حُسنه، فخرج من فوره إلى القاضي، فسأله أن ينصبه مؤذِناً وزعم أنَّ له صوتاً لا يدخل أُذناً إلاّ حمل صاحبها حملاً فوضعه في المسجد..
فقال القاضي: اصعد المنارة فأذِّن نسْمعْ.
فلما صعد فأذّن، لم يبق في المسجد رجل إلا فرَّ هارباً، فقال له القاضي: أي صوت هذا؟ هذا هو الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب..
قال: أصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حماماً؟
ــــــــــــــــــــ
(1) أبلد: دخل البلد، كأنجد وأبحر وأصحر، ومثلها أصبح وأمسى وأظهر.
(*) نشرت عام 1935م

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:53 AM
(68 ) ثم كيف لا ألعن القلم والورق؟

بقلم: أنيس منصور
.......................

قرأت تعليقا لقارئ فاضل على ما كتبته عن أستاذنا العقاد، يقول: إن الذي ذكرته عن العقاد ليس صحيحا!
عيب يا سيدى، فأنت لا تعرف العقاد ولا تعرفني .. ولا تعرف مدى العلاقة وعمق الصلة ومدى الإعجاب، ولا عندك مستند ولا حق أيضاً في أن تقول ما قلت..
وليس من السهل نفسياً أن أتحدث عن فقر العقاد وكبريائه، فأنا أعرف كل ظروفه الشخصية، ولكن أعرف عظمته والإباء والعزة والكرامة.. فيوم زاره إبراهيم باشا عبد الهادي بلدياتي وقريبي وكان العقاد في مرضه الأخير، وضع تحت قدميه إحدى المجلات وفيها بضع مئات من الجنيهات، ولم يرها العقاد، ولكن بعد أن خرج إبراهيم باشا مدد العقاد ساقيه فسقطت المجلة والفلوس ونادى سكرتيره وابن أخيه أن يلحق بالباشا ويرد له فلوسه!
ولما رأيت حال العقاد طلبت من الأستاذين مصطفى أمين وعلي أمين أن يستكتبا العقاد مقالاً أسبوعياً وأن يدفعا له مقدماً فرفض العقاد، وهو أشد الناس حاجة إلى القليل من أي شيء!
ولما أبدى العقاد رغبته في أن يفسر القرآن تفسيراً عصرياً وأن يبدأ بسورة الرحمن، ذهبت مع د.عبد القادر حاتم رئيس الوزراء في ذلك الوقت ليعرض عليه مكافأة مقدماً، فرفض العقاد، وقال ليس قبل أن أسجل الأحاديث!
ولما عرضت عليه مع أحد الناشرين أن يعيد طبع عدد من كتبه رفض أن يتقاضى مليما قبل النشر!
وفجأة صدر كتاب للمحامي لطفي جمعة، وفي الكتاب صورة لخطاب بخط الأستاذ العقاد، الخطاب يذيب الحديد يوجع القلب ويصب كل اللعنات على حرفة القلم، يقول العقاد: لقد طلبت من كل الناس أن يساعدوني، فأداروا وجوههم وأذانهم.. فلا تخيب أملي، فانا لا أجد قوت يومي!
أعوذ بالله العظيم..
وليس أسوأ وأتعس من ذلك إلا ما قاله أبو حيان التوحيدي في نهاية كتابه «الإمتاع والمؤانسة» يقول: إنني فقير فأذلني بعطائك.. أعطني فإنني لا أجد.. أطعمني فقد قتلني الجوع..
فان يكون هذا التعليق الرديء على الذي قلت عن أعز الناس وأحبهم بأنني كذبت أو شنعت على العقاد فكيف لا ألعن الكتابة واليوم الذي أمسكت قلماً وأوجعت العين والرأس!
ــــــــــــــــــــــ
*الشرق الأوسط ـ في 4/3/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:56 AM
(69) الكلمة لهــــــــا

بقلم: د. عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)*
.................................................. ....

في تراثنا الأدبي صور شتى للمرأة، رسمتها أقلام متباينة لكتّاب مختلفين، ويحاول المحاول أن يجد من بينها صورة للأنوثة، صادقة التعبير، بيّنة التقاطيع، واضحة القسمات، تحمل ملامحها الخاصة، وطابعها الأصيل، فلا يجد ـ بعد الجهد الجاهد ـ إلا ما يمثل صورتها عند الرجل القائل، وفكرته عنها، وإن كان ما بينها وبين (الأصل) بعيداً..
ولئن كنا في حاجة إلى معرفة رأي الرجل في المرأة، ومشاهدة صورتها لديه.. إنَّ الحياة بعد لأحوج إلى معرفة صورة الأنثى كما تراها في نفسها، وهذا ما لا يحسن الرجال أن يبرزوه إلا أن تكون لهم فطرة أنثى وعقلها، وقلمها.. وهيهات!
ولعل السبب في هذا النقص، أنَّ المرأة ظلَّت ــ في الشرق بوجه خاص ــ بمنأى عن الحياة العامة. لا تستطيع ــ لأسباب مختلفة ــ أن تشارك في الإنتاج الأدبي، أو تحدثنا عن نفسها، أو تمدنا بشيء من الأدب النسوي الأصيل، فراح الرجل يتحدَّث عنها، ويتكلَّم بلسانها، ويترجم عن ميولها، ويعبِّر عن رغباتها، ويصوِّر عواطفها ويصف نوازعها وأهواءها، ومضى في الوقت نفسه، يقضي في أمرها، ويحكم عليها، وهي غافلة عن ذلك كله لا تدري ماذا يقال عنها أو يضاف إليها..
حتى إذا كانت النهضة الحديثة، وأُخرجت المرأة من دارها، كان الرجل صاحب دعوة الخروج، وكان له التوجيه وفي يده القيادة، فسار بها حيث شاء، ثمَّ راح يحاسب ويؤاخذ، ويعترض، ويتهم، وهو هو الذي دعا ووجه وقاد.. ولم يكن الرجال ليشعروا بأنّ المرأة في نظرهم شيء، وفي نظر نفسها شيء آخر، أو يدركوا أنّ ما تمثلوه فيها قد يكون بعيداً عن حقيقتها، غريباً عليها، لا تجده في نفسها ولا تحس به في دنياها، لكنا نحن اللواتي وجدن أنفسهن، وبلغن من الثقافة والرشد والنضوج منزلة يستطعن فيها أن يدركن مشاعرهن ويميزن شخصيتهن، نحن نرجع البصر فيما كُتب ويُكتب عنا، فإذا أقله هذا الذي يمثل رأي الرجل فينا أكثر مما يمثلنا، وإذا الكثرة الكاثرة منه خليط مضحك من الهزل، والدجل، والادعاء..
وطال علينا الأمر ونحن نقلِّب بين أيدينا الصور التي رسمها الرجال لنا، فإذا هي ــ في الغالب الأعم ــ رسوم خاطئة منحرفة لا نعرفها بحال، وإن زعم أصحابها ــ في ادعاء عريض ــ أنَّها منا، ولنا..
وهذه هي، تملأ المكتبات عندنا، فليقل لنا قائل: أين هي من عالم المرأة؟ وأين ما سجلته من عواطفها ونوازعها وهمومها؟ وأين ما حملته من شياتها وسماتها؟ وأين ما نقلته من ألوانها وظلالها؟
لا شيء من ذلك، وإنَّما هو العرض المكرر لمخلوقات ممسوخات لسن من النساء ولا من الرجال، أو أخريات عابثات لاهيات، يلعبن بالرجل ويقضين العمر طالبات صيداً في إثر صيد!
ثم إنَّ حياة المرأة قد تعرَّضت عندنا لحركات عنيفة، واستهدفت لتيارات قوية جارفة، وجدت فيها أحداث طارئة غيَّرت من أوضاعها ووجهت سيرها، فأين ما رصده الرجال من هذه الحركات؟ وأين ما صوَّره من تلك التيارات؟ وأين ما وعوه من تاريخ هاتيك الأحداث؟
لا شيء من ذاك، وإنما هو الترديد الملول لقصة خطيئة حواء، والصورة القديمة للشجرة والحية، والحديث المعاد عن ضعف الأنثى، وقصورها، وتلونها، وأنانيتها..
ثم هذه الحركة الانقلابية التي عانتها المرأة عندنا في الجيل الحاضر، ماذا وصف الرجال من خطواتها العنيفة الجامحة؟ وأين ما رسموه من أهدافها وبينوه من أخطائها؟ وأين ما رووه من حديث صرعاها وضحاياها؟ لا شيء من ذاك، وإنَّما هي الألفاظ المستحدثة الضخمة المبهمة، من حرية واستعباد، ومساواة وظلم، وانطلاق وأمر.
ويلتمس الملتمس أسباب هذا النقص في أدبنا، ويبحث الباحث عن مرجع ذلك الخطأ في إدراكنا الاجتماعي وتصويرنا، فإذا الأمر في ذلك ــ كما هو في شؤوننا العامة جميعاً ــ يرجع إلى ما ابتلينا به؛ تحدٌُّث من لا يعرف بما لا يعرف. فكل إنسان عندنا يرى من حقه أن يتكلَّم في كل شيء، وتلك هي آفة هذا الشرق التي جعلته يتخلف عن الجماعة الإنسانية وهي تجدّ في السير وتلتمس الكمال.
آفة الشرق هم هؤلاء الذين حملوا الأقلام فجالوا بها في كل واد، وعالجوا كل مسألة، وتحكموا في كل قضية، ورووا قصة الأنثى في غير خبرة ولا معرفة..
وخطر هؤلاء يأتي من أنَّهم ــ حينما حملوا الأقلام ــ تصدُّوا للزعامة الإجتماعية، فجنوا على الأمَّة بما روَّجوا من بضاعة فاسدة، وما زيفوا على عقول أبنائها من دجل رخيص، وما ألقوه إلى الناشئة من أحكام خاطئة مضللة مهرجة!
ولو اختص كل إنسان بما يحسنه، لوجد الشرق حاجته ــ أو بعضها ــ من الباحثين المختصين الذين يعكفون على مسائله الكبرى، ومشكلاته المهمة، عكوفاً خاصاً، ويتناولونها بالنظرة الصائبة، والدرس الدقيق، والتوجيه الرشيد..
ولقد كانت مسألة المرأة ــ التي هي دعامة المجتمع ــ من بين مسائلنا التي تناولها غير المختصين تناولاً عامياً ساذجاً، أو منحرفاً فاسداً، فملؤوا حياتنا بفكرٍ خاطئة عنها، ورسوم مشوَّهة لها..
وما كان يعنينا أن نطلب الكلمة للأنثى ــ صاحبة الشأن في الموضوع ــ لولا أنَّ هذه الفكرة الخاطئة قد سببت توجيهات ضالة، ضللت الفتاة، وهزَّت أركان الأسرة المصرية، فأفسدت من قرب، وبقوة، حياة الأمة جميعاً.
وأني لأتقدم اليوم ــ إقراراً لحق المرأة في الكلام عن المرأة، ووفاءً بحاجة الحياة إلى كلمة الأنثى، وأداءً لواجبي الاجتماعي نحو وطني ــ فأتحدث عن "الأنوثة والأمومة" وفيهما ينطوي العالم الأكبر للمرأة، ويتمثل عملها الطبيعي، وهدفها العالي.
وأنا أدعو زميلاتي المثقفات، وبخاصة الجامعيات اللواتي خضن المعركة وشاركن فيها، ودفعن غرامة الانتقال وشهدن ضحاياه، أدعوهن أن يتقدمن لحمل الأمانة، فليتحدثن عما رأين وسمعن، في نفوسهن وفي دنيا الناس، ولتأخذ الراشدات منهن أزمة القيادة في الحياة النسوية، ولا يدعنها في أيدي الرجال غير المختصين، أو النسائي اللائي استهوتهن الدعاوى الضالة المضللة، وخدعتهن أراجيف المبطلين.
ـــــــــــــــــــــــ
أديبة مصرية (1913ـ1998م)
** نشرت في مجلة "الكتاب" عام 1945م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:57 AM
(70 ) المفكرة والقلم طريق النجاح

بقلم:أ. د. حلمي محمد القاعود
........................................

كان الرئيس البوسني "علي عزت بيجوفتش" ـ رحمه الله ـ يقول: علينا دائماً بالمفكرة والقلم.. كما كان - رحمه الله- ينعى على المسلمين عدم تخطيطهم ليومهم وغدهم، مع أن الإسلام يحضّ على التخطيط والإتقان والاستفادة من الوقت، وعدم تضييعه عبثاً.
تذكرت مقولة "بيجوفتش" وأنا أرى كثيراً من الناس، وبعضهم أصدقاء، يهملون في المواعيد، ويتناسون أموراً كُلّفوا بها، ويعتذرون دائماً عن تقصيرهم في عمل ما، أو إنجاز ما تحت ذرائع مختلفة، وأسباب متباينة!
التربية الإسلامية تجعل الفرد المسلم، مستقيماً واضحاً، في كلامه وسلوكه ومنهجه، حتى يصل إلى الصدق في القول والفعل بوصف "الصدق" سمة عامة، وطبيعة ذاتية في المسلم، لا تعرضه للمؤاخذة، أو تسحب الثقة منه أو تضعفها.
إن كثرة الشواغل والالتزامات تحتّم على المسلم أن يلتزم بما يقول أو يعد، وأن يرتّب وقته ترتيباً سليماً يضع في حسبانه المستجدات والطوارئ؛ ولذا فإن المفكرة التي على المكتب أو في حقيبة اليد، ومعها القلم الذي يسجل فيها المطلوبات والمواعيد الخاصة به، سواء على المستوى العام أو الصعيد الشخصي، تصبح ضرورة لازمة، حين ينظر فيها يتذكر ارتباطاته والتزاماته ليفي بها ويقوم عليها.
ولا ريب أن التخطيط للعمل اليومي، يحقق لصاحبه راحة كبيرة، ويمنحه قدرة جيدة على الإنتاج والإبداع، وتعقبه من تداعيات التقصير والاعتذار.
هناك أشخاص عاديون يتحركون في أفق محدود، يتعوّدون فيه على بعض الأعمال الروتينيّة، ولا تتجاوز علاقاتهم المجال المحدود الذي يعيشون فيه، ومع ذلك فهم مطالبون بالالتزام بواجباتهم العامة والخاصة، وأعتقد أن "المفكرة" تساعدهم على الوفاء بهذه الواجبات وغيرها.
أما الأشخاص غير العاديين الذين تتسع آفاق علاقاتهم والتزاماتهم؛ مثل الأطباء والعلماء والأدباء والكتاب والأساتذة ورجال الأعمال وغيرهم من أعيان المجتمع ووجهائه ونشطائه؛ فإن المفكرة بالنسبة لهم تصبح "فرضاً" لازماً، لا يستطيعون الاستغناء عنه أو التفريط به، وإلا وقعوا في التقصير، وارتكبوا "ذنب" الاعتذار!
تجد شخصاً من هؤلاء يقابلك معتذراً عن خلف موعد أو عدم تحقيق اتفاق، بحجة النسيان أو المشاغل الكثيرة أو الظروف، ولا ريب أن هذا الشخص لا يعتذر لك وحدك، ولكنه يعتذر لغيرك، فقد صار منهجه هو "الاعتذار"، وحين يتكرر منه ذلك؛ فإنك تقول: فلان لا يصدق، ولا يُعتمد عليه، ولا يُوثق به؛ لأن سلوكه لم يكن استثناء، ولكنه صار قاعدة.. قد يكون طيب النوايا، مخلص التوجه، ولكن السلوك أو التطبيق ضيع الإخلاص والطيبة جميعاً، وخلّف "فصامية" في شخصية صاحبه "المسلم"، وهو ما يأخذه علينا خصوم الإسلام، ويرونه نقصاً فينا وفي إسلامنا، في حين أن إسلامنا مظلوم منا قبل غيرنا.
قال تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف:30]، فإحسان العمل في شتى المجالات، له أجره وثوابه عند الحق سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف:2-3]، وهذا رفض واضح وصريح للانفصام بين القول والفعل، والسؤال هنا فيه استنكار وتبكيت لمن يقول شيئاً ويفعل غيره، وفيه وعيد ضمني وتهويل وازدراء بمن يعيشون الانفصام ويكون سلوكهم مناقضاً لما يعلنونه ويتحدثون عنه.
الأحاديث الشريفة التي تتحدث عن إتقان العمل والوفاء بالوعد أو العهد ورفض الفصام النكد بين القول والفعل كثيرة جداً لا يحتملها المقال، وتفيد مع الآيات الكريمة أن المسلم لا بد أن يكون دقيقاً في عمله، ملتزماً في سلوكه، منظماً في حياته، وإلا فإنه سيخسر كثيراً مادياً ومعنوياً.
إن قضية الوقت أو الزمن في حياة المسلم محسومة دينياً، فلا يوجد ما يسمى "وقت فراغ" بالنسبة له؛ إن وقته كله مشغول، وزمنه كله ممتلئ. هناك وقت للعمل، ووقت العبادات، ووقت الأسرة، ووقت المجتمع أو خدمة المسلمين، وإن تبقَّى بعد ذلك وقت فائض فهو للنوافل أو الذكر أو القراءة.. كثرة الالتزامات بالنسبة للمسلم لا تجعله يعيش في فراغ أبداً، وهو مطالب - كما يهديه الحديث الشريف- بالعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، والعمل لأخراه كأنه يموت غداً.. فهل يبقى له بعد ذلك فراغ؟! إن استثمار الوقت فيما يفيد صاحبه والإسلام والمسلمين؛ يحتاج إلى إرادة قوية تنظم هذا الوقت، وتعتاد التنظيم، وترتضيه نمطاً يومياً للحياة!
ولا ريب أن المفكرة بالنسبة لمن تتعدّد شواغلهم، وتكثر التزاماتهم ضرورة ومهمة، وإذا كانت المفكرة أساسية للفرد المسلم، فهي أكثر أهمية للمجتمع المسلم.. ولعل سر نجاحات المجتمع الغربي (الأوروبي والأمريكي) هو هذه المفكرة (التي تسمّى بلغة العصر التخطيط الإستراتيجي)، وهذا التخطيط يشمل كل نواحي الحياة التي يقوم عليها بناء المجتمع وتقدمه وانطلاقه في الاقتصاد والصناعة والزراعة والتجارة والثقافة والتعليم والإبداع والاختراع والابتكار.. الخ
إن هذا التخطيط لا يتوقف عند سنة معينة أو سنوات محددة، ولكنه يمتد إلى الأجيال القادمة، فيتناول الثروات والموارد والقوى البشرية والعسكرية وغيرها، لتحقيق أحلام المجتمع وطموحاته، فضلاً عن معالجة نواحي القصور والضعف التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ومصيره!
"مفكرة" المجتمع المسلم، توفر الوقت والجهد، وتنظم الحركة بما يضيف إلى رصيد "المسلم" و"المسلمين" جميعاً.. وليس ما يخصم من هذا الرصيد.
إن الذين يتعلّلون بضيق الوقت تسويغاً لتقصيرهم في العمل أو العلاقات الاجتماعية أو الالتزامات الشخصية مخطئون.. ويحتاجون إلى المفكرة والقلم إذا كانوا حقاً مخلصين!
...................................
*عن موقع "لها أون لاين".

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 02:58 AM
(71 ) كمال نشأت‏:‏ ستون عاما من الشعر

بقلم: فاروق شوشة
...........................

في مستهل الخمسينيات‏,‏ كان جيلنا يتابع عددا من القصائد‏,‏ تلتمع علي صدر الصفحات الأدبية‏,‏ وتحمل مذاقا شعريا جديدا ومختلفا البعض يري فيها محاولة للفكاك من أسر القصيدة الرومانسية‏,‏ التي أرساها شعراء أبولو الكبار‏:‏ إبراهيم ناجي وعلي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل وغيرهم‏,‏ وآخرون يرون فيها البدايات الأولي لاشراق حركة شعرية جديدة‏.‏ هي بمثابة البواكير في حركة الشعر الجديد أو الشعر الحر أو التيار الواقعي في الحركة الشعرية الحديثة‏..‏ وكان أصحاب هذه القصائد يحرصون علي إثبات أنهم أعضاء في رابطة النهر الخالد‏,‏ التي لم يميز الناس منها إلا ثلاثة هم‏:‏ فوزي العنتيل ومحمد الفيتوري وكمال نشأت‏.‏
وبقدر ما كان العنتيل مهموما بالأرض المصرية والفلاح المصري وواقع الحال في القرية المصرية‏,‏ يعزف علي أوتاره الشجية وبلغته الشعرية الخفيضة النبرة‏,‏ المتوهجة بالايحاء‏,‏ أغنياته الأولي التي جمعها بعد ذلك في ديوانه الأول عبير الأرض‏,‏ كان الفيتوري حاملا سيفه‏,‏ شاهرا كلمته‏,‏ معلنا ثورته في وجه الناهبين حريته ووطنه وتاريخه‏,‏ المستذلين شعبه الافريقي الأسود‏,‏ في لغة حادة مستوفرة متوترة‏.‏ جمع أناشيدها بعد ذلك في ديوانه الأول أغاني إفريقيا‏,‏ أما كمال نشأت فكان يمتح من ينبوع مغاير‏,‏ هو وجدانه السكندري أولا‏,‏ القاهري ثانيا‏,‏ ويبدع بلغته الفراشية‏,‏ وإيقاعاته الجياشة بالنغم الشجي‏,‏ قصائده التي سيضمها ديواناه‏:‏ رياح وشموع وأنشودة الطريق‏.‏ وكان الثلاثة بالنسبة لنا ـ نحن المنبهرين والمتابعين والمتأملين لمسار الحركة الشعرية ـ وعودا كبري لشعر المستقبل‏.‏
وإن هي إلا سنوات قليلة‏,‏ حتي أصبح ثلاثتهم أوسمة علي صدر الحياة الشعرية‏,‏ منجرفين في المد الشعري لحركة الشعر الجديد‏,‏ وإن كانوا حراصا بين الحين والحين‏,‏ علي إيقاظ النغم العمودي للقصيدة‏,‏ تعبيرا عن تكوين شعري راسخ الدعائم‏,‏ وإيمانا بأن كتابة القصيدة الجديدة لا تحول دون ممارسة الصيغة العمودية طبقا للحال الشعرية والتوجه الشعري‏,‏ من غير أن يضيق فضاء إبداعهم الشعري بهذه الثنائية الشعرية واقتدارهم فيها‏.‏
وسرعان ما أصبحت قصيدة نامت نهاد لكمال نشأت عنوانا علي مرحلة شعرية‏,‏ وزمن شعري جميل‏,‏ كان الشاعر يصدح فيه بصوته المجلجل‏,‏ وحنانه الأبوي‏,‏ وتوهج انتمائه إلي دفء البيت والوطن‏,‏ والأسرة والواقع والمستقبل‏:‏
نامت نهاد
وبقية من بسمة فوق الشفاه
لما تزل فوق الشفاه
ويد بجانب خدها
ويد تنام بصدرها
والأرنب المنقوش في الثوب الصغير
نزق المسير
وصفارة مترنحة
وعلي الوساد
كالزهرة المتفتحة
نامت نهاد
حين اختلطت بعض قصائد الديوان الأول لكمال نشأت رياح وشموع بشعر ابراهيم ناجي ـ حين نشر اعماله الكاملة ـ وكان كمال نشأت قد دفع بأصول ديوانه الأول لشاعره الرومانسي الأثير ناجي ليكتب له تقديما ـ لكن من جمعوا شعر ناجي من مصادر شتي‏,‏ بينها الأوراق المتناثرة في مكتبه ـ ضموا قصائد كمال نشأت إلي شعر ناجي‏,‏ وكانت هذه أول شهادة فنية بأن كمال نشأت الشاب الصغير السن قد بلغ من النضج واكتمال الأدوات الشعرية ماسهل اختلاط شعره ـ وهو في مراحله الأولي ـ بشعر ناجي الذي اكتمل وتحقق‏.‏ وكان طبيعيا‏,‏ وضروريا‏,‏ أن تخلو طبعة المجلس الأعلي للثقافة التي أعدها الشاعر حسن توفيق لشعر ناجي ـ المعروف والمجهول ـ من سبع عشرة قصيدة للشاعر كمال نشأت‏!‏
وحين يمتد الزمن‏,‏ ويتناثر شعراء رابطة النهر الخالد علي خريطة الحياة‏,‏ ويخرج كمال نشأت للعمل طويلا في العراق‏,‏ وقليلا في الكويت‏,‏ فإنه لا يتنكر للود القديم ورفقة الحياة‏,‏ حين يري في قصيدته العودة إلي محمد الفيتوري عودة إلي الوطن‏,‏ وإلي موقعه من الحياة الشعرية‏,‏ مستعيدا صوته القديم ومكانه الطليعي‏:‏
افتحوا ياأيها الحراس أبواب المدينة
افتحوها
كيف لا تنجذب القربي
وتهفو في الشرايين الدماء
إننا من هذه الأرض التي
صلي عليها الأنبياء
وانحنت فوق روابيها السماء
افتحوا ياأيها الحراس أبواب المدينة
افتحوها
إننا منكم ولسنا غرباء‏!‏
كان هذا الحنين إلي الوطن‏,‏ والتوق إلي العودة‏1989‏ متخذا من الفيتوري معني ورمزا‏,‏ قد سبق افتقاد شديد للضلع الثالث في مثلث الرابطة‏:‏ فوزي العنتيل الذي كان قد سبق إلي الرحيل‏.‏ وقد اهتاجه صوت مغن يشبه صوت فوزي‏:‏
كان لي يوما صديق
اسمه فوزي
اقتسمنا قطعة الخبز
وعشنا الضحكات
وملأنا الأمسيات
بانفجارات أغانينا‏,‏ وفي أشعارنا
هدمت مصر
وكل الأمهات
‏.............‏
وضحكنا‏:‏
ياأبا الأفواز يا
واختفي الصوت‏,‏ به صوت صديقي
واضمحلت بين عيني المرايا
والضحيكات الصبايا
والنساء الكاسيات العاريات
إنه صوت صديقي
قسما بالله ذا صوت صديقي‏!‏
سبع مجموعات شعرية هي‏:‏ رياح وشموع‏,‏ أنشودة الطريق‏,‏ ماذا يقول الربيع‏,‏ كلمات مهاجرة‏,‏ أحلي أوقات العمر‏,‏ النجوم متعبة‏,‏ جراح تنبت الشجر‏,‏ وعديد الدراسات الأدبية والنقدية‏,‏ ورسالته للدكتوراه عن أحمد زكي أبو شادي رائد جماعة أبولو ـ فضلا عن المختار من أشعار كمال نشأت‏,‏ بمقدمة ضافية للناقد والشاعر الدكتور يوسف نوفل ـ ورحلة للابداع الشعري علي امتداد ستين عاما متصلة‏,‏ كل ذلك يضمن لكمال نشأت دوره الطليعي ومكانته الرائدة‏,‏ ويفسح الطريق لجديد قادم من الابداع‏.‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأهرام 24/7/2005م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:00 AM
( 72 ) الطنطاوي يصف اللحظات الأخيرة في حياة ابنته بنان..

بقلم: علي الطنطاوي
............................

إن كل أب يحب أولاده، ولكن ما رأيت، لا والله ما رأيت من يحب بناته مثل حبي بناتي... ما صدقت إلى الآن وقد مر على استشهادها أربع سنوات ونصف السنة )كان ذلك عام 1984م) وأنا لا أصدق بعقلي الباطن أنها ماتت، إنني أغفل أحيانا فأظن إن رن جرس الهاتف، أنها ستعلمني على عادتها بأنها بخير لأطمئن عليها، تكلمني مستعجلة، ترصّف ألفاظها رصفاً، مستعجلة دائماً.. كأنها تحس أن الردى لن يبطئ عنها، وأن هذا المجرم، هذا النذل.. هذا.. يا أسفي، فاللغة العربية على سعتها تضيق باللفظ الذي يطلق على مثله؛ ذلك لأنها لغة قوم لا يفقدون الشرف حتى عند الإجرام، إن في اللغة العربية كلمات النذالة والخسة والدناءة، وأمثالها.
ولكن هذه كلها لا تصل في الهبوط إلى حيث نزل هذا الذي هدّد الجارة بالمسدس حتى طرقت عليها الباب لتطمئن فتفتح لها، ثم اقتحم عليها على امرأة وحيدة في دارها فضربها ضرب الجبان، والجبان إذا ضرب أوجع، أطلق عليها خمس رصاصات تلقتها في صدرها وفي وجهها، ما هربت حتى تقع في ظهرها كأن فيها بقية من أعراق أجدادها الذين كانوا يقولون:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا
ولكن على أقدامنا نقطر الدما
ثم داس الـ .... لا أدري والله بم أصفه، إن قلت المجرم، فمن المجرمين من فيه بقية من مروءة تمنعه من أن يدوس بقدميه النجستين على التي قتلها ظلماً ليتوثق من موتها، ولكنه فعل ذلك كما أوصاه من بعث به لاغتيالها!!
دعس عليها برجليه ليتأكد من نجاح مهمته، قطع الله يديه ورجليه، لا .. بل أدعه وأدع من بعث به لله؛ لعذابه، لانتقامه ... ولعذاب الآخرة أشد من كل عذاب يخطر على قلوب البشر.
لقد كلمتها قبل الحادث بساعة واحدة، قلت: أين عصام؟ قالت: خبَّروه بأن المجرمين يريدون اغتياله وأبعدوه عن البيت، قلت: وكيف تبقين وحدكِ؟ قالت: بابا، لا تشغل بالك بي، أنا بخير، ثق والله يا بابا أنني بخير، إن الباب لا يفتح إلا إن فتحته أنا، ولا أفتح إلا إن عرفت من الطارق وسمعت صوته، إن هنا تجهيزات كهربائية تضمن لي السلامة، والمسلِّم هو الله.
ما خطر على بالها أن هذا الوحش، هذا الشيطان سيهدد جارتها بمسدسه حتى تكلمها هي، فتطمئن، فتفتح لها الباب.
ومرّت الساعة، فقرع جرس الهاتف وسمِعْتُ من يقول: كَلِّمْ وزارة الخارجية. قلت: نعم.
فكلمني رجل أحسست أنه يتلعثم ويتردد، كأنه كُلِّف بما تعجز عن الإدلاء به بلغاء الرجال، بأن يخبرني ... كيف يخبرني؟!!..
ثم قال: ما عندك أحد أكلمه؟ وكان عندي أخي. فكلّمه، وسمع ما يقول، ورأيته قد ارتاع مما سمع، وحار ماذا يقول لي، وأحسست أن المكالمة من ألمانيا، فسألته: هل أصاب عصاماً شيء؟! قال: لا، ولكن.. قلت: ولكن ماذا؟! قال: بنان، قلت: ما لها؟! قال..، وبسط يديه بسط اليائس الذي لم يبق في يده شيء.
فهمت وأحسستُ كأن سكيناً قد غرس في قلبي، ولكني تجلدتُ وقلت هادئاً هدوءاً ظاهرياً، والنار تضطرم في صدري: حدِّثْني بالتفصيل بكل ما سمعت. فحدثني ... وثِقوا أني مهما أوتيت من طلاقة اللسان، ومن نفاذ البيان، لن أصف لكم ماذا فعل بي هذا الذي سمعت.. كنت أحسبني جَلْداً صبوراً، أَثْبُت للأحداث أو أواجه المصائب، فرأيت أني لست في شيء من الجلادة ولا من الصبر ولا من الثبات!!
علي الطنطاوي
..................................
*لها أون لاين ـ في 18/2/2003م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:02 AM
(73) نجيب محفوظ لـ الشرق الاوسط : أنا مع ظهور التيار الديني فوق السطح
أطفأ الشمعة 94 ويطالب بتأسيس عاصمة جديدة وترك القاهرة للتاريخ

القاهرة: حمدي عابدين
...........................

على مدى الأسابيع الماضية رافقت «الشرق الأوسط» نجيب محفوظ، وتابعت ندواته الأسبوعية، التي يعقدها في عدد من فنادق القاهرة، لتعرف منه خلاصة خبرته بعد 94 عاما، أثرى خلالها مبدعنا «الحديدي» حياتنا الثقافية، وحفر اسمه في سجلاتها، كأول روائي عربي يحصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1988. محفوظ ما يزال مهتماً بالحياة العامة، وله رأيه بتقدم الإخوان المسلمين في الانتخابات الأخيرة، خاصة أن أحد قيادي الحركة زاره مؤخراً، وهو يدعو إلى التأسيس لعاصمة جديدة وترك القاهرة كعاصمة للحارة والتاريخ، ويغضب بقوة لو قيل له انه ما عاد قادراً على الإمساك بالقلم.
الحوار مع محفوظ لم يكن أمرا سهلا لعدة اعتبارات، منها انه يرفض الحديث عن مفردات حياته الخاصة، كما انه ينفر من الكاميرا لأن «الفلاش» اصبح يرهق بصره، ثم انه وبحكم السن ضعف سمعه، واصبحت ردوده في الغالب الأعم موجزة وتلغرافية جدا، وتعكس أحيانا حالة من اللبس، حيث تتعدد أوجه تفسيراتها وما توحي به أو ترمز إليه.
طلبنا من زوجة محفوظ وألححنا أن نعيش معه يوما كاملا، بالكاميرا، نتعرف خلاله على طقوسه وعاداته، لكنها رفضت واعتذرت بلباقة شديدة، متعللة بظروفه الصحية، وأنه لا يستقبل غرباء في بيته، وتلك إحدى عاداته التي ظل يحرص عليها حتى الآن. فكل حواراته يجريها في منتدياته الأسبوعية، لكن زوجته، مع ذلك، لمحت إلى بعض عادات محفوظ اليومية قائلة: إنه يستيقظ في الثامنة صباحا ويتناول إفطارا خفيفا، عبارة عن خبز وجبن فلاحي، وبعدها يأتيه الحاج صبري السيد في العاشرة ليقرأ له الجرائد الصباحية «الأهرام» و«الأخبار» و«الوفد» و«نصف الدنيا». نجيب محفوظ قال لي انه يقرأ «الوفد» من بين الجرائد الحزبية بسبب وفديته القديمة، وقال لي الحاج صبري انه يقرأ «نصف الدنيا» من بين المجلات المصرية، لأنها تنشر له أحلامه، أما «الأهرام» و«الأخبار» فيتابع فيهما أخبار الصفحة الأولى والمقالات، ويقرأ التحقيقات والأخبار الثقافية وبريد القراء ورسوم الكاريكاتير وصفحات الوفيات، ويسميها الأديب نجيب محفوظ «صفحة الواجب»، عندما يستوقفه خبر رحيل أحد من محبيه وأصدقائه يجد من الضروري أداء واجب العزاء برقيا.
محفوظ استعار الحاج صبري من السيد ثروت اباظة، بعد حصوله على جائزة نوبل، وكان قبل ذلك يقرأ الجرائد ليوسف السباعي، الذي اصطحبه في كل مكان ذهب إليه. سألت الأديب نجيب محفوظ عن الحاج صبري السيد، هل هو ملتزم بمواعيده؟ فأجاب:
ـ نعم، لكنه يوم الثلاثاء الماضي جاء متأخرا، فقد وصل إلى منزلي الساعة الثانية عشرة ظهرا، بسبب ارتباك المرور الذي يصاحب مرور المسؤولين من آن لآخر.
> ما انطباعك عن زيارة القيادي الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح لك في الباخرة «فرح» يوم الثلاثاء قبل الماضي؟
ـ أنا أرحب بذلك، وأنا مع أن يظهر التيار الديني فوق السطح «علشان نشوفه». الرجل تكلم بمنتهى الوضوح، وقال الإخوان ضد الحكومة الدينية. وأنا سألته عن الفن والاقباط، وقال كلاماً جيداً جدا، منه أن الأقباط متساوون تماما مع المسلمين، وتحدث عن الحرية الفكرية، ورفض مبدأ المصادرة والعنف، وقال الفكر بالفكر، وعلى كل حال سوف تكون أمامهم تجربة معارضة ممتدة 5 سنوات، وهي كفيلة بكشف كل هذا، والجماعة مقبلة على امتحان سوف يكشف كل شيء.
> هل زارك عبد المنعم أبو الفتوح بمفرده؟
ـ لا، كان معه أكثر من واحد.
> هل تعتقد أنه كان يتحدث عن قناعات شخصية خاصة به؟
ـ ربما ذلك، وربما يكون ما قاله معبرا عن تيار في الجماعة، هذا على الأقل.
> قلت في المستشفى بعد حادث الاعتداء عليك انك سامحت من قاموا بذلك؟
ـ كنت قد عملت العملية، وسألوني بعد ما قبضوا عليهم، ماذا تقول لهم، أجبت: مسامحهم، وأنا لست قاضيا.
> الدكتور ميلاد حنا تراجع عن تصريحه الذي قال فيه إنه لو حكم الإخوان مصر سوف يهاجر، وقال انه كان كلاما عفوياً، وأنه لن يهجر بلده وسوف يموت هنا ويدفن في تراب مصر، كيف ترى ذلك؟
ـ أنا فهمت موقفه الإنساني، ولم افهمه على أنه يرفض وصول الإخوان للحكم ما دام الشعب المصري سوف يأتي بهم بطريق ديمقراطي أو يرفض تطبيق الشريعة الإسلامية.
> لماذا قلت للمسؤولين في «دار الشروق» إن عليهم أن يحصلوا على موافقة الأزهر لو رغبوا في طبع رواية «أولاد حارتنا»، وعرضها على الجمهور في مصر؟
ـ أنا اتفقت مع رقيب النشر أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، على أن انشر «أولاد حارتنا» في الخارج على راحتي، قال لي «عايز تنشرها انشرها بره، لكن بلاش هنا علشان متزعلش الأزهر»، وهذه الاتفاقية أنا ماشي عليها وأحترمها وسوف التزم بها مدى حياتي.
> ما هي آخر تطورات قضيتك مع «مكتبة مصر»؟
ـ لا توجد عندي أخبار جديدة والجلسة 3 يناير.
> هل اتصل بك أحد من آل السحار؟
ـ لم يتصلوا بي، لكنني أعرف انهم سوف يتنازلون عن القضية أمام المحكمة في الجلسة المقبلة.
> وأنت تملي «أحلام فترة النقاهة» على الحاج صبري هل تدخل عليها تعديلات بعد ذلك؟
ـ لا، أنا لا أطلب منه أن يقرأ ما أمليته عليه مرة أخرى، النص يكون نهائيا بعدما أنتهي من إملائه.
> هل سمعت عن قضية خروج الفنان عبد البديع العربي من هيئة الرقابة، بسبب رفض قصة ليوسف السباعي، وكنت أنت وقتها تعمل فيها؟
ـ الرقابة كان فيها موظفون كثيرون وأنا لم أسمع هذا، أنا عملت رئيسا للرقابة اقل من سنة كان هذا عام 1959، وهي مؤسسة كبيرة.
> عملية الموافقة على أفلام العروض الخاصة أسهل أم أصعب من الموافقة على العروض التجارية؟
ـ أفلام العروض الخاصة كانت إجراءاتها أسهل، هذا لأنها كانت تعرض ليوم أو عدة أيام، وكانت دائما لجمهور محدود.
* اليونان تطلق اسم محفوظ على جائزة «كفافيس»
* في جلسة الأحد الماضي، زار السفير اليوناني نجيب محفوظ ومعه الفنان التشكيلي تاكي اليكسيو، وأهدياه بمناسبة عيد ميلاده لوحة رسمها اليكسيو، وأخبراه ان الدورة الحالية من مهرجان كفافيس الذي عاود نشاطه بعد انقطاع سنوات تحمل اسم نجيب محفوظ والروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكي، وبهذه المناسبة أقيم معرض به عدة لوحات للفنان اليونان رسمها لمحفوظ تعرض حاليا في قصر المانسترلي. والتقى محفوظ ايضا مستشرقة بولندية ووقع لها على «الثلاثية»، كما وقع لمترجمه ريموند سكوت على كتاب صدر حديثا عن قسم النشر بالجامعة الأميركية، ووضع له سكوت عنوان «السماء السابعة» وهي قصة موجودة في مجموعته القصصية «الحب فوق هضبة الهرم».
> ماذا حدث بعد أن تركت الرقابة؟
ـ توليت بعدها مباشرة، مسؤولية مؤسسة دعم السينما، وهي مؤسسة خدمات، ثم خرج الدكتور ثروت عكاشة من الوزارة وجاء الدكتور عبد القادر حاتم، وحدث تأميم السينما. وأنا كنت مستشارا أدبيا لمؤسسة السينما بعد تأميمها.
> ماذا كانت مهمتك؟
ـ كنا ننشئ مكتبة للسينما من جميع المؤلفات المصرية والعربية، عن فن السينما، وكان المقر في مبنى التلفزيون وكان مكتبي هناك أيضا.
> هل أنت راض عن الأفلام التي قدمت عن قصص لك؟
ـ الذين قدموا هذه الأفلام راعوا أن تكون جيدة، قدر المستطاع.
> طه حسين كان معجبا بفيلم «دعاء الكروان» بعد أن استمع إليه في عرض خاص؟
ـ طه حسين عمل روايات جيده.
> هل أنت مع إلغاء الرقابة على المصنفات الفنية أم استمرارها؟
ـ إلغاؤها لا، لان الفن يعرض على الجمهور بمعناه الواسع، وهو يحتاج إلى نوع من الإرشاد والرقابة، عندما تقوم بهذا الدور لا تضر الفن أبدا، وإنما تحمي المنتج كما تحمي الفن.
> كيف تحمي الرقابة المنتج؟
ـ الرقابة لو كانت غير موجودة، المنتج سيعمل سينما على كيفه، لكن عندما تكون هناك رقابة ترشده وتبدي تحفظاتها، فهي تحميه من اعتداءات كثيرة قد يتعرض لها، وقد تؤدي إلى تعرضه لخسائر تمنعه من الاستمرار.
> بعض الناس يقولون إنك توقفت عن الكتابة بيدك وأنك أصبحت تبصم؟
ـ «كدابين». قالها بنبرة غضب وبعدها أخرج الأستاذ نجيب سيجارة من علبة «الكنت» بمعاونة أحد محبيه وأشعلها وراح يدخن بنهم حتى انتهى منها، وهذه السيجارة واحدة من اثنتين يدخنهما في اليوم: الأولى فور وصوله إلى المكان الذي يعقد فيه اللقاء، والثانية في الثامنة مساء.
> ما رأيك في المرور هذه الأيام؟ خصوصاً في نقليات العاصمة؟
ـ نحن في أشد الحاجة لعاصمة جديدة، عاصمة إدارية، والقاهرة تبقى مدينة الحارة والتاريخ.
> كيف ترى خلاصة تجربتك في رحلتك مع الأدب والحياة؟
ـ الإرادة والإيمان.
> ماذا تعني بهما.
ـ أن يكون لديك إيمان بما تكتب وإصرار على ذلك مهما كانت العقبات.
> هل ما زلت تواظب على رياضة المشي المحببة لديك؟
ـ لا.. السن له أحكام.
> هل تحن لآلة القانون التي تجيد العزف عليها؟
ـ أحيانا.. لكن أصابعي لم تعد تطاوعني.
> ما رأيك في الموسيقى؟
ـ الموسيقى غذاء الروح، ولا يوجد أدب أو فن بدون موسيقى.
...................................
*الشرق الأوسط ـ في 4/1/2006م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:03 AM
(73) وداع بغــــداد

بقلم: علي الطنطاوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوداع يا "بغداد".
يا بلد المنصور والرشيد، والنعمان وأحمد، والكرخي والجنيد، وأبي نواس والعباس، ومخارق وإسحاق، ومطيع وحمَّاد.
يا منزل القواد والخلفاء، والمحدثين والفقهاء، والزهاد والأتقياء، والمغنين والشعراء، والمجَّان والظرفاء. يا مثابة العلم والتقى، واللهو والفسوق، والمجد والغنى، والفقر والخمول، يا دنيا فيها من كل شيء!
الوداع يا دار السلام، ويا موئل العربية، ويا قبة الإسلام.
يا بلداً أحببته قبل أن أراه، وأحببته بعد ما رأيته.. لقد عشت فيك زماناً مرَّ كحلم النائم، صحوت منه على صوت الداعي يؤذن بالفراق، فلم أجد منه في يدي إلا لذع الذكرى. وهل تخلف الأحلام ـ يا بلد ـ إلا الأسى والآلام؟
ولكني على ذلك راضٍ راض، فالوداع يا بغداد.. واسلمي على الزمان!
****
ودعتها والسيارة تشتد بي إلى المحطة تسلك إليها شوارع ذات بهجة وجمال، شبهتها (والمحطة غايتها) بليالي الحب كلها أنس وحلاوة، ولكن نهايتها وحشة الوحدة ومرارة الفراق. وعاينت الوداع فأيقنت أني مفارق بغداد عمَّا قليل، وأني سأتلفت فلا أرى رياضها ولا أرباضها، ولا أبصر دجلتها ولا نخيلها، فجرى لساني بقول الأول (وإن من الأقوال ما لا تبلى جدّته ولا يمضي زمانه):
أٌقول لصاحبي والعيس تهـــوي / بنا بين المنيفــــــة فالضمار
تمتع من شميم عــرار نجـــد / فمــا بعد العشية من عـــرار
شهــور قد (مضين) وما شعرنا / بأنصـاف لهـــن ولا ســرار
فأما ليلهن فخــير ليــــل / وأطـــيب ما يكـون من النهار
وجعلت أذكر كم ودعت من أحباب، وكم فارقت من منازل، وكم قطعت قلبي قطعاً نثرتها في أرض الله الواسعة التي لا تحفظ ذكرى، ولا ترثي لبائس!
ورأيتني لا أكاد أستقر في بلد حتى تطرحني النوى في آخر، كنبتة لا تكاد ترسخ في تربة وتمدّ فيها جذورها حتى تقلع وتنقل إلى تربة أخرى.
ورأيت أني دخلت بغداد يوم لم يكن قد جاءها أحد من أصحابي، فلبثت فيها وحيداً مستوحشاً، لا أعرف منها إلا المسجد، وما كان لمسلم أن يرى نفسه غريباً في بلد فيه مسجد، ولكنها العاطفة الضعيفة المتهافتة! فلما ألفتها وصارت بلدي، وغدا لها في قلبي مكان نفيت عنها!
دخـــلنا كارهين لها فلما ألفناها خرجنا (مكرهينا)
وفكرت في أمري متى ألقي رحلي، ومتى أحل حقائبي؟ وهل كتب عليَّ أن أطوف أبداً في البلاد، وأعيش غريباً وحيداً بعيداً عن أهلي وكتبي وصحبي؟
وهاجت في رأسي الخواطر السود، وماجت، حتى لقد رأيت الشوارع الحالية بالزهر صحراء مجدبة، ورأيت شعاع القمر المضيء مظلماً خابياً.
ومن طوَّف تطوافي، وأقبل مثلي على بلاد ما لها في نفسه صورة، ولا له فيها صديق، وفارق أهلاً إليه أحبة، وصحباً عليه كراماً، ومن كانت حاله كحالي، عرف صدق مقالي!
*****
وصفر القطار وسار، وطفقت ألوّح بمنديلي لصديقيَّ الأُثيرين "أنور" و"حسن"، حتى واراهما عني الظلام، فنظرت حولي فإذا أنا وحيد في العربة الفخمة، لا أنيس ولا جليس، فكرَّ فكري راجعاً إلى بغداد.
بغداد، يا مهد الحب، يولد الحب على جسرك الذي تحرسه (العيون)، وينمو في زوارقك ذات الأجنحة البيض التي تخفق كخفقان قلوب راكبيها، ويشب في كرخك وتحت ظلال نخيلك.
فتشوا، وكم تحت هذا الثرى من بقايا القلوب التي حطَّمها بسهام (العيون) هذا المخلوق الجبَّار، الذي وُلد على الجسر شاباً، ونما في الزورق، واكتهل في الكرخ، ثم لم يمت لأنه من أبناء الخلود.
سلوا أرض بغداد: أعندها خبر من شهداء الغرام؟
سلوا جوّ بغداد: أين النغمات العذاب التي عطَّرت نسيمه بعطر الجنة، فهزت قلوباً، وأهاجت عواطف، وأضحكت وأبكت، وأماتت وأحيت. هل أضعت ـ ويحك ـ هذه الثروة التي لا تعوَّض؟!
سلوا الجسر.. يا "جسر بغداد" إن ما بقي من حديثك قد ملأ كتب الأدب، حتى لم يعرف الناس سوقاً للعواطف والأفكار والعبر أكبر من جسر بغداد، فأين سائر أخبارك؟
كم ضممت ذراعيك على عشيقين فنعما بينهما بلذة الحب؟(1)
وكم تركت حبيباً ينتظر فلا يرجع بعد الانتظار إلا بالخيبة والأسى!
وكم عطفت على بائس منكود، وأعرضت عن منكود بائس، فأريت الأول من مشاهد الحياة ما هوَّن عليه ما هو فيه، وزدت الثاني بؤساً ونكداً.
وكم وعيت من أسرار الحب والبغض، والفرح والحزن، والغنى والفقر، والعزة والذل، وكلّ ما تحتوي الحياة وتشمل النفس من ألوان؟ كم رأيت من حصاد الأدمغة وثمرات القلوب؟ كم مدت تحت أقدام خليفة كانت تصغى له الدنيا إذا قال؛ لأنه ينطق بلسان محمَّد (صلى الله عليه وسلم)، وقائد كانت تخضع له الأمم إذا سار؛ لأنَّه يلوح بسيف محمد (صلى الله عليه وسلم).
يا جسر غازي الجديد، الهائل العظيم، أعندك نبأ من ذلك الجسر الذي كان عالماً من العوالم؟ والذي كان سرُّة الدنيا وقطب رحاها؟ وكان للجدّ إذا جدَّ الجدُّ، وللهزل إذا جاز الهزل. فحوى المجد من أساسه، وجمع المتعة من أطرافها.
وهذه المنارة المنحنية المائلة في "سوق الغزل" تنظر بعيني أم ثكلى.. سلوها أين مسجدها الذي كان يضيق على سعته بالمصلين، حتى تمتد الصفوف إلى الشارع ثم تتالى حتى تبلغ النهر؟
أين أولئك العلماء الذين أترعوا الدنيا علماً، وملؤوا آفاق الأرض نوراً وهدى؟ أين مواكب الخلفاء حيث...
الخيل تصهل والفوارس تدّعي والبيض تلمع والأسنَّة تزهر
أين فرسان المنابر وأبطالها؟ أين جيران المحاريب وجلاسها؟ أين... أين..؟
يا أسفي! لقد سرق المسجد، وهدم المنبر، وضاع المحراب، ولم تحفظ الحجارة ـ يا بغداد ـ مآثرك ومصانعك، ولا وعت الأرض ذكريات حبك، ولا أبقى الجوّ رنَّات عيدانك.. أفلا حفظتها قلوب أقسم أصحابها أنهم ذاكرو عهدك وأنهم مرجعو مجدك؟
فأين مسجد بغداد الجامع يا مديرية الأوقاف؟ أين المسجد يا إدارة الآثار؟ أين المسجد يا من اتخذتم المسجد بيوتاً ودكاكين وتركتم المنارة منحنية عليه تبكي؟!
أين المدرسة النظامية يا من أقمتم على أنقاضها "سوق الشورجة" لتبيعوا فيه البصل والثوم..وقد كانت تباع فيها حيوات العلماء وعصارات عقولهم وقلوبهم؟!
لا تحزني يا بغداد واصبري؛ فإنَّ كل شيء يعود ما بقي في القلب إيمان، وفي الفم لسان، وفي اليد سنان.
****
وتلفت ورائي فإذا بغداد قد اختفت وراء الأفق، وغابت مسارب "الأعظمية" التي تحاذي النهر، تنكشف تارة فتضيء ثم تختفي في ظلال النخيل، كشاعر منفرد متأمل، أو محب متعزَّل، يناجي طيف الحبيب، ويسامر ليالي الوصال التي تلوح له صورها. والنهر يطلع عليها مرة بصفحته البيضاء المشرقة التي تشبه أمنية بدت لحالم، ثم يحجبه عنها النخيل، ويمحوه الظلام كما تمحو الحياة بواقعها الأحلام وتطمس صور الأماني..
وغابت شوارع الصالحية ذات الفتنة والجلال، وغابت المآذن الرشيقة وغابت القباب.. وبقيت أنا والماضي!
هذا الماضي الذي طالما قاسيت منه، وطالما كابدت، ثم كلما أوغلت به انحداراً في أعماق نفسي، ودفنته في هوة الذكرى، وقلت مات؛ عاد حياً كاملاً تثيره نغمة، وتهيجه صورة، ويبعثه بيت من الشعر.. فيبعث بحياته آلامي.
غابت بغداد، فسلام على بغداد. وأشهدوا أنه ما بعد دمشق بلد أحب إليَّ من بغداد، ولا بعد الحور شجر أجل في عيني من النخيل، ولا بعد "بردى" نهر أعزّ على نفسي من "دجلة".
أستغفر الله! إلا حَرَم الله ومدينة نبيه، فهما والله أحبّ البلاد إليَّ، وماؤهما ألذ المياه في فمي، وشجرهما أبهى الشجر في بصري..
السلام عليك يا بغداد وعلى ساكنيك السلام.
علي الطنطاوي

-------------------
(1) الأزواج الذين اجتمعوا بعقد الشرع لا الفساق الذين اجتمعوا بعقد إبليس!

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:05 AM
( 74 ) افتتاحية العدد الأول من مجلة «المنهل»

بقلمذ: عبد القـــدوس الأنصاري*
.....................................ـ

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نحمدك حمد الشاكرين، ونستعينك ونستهديك سواء السبل، ونستلهمك التوفيق في الأعمال، ونعوذ بك من الفشل والكسل والزلل، ونعتصم بك من الوقوع في مهاوي الخطأ والخطل، ونرجو منك التثبيت في المبدأ الحسن، والتأييد والإنجاح في المقاصد، ونسألُك أن تُصلِّي على من بعثته هدىً ورحمة للعالمين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما يعد؛ فإن من دلائل نجاح "المنهل" أن تكون أول مجلة أدبية ثقافية من نوعها، تصدر بالحجاز، في عهد حضرة صاحب الجلالة عبد العزيز أل سعود ملك المملكة العربية السعودية، الذي جعل مبدأه الحميد أن يأخذ من أسباب المدنية الحديثة كل جيد ونافع وصالح لأمته، مع الاحتفاظ بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والاستضاءة بهديه القويم.
ففي هذا العهد السعيد نرى الأمة قد بدأت تتحفّز الوثوب إلى استعادة مركزها التاريخي الرفيع في مرافق حياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية، وفي هذا العهد الميمون شاهدنا الأدب الحجازي يخطو إلى الأمام خطوات واسعة ملؤها الطموح والاستبشار والابتهاج.
وإن من علامات حظوة "المنهل" بما تصبو إليه من نجاح مطرد في سبيل أداء رسالتها الأدبية العالية، ما نراه ماثلاً في الأذهان من ضرورة السموِّ بهذا الأدب الحجازي وإبرازه في حلة قشيبة، تليق بمكانة الحجاز الدينية، ومنزلته الاجتماعية في العروبة والإسلام. فهذا الشعور الطيب سيكون ـ بعد توفيق الله تعالى ـ أكبر معوان "للمنهل" في الفوز بمطامحها الجليلة، وآمالها النبيلة.
وإن من أهم ما تصبو إليه "المنهل" أن تُوفَّق لتكون فاتحة عصر جديد ناضر زاهر، في أدبنا الحجازي الفتي، فتُعيد لهذه البلاد المقدسة مكانتها الأدبية الشامخة بين أقطار العروبة، ليغتبط العالم الحديث بقس الحجاز الحديث وسحبانه، ويشدو بنابغته الجديد وحسّانه.
والحق يُقال إن هذا الأدب الحجازي الحديث، وإن كان وليد أعوام معدودة، فإنه قد خطا إلى الأمام خطوات مُباركة تدل على ما بعدها. فها هو قد أطلع في سمائه في ظرف وجيز نجوماً أصبحت لها شهرة أدبية لا بأس بها في الدّاخل والخارج، بسبب ما أذاعته ـ الوقتَ بعدَ الوقت ـ من قصائد رائعة، وبسبب ما نشرته ـ في فترات ـ من نثر قيم.
وهذه النجوم الطالعة في سماء أدب الحجاز، إذا ساعدتها المقادير، ووجدت آفاقاً واسعة للجولان والنشر والدعاية الكافية، فإنها ولا ريب ستتطور في سنوات معدودة إلى أقمار زاهرة، فشموس بازغة.
وليس هذا الذي نقوله من الجري وراء الأحلام المعسولة، فإنه للحقيقةُ بنتُ الاستنتاج والبحث: إذ الحجاز هو مهد هذا الأدب العربي، وموطنه الأول، فمنه انتشر إلى كافة الأقطار، وفي أرضه درَج لأول مرة، ومن مناهله سقي فنما، ومن بين وديانه ورماله شبَّ، وإن أيناء الحجاز هم أحفاد بناة مجد العرب والإسلام، وأدب العرب والإسلام، وفيهم من الذكاء النادر المشهود والاستعداد الغريزي ما إذا تضافر مع الاجتهاد وعوامل البيئة والوراثة فسرعان ما يشيدون لهم صرحاً شامخاً من الأدب الرّاقي في روحه وأهدافه وأسلوبه وكيانه، واتجاهاته ونَزَعاتِه وألوانه.
وليس الأدب أداة تسلية، أو فن لهو، وتمضية للوقت، بل إنه من أسمى الفنون الحية التي تُنهِض الأمم وتُنعِشُها، وكم للأديب المُخلص من أثر فعّال في ترقية مستوى الأمة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعُمراني معاً.
والواقع أن الأدب في أسمى أوصافه، وأصدق ألوانه هو المحرك الكهربائي الذي يبعث روح الإصلاح في الشعوب، ويوقظ فيها الفتوة والشعور بالكرامة، ويحفزها إلى المضي في طريق التقدم، ويصقلها صقلاً جيدا، ويُهذِّب من حواشيها، ويُوصِّل بين حاضرها وماضيها، وصلاً مُحكماً، مُثمراً لشتَّى المنافع.
والأدب هو الذي يُنَمِّي مواهب الأمة الفكرية، ويحوك كيانها حوْكاً جيداً مُتقَناً، وهو الذي يوحي أسمى الخيالات إلى الأذهان الخاملة، ويُثير الحماسة في الصدور إلى اعتناق المثل العليا من الكمال، ويحميها من أن تظل راسبة في مستنقعات الانحطاط الوبيئة، ويجعلها تسعى سعيا حثيثاً منظماً لتكون في طليعة الأمم الرّاقية، وهو الحادي الجذّاب الذي يُوَلِّد فيها روح النشاط الدؤوب كلّما أخلدت أو أوشكت أن تخلد إلى الراحة المُضنية والفتور الموبق، والتقاعس الوبيل.
ورسالة "المنهل" الأدبية قد جلوناها للقرّاء الأماثل في النشرة التي قدَّمناها لهم، وإنّا لنرجو أن تنال من جمِّ تعضيدهم، ومشكور مؤازرتهم، ومحمود إخلاصهم ما يجعل منهلهم صافياً عذباً غزيراً على الدّوام، وسنبذل قصارى الجهد في سبيل إحاطة هذا "المنهل" بسياج متين من أسباب الوقاية، حتى لا يتلوَّث معينُه، ولا يتعكَّر صفوُه بجراثيم التراشق والإسفاف، شاعرين بأن التطوُّر من سنن الكائنات.
ونبتهل إلى الله ـ جلَّت عظمته ـ أن يكون دائماً عند حسن ظننا به، فنكون دائماً عند حسن ظنِّ القراء بنا، واللهُ وليُّ التوفيق.
ــــــــــــ
*المصدر: نشرت هذه المقالة الافتتاحية في العدد الأول من مجلة "المنهل"، ذو الحجة 1355هـ-فبراير 1937م، ص ص1-4.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:06 AM
(75 ) الذوق الأدبي

بقلم: د. عبد القدوس أبي صالح (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ

نستطيع أن نُعرِّف الذوق الأدبي بأنه "قدرة يُميَّز بها جمالُ النص الأدبي أو رداءته" .. وما من شك في أن الناس يتفاوتون في الذوق الأدبي كما يتفاوتون في الطعام والشراب.
ومع أن من الصعوبة بمكان أن توضع معيارية للذوق الأدبي إلا أن النقاد المعاصرين وضعوا مصطلح "الذوق السليم" ليكون معياراً تقريباً للذوق المتوسط الذي لا يهبط إلى مستوى الذوق السقيم، ولا يرقى إلى مرتبة الذوق المتفرِّد.
والذوق الأدبي موهبة فطرية، وهو ينمو بالثقافة وسعة الاطلاع، كما ينمو بالدربة والمران على تذوق النصوص.
وللذوق الأدبي العام أهمية بالغة في توجيه الحركة الأدبية، ويذهب الأستاذ عمر الدسوقي إلى أن طغيان المادة، وجفاف المياه، وفساد السلائق .. كلُّ ذلك أدّى إلى انحراف الذوق الأدبي في العالم العربي نحو الأدب الهابط والأدب الرخيص الذي يُثير الغرائز، بل ربما وصل إلى الركاكة والغثاثة.
ومن المؤسف أن كثيراً من الأدباء يتملّقون الذوق العام المنحرف، ويُقلدهم الآخرون، وبذلك نرى انحطاطاً محزناً في الإنتاج الأدبي شعراً ونثراً، والسبب في رأي الناقد المذكور يعود إلى إهمال الذوق الأدبي العام، وعدم تعهده بالصقل والتهذيب في المنزل والمدرسة والمجتمع، ومع فقدان التوجيه السَّديد الذي يأخذ بيد القارئ إلى ما يسمو بروحه وعقله وخلقه، ويأخذ بيد الشّادين في الأدب فيدلّهم على الطريق الأقوم.
ومما يُضخِّم المشكلة أننا ندخل فيما يشبه الحلقة المفرغة، فالأدباء يتملّقون الذوق العام المنحرف بإنتاجهم الهابط، والجمهور يُقبل على الإنتاج الهابط بسبب انحراف الذوق العام.
ومع أن الذوق موهبة فطرية ـ كما قدّمنا ـ فليس هناك إنسان محروم من قدر معين في الذوق الأدبي، والذي يُمكن تنميته بالتثقيف والرعاية والصقل والتهذيب، والممارسة الذاتية.
وأمّا الرعاية والصقل والتوجيه فهي عملية مستمرة تبدأ من الآباء المثقفين لتنتهي بالنقّاد المتمرّسين الذين لهم دور كبير في مسيرة الأدب وتوجيهه، ويأتي ما بين الآباء والنقّاد دور المدارس والجامعات من حيث العناية بتذوُّق النص الأدبي، وتوجيه الأجيال إلى دراسة أدب التراث، والوقوف عند روائع الشعر القديم، والتوجيه إلى حفظ الكثير منها أو مدارسته، وفي هذا المجال نستطيع أن نسترشد بما ذهب إليه ابن الأثير في ضرورة أن يُكثر المرء من حفظ شعر العرب لاشتماله على ذكر أخبارهم وآثارهم وأنسابهم وأحسابهم، وفي ذلك "تقوية لطبعه، وبه يعرف المقاصد، ويسهل عليه اللفظ، ويتسع المذهب، ولا يستغني عن شعر المولَّدين المجيدين لما فيه من حلاوة اللفظ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البدائع".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من كتاب: د. حسين علي محمد (بالاشتراك): فن المقالة: دراسة نظرية ونماذج تطبيقية، سلسلة "أصوات مُعاصرة"، العدد 114، دار هبة النيل العربية، القاهرة، 2003م، ص123، 124.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:07 AM
( 76 ) علي أحمد باكثير

بقلم: نجيب محفوظ
..........................

سعدت بما سمعته من أن جمعية أصدقاء علي أحمد باكثير أقامت هذه الأيام الدورة الثانية لمهرجان علي أحمد باكثير المسرحي الذي كانت قد أقامت دورته الأولي في العام الماضي‏,‏ فقد أثلجت صدري أنباء هذا المهرجان بعد أنباء الحادث الأليم الذي وقع في بني سويف‏.‏
ولقد عرفت علي أحمد باكثير منذ سنوات الشباب حين كنا نخطو خطواتنا الأولي في الكتابة الأدبية‏,‏ أنا في الرواية وهو في المسرح‏,‏ فقد كنا أنا وهو ضمن الفائزين في جوائز وزاره المعارف وكان هذا الفوز هو الذي فتح أمامنا طريقا للنشر بعد أن كانت أعمالنا قابعة في الأدراج‏,‏ ثم توطدت العلاقة بيننا بعد ذلك علي مدي السنوات بعد أن صارت أسماؤنا معروفه في المجال الأدبي‏,‏ وقد كنا نلتقي أسبوعيا في كازينو الأوبرا‏.‏
لقد كان علي أحمد باكثير علي ثقافة عاليه وكان حجة في آداب اللغة الإنجليزية التي كان يجيدها إجادة تامة. وقد عمل فترة طويلة مدرسا للغة الإنجليزية، لكنه انتقل بعد ذلك إلي مصلحه الفنون فتزاملنا مرة أخري‏,‏ حيث كنت أعمل بها أنا أيضا‏,‏ وقد كنت من أشد المعجبين بأدب علي أحمد باكثير برغم أنه كان كاتبا مسرحيا تخصص في المسرحيات التاريخية وأنا روائي ملت كثيرا إلي المعاصرة والواقعية‏,‏ علي أن باكثير لم يقتصر إنتاجه الأدبي علي المسرح وحده والذي ترك لنا فيه أكثر من أربعين عملا‏,‏ وإنما كان شاعراً من الدرجة الأولى، شهد له بها العقاد والمازني وغيرهما‏.‏
ــــــــــــــــ
*الأهرام ـ في 23/9/2005م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:08 AM
(77 ) الرسائل الأدبية بين النشر والإتلاف

بقلم: سعد بن عايض العتيبي
.................................

الرسائل الأدبية فن من فنون الأدب ازدهر في أوائل القرن المنصرم ، وكانت الرسالة قطعة أدبية ؛ لأن الأديب يكتبها وهو في حالة صفاء ذهني ، فتنثال عباراته الأنيقة وهو في غاية التجويد والإتقان .
وللأسف فإن هذا الفن الجميل فقد بريقه وأوشك على الاندثار بسبب التقدم المذهل في وسائل الاتصال الحديثة من حاسوب وإنترنت وجوال وغيرها .
ولعل أبسط تعريف للرسالة الأدبية هي ( نص نثري سهل ، يوجه إلى إنسان مخصوص ويمكن أن يكون الخطاب فيها عاما ، فهي صياغة وجدانية حانية مؤنسة ، وفي عتاب رقيق يظهر النجوى أو الشكوى ، ويبوح بما في الوجدان من أحاسيس وأشجان ، وتتوارد الخواطر فيه بلا ترتيب ولا انتظام ، لتغدو الرسالة إن قصرت أو طالت قطعة فنية مؤثرة دافعة إلى استجابة المشاعر لها ، وقبولها ما باحت به ) . (1)
وأحسب أن من أشهر الرسائل الأدبية في العصر الحديث هي الرسائل المتبادلة بين الأستاذ مصطفى صادق الرافعي وتلميذه محمود أبورية رحمهما الله ، فقد امتدت المراسلة بينهما أكثر من عشرين عاما في الفترة ( 1912- 1934 ) ، وقد عمد الأستاذ أبورية بعد رحيل أستاذه الرافعي إلى نشر تلك الرسائل في كتاب بعنوان " من رسائل الرافعي " صدرت طبعته الأولى عام 1950م ، ثم أعاد طبعه عام 1969م بعد أن أعاد ما حذفه في الطبعة الأولى من عبارات جارحة كان قد كتبها الأستاذ الرافعي في بعض حالات ضيقه وتبرمه من الناس والحياة .
وقد أحسن أبو رية صنعا حينما طبع تلك الرسائل الثمينة في كتاب حفظها من الضياع أو الاندثار ، فبقيت شاهدا على بلاغة وأسلوب الرافعي الذي أفاض في الحديث عن أسرار حياته وأحوال معيشته ، ومؤلفاته المطبوعة والمخطوطة ، عدا حديثه عن خصوماته مع بعض أدباء عصره .
ومن أسف أن ما نشر من رسائل الأدباء يعد ضئيلا إذا ما قيس بما لم يتم نشره ؛ لأن تلك الرسائل تنطوي على أسرار لا يجوز إفشاؤها لما يسببه نشرها من حرج لمرسلها ، علاوة على أن معظم الأدباء يرون أن نشر المؤلفات وتدبيج المقالات أهم من نشر الرسائل التي قد تجلب لهم بعض المشكلات مع أصدقائهم ، ولا تعود بالفائدة على القارئ .
هناك من يرى أن تعدم الرسائل الأدبية باعتبارها " أوراقا خاصة " من هذا الفريق الأستاذ وديع فلسطين ، يقول : ( مذهبي الذي لا أتنكبه أن البريد الأدبي حتى وإن تناول شؤونا و شجونا عامة ، هو في النهاية مكاشفة شخصية بين صديقين لها خصوصيتها الحميمة ، التي لا يسعني تلقاء ها إلا الدعوة إلى طي هذا البريد ودفنه بإكرام ) . (2)
وهناك من يرى غير هذا الرأي وهو الأديب الأستاذ نقولا يوسف ( 1904- 1976 ) يقول : ( لا ، ولست من القائلين بإعدام هذه الرسائل باعتبار أنه لم يقصد بها النشر ، فهي بعض من آثارهم لا يقل قيمة عن ملابسهم المحفوظة في المتاحف مثلا ، ومازلت أرى في نشر ما لدي من رسائل الأدباء فوائد أدبية للدارسين والنقاد والقراء جميعا ) . (3)
في الحقيقة لا يمكن استقصاء كل ما نشر من رسائل الأدباء على الصعيد العربي في العصر الحديث ، لكن سأشير إلى أبرز الرسائل الأدبية التي جمعت في كتب أو نشرت من خلال الصحف والمجلات :
"من رسائل الرافعي" نشرها تلميذه محمود أبو رية ، " رسائل أحمد تيمور باشا إلى العلامة الكرملي " نشرها وحققها كوركيس عواد وميخائيل عواد " ، " رسائل جبران " نشرها جميل جبر , " رسائل أمين الريحاني " نشرها ألبرت الريحاني ، " الريحاني ومعاصروه " نشرها ألبرت الريحاني ، " رسائل مي زيادة وأعلام عصرها " نشرتها سلمى الحفار الكزبري ، " رسائل جبران إلى مي زيادة ( الشعلة الزرقاء ) " نشرتها سلمى الحفار الكزبري والدكتور سهيل بشروئي .
" رسائل محمد كرد علي إلى الأب أنستاس ماري الكرملي " حققها وعلق على حواشيها الأستاذ حسين محمد العجيل ، " رسائل بدوي الجبل " نشرها صديقه الأستاذ أكرم زعيتر " ، " من رسائل العقاد " نشرها الأستاذ محمد محمود حمدان ، " رسائل الخليل " وهي الرسائل التي تلقاها من بعض أدباء عصره ، نشرها نجله الأستاذ عدنان مردم ، " رسائل بدر شاكر السياب " نشرها الأستاذ ماجد السامرائي ، " وثائق من كواليس الأدباء " نشرها الأستاذ توفيق الحكيم ، " رسائل عبد الكريم جرمانوس إلى الناعوري " نشرها الدكتور عيسى الناعوري ، وصدرت ضمن مطبوعات المجمع العلمي الهندي .
" رسائل الأديب عمر فاخوري " صدرت عن دار الآفاق الجديدة ، " رسائل أنورالمعداوي إلى فدوى طوقان " نشرها الأستاذ رجاء النقاش والدكتور علي شلش ، " رسائل غسان كنفاني " نشرتها غادة السمان ، " رسائل نزار قباني " نشرتها سلمى الكزبري ، " رسائل نازك الملائكة إلى عيسى الناعوري " نشرها وحققها تيسيرالنجار ، " رسائل الشابي إلى صديقيه محمد الحليوي والبشروش " نشرها الأستاذ أبو القاسم محمد كرو ، " رسائل طه حسين ومعاصروه " نشرها نبيل فرج ، " الرسائل التي تلقاها إبراهيم العريض من بعض أدباء عصره " نشرها بنفسه قبيل رحيله ، " الرسائل المتبادلة بين إبراهيم اليازجي وقسطاكي الحمصي " نشرها الدكتور كميل حميش ، " الرسائل التي تلقاها الأستاذ محمد عمر توفيق من أصدقائه الأدباء " نشرتها جامعة أم القرى ضمن أعماله الكاملة ، " رسائل الشاعر إبراهيم طوقان إلى شقيقته فدوى " نشرها المتوكل طه ، " رسائل حمزة شحاته " نشرتها كريمته شيرين شحاته ، " رسائل جبرا إبراهيم جبرا " نشرها تلميذه الدكتور عيسى بلاطة مع بعض الصور النادرة لجبرا تمثله في شبابه وكهولته ، " رسائل الدكتور أحمد زكي أبو شادي " نشرها العلامة روكس بن زائد العزيزي ، " رسائل أرملة الشاعر إلياس أبو شبكة " نشرها عبد الخالق فريد .
" رسائل نزار قباني " نشرها الأستاذ عبد الله الجفري ضمن كتابه " نزار قباني .. أخر سيوف الأمويين الذهبية " ، والصادر عن دار النور ببيروت .
رسائل جميل صدقي الزهاوي " نشرها في مجلة " الكاتب المصري " أحمد محمد عيش ، " رسائل عبد الرحمن شكري إلى نقولا يوسف " نشرها في مجلة " الأدب " الأستاذ نقولا يوسف ، " رسائل نظير زيتون " نشرها في مجلة " الأديب " الدكتور فوزي عطوي ، " رسائل نقولا يوسف " نشرها في مجلة " الأديب " الأساتذة : وحيد الدين بهاء الدين ، إيليا حليم حنا ، رياض نصور ، أحمد حسين الطماوي ، " رسائل الشاعر جورج صيدح " نشرها في مجلة " الأديب " عبد السلام العجيلي ، فوزي عطوي ، عيسى فتوح ، عبد الرزاق الهلالي ، " رسائل نزار قباني " نشرها في مجلة " الآداب " صديقه الدكتور سهيل إدريس " ، " رسائل الزيات " نشرها في مجلة " مصر " الدكتور محمد جاد البنا ، " رسائل الأستاذ إبراهيم المصري " نشرها في مجلة " الأديب " الدكتور حسين علي محمد ، " رسائل الناعوري " نشرها في مجلة " الدوحة " الصحافي أسامة فوزي ، " رسائل سعيد كردي " نشرها في مجلة " الفيصل " صديقه الأستاذ يوسف الشاروني ، " الرسائل المتبادلة بين أحمد زكي باشا والكرملي " نشرها في مجلة " المورد " حكمت رحماني ، رسائل الشاعر محمد عبد الغني حسن " نشرها في صحيفة " المسائية " الدكتور حسين علي محمد ، " رسائل الدكتورة سهير القلماوي إلى الدكتور طه حسين " نشرها في مجلة " المصور " إبراهيم عبد العزيز ، " رسائل نزار قباني إلى صافي ناز كاظم " نشرتها في مجلة " نصف الدنيا " سناء البيسي ، " رسائل شفيق معلوف " نشرها في مجلة " الأديب " وحيد الدين بهاء الدين ، " رسائل الأستاذ سيد قطب إلى الأستاذ وديع فلسطين " نشرتها في مجلة " الهلال " صافي ناز كاظم ، " رسائل إلياس قنصل " نشرها في مجلة " الأديب " وحيد الدين بهاء الدين ، " الرسائل المتبادلة بين الشاعر معروف الرصا في وبعض أعلام عصره " نشرها وحققها في مجلة " المورد " عبد الحميد الرشودي ، " رسائل الدكتور علي جواد الطاهر " نشرها في مجلة " عالم المخطوطات والنوادر " جليل إبراهيم العطية ، " رسائل الأستاذ ميخائيل نعيمه " نشرها في مجلة " المنتدى " الدكتور عبد الكريم الأشتر ، " رسائل البدوي الملثم " نشرها في مجلة " الأديب " الأستاذ عيسى فتوح .
والواقع أنني بدوري كنت ومازلت من هواة المراسلة ، وقد راسلت عشرات الأدباء داخليا وخارجيا ، بعضهم انتقل إلى رحمة الله ، أذكر من تلك الأسماء مع حفظ الألقاب : عبد السلام العجيلي ، وديع فلسطين ، محمد رجب البيومي ، يوسف عز الدين ، خليل إبراهيم الفزيع ، عبد الغني العطري ، محمد عبد المنعم خفاجي ، عبد الله أحمد شباط ، حلمي القاعود ، زكي قنصل ، عبده بدوي ، أحمد الطماوي ، عبد اللطيف الأرناؤوط ، نور الدين صمود ، مدحت عكاش ، عبد الكريم الأشتر ، عبد الرحمن شلش وغيرهم .
وقد تلقيت من الأستاذ وديع فلسطين وحده أكثر من مائتي رسالة أدبية تقع في الفترة من ( 1995- 2006 ) ، وهي تعد ثروة فكرية لا تقدر بثمن .
والحقيقة أن هذه الرسائل وهي بخطوط أصحابها أشبه بندوة أدبية ، فهي زاخرة بأخبار الحركة الثقافية في الوطن العربي ، مثل : صدور الكتب الجديدة ، وافتتاح مهرجان الجنادرية ، أو معرض القاهرة الدولي للكتاب ، أو انعقاد دورة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، أو افتتاح مهرجان قرطاج السينمائي ، أو انتقال أحد الأدباء أو الشعراء إلى الرفيق الأعلى ، كما أنها لا تخلو من بعض المعلومات عن أحوال الطقس ، وارتفاع أجور البريد ، أو فقدان الرسائل . عدا الحديث عن الجوائز الأدبية التي تمنح لبعض الأدباء والشعراء ، مثل : جائزة الملك فيصل العالمية ، وجائزة سلطان العويس ، وجائزة الشاعر الأستاذ محمد حسن فقي وغيرها .
ويجد القارئ مع هذه الأسطر بعض النماذج من الرسائل التي تلقيتها من بعض الأدباء والشعراء ، وهي من أصل 1200 رسالة أحتفظ بها في أرشيفي الخاص .
وليت إحدى دور النشر الكبرى تعمد إلى تخصيص إحدى سلاسلها لنشر رسائل الأدباء ؛ لأن بعضهم بحوزتهم الكثير من الرسائل ولا يجدون ناشرا لها ، وقد أخبرني الأستاذ عيسى فتوح أن لديه ( 326 ) رسالة تلقاها من الدكتور عيسى الناعوري ، وهي مرتبة حسب تواريخها كما أن لدى الأستاذ فريد جحا نحو ( 170 ) رسالة من الشاعر جورج صيدح ، والأمثلة كثيرة .
______________
( 1 ) د . محمد العوين ، المقالة في الأدب السعودي الحديث ، ط1 ، الرياض : مطابع الشرق الأوسط ، 1412هـ 1992م ، ص243
( 2 ) مجلة الفيصل ، ع 197 ، ذو القعدة 1413هـ ، ص7
( 3 ) مجلة الثقافة ، ع 95 ، أغسطس 1981م ، 87

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:10 AM
(78) الثقـــــــــــــــــافة

بقلم: محمد جبريل
.........................

الثقافة ليست مجرد المعرفة.. ليست مجرد زيادة حصيلة المعرفة. ولا مجرد إضافة أرفف جديدة من المعلومات في داخل الذهن الإنساني. لكنها إسهامات متجددة. ومطلوبة في تحقيق التفاعل بين المرء والعالم الذي يحيا فيه. وفي تعميق رؤيته الأكثر اتساعا للأفراد. وللجماعة التي ينتسب إليها وللعالم. المعرفة لا قيمة لها ما لم يستتبعها محاولات لتطبيقها في الحياة اليومية. في إحداث مراجعة للوعي والنظرة. كما يقول ابن المقفع فإن صاحب العلم يلزمه القيام بالعمل لينتفع به وإن لم يستعمل ما يعلم لا يسمي عالما ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه علي علم به يسمي جاهلا.
القول بأن المرء حصيلة ثقافته يحتاج إلي مراجعة.. الأدق أن المرء حصيلة معرفته وهي معرفة تشمل كل ما قرأه واستمع إليه. وشاهده. واختبره. لذلك فإن القول -مثلا- بأن ثقافتنا مصدرها الثقافة الغربية يلغي المخزون المعرفي الذي يعد الموروث الشعبي حصيلته الأهم.. إن كل ما حصله الإنسان العربي من معرفة مصدرها الكتب الغربية لا يلغي ما في داخله من موروث لا يقتصر علي أعوام حياته وحدها وإنما يمتد آلاف السنين هي عمر الموروث الذي تشكلت منه حضارة الشعب العربي.
الثقافة بمعني قراءة الكتاب. وسماع المقطوعة الموسيقية. ومشاهدة المسرحية أو الفيلم.. هذه الثقافة ليست سوي "معرفة" يتعلم المرء جديدا يضيفه إلي مخزونه المعرفي. أما الثقافة -بالمعني الذي أقدره- فإطارها السلوك. الفعل. التصرف. المثقف هو الإنسان ذو المعرفة والموقف الحضاري في آن. لا قيمة لقراءة الكتب وسماع الإذاعات ومشاهدة المسرح والسينما والقنوات الفضائية. ما لم يلتحم بذلك كله سلوك يعني بالتطبيق الإيجابي والفعال لكل ما حصله المرء من معرفة إذا أفاد المرء من معرفته في تصرف إيجابي فذلك تصرف مثقف والثقافة صفة يصح أن نطلقها علي صاحبها. ثمة متعلمون يحملون في رءوسهم ما حفظوه دون أن يشغلهم التطبيق. يفيدون من ذاكرتهم الحافظية أو الاستيعابية لكنهم لا يحاولون الإفادة مما أودعوه ذاكرتهم في الإضافة والتطوير.
الثقافة إذن ليست مجرد معلومات نظرية لكنها حصيلة لجميع المعلومات التي يكتسبها المرء خلال حياته. واستخدامها بصورة مفيدة وإيجابية وفعالة وبتعبير آخر فإن الثقافة ليست في الحصول علي الشهادات الدراسية. وإنما في خلق الوعي الكامل عند الحاصلين علي تلك الشهادات في تعدد مستوياتها والمثقف ليس هو الذي يملك أكبر قدر من المعرفة لكنه الذي يمتلك أكبر قدر من الوعي لقد تحقق له الوعي بالمعرفة وأفاد من هذا الوعي في تقرير المناسب والأفضل والأجمل. والتصرف في ضوء سلوكيات تحاول الصواب. والقول بأن المثقف هو ذلك الذي يعرف من كل شيء خلاصته واعتبار العقاد مثلا لذلك المثقف ينطوي علي مغالطة لأنه لا يوجد في عصرنا من يعرف من كل شيء خلاصته. ثورة المعلومات جعلت السير في مساحتها الواسعة أمرا مستحيلا ولو أن المثقف العظيم سقراط جاء في زمننا الحالي. فإنه سيواجه موقفا أكثر تعقيدا من الموقف الذي واجهه المنيكلي باشا في حديث عيسي بن هشام ستبدو "ثقافة" الرجل لا شيء أمام "ثقافة" أي طفل في المرحلة الابتدائية فهو إذن كان قد حصل -في عصره- علي "معرفة" تفوق ما كان لدي الآخرين وزفادت منها ذاكرته الحافظية واستيعابه. وإجادة استخدامه لمخزونه المعرفي.
إن المرء الذي يرافق. أو يلي. "معرفته" فعلا إيجابيا يضيف. ويطور. هو الذي يصلح لأن تطلق عليه كلمة "مثقف". ومن الخطأ أن نقصر الثقافة علي قطاع محدد ومحدود من أفراد المجتمع لأن المعرفة- إذا أفاد منها المرء- بصرف النظر عن مستواه التعليمي- تصنع إنسانا مثقفا بل إن الجهل بالقراءة والكتابة لا يحول دون تحصيل قدر كبير من المعرفة وممارسة الفعل الثقافي.
............................................
*المساء ـ في 1/3/2008م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:12 AM
(79) عزالدين إسماعيل‏:‏ الموقف والرسالة

بقلم: فاروق شوشة
......................

في منتصف الخمسينيات أتيح لي أن أري عزالدين إسماعيل وأستمع اليه عن قرب‏,‏ وهو يتوسط بعض رفاقه المؤسسين للجمعية الأدبية المصرية‏:‏ صلاح عبدالصبور وفاروق خورشيد وعبدالرحمن فهمي‏,‏ كان الأربعة ـ في بداية إعلانهم عن ميلاد جمعيتهم ـ قد رحبوا بدعوة اللجنة الثقافية في كلية دار العلوم وحرصوا علي أن يقوم كل منهم بدور بارز في هذا اللقاء‏,‏ كان صلاح عبدالصبور يعلن من منصة علي مبارك في قلعة الكلاسيكية الشعرية عن تيار شعري جديد يمثل انعطافة كبري في مسار الشعر العربي‏,‏ وكان فاروق خورشيد مهتما بتوضيح وظيفة الأدب ـ كما يفهمها أعضاء الجمعية الادبية ـ الذين خرجوا لتوهم من عباءة جماعة الأمناء وشيخها أمين الخولي ومجلتها أدب‏.‏
وانشغل عبدالرحمن فهمي بشرح المفاهيم الجديدة للقصة الجديدة‏,‏ ويعني القصة في الأدب الحديث‏.‏ أما عزالدين اسماعيل فقد تولي مسئولية المنظر لأفكار الجمعية فيما يتصل بالنقد الأدبي‏,‏ والتأصيل لنظرية التفسير النفسي للأدب‏,‏ كان محمد خلف الله ـ عميد آداب الاسكندرية وعضو المجمع اللغوي ـ قد سبق الي طرح هذا المنهج في تاريخ مبكر‏..‏ وظلت ذاكرتي تحتفظ بصورة عزالدين اسماعيل في قامته السامقة وشموخه ووجهه الجاد حتي اتيح لي أن أتعامل معه بعد ذلك بسنوات بعد ان التحقت بالاذاعة‏,‏ وصادقت فاروق خورشيد‏,‏ الذي كان واسطة العقد في تأليف القلوب من حول الجمعية الأدبية المصرية‏,‏ ونجح ـ بشخصيته القوية الأسرة ـ في أن يجعل من عدد شباب الاذاعيين المنغمسين في الحياة الأدبية والثقافية ـ أصدقاء للجمعية‏,‏ يحضرون ندواتها ومجالسها وأسمارها البديعة ـ في مراحلها المختلفة ـ دون أن يكونوا أعضاء بالفعل‏,‏ وكنت واحدا من هؤلاء‏,‏ وعندما اقتربت من عزالدين اسماعيل وتعاملت معه‏,‏ وأخذت أستضيفه لبرامج البرنامج الثاني ـ البرنامج الثقافي الآن ـ خاصة مع النقاد ثم بعد ذلك بسنوات طويلة للبرنامج التليفزيوني الامسية الثقافية حلت في نفسي صورة ممتلئة بالصفاء والعذوبة والنقاء ـ والقلب الطفولي ـ لانسان جميل‏,‏ وناقد ومفكر ومبدع من طراز رفيع‏.‏ خلال هذه السنوات الطويلة ـ علي مدار أكثر من نصف قرن ـ كان عزالدين يحقق مراقيه وتجلياته في رحلة الحياة والثقافة والفكر‏,‏ استاذا جامعيا في آداب عين شمس‏,‏ ورئيسا لقسم اللغة العربية فيها‏,‏ وعميدا للكلية‏,‏ ثم رئيسا لهيئة الكتاب ورئيسا لتحرير مجلة فصول المدفعية الثقيلة في النقد الأدبي كما كنا نسميها‏,‏ فرئيسا لاكاديمية الفنون‏,‏ وخلال ذلك رئيسا للجنة الدراسات الأدبية بالمجلس الأعلي للثقافة‏,‏ وحين توقفت علاقته بالمؤسسة الرسمية للثقافة‏,‏ كان نشاطه المتوهج في تأسيس الجمعية المصرية للنقد الأدبي‏,‏ ورئاستها والتخطيط لها مع نخبة من أصدقائه وتلاميذه‏,‏ وإقامة مؤتمراتها الدولية‏,‏ والاصرار علي اقامتها ودفع تكلفتها من جيبه الخاص‏.‏
لكن شيئا لن يعادل السنوات العشر الأخيرة في علاقتنا معا‏,‏ التي عمقت وتأكدت واتسعت لكثير من بوحه وإفضاءاته عن كثير من ظواهر حياتنا الأدبية والثقافية والنقدية‏,‏ وعن كثير من رموز هذه الحياة‏,‏ وعن طعنات الغدر التي تلقاها ممن كانوا ـ بالنسبة اليه ـ في مقام مريديه وطلابه‏,‏ المستعينين به في أمور شتي حياتية وثقافية‏,‏ كان يضمنا معا خلال هذه السنوات العشر بمجلس الأمناء في مؤسسة البابطين الكويتية للابداع الشعري‏,‏ وخلالها كانت عشرات اللقاءات ومئات الحوارات والعديد من الأسفار والرحلات الي عواصم عربية وأجنبية‏,‏ وأشهد أن صوته طيلة هذه السنوات كان الي جانب العدل والموضوعية‏,‏ والجدية في الطرح والتناول‏,‏ والترفع لغة وفكرا ومنهجا عما يمكن أن يعتبره خروجا علي شرف الثقافة والفكر‏,‏ والانتصار الدائم للابداع الحقيقي‏,‏ من غير تحيز الي اتجاه بعينه‏,‏ أو تعصب أيديولوجي الي مذهب بذاته‏,‏ وكان آخر لقاء لي معه وهو في مرضه الاخير ـ قبل رحيله بأيام ـ وأنا أحمل اليه رسالة من مجلس الأمناء‏,‏ بعد أن أعجزه المرض الخطير المداهم عن الحضور والمشاركة‏,‏ كما حال بينه وبين حضور المؤتمر الاخير للجمعية المصرية للنقد الأدبي بعد أن خطط له وتابع كل خطواته ومراحله‏,‏ وغاب عنه عند اجتماعه منذ شهور قليلة في نوفمبر الماضي‏.‏ ويرحل عزالدين اسماعيل عن ثمانية وسبعين عاما‏(1929‏ ـ‏2007)‏ بعد أن فتكت به العلة الشرسة‏,‏ وفي نفسه من الآلام والاوجاع ما يفوق علة الجسد‏..‏ كان يحدثني في آخر لقاءاته عن موقف جامعته من الجمعية التي يرأسها ومن مؤتمرها السنوي‏,‏ وعن إحجامها الشديد عن تقديم أدني مساعدة أو إسهام أو مشاركة في تكاليف هذا المؤتمر‏,‏ وكيف أحس بالغربة الشديدة والإهانة القاسية والموجعة من جامعة انتمي اليها طيلة حياته استاذا وعميدا واستاذا غير متفرغ ومشرفا علي عشرات الرسائل للماجستير والدكتوراه ومربيا لأجيال عدة من الدارسين والباحثين والنقاد‏!‏
وكثيرا ماكنت أذكره بديوانه الشعري البديع دمعة للأسي دمعة للفرح الذي يضم مقطوعاته الشعرية القصيرة المحكمة‏,‏ والتي تنتمي الي فن الابجرامات‏,‏ والابجرام مصطلح يدل علي القصيدة الشعرية الشديدة القصر‏,‏ التي تنتهي عادة بمفاجأة تلقي الضوء علي أبياتها وتخلع عليها دلالة خاصة‏.‏
وأقول له‏:‏ لقد نفست علي نفسك وداويت أوجاعها بهذا الديوان الجميل‏,‏ وأوصلت الرسالة الي من يعنيهم الأمر بعد أن صورتهم في لوحات قلمية شعرية ناطقة‏.‏ لم لا تواصل عملية التطهير التي أشار اليها أرسطو في حديثه عن وظيفة الشعر أو بلغته‏,‏ الدراما‏,‏ وتخرج ديوانك الثاني للناس وفيه الجديد من القصائد والابجرامات‏,‏ وحين أقنعه صديقه وموضع ثقته الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب بنشر هذا الديوان الجديد ضمن السلسلة التي يشرف عليها والتي تصدرها هيئة قصور الثقافة‏,‏ ظهر الديوان في يوم رحيله الأخير تحت عنوان هوامش في القلب كما ظهر ـ قبله بأيام كتابه النقدي الجديد كل الطرق تؤدي الي الشعر صادق العزاء لرفيقة عمره وشريكة حياته الحافلة الدكتورة نبيلة ابراهيم استاذة الادب الشعبي بجامعة القاهرة‏.‏
....................................
*الأهرام ـ في 18/1/2007م.

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:13 AM
(80) الدكتور عبد السلام العجيلي : ذكريات ورسائل

بقلم: سعد بن عايض العتيبي
.....................................

في صباح يوم الأربعاء 7 / 3 / 1427هـ الموافق 5 / 4 / 2006م ، انتقل إلى رحمة الله تعالى الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي بعد حياة حافلة بالمجد والشهرة والانتصارات على الصعيدين الأدبي والطبي .
لقد عشت زمنا أنهل من معين أدبه ، محاولا مطالعة كل ما سطره يراعه من شعر ونثر، فلقد كان رحمه الله ثر العطاء سخي القلم ، ترك نتاجا يضاهي نتاج المحترفين مع أنه يرى نفسه هاويا للأدب وليس محترفا !!
لم يكن رحيل الدكتور العجيلي عن دنيانا مفاجأة لي قد كنت أعرف ظروفه الصحية التي جعلته في العامين الأخيرين من حياته لا يقوى على الحركة والكتابة ؛ بل حرمته من هوايتيه الأثيرتين القراءة والأسفار .
كان العجيلي شخصية نادرة ونمطا فريدا ؛ فقد كان متعدد المواهب ، كتب القصة والرواية والشعر والمقالة والمقامة والمسرحية . وكانت المجلات الأدبية والثقافية تحرص على استكتابه ، وتعمد في بعض الأحايين إلى إعادة نشر مقالاته القديمة حينما كان يتأخر في إرسال مقالاته الجديدة ، وكان زاهدا في الشهرة والأضواء مفضلا عدم الانتماء إلى أية هيئة أو رابطة أدبية مهما كان شأنها ، وعندما اختير عام 1992م عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق أرسل كتاب اعتذار إلى الأمين العام للمجمع طالبا منه إعفائه من العضوية التي يسعى إليها الكثير من الأدباء .
عاش العجيلي 88 عاما تقريبا وهو موفور الصحة ، لم يتعرض لمرض باستثناء بعض الوعكات الصحية العارضة ، فقد كان يكتفي بوجبة واحدة في اليوم ، ويعمل عشر ساعات في جلد عجيب ، وما تبقى من ساعات اليوم ينفقه في القراءة والكتابة ، وفي الرد على الرسائل التي ترد من كل أصقاع الدنيا .
في أواخر عام 1415هـ كنت أزور الصديق الناقد الدكتور حلمي القاعود ، الذي كان يعمل في كلية إعداد المعلمين بالرياض ، وكنت وقتها عائدا لتوي من مهرجان الجنادرية في دورته العاشرة ، فكانت فرصة أن أحدثه عن المهرجان وما صاحبه من نشاطات تراثية وثقافية ، ومن ذلك الندوة الكبرى التي أقيمت في قاعة الملك فيصل للمؤتمرات بعنوان " شخصية ثقافية سعودية " وكانت حول الشيخ حمد الجاسر رحمه الله وجهوده العظيمة في الفكر والثقافة والصحافة .
وما كدت أفرغ من حديثي حتى سألني الدكتور القاعود إن كنت رأيت من ضمن المد عويين الدكتور عبد السلام العجيلي ، فأجبته بالنفي ، وأردفت قائلا : إنني لا أعرف العجيلي شخصيا وإن كنت قرأت له بعض الأقاصيص والمقالات في الأديب ، والدوحة ، والضاد ، والآداب ، والموقف الأدبي ، والمجلة العربية وغيرها ، وأنا بدوري سألت الدكتور القاعود إن كان يعرف الدكتور العجيلي ، فعلمت منه أنه كان يعرفه عن طريق المراسلة منذ عام 1966م ، وأنه قابله في إحدى دورات مهرجان الجنادرية ، وذلك بحضور معالي الدكتور عبد العزيز الخويطر وزير المعارف الأسبق .
وأضاف وهو يتحدث عن صديقه القديم أنه أهداه منذ فترة قصيرة أحدث مؤلفاته وعنوانه " فلسطينيات عبد السلام العجيلي " فطلبت منه أن استعير هذا الكتاب على أن أعيده إليه في اليوم التالي ، وقد تكرم الأخ القاعود وأعارني الكتاب الذي قرأته في جلسة واحدة على الرغم من ضخامته ، وطرأت لي فكرة بعد أن فرغت من قراءته أن أبعث رسالة إلى مؤلفه أبثه فيها إعجابي بكتابه .
كان كتاب " فلسطينيات عبد السلام العجيلي " أول كتاب يقع في يدي من مؤلفاته التي تجاوزت أكثر من ثلاثين كتابا ، وقد أسفت لأني لا أملك شيئا من هذه الكتب القيمة ، لكني حاولت أن أعوض ما فا تني بالبحث عنها في المكتبات ، وقد استطعت الحصول على بعضها مثل : بنت الساحرة ، سبعون دقيقة حكايات ، حكاية مجانين ، أشياء شخصية ، عيادة في الريف ، أحاديث العشيات ، السيف والتابوت ، المغمورون ، حفنة من الذكريات وغيرها . والبعض الآخر حصلت عليه من المؤلف مطرزا بإهدائه الكريم .
أعود بعد هذا الاستطراد لأقول إنني دبجت رسالة طويلة إلى الدكتور العجيلي أعربت له فيها عن إعجابي بكتابه " فلسطينيات " الذي نوهت عنه في صحيفة " المسائية " المحتجبة . وفي ختام الرسالة وجهت له بعض الأسئلة طالبا منه الإجابة عليها ، أذكر منها : هل تفضل احتراف الأدب على مزاولته كهواية ؟ وما أسباب سوء توزيع الكتاب في الوطن العربي ؟ ولماذا لم تصدر مجلة طبية مثل صديقك الدكتور صبري القباني صاحب مجلة " طبيبك " ؟
كانت تلك الأسئلة برغم سذاجتها المراد منها أن أضمن الرد على رسالتي ، ولم أنتظر طويلا حتى تلقيت رسالته الرقيقة المؤرخة في 9/10 /1995م ، يقول فيها : ( شكرا لرسالتك اللطيفة التي تلقيتها اليوم وأنا على أهبة سفر إلى خارج بلادنا ؛ لذلك فإني أبادر في الرد عليها لئلا أتأخر عليك بالجواب . وشكرا كذلك للأخ الدكتور القاعود أن زاد على قراء ما أكتبه واحدا ، وقد طمأنني هذا مع معرفتي مما أوردته أنك قرأت لي كثيرا في الدوريات وليس في الكتب ، وعلى كل ما لا يدرك كله لا يترك بعضه أوجله ) .
وبعد هذه الأسطر المشجعة تفضل مشكورا وأجاب عن الأسئلة التي وجهتها إليه في رسالتي السابقة بالرغم من انشغاله بعيادته ومرضاه ، وبالأسفار التي تضطره في بعض الأحيان إلى إغلاق عيادته أثناء سفره ، إضافة إلى التزاماته بالكتابة إلى بعض الصحف والمجلات ، التي تطالبه باستمرار بإتحافها بكل جديد وطريف من مقالاته وأقاصيصه .
كانت إذا هذه الرسالة أول رسالة تصلني من الدكتور العجيلي ، وكنت أظنها ستكون الأولى والأخيرة ، لكن خابت كل ظنوني ؛ فالرسالة الأولى تلتها عشرات الرسائل حتى بلغت نحو مئة رسالة ، عدا البطاقات التي كان يبعثها إلى في بعض المناسبات كالأعياد ، وحلول شهر رمضان المبارك ، ودخول العام الهجري الجديد ، ومعظم هذه الرسائل تقع في صفحة وبعضها في صفحتين .
وقد هالني في أول الأمر أن الدكتور العجيلي يكتب رسائله بيده ولا يستعين بسكرتير يتولى الرد على رسائل القراء والمعجبين كما يفعل كبار الأدباء و المشاهير .
ومن عادة الدكتور العجيلي أن يكتب رسائله على ورق العيادة ، وفي بعض الأحايين يكتب على ورق شفاف غير مسطر، وهو كعادة معظم الأطباء لا يحفل بالاعتناء بخطه ، وأذكر أنني قرأت في إحدى الصحف خبرا فحواه أنه يموت سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية نحو عشرة آلاف شخص بسبب رداءة خطوط الأطباء ، وقد نقلت هذا الخبر إلى الدكتور العجيلي في إحدى رسائلي إليه .
ظلت صلتي بالدكتور العجيلي صلة عميقة لم يعتريها الضعف أو الفتور ، وكان يلمس من خلال رسائلي اهتماما متزايدا بأدبه وشخصه ، وكان يبعث إلي بكتبه الجديدة وعلى كل كتاب إهداء رقيق ينم عن كرم نفسه ودماثة خلقه ، وأنا بدوري كنت أوافيه ببعض الكتب التي تصدر في المملكة ولا تصل إلى سوريا أو سواها من الأقطار العربية ، فعلى سبيل المثال وافيته بنسخة من كتاب " ذكريات باريس " للأستاذ عبد الكريم الجهيمان والصادر عام 1400هـ ، " ومن وراء الحدود " للأستاذ فهد العريفي رحمه الله ، والصادر عام 1401هـ ، فإذا برسالة رقيقة تصلني منه وفيها يستعيد بعض ذكرياته في باريس عندما زارها أول مرة عام 1952م ، وأمضى هناك ستة أشهر كاملة ، يقول في رسالته المؤرخة في 23/ كانون الثاني / 1998م : ( شكرا لك على الرسالتين الأخيرتين وعلى الكتابين اللذين وصلا في وقتهما وقرأتهما وأفدت منهما ، وهما كتابان نافعان لمن يزور لندن وباريس أول مرة بصورة خاصة . ويبدو أن الأستاذ الجهيمان زار باريس في العام الذي زرتها أنا فيه أو في العام الذي قبله ، وقد تعرف على يونس بحري الذي تعرفت عليه فيها في ذلك الوقت ، وقد كان رحمه الله شخصية غريبة عجيبة ربطتني به صداقة قوية ، وأحببته على كثرة علا ته ، وقد كتبت عنه عدة مقالات وألقيت عنه محاضرة منشورة في كتابي " حفنة من الذكريات " ، ومن المؤسف أن هذا الكتاب قد نفد ولم تعد طباعته ) .
رسائل العجيلي لا تخلو أحيانا من الحديث عن بعض أصدقائه أو معارفه من الراحلين من أمثال : بدوي الجبل ، جورج صيدح ، حمد الجاسر ، عبد الله بلخير ، عبد الله يوركي حلاق ، نزار قباني ، عادل الغضبان ، علي الطنطاوي ، عبد الرحمن بدوي ، عبد الله الشيتي ، أحمد محمد عطيه وغيرهم .
وعندما انتقل إلى رحمة الله علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر طلبت منه أن يوافيني بمقال في رثائه ، فسرعان ما استجاب لطلبي وكتب مقالا بعنوان" لقاءان بالشيخ حمد" نشر في " جريدة الريا ض " وفي " مجلة التوباد " ع (21) ربيع الأول 1421هـ .
هناك من النقاد من يشبه الدكتور العجيلي بالأديب والطبيب والرحالة الشهير سومرست موم (1874- 1966) لكن العجيلي يرى غير ذلك ، يقول في رسالته المؤرخة في 23/7/1998م : ( سومرست موم كان طبيبا حقا ، لكنه هجر ممارسة الطب وتفرغ للأدب ، وهذا ما لم أفعله أنا ، هو عاش لأدبه وهذا كذلك لا ينطبق علي ؛ أنا الذي أعتبر الأدب هواية لي ولا يستطيع أن يؤمن لي كفاية عيش إذا ما اتخذته حرفة لي ) .
تطرقنا في رسائلنا العديدة إلى بعض القضايا مثل : جشع بعض الناشرين وعدم التزامهم بما في العقود ، وظاهرة الأخطاء المطبعية ، وفقدان الرسائل في البريد ، أو تأخرها على أحسن الفروض .
والدكتور العجيلي من الأدباء الذين عانوا من هذه المشكلات ، وهو يرى أن البريد الغربي أكثر سلامة من البريد العربي ، ويستدل على ذلك بقصة حدثت له في ألمانيا ، يقول في رسالته المؤرخة في 3 / 5 / 1997م : ( كلنا نشكو من هذا في بلادنا العربية بينما يعد البريد من أكثر الو سائل سلامة وأمانا في البلاد الغربية ، وقد حدث لي في سفري الأخير إلى فرانكفورت أن أرسلت من هذه المدينة إلى مدينة ألمانيا أخرى سوارا من ذهب وضعته في مظروف عادي إلى سيدة طلب إلي في سورية أن أرسله إليها ، فتلقفته في اليوم التالي كاملا وسالما ) .
ظل الدكتور العجيلي حتى اللحظات الأخيرة من حياته المديدة يتوقع الموت دون وجل منه ، لاسيما بعد أن تقدمت به السن وفقد معظم أصدقائه ولداته ، وقد وجهت له سؤالا بمناسبة دخول الألفية الثالثة سألته إن كان يرغب العيش إلى عام 2050م ، فأجاب في رسالته المؤرخة في 29 / أيلول / 1999م : ( سؤالك عن الرغبة بالعيش إلى عام 2050م جوابه النفي ، حتى عام 2005م أراه كثيرا . قال الشاعر القديم :
أليس ورائي إن تراخت منيتي .:. لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
وقال الآخر :
أليس ورائي أن أدب على العصا .:. فيشمت أعدائي ويكرهني أهلي
بعد أن شرفت بمراسلة الدكتور العجيلي تاقت نفسي إلى رؤيته شخصيا ، وقد كانت نفسي تهفو دائما إلى زيارة " الرقة " لأرى عميد أدبائها ، فإذا برسالة تصلني منه مؤرخة في 4 /1 / 1999م يقول فيها : ( تلقيت دعوة لحضور احتفالات مئوية إنشاء المملكة ، وقبلتها شاكرا ، وعلى هذا فالمأمول بإذن الله أن أطير إلى الرياض في 19 من هذا الشهر الشمسي كانون الثاني ، وهو الثالث من رمضان عندكم والثاني من عندنا ، إذ أنا تأخرنا بالصباح يوما عنكم . لا أدري ما هو البرنامج الذي يعد للضيوف من أمثالي في هذه الاحتفالات ، وسأحاول أن اتصل بك تليفونيا إذا يسر الله الأمر بذلك ) .
أسعدتني هذه الرسالة كثيرا ورحت أنتظر وصول العجيلي ، وما هي إلا أيام حتى جاء موعد احتفالات المئوية ونزل الضيوف في فندق انتركونتيننتال ، فسارعت بالاتصال بالدكتور العجيلي الذي نزل بالغرفة رقم (524) ، وقد جاء صوته عبر الهاتف واهنا .
وبعد تبادل السلامات والتحيات اتفقت معه أن أزوره في المساء ، وفي الموعد المضروب التقيته وجلسنا معا أكثر من ساعة ، وقبل أن أنصرف أخبرته أني سأزوره في صباح الغد بإذن الله .
وفي اليوم التالي زرته صباحا وكان يرافقني الصديق الدكتور عبد الله الحيدري ، الذي أجرى حديثا مع الدكتور العجيلي لإذاعة الرياض ، وكانت فرصة سانحة أن نلتقط بعض الصور التذكارية .
وقد عرضت عليه أن نقوم بجولة على بعض مكتبات الكتاب المستعمل فرحب بذلك ، وقد سره رؤية تلك المكتبات التي انتشرت في العاصمة خلال السنوات الأخيرة ، وأخبرني ونحن في الطريق أنه أصبح يتحاشى دخول المكتبات حتى لا يضطر إلى شراء المزيد من الكتب التي امتلأ بها منزله ولم يعد قادرا على قراءتها أو تصفحها .
وبعد انتهاء احتفالات المئوية وعودته إلى رقته تلقيت رسالته المؤرخة في 9 /2 / 1999 م جاء فيها : ( شكرا لرسالتك الأخيرة التي تلقيتها منذ يومين وأنا آسف على أن الارتباطات الكثيرة في الأيام التي قضيتها في الرياض لم تسمح لي بأكثر من اللقاءين اللذين اجتمعنا فيهما معا . وعلى كل ، أنا مسرور ؛ لأني أتيحت لي فرصة اللقاء الشخصي بك ) .
في عام 1422هـ وبمناسبة مرور 20 عاما على تولي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمة الله مقاليد الحكم في المملكة ، تلقى الدكتور العجيلي دعوة لحضور المؤتمر العالمي الذي عقد بهذه المناسبة في فندق انتركونتيننتال ، وفور وصوله إلى الرياض حاول الاتصال بي غير مرة لكن لم تتح له فرصة مها تفتي ، وبينما كنت أهم بفتح بريدي فإذا بي أفاجأ برسالة منه من الرياض لا من الرقة مؤرخة في 13 / 11 / 2001م يقول فيها : ( أنا هنا من ثلاثة أيام ، وقد سعيت إلى الاتصال بك بكل وسيلة فلم أفلح . أنا مسافر غدا لأداء العمرة وسأرجع بعد غد إلى الرياض لأسافر إن شاء الله إلى دمشق بعد الجمعة ، وأنا آسف على أني لم استطع رؤيتك في هذه المرة ) .
في العام المنصرم وفي حفل كبير قلد الدكتور العجيلي وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة ، وبهذه المناسبة أجريت معه حديثا لمجلة " الحرس الوطني " ، وبعد نشره تلقيت منه هذه الرسالة المؤرخة في 11 / آيار / 2005م يقول فيها : ( شكرا لرسالتك الأخيرة ولعدد الحرس الوطني الذي حوى الحديث الذي دار بيني وبينك ، إخراج الحديث ممتاز مع الصورة الجيدة ، التي لا أدري ممن حصلت عليها ، هل أرسلتها أنا ؟! ) .
أما أخر رسالة تسلمتها من الراحل الكبير فهي مؤرخة في 18 / حزيران / 2005م ، وفيها يزف إلي نبأ تحسن حالته الصحية ، ويعتذر عن الإيجاز في الكلام طالبا مني الدعاء له بالشفاء العاجل .
بعد ذلك انقطعت أخباره عني وكذا رسائله مع أنني كتبت له أكثر من مرة ؛ للاطمئنان على صحته لكنه آثر الصمت ولازم منزله متحملا آلام المرض والشيخوخة والوحدة ، حتى فاضت روحه في صباح السابع من ربيع الأول 1427هـ الخامس من أبريل 2006م عن 88 عاما ، ودفن في مسقط رأسه الرقة .
رحم الله العجيلي رحمة الأبرار وأكرم نزله ، وألهم أهله وأصدقائه الصبر والسلوان ، وعوض الأمة في فقده خيرا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
سعد بن عايض العتيبي

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:15 AM
(81) قراءة في مجموعة «مجنون أحلام» لحسين علي محمد

بقلم: د. زينب العسال
............................

يبدو أن سحر السرد أصبح يجتذب مخيلة الشعراء ، فبعدما جالت مخيلة الشاعر فى فضاءات شعرية متعددة ، أنتجت العديد من الدواوين الشعرية ، يدخل الشاعر فى مغامرة ارتياد أجواء سردية جديدة ، فيكتب الرواية أو يكتب القصة ، فهل ضاق أفق الشعر بشطحات الشاعر؟ .. وإلى أي مدى ينضح السرد بروح شعرية الشعر؟ هل تخلى الشاعر عن فضاءاته الواسعة لتحط قدميه على أرض الواقع الذي يتحرك فيه السرد القصصي؟.
هذه التساؤلات تثيرها مجموعة «مجنون أحلام» للشاعر والناقد حسين على محمد، فلا يمكن إغفال مثل هذه التساؤلات، وهذا ما ستحاول الدراسة الإجابة عليها.
يستهل حسين على محمد مجموعته " مجنون أحلام" بمفتتح مقتبس من ماركيز "ليست الحياة ما عاشه المرء ، لكن ما يتذكره وكيف يتذكره لكي يرويه".
إذا تأملنا هذه العبارة نجدها تشير إلى السيرة الذاتية ، فحياة المرء هي تلك اللحظات التي تختزلها الذاكرة فمن غير المعقول أو المقبول أن يتذكر المرء كافة الأحداث والتفاصيل التي تزخر بها حياته، فثمة أيام بل سنوات يحياها الإنسان دون أن تترك علامة أو تترك بصمة فى حياة المرء ، هذا ما قاله الشاعر ميخائيل نعيمة حينما أعرب عن دهشته كيف لإنسان عاش 70 عاماً أن يروى ما حدث فيها، ثمة اشتراط تضمن مقتطف جارثيا ماركيز ، وهو عملية التذكر ، وهو ما تبقيه الذاكرة ، لأن الذاكرة اللاقطة تبحث عن كل ما هو مثير و تبقيه، وتأتى عملية كيف يتذكره وهنا نحن نقترب من عملية الكتابة، فالكتابة هي الأخرى وسيلة لتثبيت الذاكرة، من هنا فنحن أمام استراتيجية كتابة حسين على محمد فى كتابة نصوصه السردية، فالذاكرة تتنقل بين أزمان مختلفة ، فهي تتنقل من الشباب إلى الطفولة، واليفاعة، بين الطفل فى قريته، والشاب الجامعي والرجل المغترب.
ويثير المقتبس ملاجظة ثالثة فالمتلقي هو الآخر متورط فى إنتاج هذه القصص، فهو يسمع، ويقرأ، ويروى ما سمعه من الراوي وعليه تحديد موقفه مما يطرحه السرد.
يمكننا الربط بين العبارة المتصدرة للمجموعة وصاحبها ماركيز، فعالم ماركيز هو عالم مراوغ ، جاءت مراوغته من دمج الأسطوري بالفانتازي بالواقعي ليصنع من كل ذلك عالماً شديد الخصوصية ، والسؤال هل تنتمي كتابة حسين على محمد فى مجموعته "مجنون أحلام" إلى هذا العالم السحري الماركيزي؟ لنعود الآن إلى عنوان المجموعة "مجنون أحلام" فما المغزى من هذا العنوان الذي يجمع مفردتين ارتبطتا باللاوعى فالكلمة الأولى ترتبط به فى صورة إيجابية، بينما الكلمة الثانية تأنى فى صورة سلبية، الأحلام لها منطقها والجنون متفلت من كل منطق.
كل ذلك يثير سؤالاً: ما العلاقة بين الوعي الذي يختزن الأحداث والوقائع اللاوعي الذي يوحى به عنوان المجموعة؟، لاشك أن عنوان المجموعة يرتبط بوشيجة قوية بالمجموعة وبخاصة أنه عنوان أولى قصص المجموعة.
ثمة رابط بين الوعي الذي يسقط أحداث ووقائع ويبقى بعضها فيجعل السارد يقع فى هوة الجنون. والجنون فى الثقافة العربية مرتبط بالحب، فالجنون درب من دروب الهوى ، يقع المرء فى الحب، فإن شمله واستغرق فيه صار مجنوناً ، كمجنون ليلى. لكن مكر الفنان يجعل من أحلام شخصية يلتقي بها بطل قصة مجنون أحلام، فتحرك إيقاع حياته الراكد، القصة تمثل دائرة منغلقة محددة بطريق جبلي وعر، ثم تظهر المرأة بكل ما يحمله هذا الظهور من انفراج ويبعث على تحريك المشاعر والخيالات، فينتقل السرد من الحديث عن رتابة حياة المدرس وعالمه الجاف إلى حياة المرأة وعالمها المليء بالمشكلات لكن هذه الحياة لا تخلو من أمل، اهتم السرد بوصف حياة المدرس، توقعاته وهواجسه وعلاقته بالزملاء وتحركاته، والدروس الخصوصية، وتحويل العملات، وتتبع أخبار الأهل والأصدقاء، والفراغ العاطفي، بينما لا تتحدث المرأة عن حياتها، ولكنها تفصح عن استعدادها للسفر لاستكمال تعليمها، ومشكلات ابنها.
إننا أمام عالم منغلق تماماً برغم تمتع الرجل بشيء نذر من الحرية، تفتقدها المرأة، فهي تكنى باسم أبيها، وهى مخمرة لا تظهر منها إلا العينان فقط .. إنه عالم لا يعترف بالمرأة برغم كونها متعلمة ومثقفة، فهي معيدة فى الجامعة، تحاول السفر للخارج لحصولها على درجة الدكتوراه.
لا يمكن الحديث عن سيرة الفرد إلا مرتبطة بسيرة الوطن، حيث تلعب التلميحات دوراً فى إبراز ذلك. تسأل البطلة المدرس قائلة: لماذا لا تبقى هنا لكي تدرس التاريخ فى جامعة صنعاء؟، فالتاريخ واحد سواء كان يدرس فى القاهرة أو جامعة صنعاء.
ترتبط المرأة بحياة الأسرة، فهي مهمومة بطفلها العاجز، إنه تنويعة على حياتها التي تتصف بالعجز والشلل من جراء تلك العادات الاجتماعية الضاعطة والمعرقلة لانطلاقها، لكنها شخصية تبحث عن الانطلاق نحو الخارج بحثاً عن السعادة والأمل.
«أراها تنظر إلى الأفق مستبشرة .
لم تتكلم بعد ! .. فمازالت مدينة الحديدة بعيدة والأرض مترامية والخطى التى غادرت عتمة الوصاب .. تتأمل فى لحظات تليق ببداية جديدة».
يتكرر المشهد نفسه ظهور المرأة اللافت لنظر السارد، وعودة إلى الزمن الماضي، واستعادة لحظات مسروقة؛ لحظات لقاء بعد فراق طويل، لحظات جاءت متأخرة عن ميعادها بأكثر من عشرين عاماً، ثمة ما هو فى الخلفية، وما يمثله المكان.
إن قصص المجموعة تتعدد فيها اللحظات وتلعب المفارقة الزمنية دوراً فى تحريك الحدث نحو الحبكة، وغالباً ما تبدأ القصص بحضور لافت للمرأة ، ما يصاحب هذا الحضور من دهشة وإعجاب وعودة إلى أحداث بعينها. ففي قصة "اصطياد الوهم» نجد صبري ابن الثالثة والستين (وهو سجين سياسي مزمن) يلتقي بالنجمة ليلى زهدي، ها هما يلتقيان فى خريف العمر، ليظل السؤال مطروحاً: هل هذا صبري ابن الثالثة والستين، السجين السياسي فى عهد الملك فاروق والذي اعتقل ثانية فى زمن عبد الناصر، واعتقل ستة عشر شهراً فى زمن السادات؟
تأتى الأحداث التاريخية داخل النسيج القصصي كأيقونات ومحفزات سردية يستعيدها المتلقي، ومن ثم يتخذ موقف التعاطف تجاه تلك الشخصية المأزومة داخلياً بعدما دفعت سنوات من عمرها لإيمانها بمبدأ الحرية ورفضها للقهر والقمع .
إن الفترة التي تتناولها القصة تنحصر فى الثلاثين سنة الماضية، وهى فترة حبلى بالأحداث ذات التمفصلات المتشابكة فى تاريخنا المعاصر.
«كتبت ثلاثين عاماً ضد الحكومات، فما التفت إلى أحد إلا السجانون، وكتبت مسرحيات تاريخية تشير إلى اللحظة التي نعيشها، فاستدعتني الرئاسة للتشاور».
يتدخل صوت الكاتب معبراً عن دهشته، مقدماً شخصية صبري عثمان، فالكاتب يقدم شخصياته مستعيراً لغة المسرح لأن ليلى زهدي تستعير لسان الكاتب «إنني لا أصدق هل هذا صبري عثمان الذي أعرفه؟ ».
مثل هذا التداخل بين الشخصية والكاتب يمد القصة بالمواقف والآراء التي يتبناها الكاتب نفسه ومدى استشعاره الخطر بسبب انتشار الزيف والتناقض الذي يعيشه مثقف هذا العصر ومحاولة استقطاب السلطة له:
«خفضي صوتك، أريد أن أعيش ، وأن تعرض مسرحيتي فى المسرح القومي».
يفلح حسين على محمد فى تصوير علاقة السلطة بالمثقف من عدة زوايا، ويبدو أنه شديد الاهتمام بهذا القضية ـ نذكرك بكتابه النقدي "البطل المطارد فى روايات محمد جبريل".
نحن أمام لعبة يشترك فيها شخصيات ضعيفة وأخرى متمردة لديها القدرة على التصدي لكل إغراءات السلطة لجذب المثقف، فلا يكفى هنا خطوة واحدة للتنازل، فتصير الكتابة فعل مقاومة من قبل المثقف، يفضح به انتهازية المثقفين وتخاذلهم تجاه قضايا مجتمعهم. وتلعب المفارقة دوراً فى الحدث، ويكون للغة دور مماثل فى تعزيز هذه المفارقة التي تحمل المعنى ونقيضه؛ فيصير فعل الكتابة فعل مقاوم ومحرك لأحداث القصة فى آن.
بطل قصة "سره الباتع" من أبناء ديرب نجم، يحكى طرفاً مما يحدث قبل إقامة احتفالية المولد الذي يقام فى القرية، على غير العادة فى مثل هذه القصص: لا يحتفي السرد بالحديث عن مظاهر الاحتفال، ولكنه يحتشد لتصوير العلاقة بين الإنسان والمعتقد، فهو يدخل فى صلب تلك العلاقة وتجذيرها عبر الحكايات التاريخية، لتظل سطوة الشيخ مستمدة من سطوة المعتقد فى النفوس، فالكاتب يربط الاجتماعي بالعقائدي بالسياسي. إنها سلسلة لا يمكن حل حلقاتها إذا استحكم الإغلاق، وتنتهي القصة بإشاعة البهجة والفرحة، حيث يتقاطع الداخل بالخارج والآني مع الماضي "لن يقام مولد أبو شبانة هذا العام ، نظراً للظروف التي تمر بها الأمة".
يعن لنا أن نطرح السؤال لماذا غير الكاتب عنوان القصة من "شي الله يا أبو شبانة" إلى "سره الباتع" وبخاصة أن الكاتب لم يستبدل التركيب العامي، بأخر، فمع العنوان الأول تعدو القصة أمثولة تدور فى فلك أجواء ما بعد حرب 1967، بينما عنوان "سره الباتع"، يؤكد على المغزى الدلالي الاجتماعي فقط، فتخبو الدلالة التاريخية تماماً ويتجاوز القص هذه الإشارة السريعة التي قصدت وقت نشر القصة، لتكتسب دلالة أكثر انفتاحاً.
المرأة وحضورها الطاغي
تحتفى المجموعة بوجود لافت للمرأة؛ فالراوي يقف أمام المرأة مجسداً محاسنها الأنثوية ، ففي قصة «مجنون أحلام» يلقى الشاب نظرة على تلك المرأة المنقبة، فتكون النظرة رسولاً لقلبه، وتشتعل العاطفة، بينما البطل فى قصة "برق فى خريف" يتوق إلى مشاهدة وجه المرأة تلك الفتاة الجميل ويتساءل : ماذا فعل به الزمن؟ وفى "اصطياد الوهم" نجد ليلى زهدي امرأة ذات شخصية قوية ، فهي تمثل فترة التوهج السياسي؛ تشارك فى المناقشات السياسية، وتدين تخاذل البطل:
« قالت ساخرة:
ـ وهل تصدِّق ـ أيها الكاتب الكريم ـ أن السلام الذليل مع إسرائيل سيأتينا بالمنَّ والسلوى كما يقول زعيمك؟
قال متراجعاً:
ـ خفِّضي صوتك، أريدُ أن أعيش، وأن تُعرض مسرحيتي في المسرح القومي!
قالت، وهي تحمل حقيبتها، وتُغادر المكان، وعلى وجهها علامات القرف :
ـ إن سلامك هذا ـ كمسرحيتك ـ أسوأ مسرحية مونودراما لممثل واحد، هو أنت!».
وصباح فى قصة " اللهم أخزك يا شطان" نموذج للمرأة المغلوبة على أمرها، ليس لها أي وجود؛ فهي نموذج للمرأة المغلوبة على أمرها، ليس لها أي وجود إلا عبر وظيفة المرأة البيولوجية ، فهي تنجب الطفل لصالح امرأة أخرى عقيم، وتتنازل عن حقوقها الزوجية، وترضى أن تعامل كخادمة، هذه الشخصية المنسحقة لا نسمع لها صوتاً اللهم إلا الأنين والشكوى، حاولت صباح أن تتأقلم مع هذه الحياة التي جعلت منها رحماً لإنجاب الطفل ولا شيء آخر!، لكن صباح تعلن تمردها ورفضها عن طريق البوح، ليظل تمردها بلا ثمرة.
وفى قصة "شرخ آخر فى المرآة" يرسم السارد بورتريها لامرأة تجاوزت الأربعين، لكن السرد يقتنص لحظة تحول فى حياتها، فالمرأة التي تجاوز عمرها الأربعين، لكنها لم تجن شيئاً، فلم يتحقق حلمها فى الإنجاب، ولا سبيل لتحقق هذا الأمل بعد وفاة الزوج و ظهور علامات الشيخوخة، فقد غزت التجاعيد وجهها وظهرت الشعيرات البيضاء، يركز القص على هذا ا لإحباط ، الناتج عن الاهتمام الزائد بالجانب الأنثوي الذي طغى على نجاحها وتحققها فى مجال العمل.
إن هذه النظرة الذكورية للمرأة تشع فى قصص المجموعة، وتتراوح نغماتها بين الخفوت والوضوح.
وتسترجع نادية فى قصة "أحزان نادية" لحظات سعادة عاشتها مع زوجها محمود، نادية الأستاذة الجامعية تفشل فى الحفاظ على استمرارية الحياة الزوجية، ولأنها شخصية سلبية جداً تفقد زوجها الذي أحبته وتفانت فى خدمته لتلميذته الصغيرة ورغم ما وصلت إليه نادية من مكانة مرموقة فى المجتمع تتساوى مع ما وصل إليه زوجها إلا أن حياتها ترتبك تماماً بعد انفصال زوجها عنها؛ فتعانى من الوحدة والإهانة، نلمح المرأة المتمردة التي وعت بقيمة ذاتها فهيفاء فى قصة "الأعمار بيد الله"، هيفاء الشابة أم لطفلين، تصر على إجراء عملية جراحية لها بينما يعترض زوجها على توقيت العملية، فالوقت غير مناسب للأسرة وبخاصة مع اقتراب العيد، «أنت تستحقين ثقلك ذهباً .. لكن البيت محتاج لك هذا الأسبوع، وبعد العيد يا ستي نعمل لك العملية كما تُريدين!».
فالدار تحتاج إلى شغل كثير، نحتاج إلى غسيل وطحين وخبز وتفصيل هدوم للولدين". هذه الأعباء المنزلية لابد أن تقوم بها هيفاء فلها الأولوية قبل صحة المرأة ! . باعث تمرد هيفاء من كونها نموذجاً فريداً للمرأة تصوره القصة، فهي أول حاصلة على دبلوم تجارة فى القرية، وتعمل فى الوحدة الصحية، ولها كرسي تجلس عليه، ومكتب لا يشاركها فيه أحد، وهاتف خاص بها، فقد منحها العمل قدراً كبيراً من الحرية والاستقلالية والتمرد على وجهة نظر الرجل / الزوج ، لكن الموت يترصد هيفاء لا أدرى لماذا ماتت هيفاء ؟ تلك الشخصية الإيجابية والتي تتمتع بذكاء فطرى وتلقائية.
تتحول القصة بعد هذا الحافز السردي "إلى المغزى الحقيقي من القصة وهو الإهمال الذي تعانيه القرية من ضعف الخدمات، لكن القصة تنتهي ونحن نشعر بأننا جميعاً شركاء فى وفاة هيفاء.
يرصد الكاتب التغيرات الحادثة فى المجتمع في مجموعته؛ فيكتب عن الشباب ونشاطاتهم السياسية، واهتماماتهم بقضايا الوطن، فهو يقف على ما اعترى حياة المجتمع المصري من تغييرات شكلت قصة "أم داليا" فأم داليا هي أستاذة جامعية تفشل فى تربية ابنتها الوحيدة بعد وفاة والدها: داليا خريجة كلية الهندسة التي تحمل سفاحاً مشكلة تواجهها بعض الفتيات، نتيجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة، كذلك البطالة.
تعد قصة "أم داليا" صرخة احتجاج أطلقها الكاتب ليعلن أن هناك خللاً يستشرى، وعلينا جميعاً أن نقاومه ليس بالقتل كما حاولت القصة أن توحي بذلك!!.
فمما لاشك فيه أن الكاتب لم يناصب المرأة العداء؛ بل جاءت الشخصيات النسائية داخل المجموعة تصور حياة المرأة سواء أكانت بسيطة أم مثقفة ومتعلمة وموظفة وأستاذة جامعية، والكاتب لم يكن في هذه المجموعة ضد المرأة، بل اعتنى سرده بتصوير شخصيات نسائية تعانى من القهر، الذي يُعاني منه الرجل أيضاً .

زينب العسال

د. حسين علي محمد
18-12-2008, 03:17 AM
(82) قراءة في "أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ

بقلم: د. حسين علي محمد
...................................

صدرت في الأعوام الأخيرة بعض كتب السيرة الذاتية ومنها "شواهد ومشاهد" لعبدالحميد إبراهيم. و"مد الموج" لمحمد جبريل. كلها يقتدي بنجيب محفوظ في كتابه "أصداء السيرة الذاتية" حيث لاترصد السيرة الذاتية بطريقة السرد المعروفة وإنما تختار مشاهد أقرب إلي اللقطة الموحية أو القصة القصيرة جداً .
وقد أفادت هذه السير في هذه التقنية من كتاب نجيب محفوظ "أصداء السيرة الذاتية".. وقد كتبت في مجلة "قرطاس" "عدد يناير 2001م" مقالة عن كتاب "شواهد ومشاهد" لعبدالحميد إبراهيم توقفت فيها عند التشكيل والرؤي وفي هذه المقالة سنلتقي مع خمسة مشاهد من كتاب "أصداء السيرة الذاتية " لنجيب محفوظ تقترب في تقنية كتابتها من "القصة القصيرة جداً" وسنتوقف امامها لتأمل دلالاتها الفكرية الثقافية. وسنلاحظ في هذه المشاهد أن نجيب محفوظ اتخذ من المرأة "التي طالت صحبته معها في الحياة وفي الفن" أداة فنية: حقيقية في المشاهد الثلاثة الأولي ورمزية في المشهدين الرابع والخامس:
المرأة والنضال!
يقول في مشهد بعنوان "ليلي":
في ايام النضال والأفكار والشمس المشرقة تألقت ليلي في هالة من الجمال والإغراء.
قال أناس: إنها رائدة متحررة.
وقال أناس: ما هي إلا داعرة.
ولما غربت الشمس وتواري النضال والأفكار في الظل. هاجر من هاجر إلي دنيا الله الواسعة:
وبعد سنين رجعوا. وكل يتأبط جرة من الذهب وحمولة من سوء السمعة.
وضحكت ليلي طويلاً وتساءلت ساخرة:
تري ما قولكم اليوم عن الدعارة؟!
إن هذا المشهد يشير إلي بداية التحرر الوطني "في الخمسينيات والستينيات الميلادية من القرن الماضي" حيث خرجت المرأة إلي ميادين الحياة واختلف الناس في فهم هذا الخروج الذي رآه البعض تحرراً ورآه البعض دعارة ولكن الزمان اختلف علي حد تعبير الشاعر محمد ابراهيم أبوسنة وجاء عهد لا يرفع شعارات النضال ولا يتعامل بمفردات القاموس التي شاعت في الخمسينيات والستينيات. بل ينحت الفاظاً أخري عن السوق المفتوحة وفوائد السفر والشركات متعددة الجنسيات والرؤية الواقعية والحل التاريخي مع إسرائيل....إلخ وهاجر من هاجر إلي دنيا الله الواسعة بحثاً عن استثمار امواله التي كسبها في سنوات النضال أو للراحة من النضال أو للبحث عن الثروة ويصور نجيب محفوظ هذا بقوله المفيد المختصر: "وبعد سنين رجعوا وكل يتأبط جرة من الذهب وحمولة من سوء السمعة".
وهنا يحق لليلي التي عانت من قبل من هؤلاء في أيام النضال والثورة أن تتساءل ساخرة من اعمالهم الآن التي تتنافي مع اقوالهم "أيام النضال والأفكار": "تري ما قولكم اليوم عن الدعارة؟!".
إن هذا المشهد يرسم لوحة رآها الروائي واخترناها حتي اخرجها لنا في هذا المشهد وكأنه يقول لنا لقد عشت عصر الكلام الجميل. و"الأيديولوجيا الاشتراكية" الذي سرعان ما اتضح زيف اصحابه المنادين به عند أول اختبار.
وفي مشهد ثان بعنوان "النهر" يقدم فيه صورة قد تكون حقيقية لامرأة عرفها لكنه من خلالها يشير إلي تدفق نهر الزمن حتي ينسينا ما مررنا به من تجارب حميمة والمرأة هنا هي المرآة التي ينعكس عليها جريان هذا الزمن/النهر:
المرأة والتجربة الأليمة
وفي مشهد ثالث بعنوان "الندم" يقدم فيه صورة للمرأة التي ترمز إلي التجربة الآثمة الأليمة أو غير الصحية التي تقابلنا في حياتنا والتي نتذكرها بندم ولابد من هذا الندم الذي هو علامة صحة نفسية واستقامة دينية وصحوة نفس ترفض الانجراف في الخطأ أو مداومة السير في طريقه:
إن الإنسان قد يسقط ويمارس تجربة خاطئة في الحياة لكن الوعي بألم هذه التجربة "أو تلك الذكري التعيسة" بداية الرؤية الصحيحة للحياة وللأشياء لأنها تعني تصحيحاً للخُطي ورغبة حقيقية في عدم مداومة السير في الطريق الذي تبين خطؤه!
السوق/الحياة
ويقول في مشهد رابع يمثل فيه السوق دنيا الله الواسعة:
"ذهبت إلي السوق حاملاً ما خف وزنه وغلا ثمنه واتخذت موضعي منتظراً رزقي. وهدأ الضجيج فجأة واشرأبت الأعناق نحو الوسط نظرت فرأيت ست الحسن تتهادي في خطا ملكة علي أحسن تقويم سلبت عقلي وإرادتي قبل أن تتم خطوة فنهضت لأتبعها مخلفاً ورائي العقل والإرادة واسباب رزقي حتي دخلت بيتاً صغيراً انيقاً يطالع القادم بحديقة الورد واعترض سبيلي بواب مهيب الجسم حسن الهندام وحدجني بنظرة مستنكرة فقلت:
إني علي أتم استعداد لأهبها جميع ما أملك.
فقال الرجل بلهفة قاطعة:
إنها لا ترحب بمن يجيئون إليها هاجرين عملهم في السوق. إن المرأة الجميلة هنا ترمز للحياة الرخية الهانئة السعيدة التي يحلم بها الكادحون في هجير الحياة والتي لن ينالوها إلا بالتعب والسعي في اسباب الرزق التي يرمز إليها الكاتب ب"السوق".. وكأنه يقول لنا إن حلم الوصول إلي السعادة والعيش الهنيء في ظلالها دون تعب محاولة عقيم!
المرأة والحقيقة!
ويقول في مشهد خامس بعنوان "علي الشاطيء":
"وجدت نفسي فوق شريط يفصل بين البحر والصحراء شعرت بوحشة قاربت الخوف وفي لحظة عثر بصري الحائر علي امرأة تقف غير بعيدة وغير قريبة لم تتضح لي معالمها وقسماتها ولكن داخلنا أمل بأنني سأجد عندها بعض اسباب القربي أو المعرفة ومضيت نحوها ولكن المسافة بيني وبينها لم تقصر ولم تبشر بالبلوغ.. ناديتها مستخدماً العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف فلم تتوقف ولم تلتفت.
وأقبل المساء وأخذت الكائنات تتلاشي ولكنني لم أكف عن التطلع أو السير أو النداء".
والمرأة في المقطع السابق تمثل الحقيقة التي نبحث عنها فلا نصادف إلا الوهم. وقد انتقل السارد من صوت الفرد إلي صوت الجماعة من خلال الضمير "نا" في قوله: "داخلنا أمل بأنني سأجد عندها بعض اسباب القربي أو المعرفة". ولكن هاهو عمر الفرد نجيب محفوظ يشرف علي النهاية "أو هو عمر البشرية التي أوغلت في التاريخ" والمنادي لم يظفر ببغيته في معرفة الحقيقة رغم إلحاحه علي معرفته: "ناديتها مستخدماً العديد من الأسماء والعديد من الأوصاف فلم تتوقف ولم تلتفت". وستظل الرغبة في الحياة ومراودة المعرفة أملاً يخايل الإنسان ويؤرق وجوده وقد يصل إلي الخاتمة قبل أن يصل إلي الحقيقة "وأقبل المساء وأخذت الكائنات تتلاشي ولكنني لم أكف عن التطلع أو السير أو النداء".
وما أكثر التجارب التي تناولها نجيب محفوظ تناولاً فنياً من خلال تصويره المرأة تصويراً حقيقياً أو رمزاًَ فنياً يبلغ من خلاله ما يريد أن يقوله في فنية عالية تمرس عليها خلال رحلته الإبداعية الطويلة التي تقترب من ثلاثة أرباع قرن!
.......................................
*المساء ـ في 9/9/2006م.

د. حسين علي محمد
29-12-2008, 01:50 PM
( 83) حول إمارة الشعر في القنوات الفضائية:
أضحوكة في زمن عز فيه الضحك!

بقلم: أ. د. حسين علي محمد
...................................

نشكر القنوات الفضائية التي تقوم ببعض المسابقات حول الشعر، فهي تستحضر الشعراء وتقيم مسابقة بينهم لاختيار أمير الشعر العربي منهم، وهي بهذا تظن أنها تستجيب للذائقة العربية، التي كانت تجعل أسواقاً للشعر في الجاهلية، ومنها: عكاظ والمربد وغيرهما، وهي تظن أنها بذلك الفعل تنشط الاهتمام بالشعر، وتجعل له سوقاً شبه رائجة.
وإذا كان غرض هذه الفضائيات أن تصل إلى من هو "أمير الشعراء"، (كمسابقات "ملكات الجمال" مثلاً!!) فهذا دجل رخيص، يساعدهم فيه بعض النقاد المتكسبين ـ بالنقد ومن النقد ـ الذين يهمهم الظهور الرخيص، على قدر اهتمامهم بقبض الثمن السخي الذي تمنحه لهم تلك الفضائيات.
إن أحمد شوقي ـ مثلاً ـ وراء اختياره "أميراً لشعراء" ديوان ضخم يضم أكثر من عشرين ألف بيت من الشعر في أربعة مجلدات، ووراءه سبع مسرحيات شعرية: البخيلة، ومصرع كليوباترة، ومجنون ليلى، وقمبيز، والست هدى، وعلي بك الكبير، وعنترة، ومسرحية نثرية واحدة، هي : أميرة الأندلس، ووراءه عدد من الروايات، وكتاب من النثر الفني الراقي (أسوار الذهب). فماذا فعل هؤلاء ليحتلوا مقعد (أمير الشعراء)؟!!.
إننا محاصرون بالأخبار البائسة في عالمنا العربي، التي ترسم جداول من الهم والحزن، وهذه اللعبة التي يقع فيها بعض النقاد (الغافلين، أو المغفلين) ليست أكثر من أضحوكة في زمن عز فيه الضحك!!

د. حسين علي محمد
11-06-2009, 11:05 AM
(84) خيانة ثقافية

بقلم: مؤمن الهباء
......................

في فيلم "الزوجة الثانية" قدم المخرج العملاق صلاح أبوسيف صورة معبرة جدا لرجل الدين المتعلق بالسلطة "الشيخ مبروك" الذي يدلس علي الناس، ويلوي عنق الآيات القرآنية بتأويل فاسد ليبرر للعمدة (ممثل السلطة) أفعاله ويزين له باطله. ويحمل البسطاء علي الامتثال لنزواته الغاشمة.
ظهر الشيخ مبروك الذي أدي دوره باقتدار المبدع حسن البارودي وهو ينصح الفلاح الفقير أبوالعلا "شكري سرحان" بأن يطلق زوجته الجميلة الولود فاطمة "سعاد حسني" لكي يتزوجها العمدة عتمان "صلاح منصور" قائلا: طلقها يا ابني طلقها... وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
ثم ظهر الشيخ مبروك في مشهد آخر وهو "يوالس" علي الشرع لصالح العمدة (السلطة) عندما رفض المأذون أن يعقد قران العمدة علي العروس المطلقة قبل أن تتم عدتها قائلا : الدفاتر عندنا والأوراق عندنا والختم عندنا.
مثل هذا الشيخ الذي لا ينسي هو خائن لدينه.. وخائن لأمانته.
وهناك عالم خائن لعلمه، وطبيب خائن لرسالته.
وهناك أيضا مثقف خائن لثقافته.. وللأمانة التي في عنقه.. والرسالة التي يجب أن يؤديها لأهله وشعبه ووطنه.
هذا المثقف الخائن لدوره. ولرسالته الثقافية. تراه بألف وجه. وبألف لسان. يحفظ كثيراً من الشعارات والمقولات والمأثورات ويتقن الضغط علي حروف الكلمات الكبيرة حين يتحدث عن الحرية والديمقراطية. والليبرالية والعدالة الاجتماعية حتى يبدو صادقاً.. لكنه في الحقيقة لا يؤمن بشيء من ذلك.. ويسقط عند أول اختبار. خصوصاً إذا طلب منه هو أن يطبق شيئاً من الشعارات الكبيرة التي يلوكها.
وقد مرت بنا تجارب قاسية كشفت دعاة الثقافة، الذين ينتقدون غيرهم، ويطالبون بالحرية واحترام حق الآخر في اختلاف الرأي، ويدعون إلى التواضع، ولكن عندما وضعوا في التجربة، وصار مطلوبا منهم أن يقدموا نموذج المثقف صاحب الدور والرسالة تحولوا إلى كائنات بدائية أنانية جاهلة ومتوحشة.
مثل هذا المثقف لا علاقة له بالثقافة الأصيلة، وإنما هو في الحقيقة مجرد تاجر.. يحمل بضاعة ثقافية من أجل أن يحصل علي أكبر قدر من المكاسب والامتيازات. لكنه ليس مهموماً بقضية الثقافة ورسالتها التي تتبلور في تطور الأمة وتحضرها ورقي الذوق العام.
والمثقفون الذين باعوا قضية الثقافة ورسالتها كثيرون في بلادنا.. والذين خانوا أكثر. من هؤلاء من لعب علي كل الحبال.. ومنهم من يؤدي أدواراً مكشوفة للتمويه والتزييف وخداع الجماهير وإلهائهم بقضايا ملفقة تبعدهم عن قضاياهم الحقيقية، وتوجه أنظارهم واهتماماتهم إلي ما لا ينفعهم ولا يضرهم، ومنهم من يزين الباطل ويدعو إليه كما فعل الشيخ مبروك.
ومن هؤلاء من اشتهر بتبديل الأقنعة لكي تناسب العصر وشعاراته، ومنهم من أجري عمليات تجميل لأفكاره.. ومنهم من بذل الغالي والرخيص من أجل أن يدفن تاريخه ويسجل لنفسه ميلاداً جديداً.
وفي هذا المناخ من الطبيعي أن يكون المثقفون الحقيقيون المخلصون لدورهم ورسالتهم أقلية، بل أكاد أقول إنهم معروفون بالاسم، وهم في كل الأحوال يدفعون ثمن احترامهم لأنفسهم وللكلمة التي تخرج من أفواههم.
وطالما استمر هذا العبث الثقافي ستظل مياهنا آسنة.. وحياتنا الميتة هي الطافية علي السطح.
شخصيا.. اعترف بأنني تعرضت أكثر من مرة للخديعة باسم الثقافة، فقد وثقت في بعض الأسماء وتحمست لها أمام الجماهير، متصوراً أن أداء المثقف في القضايا العامة سيكون مختلفاً وراقياً؛ فلا يقبل الغش، ولا يشارك في تزييف الوعي، ولا يرضي لنفسه أن يكون جزءا من لعبة "البولوتيكا".. التي تفهم السياسة علي أنها مهارة الكذب والتضليل والتمويه. لكنني اكتشفت أن هذا المثقف في ساعة الجد انقلب إلي مخادع كبير، وأول درجات الخداع أن يقبل بأن تزور الانتخابات من أجله وهو داعية الحرية والديمقراطية، ثم إنه يكذب، ويدعي علي الآخرين ما ليس فيهم، وهو يعلم ذلك يقيناً.
وأمام هذا النموذج السلبي أدركت ـ مؤخراً ـ أن الفاسد الجاهل أفضل وأهون وأشرف ألف مرة من الفاسد المثقف... الخائن لدوره ورسالته وثقة الناس فيه.
................................
المساء ـ في 11/5/2009م.

د. حسين علي محمد
11-06-2009, 11:06 AM
(85) يا منصف الشعراء والأدباء

بقلم: مؤمن الهباء
........................

رغم أنه صديقي إلا أنه مازال قادراً علي أن يدهشني بين آن وآخر.. قرب المسافات بين الناس يكسر حاجز الدهشة والإبهار.. لكن هذه القاعدة لا تنطبق علي صديقي الدكتور حلمي القاعود المبدع والناقد والاستاذ الجامعي.. يغيب ويحتجب ثم يفاجئني بما هو جديد ومثير.
وقد اعتاد د. القاعود ألا يساير الموجة.. فلا يهتف مع الهتافين.. ولا يصخب في صخب الصاخبين.. وإنما يفكر ويتأمل ويدرس ويقوم.. ثم يخرج بمفاجأة مدوية.. يقلب الموازين.. وينصف المظلومين.. ويجهر بكلمة الحق الثقيلة.. التي ربما تكون سبباً في الإضرار بصاحبها.. وتلحق الظلم به هو شخصياً.
ويعرف كثيرون أن د. القاعود ظلم كثيراً لأنه لم يقف في طابور الهتافين.. المتزاحمين علي المناصب.. المتفننين في التلون والتكيف من أجل الوصول إلي مواقع النفوذ والمال والجاه.. لكنه - فيما أظن - قد استراح إلي الطريق الذي ارتضاه لنفسه فأرضي ضميره.. وكسب أكثر بكثير مما خسر.. فكانت تجارته في المحصلة النهائية رابحة.
ولأنه مطمئن إلي هذه النتيجة فلا تكاد تلمس فيه اضطراباً.. أو اختلالاً في التوازن النفسي.. إنه الهادئ الوقور.. الذي لا يشي مظهره الطيب بما يصدر عنه من آراء وأفكار ومواقف تتسم بالتحدي والصلابة مثلما تتسم بالصدق والإخلاص.
وقد تطرقت مؤلفات الدكتور القاعود إلي العديد من المجالات.. فكتب في الإسلاميات 17 كتاباً.. وفي الدراسات النقدية والأدبية 18 كتاباً.. وكتب في الإعلام عن "الصحافة المهاجرة".. وله مجموعة قصصية بعنوان "رائحة الحبيب" ورواية بعنوان "الحب يأتي مصادفة".. وحصل علي جائزة المجمع اللغوي بالقاهرة عام 1968 وجائزة المجلس الأعلي للثقافة عام ..1974 وعمل استاذاً بكلية المعلمين بالرياض في السعودية لمدة خمس سنوات. من 1989 إلي 1994. ومع ذلك لم يزل يعيش في قرية "المجد" بمحافظة البحيرة.. نفس القرية التي ولد ونشأ بها.
حين قرأت في وقت مبكر كتابه "الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر" أدركت أنني أمام باحث جاد. قادر علي فرز الغث من السمين.. ولديه من الأدوات ومن الطاقات العلمية ما يعصمه من الزلل أو الشطط.. فهو قادر علي أن ينصف من لم تنصفه الأضواء والجوائز والمهرجانات.. وقادر ايضا وبنفس الدرجة علي أن يضع الآخرين في مكانهم الطبيعي.. وفي كل الأحوال يرتكز علي قواعد وحجج مقنعة.
إنه ذلك الفلاح الماهر الذي يستطيع أن يقتلع الهالوك من الحقل حتي لا يغطي علي الورد فيضعفه ويقضي عليه.
ويبدو أن هذا الكتاب الذي كشف براعته قد رسم له طريقاً أثيراً لديه.. لإنصاف من يستحقون الإنصاف من المبدعين الذين لا ينالون شيئاً من أضواء المهرجانات والجوائز في مناخ الشللية الثقافية التي يشكو منها الجميع.. لذلك جاء كتابه الأخير ليكمل المسيرة.. هذا الكتاب يحمل عنوان "شعراء وقضايا" وصادر عن دار العلم والإيمان بكفر الشيخ وليس من أية هيئة ثقافية رسمية.. وهو عبارة عن قراءة تكشف جوانب مهمة في الشعر العربي الحديث من خلال بعض شعرائه وقضاياه.
يقع الكتاب في 204 صفحات.. ويمارس فيه د. حلمي القاعود هوايته الأثيرة.. وهي محاولة إنصاف بعض الشعراء الذين ظلمهم الواقع الأدبي بالتجاهل والصمت.. أو التقليل من قيمة ما قدموه علي مستوي الفن والصياغة لأنهم لم يدخلوا في دائرة المرضي عنهم من القابضين علي زمام الحياة الأدبية والثقافية.
ولا يتحرج د. القاعود من أن يصدع بالحقيقة التي يؤمن بها.. وهي أن بعض هؤلاء الشعراء المظلومين يعد رائداً في مجاله.. عملاقاً في أدائه.. ولكن اختلال المعايير في الواقع الأدبي قلب الموازين.. وأعطي شهرة كبيرة لبعض من لا يستحقونها.. وحرم من يستحقون الإنصاف والعدل.
ولقد رأينا خلال الشهور القليلة الماضية أشهر نموذج لاختلال المعايير.. فالشاعر الذي لا يعرف عن الشعر شيئاً يحتفي به في مجلة حكومية يمولها دافع الضرائب.. لكي يصدم الناس بالغثاء الذي أراد فرضه فرضاً.. وعندما علت صيحات الاحتجاج ضده منح علي الفور جائزة الدولة حتي يبتلع الناس ألسنتهم.
وبناء علي قاعدة "وبضدها تتميز الأشياء" يضم كتاب د. حلمي القاعود "شعراء وقضايا" نماذج مناقضة لهذا اللون الفاسد والمتسلق.. نماذج لشعراء لهم قضايا من بلدان عربية شتي.. تبدأ من العراق إلي الخليج وتنتهي عند المغرب علي المحيط.. فيري القارئ روحاً عربية واحدة تكاد تسري بينهم جميعاً.. تحمل هما مشتركاً.. وعاطفة مبثوثة في وجدان العرب كلهم.
في هذا الإطار يمكن أن تري نازك الملائكة إلي جانب عبده بدوي وحسن عبدالله القرشي ومحجوب موسي وخليفة الوقيان.. كما تجد عصام الغزالي إلي جانب محمد الرباوي وعبدالمنعم عواد يوسف وأحمد بهكلي ونشأت المصري وناجي عبداللطيف وعبدالله شرف.. وغيرهم.
لقد أدهشني د. القاعود فعلاً ب "شعراء وقضايا" مثلما أدهشني من قبل ب "الورد والهالوك" وأخذني معه في طريق الإنصاف لمن لم تنصفه الحياة الأدبية.. وقد وجدت أن أول من يجب علينا إنصافه هو د. حلمي القاعود نفسه.
ليتني أكون قد بدأت أول سطر في كتاب إنصافه.
...........................................
*المساء الأدبي ـ في 8/6/2009م.

عبد الرحمن العسيري
12-06-2009, 08:09 AM
د -حسين

الشكر لما قدمته من مقالات رائعه

د. حسين علي محمد
29-06-2009, 01:51 AM
د -حسين

الشكر لما قدمته من مقالات رائعه

شكراً للأديب الأستاذ
عبد الرحمن العسيري
على تعليقه الجميل،
مع موداتي

د. حسين علي محمد
22-11-2009, 06:27 PM
(86) الدكتور محمد الربيع: سفير ثقافة المملكة في مصر


بقلم: أ.د. حسين علي محمد


سعدتُ سعادةً غامرةً حينما جاءني خبرُ تكريم الأستاذ الدكتور محمدِ بنِ عبدِ الرحمن الربيعِ، المولودِ في الرياض عام (1366هـ / 1947م) الناقدِ الأدبي المعروف، والمهتمِّ بالتراث الإسلامي، والثقافة العربية، والأدب المعاصر، وقضايا اللغة العربيةِ، وصاحب الكتب التي اقتحمت المجهول في الأدب العربي، وكانت فتحاً، ومنها كتاب «أدب المهجر الشرقي» الذي فتح باباً ومهَّد طريقاً للدارسين، وتناول أدباً شبهَ مجهولٍ وهو «الأدب العربي المهاجر إلى الشرق والشرق الأقصى، أدب هؤلاء العرب الذين نزحوا إلى أندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورا والهند».
وعلاقات الدكتور الربيع بمصرَ قديمةٌ، بدأتْ من التحاقه بالدراسات العليا بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وتتلمذه على أساتذتها ـ في عصرها الذهبي، ومنهم الدكاترة: عبد الرحمن عثمان، وحسن جاد حسن، وسليمان ربيع، وعبد السلام سرحان، ومحمد السعدي فرهود ... وغيرهم، ثم حصوله على الدكتوراه في الأدب والنقد منها.
وقد عرف عدداً من الأفذاذ في مجالات أخرى (كاللغات الشرقية، والتحقيق، والبلاغة، والترجمة، وعلم اللغةِ)، منهم: الأساتذة الدكاترة: يحيى الخشاب، وبدوي طبانة، ورمضان عبد التواب، وحمدي السكوت، ومحمود فهمي حجازي، وعبد الفتاح الحلو، وعبد الحميد إبراهيم، ومحمود الطناحي، وكمال بشر، وعبده الراجحي، ومحمد أبو الأنوار (وبعضُهم فاز بجوائزَ عالميةٍ) ... ويطولُ المجالُ لو حاولتُ الاستقصاءَ.
وقد ظلت علاقاتُه بهؤلاء (ومازالتْ معَ الأحياءِ منهمْ) مثالاً للودِّ، والتراحم، ومازلتُ أذكر زياراتِه كلما نزل مصرَ ـ وما أكثر ما يفعلُ! ـ لأستاذه الراحلِ الدكتور حسن جاد حسن، بعد أن كُفَّ بصره وترك القاهرة واستقرَّ في شمال المحروسة، فكان الربيعُ يصحبُ صديقَه العلامةَ المرحومَ ـ بإذن الله ـ محمودَ الطناحيَّ ويذهبان لزيارة أستاذهما في رحلةٍ يستعذبان كلَّ خُطوةٍ فيها!
ويصعبُ على الراصدِ أن يسجلَ علاقة سفيرِ ثقافة المملكة في مصر، ويوثقها توثيقاً دقيقاً، لكنَّ حسبَنا أن نُشيرَ هنا إلى عضويته في جمعيات أدبية، ومحاضراتٍ ألقاها، وتكريمٍ ناله، وكتبٍ نشرها في مصرَ، وكتبٍ أُعدَّتْ عنه فيها:
أولاً: عضويةُ جمعياتٍ، ومحاضراتٌ، وتكريمٌ:
1-الدكتور الربيع عضوُ مجمع اللغةِ العربيةِ المُراسلُ بمصر.
2-ألقى بحثاً عن «الترجمة والتعريب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية» في المؤتمر السابع لتعريب العلوم بالقاهرة.
3-ألقى محاضرة عن «جهود الشيخ حمدِ الجاسر في خدمةِ التراث»، في مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، بالقاهرة.
4-ألقى عدداً من المحاضرات في معرض القاهرةِ الدوليِّ للكتاب، في دوراتٍ مختلفة.
5-اشترك في لجان مناقشة الرسائل العلمية في عددٍ من الجامعات المصرية، في القاهرة والمنيا والزقازيق... وغيرِها.
6-تمّ تكريمه من قِبَلِ جامعتي القاهرةِ وعيْنِ شمس، ومعهدِ المخطوطات العربية، ورابطةِ الأدب الحديث ، وجماعةِ أبولو الجديدة.
7-كُرم من جماعةِ الوسطيةِ العربية، برئاسة مُنشئها الأستاذِ الدكتور عبد الحميد إبراهيم في منتصف شعبان من العام الحالي (1430هـ).
ثانياً: النشر:
أ-كتبٌ لهُ:
أصدر الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع ثلاثين كتاباً، وقد نشر في مصر ستة كتبٍ، تمثل عشرينَ في المئةِ من مؤلفاتِهِ، وهي:
1-بحوث ودراسات أدبية وفكرية ـ نشر دار حمادة بالقاهرة ، عام 1411هـ.
2-المبالغة في الشعر العباسي ـ نشر الجريسي للطباعة والتوزيع بالقاهرة 1416هـ.
3-شعر شوقي بين التدين والمجون ـ نشر الجريسي للطباعة والتوزيع ، القاهرة ، 1416هـ.
4-أبو الحسن محمد بن طباطبا العلوي: حياتُه وشعرُه ونقدُهـ نشر الجريسي للطباعة والتوزيع ، القاهرة ، 1416هـ.
5-أدب المهجر الشرقي ـ مركز الدراسات الشرقية ، جامعة القاهرة ، 1999م(ط. أولى)، وأُعيد نشرُه في سلسلة «أصوات مُعاصرة»، دار الإسلام للطباعة، المنصورة 2000م (ط. ثانية)، و 2003م (ط. ثالثة).
6-قصص البخلاء وحكاياتهم: دراسة ونصوص ـ دار الشروق ، القاهرة ، 1999م.
أ-كتبٌ عنهُ:
صدرت ثلاثةُ كتب عن الدكتور محمد الربيع، يمكن أن نطلق عليها: الدكتور محمد الربيع في عيون المصريين:
*الكتاب الأول أصدره القاص عنتر مخيمر (وهو روائي له ثلاثُ رواياتٍ، وثلاث مجموعاتٍ قصصيةٍ، ومجموعةٌ للأطفال، ويكتب المقالة والخاطرة، وعضو اتحاد كتاب مصر)، والكتاب بعنوان "أزاهير الرياض: حوارات في الأدب واللغة والثقافة مع فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع».
ويقع الكتاب في 130 صفحة من القطع المتوسط، ويقول المؤلفُ في مقدمة كتابه:
"يضمُّ هذا الكتاب سبعة حوارات، أجريتها مع مفكر سعودي لامع، يُعدُّ من صفوة قادة الفكر العربي الحديث، ومن أخلصهم في خدمة الأمة الإسلامية والعربية، وهو من النقاد السعوديين البارزين. هذا المفكر هو فضيلة الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي والعضو المراسل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وترسُمُ هذه الحواراتُ ملامحَ فكرٍ أصيل مُبدع. فكرٍ تشغله كثيراً من واقع التجربة والممارسة قضيةُ البحث العلمي ... فكرٍ ينوء بهموم مريرة تُثيرها المشكلات والتحديات التي تُواجه اللغة العربية، ويُولي التراثَ العربيَّ ـ كنوز الأجداد ـ اهتماماً يعكس وضوح رؤية صاحب هذا الفكر ونقاء ضميره».
*والكتابُ الثاني عن الدكتور محمد الربيع أصدرهُ المفكرُ الإسلامي الأستاذ محمد عبد الواحد حجازي (وله أربعون كتاباً مطبوعاً منها «الأسرة في الأدب العربي»، و «سعد زغلول خطيباً وكاتباً وأثره في البيان العربي»، و«الإحساس بالجمال في القرآن الكريم») أصدر حجازي كتاباً في 160 صفحة، بعنوان «الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع: سيرة وتحية»، كتب فيه مقدمة مسهبةً عن الملامح الإبداعية في نقد الربيع وفكره، وضم الكتابُ مقالاتٍ مختارةً للأساتذة والدكاترة: عبد الرحيم الكردي، وأحمد زلط، وحسين علي محمد، وبدر بدير، وعبد الحميد إبراهيم ... وغيرهم.
*والكتابُ الثالثُ عن الدكتور محمد الربيع أصدره الإعلاميُّ والكاتبُ المسرحي علي محمد الغريب (وله عدد من المسرحيات الطويلة المطبوعة، وهو صاحبُ المسرحية التي قدمتها جامعةُ الملك سعود بالرياض «أوديب على خط الحجاز» في مايو الماضي) أصدر الغريبُ كتاباً توثيقيا عن علاقة الربيع بمصر، والجوائز التي نالها، وأوسمة التكريم، مع بعض المقالات التي كُتبت عنه في مصر.
بعد هذه العجالةِ التي تناولتْ عَلاقةَ الدكتورِ الربيعِ بمصرَ، لا أنسى أن أشير في النهاية للمسةِ وفاءٍ من الربيع نحو أساتذته، الذين يُجلهم ويُقدرُهم؛ فقد طلب منا ـ أنا والدكتور صابر عبد الدايم، الشاعرِ والناقدِ المعروف، وعميدِ كلية اللغة العربية بالزقازيق ـ منذ ثلاثةِ أعوام أن نكتب كتاباً عن الأستاذ الدكتور حسن جاد حسن، الشاعر الكبير المغبون، وزوَّدنا بشعره المخطوط جميعاً، وقال إنه سيطبع الكتابَ على نفقته، وتم إنجاز الكتاب، وأشرنا في المقدمة (أنا وزميلي) إلى أن الكتابَ استجابةٌ للطلب الكريم من الدكتور محمد الربيع، وأن الكتاب قد طُبع على نفقته.
وبعد،
لقد أحب الربيعُ مصرَ، وأحبته. وكان من ثمار هذا الحب ما وجدناهُ من تواصلٍ ثقافي، وأدبي، وإنساني. يمثلُ صفحةً من أنصع صفحات الوفاءِ والعطاء للملكةِ في مصر.. فكان ـ حقيقةً ـ سفيراً للثقافة السعودية بمصر.
أطال اللهُ عمرَه، وبارك في جُهده، وأثابَه، لقاء ما قدَّمَ وما يُقدِّمُ منْ عطاءٍ موصول.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
..................................
* أُلقيت في ثلوثية الدكتور محمد المشوح بحي الغدير، في الرياض، في 6/10/2009م.

د. حسين علي محمد
22-11-2009, 08:14 PM
(87) الشاعر بطلاً في مسرح أنس داود

بقلم: أ.د. حسين علي محمد
................................

أصدر أنس داود (1935-1993) عشر مسرحيات شعرية هي: بنت السلطان، ومحاكمة المتنبي، والملكة والمجنون، بهلول المخبول، والثورة، والأميرة التي عشقت الشاعر، والزمار، والشاعر، والصياد، والبحر( )، وله مسرحيتان لما تنشرا هما "مقتل شيء"( ) و"قيس"( ). ولأنه من العسير علينا أن نُحيط بتجربة المسرح الشعري عند أنس داود( ) هنا، فسنتناول هنا صورة الشاعر بطلاً في مسرحه.
أ-مصادر المسرحيات:
من بين مسرحيّات عشر أصدرها أنس داود نجد ثلاثاً منها تتخذ من الشاعر بطلاً، وهي "محاكمة المتنبي" و"الأميرة التي عشقت الشاعر"، و"الشاعر".
*والمسرحية الأولى "محاكمة المتنبي" بطلها أبو الطيب المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وقد استوحاه بعض معاصرينا؛ فنجد في الرواية علي الجارم قد استلهمه في "الشاعر الطموح" و"خاتمة المطاف"، ومحمد جبريل في رواية "من أوراق أبي الطيب المتنبي"، والطاهر وطّار في "عرس بغل". وفي الشعر نجد كثيرا من الشعراء استلهموه في قصائد لهم، ومنهم أمل دنقل، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الله البردوني، وحسين علي محمد. أما في المسرحية فقد استوحاه محمد عبد العزيز شنب في مسرحية "المتنبي فوق حد السيف"، كما استوحاه الرسام عبد السميع عبد الله في مسرحيته "المتنبي يجد وظيفة".
لقد كانت تجربة أبي الطيب المتنبي الثرية في شعره وفي حياته المليئة بالأحداث والمواقف دافعاً لهؤلاء الأدباء وغيرهم ـ ومنهم شاعرنا أنس داود ـ كي يتخذوا منها قناعاً (روائيا أو شعريا أو مسرحيا)( ) ليُحاكموا واقعهم المعاصر من خلاله، أو يُدلوا بدلوهم في آراء مُثارة، وقضايا آنية.
*والمسرحية الثانية هي مسرحية "الأميرة التي عشقت الشاعر" بطلها "وضّاح". ووضّاح هذا أحد شعراء العصر الأموي، ويروي صاحب "الأغاني" أن أم البنين ـ زوج الوليد بن عبد الملك ـ "عشقت وضّاحاً، فكانت تُرسل إليه فيدخل إليها، ويُقيم عندها، فإذا خافتْ وارتْه قي صندوق عندها وأقفلت عليه، فأهدي للوليد جوهر له قيمة فأعجبه واستحسنه، فدعا خادماً له فبعث به إلى أم البنين. وقال: "قل لها إن هذا الجوهر أعجبني، فآثرتك به" فدخل عليها الخادم مفاجأة، ووضّاح عندها، فأدخلته الصندوق وهو يرى، فأدّى إليها رسالة الوليد ودَفَع إليها الجوهر، ثم قال: "يا مولاتي هبيني منه حجراً" فقالت: "لا، يا ابن اللخناء، ولا كرامة". فرجع إلى الوليد فأخبره، فقال الوليد: "كذبت يا ابن اللخناء" وأمر به فوجئت عنقه، ثم لبس نعليه ودخل على أم البنين وهي جالسة في ذلك البيت تمتشط، وقد وصف له الخادم الصندوق الذي أدخلته فيه، فجلس عليه، ثم قال لها: "يا أم البنين! ما أحبُّ لك هذا البيت من بيوتك! فلم تختارينه؟"، قالت: "أجلس فيه وأختاره لأنه يحمل حوائجي كلَّها، فأتناولها منه كما أريد من قرب"، فقال لها: "هبي لي صندوقاً من هذه الصناديق" قالت: "كلها لك يا أمير المؤمنين"، قال: "ما أُريد كلها، وإنما أريد واحداُ منها"، فقالت: "خذ أيها شئت"، قال: "هذا الذي جلستُ عليه"، قالت: "خُذ غيره، فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها"، قال: "ما أُريد غيره"، قالت: "خذه يا أمير المؤمنين". فدعا بالخدم وأمرهم بحمله، فحمله حتى انتهى به إلى مجلسه فوضعه فيه، ثم دعا عبيداً له فأمرهم فحفروا بئراً في المجلس عميقة، فنُحِّي البساط، وحُفِرت إلى الماء، ثم دعا بالصندوق، فقال: "إنه بلغنا شيء، إن كان حقا فقد كفّنّاك، ودفنّا ذكراك، وقطعنا أثرَك إلى آخر الدّهر، وإن كان باطلاً فإنّا قد دفنّا الخشب، وما أهون ذلك!". ثم قذف به في البئر، وهيل عليه التراب، وسُوِّيت الأرض، ورُدَّ البساط إلى حاله، وجلس الوليد عليه، ثم ما رؤي بعد ذلك اليوم لوضّاح أثر في الدنيا لهذا اليوم، وما رأت أمُّ البنين لذلك أثراً في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما"( ).
والقصة كما رواها أبو الفرج الأصفهاني تقترب من الحكايات الشعبية، وتُعدُّ مصدراً ثرا للكتّاب، وإن كان لم يتناولها أحد في المسرح الشعري قبل أنس داود.
*والمسرحية الثالثة "الشاعر" يستوحي فيها "حياة وشعر الشاعر صالح الشرنوبي، وإشكالات وجوده وأسرار عالمه النفسي"( ).
وصالح الشرنوبي شاعر رومانسي معاصر، لم يستطع أن يتكيّف مع مجتمعه فمات منتحراً( )، وتتشابه مفردات حياته مع مفردات حياة أنس داود، مما جعله يتخذ من الشرنوبي قناعاً مسرحيا ليُحاكم من خلاله واقعنا المعاصر، ويُقدم رؤاه النقدية والإصلاحية.
ب-الشاعر في مواجهة المجتمع:
يبدو الشاعر في مسرح أنس داود واقفاً في ناحية، بينما العالم يقف في ناحية أخرى. يقول الشاعر في المسرحية التي تحمل العنوان نفسه عن المدينة:
مدينة الزجاجِ والقصْديرْ
مدينةَ الرصاصِ والأسمنْتْ
والضمائرِ المُرْتَهَنهْ
وباعةِ الأقلامِ والسماسِرهْ
والشاعرِ الذي يلهثُ خلفَ سُذَّةِ السلطانِ
كالغانيةِ المؤتجرهْ( )
لا يمكن أن تتصالح روح شاعر محب للجمال، باحث عن الصدق مع مجتمع يعج بالدمامة؛ ومن ثم فإننا نرى روحه المتفتحة للحق والعدل والحرية والخير والجمال ترفض أن تتصالح مع كل هذا القبح!
إن أفكاره لن تلتقي مع هذا المجتمع، "كما أنه لا نية عند هذا المجتمع ليتم الالتقاء بين النقيضين: المجتمع بقوته الضاغطة وتقاليده وأعرافه الراسخة، وهذا الشاعر الفرد الحالم"( )
ويمثل الشاعر عند أنس داود البكارة في مقابلة الزيف، كما يمثل الوعد الآتي في مقابلة الواقع الجهم، ويمثل أيضاً صوت البشير للمستقبل.
يقول وضاح في مسرحية "الأميرة التي عشقت الشاعر":
لكنِّي يا مولاتي
عنوانُ الرَّفْضِ، وصوْتُ الغضبِ الغائبْ
وضعتْني الأقْدارُ على هذا المشْرعْ
أرتادُ الدَّرْبَ لهذا الشَّعْبِ ولنْ أرْجعْ
حتى يتعلَّمْ
أنْ يفتحَ عيْنيْهِ ويُبصِرْ
أنْ يُرْهِفَ أُذنيْهِ ويسْمعْ
أنْ يسْتيْقِظَ، أنْ يصرخَ، أنْ يتألِّمْ
أنْ يعرفَ جلاّديهِ وسرَّاقيهِ( )
ج-الشاعر أزمته سياسية:
الذي يتأمّل في النتاج المسرحي العربي المعاصر "قد يُفاجأ بأن الغالبية العظمى من المسرح العربي الجاد في السنوات الأخيرة يجنح إلى السياسة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة"( )، وأزمة الشاعر / البطل في مسرح أنس داود (وضاح، والمتنبي، وصالح الشرنوبي) أزمة سياسية.
وإذا أخذنا المتنبي مثلاً، فقد ظلَّ طوال المسرحية على عداء مع السلطة، وظل ثابتاً على نقدها وعدم التصالح معها. وظلت السلطة تتهمه وتُطارده، ورغم ذلك فإنه لم يكل، ولم يتعب، وهو يعرف أن هذا الأمر قد يكلفه حياته.
يقول المتنبي ردا على الأميرة التي تنصحه بالهرب حتى يُنقذ حياته:
أنا ملكُ عنايةِ هذا الشعبِ الطيبْ
فاغتفري لي أنِّي لنْ أهربْ
لن أتذمَّرَ .. لن أشْكوَ .. لنْ أبكي
قدري قدرُ البلبلِ فوقَ الأيْكْ
أن يتغنَّى بالحسنِ وينْفرَ منْ قبْحِ الشَّوْكْ
أن يصحو الفجرُ على بسمتِهِ، ويُطاردُهُ جشعُ الصَّيّادْ
فليسْمعْ شعْبي:
أعطيْتُ لهُ قلبي
فيْضاً منْ وهَجِ الشعرِ، ومنْ نبْضِ الحبْ
وليسْمعْ صوتَ الفقراءِ، ويسْمعني الأطفالُ
وأجيالُ المسحوقينَ التعساءْ
وليسْمعني السّادةُ، والقادةُ، والأوْغادْ
إنِّي المتنبِّي
أسمعُ ـ قادمةً ـ صوتَ الثورهْ
أبصرُ ـ قادمةً زحفَ الثورهْ
فاختبئي في ظلِّ الشعبِ الطيِّبِ وارتقبي ..
ارتقبي .. ارتقبي ..( )
ولغة الشاعر هامسة رامزة، ولكنها ترتفع أحياناً حينما يُصيب السأم بطله كما نجد "وضاحاً" يصرخ في نهاية مسرحية "الأميرة" التي عشفت الشاعر":
يا مولاي
في عهدِكَ يزدهرُ الوهْمْ
يقتاتُ الشعبَ موائدَ منْ حُلْمْ
طالتْ أيدي السُّرّاقِ طعامَ الشعبْ
وتخطّتْ ثرْواتُ مواليكَ حدودَ التُّخْمهْ
في عهدِكَ يا مولايَ انتشرَ الظُّلمْ
وتفسّخت الأخلاقُ
وسادَ العفَنُ الأسودُ
نخرَ السوسُ كيانكَ .. فامتدَّ السوسُ
إلى عظمِ الدولةِ .. ونُخاعِ الحُكْمْ
سقطَ القانونُ وزُيِّفَ حتى التشريعُ
وضُرِبتْ آياتُ العدلْ ( )
لكننا لحسن الحظ لا نجد ذلك كثيراً في مسرح أنس داود. وقليلة هي تلك اللحظات التي يعلو فيها صوت البطل، فينفجر بخطاب الثورة العالي صوته.
د-المرأة تُؤازر البطل:
في هذه المسرحيات تقف المرأة / الأميرة / الحبيبة بجانب البطل، تؤيده وتشد من أزره حتى لو انفضّ الجميع من حوله، نجد ذلك في شخصية "الأميرة" في مسرحية "محاكمة المتنبي"، حيث تُدافع عن المتنبي أمام كافور، وتقول:
من خلفِ قوافيهِ أرى دنيا تنسجها الصِّورُ
السحريّةُ في أملٍ مرتجفٍ ورجاءْ
تحملُ للمحزونينَ، وللمغلوبين الفقراءْ
أحلى ما تحمله الأحلامُ،
وما ترسمُهُ الأوهامُ،
وما يصنعُهُ الأملُ البسّامْ( )
ويكون الشعر هنا معادلاً موضوعيا للفكرة، والحقيقة، والمستقبل، والعدل، حيث يصير من المستحيل القضاء على هذه المعاني النبيلة حينما نقتلُ صاحبها.
ولعل ما يوضِّح ذلك قول الأميرة لوضّاح في مسرحية "الأميرة التي عشقت الشاعر":
يبدو أني أهوى الشعرَ بأكثرَ ممّا أهوى الشعراء( )
و"سعدية" في مسرحية "الشاعر" هي صوت الوطن / الأرض، ورمز الخصوبة والاستمرار، ونكاد نلمح فجيعتها حين ترى "الشاعر" مغترباً مكتئباً، تُطارده الظنون، فتُناغيه بهذه الأبيات الملتاعة، التي تشف عن الرمز وتكشف خيوطه:
أنا لستُ لغيْرِكَ يا صالحْ
لكنك لمْ تفْهمْني
لمْ أعرفْ إلا أنتْ
لمْ أفهمْ إلا أنتْ
لم أعشقْ إلا أنتَ، وصدِّقْني
ثقْ أنِّي أمنعُ منْ عنْقاءْ
أخرجْني منْ زوبعةِ ظنونِكَ وتفهَّمْني( )
إنه يستخدم المرأة قناعاً أو رمزاً متأثراً بتجربة صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرفاوي في مسرح الشعر الحر، وإن كان المتأمل المتأني في مسرح أنس داود يرى أن شخصية المرأة عنده أكثر إحكاماً، وتماسكاً، وخصوبة، وتقوم بدورها المنوط بها في ظل مسرح أزمته ـ في الأساس ـ سياسية، ويُعانق رمز المرأة شوق المجموع في مستقبل أفضل، وطموحه إلى غد أكثر رحابةً وأمناً، ويُحاول أن يتجاوز المثبِّطات التي تعترض الطريق، وما أكثرها!
.................................................. .
من كتاب " في الأدب المصري المُعاصر"، للدكتور حسين علي محمد.

محمد صوانه
23-11-2009, 03:44 PM
أخي الدكتور حسين،
جهد طيب تشكر عليه، ونأمل لك التوفيق والسداد..
أقترح أن تحرص على أن تضع جميع النصوص بتنسيق محاذاة يمين، ويمكنك ذلك من خلال تظليل النص المطلوب والتأشير من لوحة التنسيق في الأعلى التي تظهر تحت الخطوط ثم اختيار التنسيق.
مع تقديري..

د. حسين علي محمد
24-11-2009, 12:32 PM
أخي الدكتور حسين،

جهد طيب تشكر عليه، ونأمل لك التوفيق والسداد..
أقترح أن تحرص على أن تضع جميع النصوص بتنسيق محاذاة يمين، ويمكنك ذلك من خلال تظليل النص المطلوب والتأشير من لوحة التنسيق في الأعلى التي تظهر تحت الخطوط ثم اختيار التنسيق.
مع تقديري..


شكراً للأديب
محمد صوانه
مع تحياتي وكل عام وأنتم بخير

حسن سلامة
30-11-2009, 03:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الاستاذ / د. حسين علي محمد

كل عام وأنت والأسرة الكريمة بألف خير .. في مناسبة عيد الأضحى المبارك ..
أعاد الله عليكم هذه المناسبة بالخير والبركات والعافية والنجاح ..

أيها العزيز ،
وقفت هنا ، لمجرد الاطلاع ... فشعرت بانقباض شديد لأن هذه الثروة لم تلتفت إليها غالبية الأعضاء/ وأنا من بينهم ، سوى قلة قليلة لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة .. فطفقت أندب ادعاءنا بالمعرفة والثقافة ، وكأننا أغلقنا متاريسنا على خشبات أبوابنا واكتفينا بما عندنا من ضحل المعرفة ..!!
ثم سألت نفسي ،
كيف لهذا الرجل الأكاديمي المثقف أن يدرج كل هذه المعرفة تحت عنوان واحد ..؟
ألا تستحق هذه المعارف أن توزع على طاولات القراءة أيها العزيز ، كل مساهمة مستقلة ..؟
نعم ..
لو كنت مكانك لفعلت ..
فالمنتديات يا صاحبي ، فيها صنوف الأعضاء ، ممن يحبون الثقافة وينتجونها ، وممن يتسلون بالثقافة ويلوكونها .. ثم أن الوقت لا يسعف الكثيرين للوقوف عند هكذا معارف ..!!
على كل حال ،
أنا لم أقرأ كل النصوص ، لكنني اطلعت على الأسماء والعناوين وما حملت من معانٍ وأهداف ، وبطبيعة الحال ، كان لنا في أوقات خلت بعض قراءات ، وشيء من الاطلاع على مثل هذه الثقافة .. لكن أجزم أن الكثيرين لا يملكون جزئيات من الذي قدمته أنت ..
هنا ، أطلب من الأخوة والأخوات أن يعطوا بعض الوقت للقراءة .. فالقراءة هي الزاد ومفتاح المعرفة الكونية ، وهي أمر رباني كان بداية الرسالة النبوية .. فلماذا يبخل الكثيرون على أنفسهم ، ولماذا النكوص عن اكتساب المعارف ..
هل هو زمن السرعة ، أم ثقافة البرغر وسموم الغث الطارئ ..؟!
أيها العزيز ..
جهدك هذا مشكور ، ومقدر .. وتحمد عليه بكل صيغ الثناء .
وقد وفرت علينا مساحات ضخمة من المكان لاقتناء كتب بعينها ..
فحين نقرأ هذه المساهمات الـ 87 حتى اليوم ، إنما نجول في عالمك أنت ، وجهدك أنت ، ووعيك أنت في اختيار نوعها وأهدافها .. فأنت قدمتها على طبقنا ، ونحن نقبل عليها دون عناء .!
وحين تقدم لنا هؤلاء الأعلام في الثقافة المصرية العربية بشكل واضح ، وعدداً من الأعلام في الساحة العربية مثل الانصاري والربيع والدخيل والعتيبي ، إنما تقدم أرشيفاً مهماً شمل التواريخ والمراحل والناس ..
وبشكل شخصي ، قمتُ بأرشفة كل هذه المساهمات إلى حين العودة إليها .. وهذا لا يعني التعليق لكنه التزود بالفكر من كل نتاجات تلك الأسماء ، واستعادة ما مضى من ثقافة جادة هادفة أخلاقية نبيلة ..
عزيزي د/ حسين ..
بارك الله لك هذه الجهود
وحماك لهذه الأمة رافداً لمعرفتها وثقافتها وحريصاً على صحيح عقلها ولغتها ..

حياك الله
...
هنا أقل ما يمكن أن أقدم ، هو واجب تعريف القاري بشخصك الكريم من خلال نبذة قصيرة وجدتها هناك في معلوماتك ..

* معلومات عن د. حسين علي محمد

السيرة الذاتية الإبداعية
-حسين علي محمد حسين.
-من مواليد قرية العصايد، مركز ديرب نجم، محافظة الشرقية، في 5/5/1950م.
-متزوج، وله أربعة أبناء وبنتان.
-حصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب-جامعة القاهرة عام 1972م.
-حصل على الماجستير من كلية دار العلوم-جامعة القاهرة عام 1986م عن رسالته "عدنان مردم بك شاعراً مسرحيا".
-حصل على الدكتوراه عام 1990م من كلية الآداب ببنها-جامعة الزقازيق عن رسالته "البطل في المسرحية الشعرية المعاصرة في مصر".
- أستاذ الأدب الحديث بكلية اللغة العربية بالرياض.
*له أكثر من 40 كتاباً في الإبداع والدراسات الأدبية.
الجنسية/الإقامة
مصري
المؤهل العلمي
دكتوراه
المهنة الحالية
أستاذ

د. حسين علي محمد
08-12-2009, 02:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الاستاذ / د. حسين علي محمد

كل عام وأنت والأسرة الكريمة بألف خير .. في مناسبة عيد الأضحى المبارك ..
أعاد الله عليكم هذه المناسبة بالخير والبركات والعافية والنجاح ..

أيها العزيز ،
وقفت هنا ، لمجرد الاطلاع ... فشعرت بانقباض شديد لأن هذه الثروة لم تلتفت إليها غالبية الأعضاء/ وأنا من بينهم ، سوى قلة قليلة لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة .. فطفقت أندب ادعاءنا بالمعرفة والثقافة ، وكأننا أغلقنا متاريسنا على خشبات أبوابنا واكتفينا بما عندنا من ضحل المعرفة ..!!
ثم سألت نفسي ،
كيف لهذا الرجل الأكاديمي المثقف أن يدرج كل هذه المعرفة تحت عنوان واحد ..؟
ألا تستحق هذه المعارف أن توزع على طاولات القراءة أيها العزيز ، كل مساهمة مستقلة ..؟
نعم ..
لو كنت مكانك لفعلت ..
فالمنتديات يا صاحبي ، فيها صنوف الأعضاء ، ممن يحبون الثقافة وينتجونها ، وممن يتسلون بالثقافة ويلوكونها .. ثم أن الوقت لا يسعف الكثيرين للوقوف عند هكذا معارف ..!!
على كل حال ،
أنا لم أقرأ كل النصوص ، لكنني اطلعت على الأسماء والعناوين وما حملت من معانٍ وأهداف ، وبطبيعة الحال ، كان لنا في أوقات خلت بعض قراءات ، وشيء من الاطلاع على مثل هذه الثقافة .. لكن أجزم أن الكثيرين لا يملكون جزئيات من الذي قدمته أنت ..
هنا ، أطلب من الأخوة والأخوات أن يعطوا بعض الوقت للقراءة .. فالقراءة هي الزاد ومفتاح المعرفة الكونية ، وهي أمر رباني كان بداية الرسالة النبوية .. فلماذا يبخل الكثيرون على أنفسهم ، ولماذا النكوص عن اكتساب المعارف ..
هل هو زمن السرعة ، أم ثقافة البرغر وسموم الغث الطارئ ..؟!
أيها العزيز ..
جهدك هذا مشكور ، ومقدر .. وتحمد عليه بكل صيغ الثناء .
وقد وفرت علينا مساحات ضخمة من المكان لاقتناء كتب بعينها ..
فحين نقرأ هذه المساهمات الـ 87 حتى اليوم ، إنما نجول في عالمك أنت ، وجهدك أنت ، ووعيك أنت في اختيار نوعها وأهدافها .. فأنت قدمتها على طبقنا ، ونحن نقبل عليها دون عناء .!
وحين تقدم لنا هؤلاء الأعلام في الثقافة المصرية العربية بشكل واضح ، وعدداً من الأعلام في الساحة العربية مثل الانصاري والربيع والدخيل والعتيبي ، إنما تقدم أرشيفاً مهماً شمل التواريخ والمراحل والناس ..
وبشكل شخصي ، قمتُ بأرشفة كل هذه المساهمات إلى حين العودة إليها .. وهذا لا يعني التعليق لكنه التزود بالفكر من كل نتاجات تلك الأسماء ، واستعادة ما مضى من ثقافة جادة هادفة أخلاقية نبيلة ..
عزيزي د/ حسين ..
بارك الله لك هذه الجهود
وحماك لهذه الأمة رافداً لمعرفتها وثقافتها وحريصاً على صحيح عقلها ولغتها ..

حياك الله
...
هنا أقل ما يمكن أن أقدم ، هو واجب تعريف القاري بشخصك الكريم من خلال نبذة قصيرة وجدتها هناك في معلوماتك ..

* معلومات عن د. حسين علي محمد

السيرة الذاتية الإبداعية
-حسين علي محمد حسين.
-من مواليد قرية العصايد، مركز ديرب نجم، محافظة الشرقية، في 5/5/1950م.
-متزوج، وله أربعة أبناء وبنتان.
-حصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب-جامعة القاهرة عام 1972م.
-حصل على الماجستير من كلية دار العلوم-جامعة القاهرة عام 1986م عن رسالته "عدنان مردم بك شاعراً مسرحيا".
-حصل على الدكتوراه عام 1990م من كلية الآداب ببنها-جامعة الزقازيق عن رسالته "البطل في المسرحية الشعرية المعاصرة في مصر".
- أستاذ الأدب الحديث بكلية اللغة العربية بالرياض.
*له أكثر من 40 كتاباً في الإبداع والدراسات الأدبية.
الجنسية/الإقامة
مصري
المؤهل العلمي
دكتوراه
المهنة الحالية
أستاذ



شُكراً للأديب المبدع الأستاذ
حسن سلامة
على المُشاركة الجميلة،
وأنا آثرتُ نشرها جميعاً هنا لتكون
بمثابة كتاب يستطيع القارئ أن ينقله
عنده، ويُطالع بعض ما اخترتُه
كلما استطاع أو أتاح له الوقتُ فرصةً
للتمتع.
مع تحياتي وتقديري