رؤى إبراهيم
07-01-2006, 02:17 PM
التقيتها صدفة عند إحدى صديقاتي .. قدمتها لي قائلة : "الأستاذة تغريد" مدرسة لغة عربية سابقاً ، وكاتبة قصص نساء خالدات للصغار . أجبتها وأنا أشد على يدها بحرارة ، وأنظر في عينيها العسليتين الناعستين : "تشرفنا سيدة تغريد" . جلست بجوارها ودار بيننا حديث مطول عن التدريس وصعوباته في هذا الزمن .. زمن التلفاز والكمبيوتر .. زمن الإقتداء بما يبثه التلفاز من عروض مفيدة وسيئة .. وغياب توعية الأهل عن ذلك .. عند هذه النقطة لاحظت ابتسامة خفيفة حزينة ارتسمت على وجه تغريد .. وعينيها تجولان في أرجاء الصالون علهما تجدان نافذة تخرج منها لتخفي دمعة طفرت منهما وهي تحاول جاهدة منعها من الانحدار .. وتدحرجت دمعة من إحدى عينيها على خدها كحبة لؤلؤ، والعين الثانية حبست الدمعة . رسمت تغريد بسرعة على شفتيها ابتسامة رقيقة ناعمة وأخرجت من حقيبتها منديل ورقي مسحت به تلك ألؤلؤة ،وقالت : "هذا الزمن ترين فيه العجب وتسمعين الأعجب ، حيث سأروي لك قصتي في هذه الحياة "
- درست معه في الجامعة في قسم اللغة العربية .. تحاببنا وتعاهدنا على الزواج والوفاء . وكنا صادقين مع بعضنا ومع أنفسنا . بعد حفلة التخرج تقدم لخطبتي وتم الاتفاق بين الأهل على جميع أمور الزواج .. تزوجنا وحققنا كل ما كنا نحلم به من حياة كريمة وحب متبادل وتربية أبناء .. كبر الأبناء وتعلموا وتخرجوا من الجامعات وتزوجوا .. وفرقت بيننا وبين أبنائنا الغربة .. كل منهم سار في طريق تحقيق حلمه .. ولم نمانع في ذلك ،إذ عليهم أن يحققوا حلمهم كما حققناه نحن .
قاطعتها بقولي : " الحمد لله على ما وصلت إليه .. اعتقد أننا سنغار منك ونحسدك على ما أنت عليه من سعادة وهناء .. " . ضحكت ، وضحكت معها ..ثم تابعت "الله يزيدك سعادة وهناء ونحن معك .."
توقفت عن الضحك وقالت بشيء من الحزن : " انتظري لتسمعي النهاية بعد ذلك غاري قدر ما تشائين ..وتمني قدر ما تشائين" .ثم تابعت في سرد قصتها :
- لقد مضى على اشتغالي في التدريس خمسة وعشرون عاما .. وهذه هي المدة المسموح بها في مزاولة التدريس .. باختصار أحلنا أنا وهو على التقاعد في نفس العام ... احترنا.. ماذا نفعل ،كي تستمر الحياة ولا نحتاج لأحد .. اقترحت عليه أن يعمل في إحدى المؤسسات الخيرية .. وأنا أحاول أن أكتب قصص للأطفال .. واحضر رسالة الدكتوراه .. أعجبته الفكرة وكان لنا ذلك ..
أصدرت ستة قصص لاقت رواجاً من قبل الأهل والأطفال ، أما بالنسبة لرسالة الدكتوراه كنا نناقشها مساءً كل يوم ونتبادل الأفكار والآراء حولها .. ..و قبل أسبوع من تقديمها لاحظته صامت، شارد الذهن لم يتعاطى معي كماا في السابق ..كأن هناك شيء يشغله ويعذبه .. قطعت عليه حيرته وصمته ، كأنني أدركت ما يجول في خاطره، فقلت له: " يا أبا الأبناء .. ما رأيك في أن تقدم أنت الرسالة كونك تعمل.. قد تفيدك في مجال عملك .." لم يدعني أنهي كلامي ..كأنه كان ينتظرها، حيث صرخ من الفرح قائلا : " بوركت يا امرأة .. هذا ما كنت أود محادثتك به .. أنا وأنت واحد أليس كذلك ..؟ أجبته بعد استيقاظي من دهشتي : " نعم أنا وأنت واحد .. أنا وأنت واحد منذ ثلاثون عاماً .. ".
وكان له ذلك.. إذ سررت بنيله شهادة الدكتوراه كما لو كنت أنا التي حصلت عليها .. عزمت الأصدقاء ووزعت الحلويات .. وقدمت له الهدايا .. وعشت سعادة نجاحه كأنه نجاحي . ومر عام على ذلك .. وصادف انه اضطر للسفر إلى بلده الأصلي لقضاء بعض الأمور ولم يكن من الضروري سفري معه .. ودعته في المطار بأحلى وداع وأحلى كلام وكذلك هو .. داعبني قائلاً :" تغريد لن أتأخر عليك كثيراً .. لن أقدر على التأخر يا عزيزتي .." شددت على يده وأنا ابتسم وكلي ثقة وفخر بهذا الزوج الرائع .
انقضى شهر على سفره وأنا اعد الأيام والليالي وحيدة في بيتي لا يؤنسني أحد .. أبنائي في الغربة .. ولدي بعض الصديقات الوفيات .. أزورهن في بعض الأوقات .
استيقظت ذات ليلة على رنين جرس الباب .. مذعورة .. يا ساتر .. من الطارق في هذا الوقت من الليل .. السيد لم يخبرني بأنه قادم .. عساه خيراً يا الله .
ذهبت إلى الباب وقلت : "من هناك ..!؟" جاءني صوته : "افتحي يا تغريد أنا السيد .." سررت جداً .. رددت وأنا افتح الباب :"الحمد لله على سلامتك يا سيد .. والله لك وحشة .. والدار خالية من غيرك وأنا غريبة في بيتي من ".. لم استطع أن أكمل جملتي لما رأيت .. رأيت زوجي وبجواره فتاة تبدو في العقد الثالث من العمر، صبية جميلة ممتلئة.. بيضاء .. لم استطع أن أخمن من تكون .. قلت أهلاً وسهلاً بكما .. تفضل يا سيد .. تفضلي يا أختي .. أدخلتهم إلى غرفة الضيوف .. وذهبت إلى المطبخ اعد لهما فنجان من القهوة .. لحق بي السيد .. مداعباً ملاطفاً .. وأنا أسأله من هذه السيدة يا سيد وهو لا يجيب .. من هذه السيدة .. كررت السؤال عدة مرات .. أطرق في الأرض .. وبدأ يلاعب يديه بصمت .. فصمت وأنا أحاول جاهدة أن أخمن من تكون .. زوجة أخيه .. زوجة صديقه .. زوجة ابن عمه .. زوجة أحد يعمل هنا ورافقته في رحلته .. و .. و ....و ... لم استطع أن أصل بتفكيري إلى تخمين ولم أسمع جوابه .. "لماذا أنت صامت يا سيد .. لماذا الصمت ... لماذا الصمت .." نظر إلي وقال: "تغريد ..هذه ..هذه زوجتي .. ولقد تعودت منك السماح والوفاء والإخلاص .. فأرجو منك تقبل ذلك بصدر رحب". كر هذه العبارات بسرعة وكأنه يخاف من هروبها أو من ضميره . جمد الدم في عروقي .. ودار رأسي .. وأصبحت الأفكار والصور .. وشريط حياتنا تمر فيه بسرعة البرق .. ولم أتمكن من التقاط أي صورة .. و استيعاب ما تحدث عنه . . توجهت نحو صنبور الماء ووضعت رأسي الذي أصبحت درجة حرارته "مليون درجة "بمقياسي الشخصي تحته ، أدرت مقبضه المعدني ليتدفق الماء بغزارة عليه عله يخفف من حدة حرارته . ... بقيت على هذه الحال مدة ما ، لا اذكر كم .. ولم يتحرك السيد من موضعه ..
رفعت رأسي .. وبدأ ت قطرات الماء تتسابق في التساقط من شعري على جسدي وعلى الأرض .. والقطرة التي تصل الأرض تتلاشى وتجف .. أحسست بأن حياتي مثل هذه القطرة ..وعلي أن أحميها من الوصول إلى الأرض .. كيف ذلك ..؟!
لم يسعفني تفكيري بالاجابة في تلك اللحظة .. أسرعت إلى غرفة النوم وأغلقت الباب علي ..
وجلست على السرير ... قلبت الأمور في محاولة لتحليلها، دون أن أتمكن من ذلك .. وكل ما بي أصرار شديد على عدم تقبل الأمر .. رغم أن الله سبحانه وتعالى حلل ألزواج من أربعة .. ولكن بشرط .. وهذا الشرط في علاقتي مع السيد غير موجود .. إذاً يا تغريد عليك الخروج من حياة رجل باعك من أجل هواه .. نعم باعك من أجل هواه .. بقيت هذه الكلمة ترن في أذني حتى آذان الفجر .. نهضت وصليت .. حزمت أمتعتي الخاصة .. وخرجت من البيت مقررة عدم العودة إليه .. إذ كيف أعيش باقي حياتي مع رجل خان العشرة وخان المودة التي كانت تربط بيننا .. كيف لي أن أشعر بالهدوء والاطمئنان معه .. لا .. لا يا تغريد .. لديك أبنائك ... لا تخسري كرامتك من أجل رجل .. رجل باعك .. تذكرت حينها قول جدتي الله يرحمها ( الذي يبيعك اليوم يبيعك غداّ ) .
طفرت من عينيها الدموع، حينما ختمت قصتها ، بينما بقيت أنا على صمتي
رؤى
- درست معه في الجامعة في قسم اللغة العربية .. تحاببنا وتعاهدنا على الزواج والوفاء . وكنا صادقين مع بعضنا ومع أنفسنا . بعد حفلة التخرج تقدم لخطبتي وتم الاتفاق بين الأهل على جميع أمور الزواج .. تزوجنا وحققنا كل ما كنا نحلم به من حياة كريمة وحب متبادل وتربية أبناء .. كبر الأبناء وتعلموا وتخرجوا من الجامعات وتزوجوا .. وفرقت بيننا وبين أبنائنا الغربة .. كل منهم سار في طريق تحقيق حلمه .. ولم نمانع في ذلك ،إذ عليهم أن يحققوا حلمهم كما حققناه نحن .
قاطعتها بقولي : " الحمد لله على ما وصلت إليه .. اعتقد أننا سنغار منك ونحسدك على ما أنت عليه من سعادة وهناء .. " . ضحكت ، وضحكت معها ..ثم تابعت "الله يزيدك سعادة وهناء ونحن معك .."
توقفت عن الضحك وقالت بشيء من الحزن : " انتظري لتسمعي النهاية بعد ذلك غاري قدر ما تشائين ..وتمني قدر ما تشائين" .ثم تابعت في سرد قصتها :
- لقد مضى على اشتغالي في التدريس خمسة وعشرون عاما .. وهذه هي المدة المسموح بها في مزاولة التدريس .. باختصار أحلنا أنا وهو على التقاعد في نفس العام ... احترنا.. ماذا نفعل ،كي تستمر الحياة ولا نحتاج لأحد .. اقترحت عليه أن يعمل في إحدى المؤسسات الخيرية .. وأنا أحاول أن أكتب قصص للأطفال .. واحضر رسالة الدكتوراه .. أعجبته الفكرة وكان لنا ذلك ..
أصدرت ستة قصص لاقت رواجاً من قبل الأهل والأطفال ، أما بالنسبة لرسالة الدكتوراه كنا نناقشها مساءً كل يوم ونتبادل الأفكار والآراء حولها .. ..و قبل أسبوع من تقديمها لاحظته صامت، شارد الذهن لم يتعاطى معي كماا في السابق ..كأن هناك شيء يشغله ويعذبه .. قطعت عليه حيرته وصمته ، كأنني أدركت ما يجول في خاطره، فقلت له: " يا أبا الأبناء .. ما رأيك في أن تقدم أنت الرسالة كونك تعمل.. قد تفيدك في مجال عملك .." لم يدعني أنهي كلامي ..كأنه كان ينتظرها، حيث صرخ من الفرح قائلا : " بوركت يا امرأة .. هذا ما كنت أود محادثتك به .. أنا وأنت واحد أليس كذلك ..؟ أجبته بعد استيقاظي من دهشتي : " نعم أنا وأنت واحد .. أنا وأنت واحد منذ ثلاثون عاماً .. ".
وكان له ذلك.. إذ سررت بنيله شهادة الدكتوراه كما لو كنت أنا التي حصلت عليها .. عزمت الأصدقاء ووزعت الحلويات .. وقدمت له الهدايا .. وعشت سعادة نجاحه كأنه نجاحي . ومر عام على ذلك .. وصادف انه اضطر للسفر إلى بلده الأصلي لقضاء بعض الأمور ولم يكن من الضروري سفري معه .. ودعته في المطار بأحلى وداع وأحلى كلام وكذلك هو .. داعبني قائلاً :" تغريد لن أتأخر عليك كثيراً .. لن أقدر على التأخر يا عزيزتي .." شددت على يده وأنا ابتسم وكلي ثقة وفخر بهذا الزوج الرائع .
انقضى شهر على سفره وأنا اعد الأيام والليالي وحيدة في بيتي لا يؤنسني أحد .. أبنائي في الغربة .. ولدي بعض الصديقات الوفيات .. أزورهن في بعض الأوقات .
استيقظت ذات ليلة على رنين جرس الباب .. مذعورة .. يا ساتر .. من الطارق في هذا الوقت من الليل .. السيد لم يخبرني بأنه قادم .. عساه خيراً يا الله .
ذهبت إلى الباب وقلت : "من هناك ..!؟" جاءني صوته : "افتحي يا تغريد أنا السيد .." سررت جداً .. رددت وأنا افتح الباب :"الحمد لله على سلامتك يا سيد .. والله لك وحشة .. والدار خالية من غيرك وأنا غريبة في بيتي من ".. لم استطع أن أكمل جملتي لما رأيت .. رأيت زوجي وبجواره فتاة تبدو في العقد الثالث من العمر، صبية جميلة ممتلئة.. بيضاء .. لم استطع أن أخمن من تكون .. قلت أهلاً وسهلاً بكما .. تفضل يا سيد .. تفضلي يا أختي .. أدخلتهم إلى غرفة الضيوف .. وذهبت إلى المطبخ اعد لهما فنجان من القهوة .. لحق بي السيد .. مداعباً ملاطفاً .. وأنا أسأله من هذه السيدة يا سيد وهو لا يجيب .. من هذه السيدة .. كررت السؤال عدة مرات .. أطرق في الأرض .. وبدأ يلاعب يديه بصمت .. فصمت وأنا أحاول جاهدة أن أخمن من تكون .. زوجة أخيه .. زوجة صديقه .. زوجة ابن عمه .. زوجة أحد يعمل هنا ورافقته في رحلته .. و .. و ....و ... لم استطع أن أصل بتفكيري إلى تخمين ولم أسمع جوابه .. "لماذا أنت صامت يا سيد .. لماذا الصمت ... لماذا الصمت .." نظر إلي وقال: "تغريد ..هذه ..هذه زوجتي .. ولقد تعودت منك السماح والوفاء والإخلاص .. فأرجو منك تقبل ذلك بصدر رحب". كر هذه العبارات بسرعة وكأنه يخاف من هروبها أو من ضميره . جمد الدم في عروقي .. ودار رأسي .. وأصبحت الأفكار والصور .. وشريط حياتنا تمر فيه بسرعة البرق .. ولم أتمكن من التقاط أي صورة .. و استيعاب ما تحدث عنه . . توجهت نحو صنبور الماء ووضعت رأسي الذي أصبحت درجة حرارته "مليون درجة "بمقياسي الشخصي تحته ، أدرت مقبضه المعدني ليتدفق الماء بغزارة عليه عله يخفف من حدة حرارته . ... بقيت على هذه الحال مدة ما ، لا اذكر كم .. ولم يتحرك السيد من موضعه ..
رفعت رأسي .. وبدأ ت قطرات الماء تتسابق في التساقط من شعري على جسدي وعلى الأرض .. والقطرة التي تصل الأرض تتلاشى وتجف .. أحسست بأن حياتي مثل هذه القطرة ..وعلي أن أحميها من الوصول إلى الأرض .. كيف ذلك ..؟!
لم يسعفني تفكيري بالاجابة في تلك اللحظة .. أسرعت إلى غرفة النوم وأغلقت الباب علي ..
وجلست على السرير ... قلبت الأمور في محاولة لتحليلها، دون أن أتمكن من ذلك .. وكل ما بي أصرار شديد على عدم تقبل الأمر .. رغم أن الله سبحانه وتعالى حلل ألزواج من أربعة .. ولكن بشرط .. وهذا الشرط في علاقتي مع السيد غير موجود .. إذاً يا تغريد عليك الخروج من حياة رجل باعك من أجل هواه .. نعم باعك من أجل هواه .. بقيت هذه الكلمة ترن في أذني حتى آذان الفجر .. نهضت وصليت .. حزمت أمتعتي الخاصة .. وخرجت من البيت مقررة عدم العودة إليه .. إذ كيف أعيش باقي حياتي مع رجل خان العشرة وخان المودة التي كانت تربط بيننا .. كيف لي أن أشعر بالهدوء والاطمئنان معه .. لا .. لا يا تغريد .. لديك أبنائك ... لا تخسري كرامتك من أجل رجل .. رجل باعك .. تذكرت حينها قول جدتي الله يرحمها ( الذي يبيعك اليوم يبيعك غداّ ) .
طفرت من عينيها الدموع، حينما ختمت قصتها ، بينما بقيت أنا على صمتي
رؤى