مشاهدة النسخة كاملة : الدكتور حلمي محمد القاعود


د. حسين علي محمد
26-11-2009, 01:27 PM
د. حلمي محمد القاعود
--------------------------

أ.د. حلمي محمد القاعود

ولد في قرية المجد ـ محافظة البحيرة في جمهورية مصر العربية عام 1946م.
*حصل على شهادة الدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة عام 1985.‏
*عضو هيئة التدريس في كلية الآداب بجامعة طنطا (قسم اللغة العربية).‏
*رئيس قسم اللغة العربية بآداب طنطا (سابقاً)
*عَمِلَ أستاذاً مشاركاً بكلية المعلمين بالرياض (1989 ـ 1990م).
*حاز على جائزة المجمّع اللغوي بالقاهرة 1968 وجائزة المجلس الأعلى للثقافة 1974م.
*عمل رئيساً لقسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة طنطا (2000-2004م).
*له العديد من المؤلفات المطبوعة في الإسلاميات والأدب والعلوم، منها:
**في الإسلاميات:
1-مسلمون لا نخجل.
2-حراس العقيدة.
3-الحرب الصليبية العاشرة.
4-العودة إلى الينابيع.
5-الصلح الأسود: رؤية إسلامية لمبادرة السادات والطريق إلى القدس.
6-ثورة المساجد .. حجارة من سجيل.
7-هتلر الشرق.
8-جاهلية صدام وزلزال الخليج.
9-أهل الفن وتجارة الغرائز.
10-النظام العسكري في الجزائر.
11-.. واسلمي يا مصر.
12-حفنة سطور.
13-التنوير: رؤية إسلامية.
14-دفاعاً عن الإسلام والحرية
في الإعلام:
1-الصحافة المُهاجرة.
في الأدب والنقد:
1-الغروب المستحيل (سيرة الروائي محمد عبد الحليم عبد الله).
2-رائحة الحبيب (مجموعة قصصية).
3-الحب يأتي مُصادفة (رواية).
4-مدرسة البيان في النثر الحديث.
5-موسم البحث عن هوية (دراسات في القصة والرواية)
6-محمد (ص) في الشعر العربي الحديث.
7-القصائد الإسلامية الطوال في الشعر الحديث.
8-الرواية التاريخية في أدبنا الحديث: دراسة تطبيقية.
9-الحداثة تعود.
10-الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر.
11-لويس عوض: الأسطورة والحقيقة.
12-الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني.
13-الرواية الإسلامية المعاصرة: دراسة تطبيقية.
14-حوار حول الرواية في مصر وسورية.

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 01:29 PM
قراءة في كتاب «الصحافة المُهاجرة»
للدكتور حلمي محمد القاعود

بقلم:أ.د. حسين علي محمد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في 190 صفحة من القطع المتوسط صدرت عن دار الاعتصام بالقاهرة الطبعة الثانية من كتاب الناقد المعروف الدكتور حلمي محمد القاعود "الصحافة المُهاجرة: دراسة وتحليل، رؤية إسلامية"، وكانت الطبعة الأولى قد صدرت منذ ثمانية أعوام عن الدار نفسها.
ويقع الكتاب في أربعة أبواب تتناول ظاهرة الصحافة العربية المغتربة؛ حيث صدر الكثير من الصحف والمجلات العربية في باريس ولندن وقبرص … وغيرها.
ويرى المؤلف أنّ أصحاب هذه الصحف والمجلات هاجروا بها، أو أنشأوها، بعد الحرب اللبنانية الأهلية في منتصف السبعينيّات. ويرى أنه كان من المنتظر أن تُعالج هذه الصحف قضايا العرب والمسلمين بحيدة وانتصاف، ولكن كيف يتم ذلك، والظاهرة "كانت في المحل الأول تجارية تقوم لدى كثير من أطرافها على لعبة محرّمة وآثمة، إنها لعبة العمل لحساب من يدفع، والدفاع عنه بالباطل، وتزداد حرارة الدفاع كلما ازداد مقدار الدفع، ثم إن كثيراً من أطراف اللعبة لم يكونوا بمعزل عن التلوث الفكري والعقدي، بل كانوا قادةً وروّاداً في هذا المجال، وكان رائدهم الأول وهدفهم النهائي هو تلويث الإسلام، وتشويه الصحوة الإسلامية لحساب جهـات شتى، مع تقنين الطغيان في العالم العربي، وتكريس الاسـتبداد والقهر، وتجميل الوجوه القبيحة في عالم الفكر والسياسة. (ص143).
ولقد أضاف المؤلف إلى هذه الطبعة الباب الرابع ( ص ص143-179)، وهذا الباب عنوانه "بعد ثماني حجج"، يُثبت فيه الكاتب بالوثائق كيف كانت دعاواه صادقة في طبعة الكتاب الأولى، فهذا صاحب إحدى المجلات الأسبوعية ـ التي مازالت تصدر في باريس ـ يقول أثناء أزمة الكويت 1990م "وأعرف أنَّ هناك من سيُعيِّرني بأن لحـم كتفيَّ من العراق، ولن أتردّد في القول: نعم، هذا صحيح" (ص154).
لا نستطيع في هذه الزاوية أن نتناول كل زوايا ظاهرة الصحافة المُهاجرة: النشأة، والانحراف العقدي، والاستمرار في هذا الطريق الطويل الموحل، ولماذا استمرّت؟ وهل ستستمر في المستقبل؟
يكفينا ـ في النهاية ـ أن نقول: هذا كتاب جدير بالقراءة، ونرشحه لمكتبتك.

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 01:32 PM
حوار مع الناقد الإسلامي الكبير الدكتور حلمي محمد القاعود
«الحب يأتي مصادفة» أذاقتني طعم السعادة

حاوره: أ.د. حسين علي محمد

(القسم الأول)
"حلمي محمَّد القاعود" اسم يعرفه العاملون على الساحة الإسلامية، كما يعرفه خصوم الإسلام من المثقفين العرب أيضاً، هو حاضر في أذهان الجميع بما يكتبه من آراء جريئة، وأفكار قوية، ومقالات حادة لا تعرف المراوغة أو المداورة.
في المجال الأدبي، هو ناقد أصيل وكبير. منذ بداياته، وصفه الأديب الكبير "وديع فلسطين" في مجلة "الثقافة" التي كانت تصدر في السبعينيات من القرن الماضي بأنه أفضل النقاد الشبان، وفي عام 1968م فاز في مسابقة مجمع اللغة العربية، التي كان يتنافس عليها كبار الأدباء والكتَّاب، وكان عمره آنذاك لا يزيد عن الثانية والعشرين، وفي عام 1974م فاز في مسابقة "يوم الأرض" الخاص بالشعب الفلسطيني ببحث عن شعراء المقاومة الفلسطينية، وهي المسابقة التي كان يقيمها المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة الآن).
ومع أنه يقف من المؤسسة الثقافية موقفاً مخالفاً؛ فقد رأت أنه لا بدَّ من تكريمه بوصفه أبرز أدباء محافظة البحيرة، وذلك في مؤتمر أدباء مصر الذي انعقد بمدينة دمنهور عام 1998م، وأهدته درع التفوق.
في حياته الجامعية، يمثِّل صورة للأستاذ الجامعي الجاد، الصارم من غير قسوة، الحازم في غير شدة، وخاصة في مجال الدراسات العليا، حيث يأخذ طلابه بالعمل الدؤوب، والبحث المستمر، والاهتمام بالجزئيات مثل الاهتمام بالكليات، وهو كذلك أيضاً في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، حيث تكون مناقشاته ـ كما شهد زملاؤه وطلابه ـ درساً تطبيقياً وعملياً، يعلِّم الطالب كيف يصل ببحثه إلى التفرد والإضافة.
"القاعود" صدر له مؤخراً كتاب مهمّ يعدُّ مرجعاً في بابه، هو "الرواية التاريخية في أدبنا الحديث" عن هيئة قصور الثقافة في أكثر من ستمائة صفحة، وصدر عنه كتاب في سلسلة "أصوات معاصرة" بعنوان: "نحو أدب إسلامي: قراءة في رواية "الحب يأتي مصادفة" من تأليف "ثروت مكايد عبد الموجود"، كما صدر له كتاب ثالث بعنوان: "الإسلام في مواجهة الاستئصال"، وكانت هذه الإصدارات، بعد فترة انقطعت فيها إصداراته الأدبية والفكرية، مدخلنا إلى لقائه وسؤاله عن أثر صدور هذه الكتب بالنسبة له فقال:
ـ في الحقيقة، فإنني ـ مع ظروفي الصحية المضطربة كما تعلم ـ لم أتوقف أبداً عن القراءة والكتابة، إلا لضرورة قاهرة، وطوال السنوات الست الماضية، صدرت لي بعض الكتب القليلة، منها كتاب "دفاعاً عن الإسلام والحرية" عن دار الاعتصام، وكتاب "حوار بين الرواية في مصر وسورية"، وقبلهما صدر كتاب "الرواية الإسلامية المعاصرة"، كما صدر كتاب "الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة" عن الانتفاضة الثانية، ولديَّ بعض المخطوطات لكتب أخرى، ولكن تصفية دار النشر، التي كانت تنشر لي باستمرار، لأسباب مالية، فضلاً عن تراجع سوق الكتاب، وعزوف الناشرين عن الكتب الأدبية، أو الكتب التي لا تدرّ ربحاً كبيراً، أو الكتب التي لا تعبِّر عن وجهة نظرهم، جعلني استرخي في البحث عن ناشر يعوِّض ناشري الأول، وكما تعلم فالمؤسسة الثقافية الرسمية لا تنشر لأمثالي؛ لأنَّها تريد كتَّاباً بمواصفات خاصة، لا تتعلق بالكتابة أو الموضوع، وهي مواصفات لا تتحقق في شخصي..
بالطبع نشر الكتب السابقة في أواخر العام الفائت أسعدني للغاية؛ لأنَّ ما كتبته يصل إلى الناس وقد يؤثر في بعضهم، أو يثير لديه الرغبة في مناقشة قضايا أدبية أو ثقافية أو فكرية بصفة عامة، ولا أخفي أن الكتاب الذي ظهر عن روايتي "الحب يأتي مصادفة" أدهشني، فقد أعادني إلى ما يقرب من أربعين عاماً، كنت أكتب القصة القصيرة والمسرحية والرواية بمفهوم إسلامي قبل أن تظهر الدعوة إلى الأدب الإسلامي من خلال رابطته العالمية. الأكثر إدهاشاً أن الكاتب "ثروت مكايد" الذي قرأ روايتي وكتب مؤلفه حولها، أعاد إلى نفسي الثقة في كتابة الرواية مرة أخرى، فقد قرأها بحب شديد، ووجه إليها بعض الانتقادات السلبية، ولكنه أبرز جوهرها وإيجابياتها بطريقة رائعة، ومن المفارقات، أنَّ اليساريين شنوا حملة ضارية على هذه الرواية إبَّان ظهورها في مجلتهم التي كانت تسمَّى "الطليعة"؛ لأنَّ أحد شخوصها ـ أي الرواية ـ كان يسارياً فاشلاً ومتهافتاً .. ومع ذلك فقد أشارت صحف عديدة في مقدمتها "الأهرام" بالرواية، واحتفت بها حفاوة شديدة، ولكن كتاب "ثروت" أذاقني طعم السعادة بطريقة أفضل.
ومن خلال هذه الإجابة، وبمناسبة إشارة الدكتور "القاعود" إلى المؤسسة الثقافية، سألناه:
ولكن يا دكتور، كتابك "الرواية التاريخية" الذي صدر مؤخراً نشرته المؤسسة الثقافية الرسمية "هيئة قصور الثقافة".. فلماذا تأخذ موقفاً ـ لا أقول معادياً، ولكن مخالفاً لهذه المؤسسة؟
أجاب بهدوء:
ـ تعلم أنَّ المؤسسة تأخذ مني ومن كل المنتمين إلى الإسلام منهجاً وتطبق موقفاً معادياً، فالفريق المهيمن عليها ممَّن يسمَّون باليسار، أو اليسار المتأمرك لا يحبون الإسلام، فهم الآن أكثر ولاء للولايات المتحدة وخططها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وقد تأصلت لديهم كراهية الإسلام شكلاً وموضوعاً منذ قام "هنري كورييل" الصهيوني بتشكيل أول حزب شيوعي فعَّال في مصر فترة الأربعينيات من القرن الماضي. وهذه المجموعة في سيطرتها على نشر الكتب أو المجلات أو الصحف، أو على الإدارات الثقافية المختلفة، لا تفتح المجال إلا أمام التابعين لها فكراً وسلوكاً، أو اللائذين بها من أصحاب المصالح والمنافع، وأنا لست من هؤلاء بالتأكيد.. وقد نشرتُ عشرات المقالات في الصحف المصرية منذ أوائل التسعينيات ـ كما تعلم ـ لكشف أوجه القصور والفساد في حركة هذه المؤسسة، وسأضرب لك مثالاً واحداً: كيف تقبل بوصفك مواطناً أياً كان انتماؤك ـ أن تحتفل باحتلال وطنك على يد الغزاة الأجانب؟ إنَّ المؤسسة الثقافية جعلت احتلال نابليون لمصر مناسبة للاحتفال، وغطت على الجريمة بالقول: إنَّها علاقات ثقافية.. يعني إيه؟ إني لا آخذ موقفاً مخالفاً أو معادية من المؤسسة.. بل هي التي تتخذ موقفاً معادياً من الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية.
بخصوص كتابي، فقد ظلَّ في الهيئة التي نشرته أكثر من تسعة أعوام، وقال بعض الموظفين الرسميين إنه لن ينشر "ولو على جثته"، وقد اضطررت لخوض معركة ثقافية طويلة المدى، حتى تدخل بعض الفضلاء لنشر الكتاب، وتم نشره بعد السنوات التسع! قارن ذلك بالكتب التي يتم تجميعها لكتَّاب السلطة ـ وهي عبارة عن مقالات رديئة لا فكر فيها ولا جهد ولا موهبة ـ وتنشر بأخطائها وخطاياها، ويكافأ أصحابها بمكافآت ضخمة.
*إذاً القضية هي قضية موقف، وصراع بين اتجاهات فكرية؟
ـ بالتأكيد هي كذلك في جانب مهم منها، ولكن الجانب الآخر يعبِّر عن جانب سلوكي، يرتبط بالانتهازية الرخيصة التي يمارسها البعض، ويفرض على الآخرين أن يمارسوا النفاق والتملق كي يستفيدوا من المؤسسة الرسمية، وعليك أن تتذكر أنَّ قيادات المؤسسة تنتمي إلى اليسار المتأمرك الذي جعل همَّه التشويش على الإسلام وتصوراته، بل واستئصاله إذا استطاع، وأظنك تذكر ما جرى في مؤتمر التحديات الثقافية الذي انعقد في أول يوليو 2003م تحت رعاية وزارة الثقافة، وما قيل في هذا المؤتمر من رفض للإسلام، والدعوة إلى العلمانية.
* لكن، ما هو تقويمك للواقع الثقافي الآن، والواقع الأدبي بصفة خاصة؟
ـ لعلي فيما سبق من كلامي أشرت إلى رأيي بصفة عامة في الواقع الثقافي والأدبي، إنه باختصار واقع فاسد؛ لأنَّه يحارب الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية، ويدعو إلى الثقافة الاستعمارية وخاصة في جوانبها السلبية، تسليع المرأة، تفتيت الأسرة، رفض التشريع الإسلامي في الأحوال الشخصية، الدعوة إلى الإباحية، رفض وجود ثوابت في الإسلام، محاربة الحجاب، الدعوة إلى التبعية للغرب الرأسمالي، تصفية القضية الفلسطينية لحساب العدو النازي اليهودي، التقليل من قيمة القدس العتيقة، التشهير بالجهاد والحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين، الدعوة إلى إخراج التصور الإسلامي عن مجال القضية الفلسطينية.. وهكذا..
وفي المجال الأدبي، يتم الإلحاح على قضيتين أو مسألتين: الأولى: الترويج للإباحية في الأعمال الإنشائية، والأخرى: التشجيع على الطعن في المقدسات الإسلامية بحجة كسر "التابوهات"، وسوف نلاحظ أنهم لم يقتربوا من "تابو" السياسة أبداً؛ لأنهم يعرفون المصير الذي ينتظرهم! لذا لم نر أدباً تنشره المؤسسة الرسمية ذا قيمة في الأغلب الأعم.
حتى مكتبة الأسرة فرَّغوها من مضمونها، ونشروا كتباً معظمها تافه أو محدود القيمة، لتحقيق أغراض شخصية، أما الكتب الجيدة والمهمة فقد كانت قليلة، ولجؤوا أحياناً إلى تشويه بعضها، بالحذف، كما جرى لكتاب "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي.
ولا تنس أنهم في مجال النقد الأدبي ألحوا على مذاهب الحداثة وما بعدها مثل البنيوية والتفكيكية والشكلانية والنسوية والنقد الثقافي، وهي بنت بيئتها التي لا تتلاءم مع أدبنا وظروفنا، وتغتال المعنى اغتيالاً تاماً في معظمها لحساب ثقافة وحشية مدمرة، ولعلك قرأت كتاب "الخروج من الـتيه" ـ دراسة في سلطة النص ـ لعبد العزيز حمودة، الذي صدر قبل شهور في سلسلة "عالم المعرفة"، إنه يفضح هذه النظريات ويكشف تهافتها وتهافت من يروّجون لها في واقعنا الثقافي، الذي صار فاسداً في مجمله، غريباً عن فطرة الشعب والأمة جميعاً.
وبهذه المناسبة سألنا الدكتور "القاعود":
* كنتم ممن هاجم "الحداثة"، وأصدرتم كتيباً حولها، فما رأيكم الآن فيما صارت إليه الحداثة التي يتنافس حول ترويجها الآن بعض الكتَّاب والنقاد؟
ضحك الدكتور القاعود، وأجاب:
ـ لقد انتهت الحداثة منذ زمان يا دكتور، وانتهى ما بعد الحداثة، وها هي العولمة تدق الأبواب من جديد لتعيد سيرة الاستعمار الصليبي العسكري الذي توارى مع منتصف القرن الماضي، ففيم يتنافسون الآن؟ اسمع: هناك بعض الناس حتى الآن لا يعرفون معنى الحداثة، ويفهمونها على أنها تعني التجديد، والتجديد مطلوب في كل زمان ومكان؛ لأنَّه التطور الطبيعي للأشياء وفق سنن الله التي فطر الناس عليها، ولكن الحداثة التي يريدون استنباتها في بلادنا العربية المسلمة تعني الانقطاع، أي ترك الدين والتاريخ والعادات والتقاليد..الخ، وبناء عالم جديد يقوم على التجربة والواقع، وعلى الحداثي أن يخطّ طريقاً جديداً بعيداً عن الوحي والمواريث مهما كانت مقدسة! أي لا مكان للإله ولا للعقيدة الدينية، وقد نشأت نظريات ما بعد الحداثة لتجعل الفرد هو سيّد نفسه في كل شيء، وخاصة إذا كان أوربياً أو أمريكياً، وها هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تؤكد على نظريات جديدة تنسف ما سبق، وتعلن جهاراً نهاراً أنَّ العالم قرية واضحة، يجب أن يخضع كلّ من فيها لهيمنة القوة التي تملك المال والسلاح ووسائل الاتصال، كما يجب أن تفتح أبواب الدول والعواصم لمنتجات هذه القوة دون رسوم أو جمارك أو حوائل، وإلا فالعصا الغليظة كفيلة بتأديب من يقف في مواجهتها، والذرائع ملقاة في الطريق: أسلحة الدمار الشامل، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد الحر، معاداة السامية، دعم الإرهاب.. والعراق وأفغانستان من أوضح الأمثلة والنماذج التي ترفع أمام كل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز حدوده.
الذين يتنافسون حول الحداثة الآن إما غير فاهمين لمعناها الحقيقي، أو بسطاء يتعاركون حول السراب! وقد انتهت الحداثة، وما بعد الحداثة، ودخلنا في عصر جديد! لن يبقى فيه إلا من يحافظون على هويتهم ويفتدونها بالدم والدموع والعمل والإيمان.
*سؤال آخر.. يرتبط بهذا الموضوع، وهو النقد السائد في الساحة الأدبية، هناك من يقول بأزمة خانقة في النقد تسيطر على الساحة بأسرها، فهل ترى حقاً أنَّ هناك أزمة نقدية؟
ـ إذا أدركنا الخلل الذي يحكم الحياة الأدبية بصفة عامة، استطعنا أن نقول إنَّ هناك أزمة نقدية حقيقية، فالفساد الذي يخيِّم على الواقع الأدبي، من خلال المؤسسة الرسمية، حوَّل الأدباء إلى جماعات وشلل متنافسة، ليس على الإبداع أو خدمة الثقافة، وإنما على المغانم والمكاسب التي يمكن جنيها من هذه الجهة أو تلك، ومن ثم فقد روَّجت كل "شلة" لأعضائها، ووجدت النقاد الخاصين بها، وهم عادة نقاد يكتبون بلغة غير مفهومة، ولكنها دائماً تكرس أعمال الشلة، وترفعها إلى أعلى عليين.. من ليست له شلة أو جماعة لن يذكره أحد، فضلاً عن أن ينقده، وبعض الأدباء تحوَّل إلى رجل علاقات عامة ليسوّق أعماله أو كتاباته لدى الصحف وأجهزة الدعاية من تلفزة وإذاعة وندوات ومحاضرات وغيرها، ويستكتب النقاد ـ خاصة في الصحافة ـ الذين يملكون مساحات أو نوافذ دائمة.. الأغلبية التي لا تملك القدرة على العلاقات العامة، ماتت كمداً وحسرة، وخاصة إذا كانت ذات توجه إسلامي واضح.
وقد رأيت ما جرى بالنسبة لجيلكم، حيث سيطر "الهالوك" على مرافق النشر والنقد والدعاية، ولكن النتيجة كما توقعت أنهم ذهبوا، ولم يبق من آثارهم شيء، وبقى "الورد" هو الأقدر على التعبير، والأقدر على الإنشاد، مع أنه كان ضعيف الصلة بالمؤسسة الرسمية والجماعة أو الجماعات المهيمنة عليها.
* أعدتنا إلى "الورد والهالوك" كتابك الذي أحدث ضجة كبيرة عند صدوره، وتناولت فيه فريقين من شعراء السبعينيات أحدهما سمَّيته فريق الأصالة، والآخر فريق الهالوك أو المتسلقين.. ترى ما هو تقويمك الآن لما وصلت إليه في هذا الكتاب؟ وهل يمكن أن تقدم كتاباً يثير قضية مماثلة؟
ـ كتاب "الورد والهالوك" من الكتب التي كتبتها بدمي إن صحَّ التعبير، فكل جملة، بل كل كلمة، بل كل حرف، كان وراءه فكري وأعصابي ودمي، وقد واجهت تياراً هادراً يملك كل شيء، الصحافة والإذاعة والتلفزة والمؤسسة الثقافية بكتبها ومجلاتها وصحفها، وندواتها ومحاضراتها وجوائزها، ونقادها ومؤتمراتها، وكان الترويج لأفراد هذا التيار لا يتم داخل الحدود وحسب، ولكنه كان يتجاوزها إلى أرجاء العالم العربي والصحف والمجلات ودور النشر في لندن وباريس وقبرص، وتاهت الحقائق، وضاع الفن، ووسط الضجيج الصاخب الذي يروِّج لشعر يخلو من مقومات الشعر شكلاً وموضوعاً، بل تعدى إلى إهدار كل قيمة مضيئة فنياً وإنسانياً، في الوقت الذي تقوم فيه كوكبة من الشعراء على امتداد قرى مصر ومدنها الصغيرة بدور صامت في التعبير عن هموم الأمة من خلال فن جميل أصيل متجدد، دون أن يلتفت إليها أحد، أو يقدرها أحد.. وهنا كان دوري لأواجه التيار وأسبح ضده، وأنشر الحقيقة، وقلت رأيي واضحاً وصريحاً وجريئاً بفضل الله، وصحَّ كل ما توقعته.. واليوم لم يبق إلا شعراء الأصالة.. أمَّا الهالوك فقد جفَّ وأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً.
تسألني: هل أستطيع أن أقدم اليوم كتاباً آخر مثل "الورد والهالوك"، أقول لك: بعون الله أستطيع، بل إني أقدم بالفعل، ولكن في مجال الرواية ذات المنظور الإسلامي، حيث أكتب عن كتَّابها المهمَّشين وأقدمهم إلى الناس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولعلك تذكري كتابي "الرواية الإسلامية المعاصرة" الذي قدَّمت فيه شباباً ممتازاً يكتبون الرواية الإسلامية باقتدار، من المغرب وفلسطين وغيرها، وهناك كتاب جديد، أسأل الله أن يظهر قريباً، قدمت فيه أصواتاً روائية إسلامية جديدة أيضاً.. ثم إني أواجه "الرواية المضادة" التي تعادي التصور الإسلامي وتدعو إلى ثقافة بديلة عن الثقافة الإسلامية، ولعلّ ذلك يظهر مستقبلاً ـ إن شاء الله ـ في كتاب..
إني أحاول دائماً أن أضع يدي على الحقيقة، ولا أعبأ بالضريبة التي أدفعها.. المهم أن يكون هناك رأي فني مخلص، ولتكن النتائج ما تكون.
(يتبع)

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 01:34 PM
(القسم الثاني)
* لعل هذا يقودنا إلى سؤال عن الأدب الإسلامي، هل أنت راضٍ عمَّا يقدَّم من نماذج أدبية للأدباء الإسلاميين، وعن مستوى الأدب الإسلامي بصفة عامة؟
ـ هذا السؤال جيد للغاية، فهناك من يشنِّع على الأدب الإسلامي، بل هناك من ينفي وجوده أصلاً، ولعل أكثر المقولات رواجاً في هذا السياق، أنَّ الأدباء الإسلاميين لم يكتبوا أدباً، وإنما كتبوا كلاماً وعظياً يصلح للمنابر فقط! ولكن الحقيقة غير ذلك. الأدب الإسلامي شعراً ونثراً موجود، وله نماذجه الجيدة والجميلة، وهي تفوق ـ من وجهة نظري ـ كثيراً من النصوص التي يكتبها الآخرون، ولكن المشكلة أنَّ هذه النماذج قليلة نسبياً في الشعر، وقليلة إلى حدّ الندرة في الفنون السردية، القصة القصيرة والرواية والمسرحية، مع أنَّ هذه الفنون هي الأكثر رواجاً الآن، ويتقبلها الناس بصورة ملحوظة.
قبل سنوات، كانت الفنون السردية الإسلامية شبه غائبة، ولكن مسابقات رابطة الأدب الإسلامية العالمية أحدثت تطوراً جيداً في هذا المجال، فقد أفصحت المسابقات عن كتابٍ مستواهم جيد في كتابة الرواية الإسلامية، وقصص الأطفال، ويبقى أن تعلن الرابطة عن مسابقات في المسرح الإسلامي، وتكرر مسابقاتها في مجالات الرواية وقصص الأطفال والقصة القصيرة؛ لأنَّ المسابقات تكشف المواهب المخبوءة، وتشجع المواهب الراسخة، وتساعد بصفة عامة على زيادة الإنتاج الأدبي، وخاصة في المجال السردي.
الأمور تتطور بشكل عام، والأدباء الإسلاميين يجوِّدون أدواتهم، ويسعون إلى الأفضل، وأتوقع في السنوات العشر القادمة ـ إن شاء الله ـ أن يكون لدينا وفرة في الإنتاج الأدبي الإسلامي شعراً ونثراً.
* بالمناسبة، ما تقويمك لدور رابطة الأدب الإسلامي العالمية؟
ـ الرابطة حدث مهم، جاء مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري ونهايات القرن الرابع عشر، ودورها مهم في تجديد الأدب العربي بصفة عامة، فهي تعيده إلى طبيعته التي ظلَّ عليها إلى مطلع العهد الاستعماري في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث تغيَّرت طبيعة الأدب العربي القائمة على التصور الإسلامي، إلى احتضان تصورات غربية مادية بعيدة عن روح الإسلام ومقاصده. وإذا عرفنا أنَّ المسلمين في عصرنا يعيشون الاضطهاد في أسوأ أنواعه على الصعيدين الخارجي والداخلي، وأنَّ الإسلام يعدُّ خطراً داهماً على المستعمرين الغزاة والمستبدين الطغاة، ويقرنونه بالإرهاب والإظلام، لدرجة أنَّ تجار المخدرات واللصوص الكبار والقوادين والعاهرات والقتلة والمفسدين؛ يلقون معاملة أفضل من دعاة الإسلام وأنصار تطبيقه في الحياة العامة.. إذا عرفنا ذلك فإنَّ وجود الرابطة في هذه المرحلة بدعوتها إلى الأدب الإسلامي يعدُّ أمراً مهماً، لأنَّها تمثل حائط صدّ يدفع بقدر طاقته عن هوية الأمة، ويسعى، ولو بخطوات محدودة، إلى نشر صور التسامح الإسلامي من خلال النماذج الأدبية الإسلامية.
إنَّ البعض يطلب من الرابطة ما يطلبه من مؤسسة حكومية ذات إمكانات كبيرة، وهذا أمر فوق الطاقة؛ لأنَّها تملك إمكانات محدودة للغاية، ومع ذلك تنشر مجلة فصلية، وتقيم الندوات والمؤتمرات في إطار قدراتها، وتستفيد من المقترحات والرؤى التي يطرحها المخلصون في الساحة الأدبية، والأيام كفيلة ـ إن شاء الله ـ بدفعها إلى الأمام خطوات أسرع وأفضل.
*نريد أن نتوقف عند الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي، وبصفتك واحداً من العاملين المستقلين في هذا المجال، بما تنشره من مقالات أسبوعية وشهرية عديدة، وما تؤلفه من كتب ودراسات في المجال الإسلامي.. فما هو الصورة التي تراها الآن؟ وما مآخذك عليها؟
ـ لا ريب أنَّ الإسلام هو محور حياة الأمة، شاء البعض أو أبى، والإسلام في صورته العملية التطبيقية يقود الأمة إلى الخير ـ إن شاء الله ـ لو أحسن التطبيق، وتمثَّل الناس روحه وجوهره، ولم يتوقفوا عند الشكل الخارجي أو المظاهر العامة فحسب. إنَّ العبادات وخاصة الصلاة مطلوبة، لتكون ـ في حال الإخلاص ـ صلة دائمة تصل العبد بربه وخالقه وسيد الكون بلا منازع. هذه الصلة هي التي تحرِّك الجماهير لبناء الحضارة وتنمية الموارد وتحسين الواقع الاجتماعي ومواجهة الأخطار وتحقيق الأمن والسلام. والأمة بعواطفها المشتعلة مع الإسلام قلباً وقالباً. والإسلام هو عنصر المقاومة الذي يخشاه الطغاة المستبدون والمعتدون المتوحشون. والحركة الإسلامية عنصر بعث للأمة وتجديد للإسلام ونشر له بفتح القلوب ودخول الصدور وإنعاش النفوس. ولا يتحقق ذلك إلا بفهم الإسلام فهماً عميقاً وشاملاً، على يد علماء داعين فاقهين مخلصين، لا يخافون في الله لومة لائم، حينئذٍ تكون الحركة الإسلامية قد اهتدت إلى الرشد، وركَّزت على الأولويات التي يتفق عليها جميع العلماء، وابتعدت عن عناصر الخلاف والفرقة والتشرذم والانحراف إلى مسالك تؤدي إلى أبواب مسدودة.
إنَّ الساحة الإسلامية من الأطلنطي حتى الفلبين، مليئة بالجمعيات والحركات التي تسعى إلى خدمة الإسلام، ولكنها تواجه اليوم بالإعصار الصليبي الاستعماري الجامح، الذي يستغل ضعف الحكومات الإسلامية في ضرب هذه الجمعيات أو الحركات، والتضييق عليها، ووصمها بالإرهاب، مع أنه هو الذي صنع الإرهاب الأكبر، وصدَّره إلى بلاد المسلمين، ثم اخترق بعض الجماعات الإسلامية، ووجهها عن طريق "الريموت كنترول" لتسلك طريق العنف، ويقال إنَّه موَّل كثيراً من العمليات التخريبية في العالم الإسلامي، ليقول ـ بعدئذٍ ـ للعالم: هذا هو الإسلام: دم، وعنف، وشرّ، وجهل، وتخلف، وظلام!
وقد نجح الإعصار الصليبي الاستعماري بالفعل في تحقيق نجاحات عديدة داخل بلاد المسلمين، بحيث صار "العمل الإسلامي" جريمة مؤثمة في العديد من البلدان الإسلامية، ويُحاكم المتهم بهذه الجريمة أمام محاكمة عسكرية لا تقبل استئنافاً ولا نقضاْ، وذلك بعد التعذيب الوحشي والملاحقات والمصادرات التي تصيبه وتصيب من معه.. كل هذا؛ لأنَّ الإعصار الصليبي الاستعماري يدفع بعض العاملين في الحركة الإسلامية، بقصد أو دون قصد، لانتهاج العنف رداً على المظالم والجرائم التي ترتكبها بعض الأنظمة.. فينسى الناس ـ عن طريق الدعاية المركزة والمستمرة ـ ما تفعله هذه الأنظمة ويتذكر فقط أنَّ الإسلام عنوانه موجود لدى حركات العنف، مما يعني أنَّ المسلمين لو أرادوا التقدم والتحرر فعليهم أن يتخلوا عن الإسلام، ويعيشوا كما يعيش الغرب الصليبي الاستعماري في حياةٍ؛ البقاء فيها للأقوى، مع نهب المتعة على حساب كل قيمة خلقية، حياة أقرب إلى الحياة الحيوانية الوحشية في الغابة، ولكن بطريقة مهذبة على الطريقة الاستعمارية المهذبة التي ترفع شعارات إنسانية، وهي تسحق وتقتل وتشرد وتنهب دون أن يهتزّ لها جفن!
العمل الإسلامي، يحتاج إلى حكمة وصبر، وتجنب الدخول إلى المناطق الملغمة بالخلافات المذهبية والطائفية، واعتماد رحابة الصدر للمخالف في الفروع كما يقول الأصوليون؛ لأنَّ الخطر المحدق بالجميع، لن يفرِّق بين مذهب وآخر، أو طائفة وأخرى، بل إنه يتعامل مع كل من يحمل اسماً إسلامياً ولو لم تكن له علاقة حقيقية بالإسلام، على أنَّه مسلم يجب التخلص منه أو إخضاعه بالإذلال والتبعية.
ثم إنَّ العمل الإسلامي يجب أن يعتمد السلوك والتطبيق لمفاهيم الإسلام الصحيحة في المنزل والشارع والمكتب والمدرسة والمصنع والحقل والعلاقة مع غير المسلمين. إنَّ الدعوة بالنموذج هي خير الأساليب، أعني النموذج الصالح المجتهد المتفوق الناجح، والاكتفاء بالخطابة والصوت العالي والزعيق لن يقدِّم هذا النموذج، ولكن حين يراه النَّاس يتحرَّك على قدمين يقلدونه ويتبعونه لأنهم يحبون الصالحين المجتهدين المتفوقين الناجحين.
إني أحذر من الدعوة بوصفها مهنة تدرّ على صاحبها ربحاً، أو شهرةً، أو جاهاً، أو تجعله عنصرياً يشعر أنه الأفضل إسلاماً أو الأحقّ بتوجيه الآخرين ودعوتهم. الدعوة تحتاج إلى تجرّد وإخلاص وبذل وعطاء وتواضع وتوجه نحو الله وحده. العمل الإسلامي لا ينجح ولا يتقدَّم إلا تحت ظلال "إنكار الذات" ونسيان الأنانية، بهذا نجح السلف الصالح، وسينجح الخلف الصالح أيضاً بإذنه تعالى لو اقتدى به.
هناك مخلصون كثيرون، ولكن يعوزهم التنسيق والإعداد والتخطيط والوعي بما يجري ويدور في الأفق الإسلامي وخارجه، ومعرفة فقه الأولويات الذي يقدم إطفاء الحرائق على كنس الدار!
* خطر لي أن أسألك عن دور الصحافة الإسلامية في العمل الإسلامي، والأدب الإسلامي، فقد كنت تشارك في تحرير "الاعتصام" و"الدعوة" و"النور" و"لواء الإسلام" وغيرها من الصحف التي أغلقت أو التي تصدر الآن؟
ـ لا شك أنَّ هذه المجلات، وخاصة "الاعتصام"، كانت تلعب دوراً مهماً في إيقاظ الوعي الإسلامي والدفاع عن الإسلام وقضايا المسلمين في شتى أرجاء الأرض. كان موقف هذه المجلات بصفة عامة، ولما يزل، موقفاً دفاعياً بالدرجة الأولى، وإن كانت لا تهمل الموقف البنائي الذي يعرِّف بأصول الدين وقيمه وتشريعاته، وعندما وقعت مصر اتفاقية الصلح مع العدو النازي اليهودي عام 1979م، كان مطلب الغزاة وسادتهم الأمريكان، هو إغلاق هذه المجلات، وبالفعل أغلق كثير منها بالتتابع، وفقاً لقانون الصحافة الذي صدر عقب توقيع الاتفاقية، ولم يتمكن أي من هذه المجلات من معادة الصدور بناء على القانون الجديد؛ لأنه يضع شروطاً مستحيلة التحقيق، الجريدة الوحيدة التي صدرت هي جريدة "وطني" التي يصدرها بعض النصارى، وتنطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية، بل إنها في المرحلة الانتقالية ما بين وفاة صاحب الامتياز، وصدورها عن مؤسسة وفقاً للقانون، لم تتوقف عدداً واحداً، مما يؤكد أنَّ القانون مقصود به الصحافة الإسلامية تحديداً؛ لأنها تقود المقاومة الفكرية ضد الهيمنة الاستعمارية الأمريكية والغزو النازي اليهودي لفلسطين وما حولها.
ومن المؤكد أن الصحافة الإسلامية تقوم بدور مهم للغاية في التعريف بموقف الإسلام من القضايا المطروحة، وتدافع عما يراد بالإسلام والمسلمين، وفقاً لإمكاناتها المادية والتحريرية.
وبالنسبة للأدب الإسلامي، فقد كانت تنشر بين حين وآخر، بعض القصائد أو القصص، وقد أسستُ في "لواء الإسلام" المحتجبة باب "أدبيات" للعناية بالأدب الإسلامي وقضاياه، وكان في أول الأمر صفحتين، ثم امتد إلى أربع صفحات، وظلّ حتى احتجبت المجلة بفعل ظروف قاهرة، وهناك الآن في معظم المجلات الإسلامية التي تصدر في العالم العربي صفحات مخصصة للأدب الإسلامي، وإن كان المأمول أن تزداد هذه الصفحات عدداً، وترقى إعداداً، وتعظم مادة؟
*سأحاول أن أصل إلى نهاية الحوار بسؤال أو سؤالين، حتى تستريح بعد هذه الجلسة الطويلة التي يبدو أنها أرهقتك، وأقول لنتوقف عند الجامعة.. كيف تراها بصفتك أستاذاً جامعياً ورئيس قسم اللغة العربية سابقاً، وعازفاً عن أي منصب جامعي كما أعلم؟
ـ الجامعة مثلها مثل المجتمع، أصابها ما أصابه من ضعف وخلخلة وأمراض، تراجعت التقاليد الجامعية، وصارت القوانين والقرارات تحاصرها وتحاصر هيئة التدريس بقصد إبعادها عن أداء دورها تجاه المجتمع والأمة، وأعداد الطلاب الكبيرة تفوق طاقتها وقدراتها. هناك أكثر من مليون طالب جامعي أو في المرحلة الجامعية، بعض الكليات لا تتسع لنصف عدد طلابها، بل لربع عددهم، وهيئة التدريس أقل من العدد المطلوب بكثير، وعضو هيئة التدريس اليوم ـ في الغالب ـ لا يملك مقومات التدريس وتقاليده وقيمه، وبسبب التدخل من خارج الجامعة، ازداد الصراع بين الأساتذة على المناصب الإدارية، وسقط البعض في فخ العمل لحساب السلطة قبل العمل لحساب العلم، وأشياء أخرى كثيرة تثير الكثير من المواجع، قد أكتب عنها في يوم ما، وأمر الدراسات العليا سيء وأكبر من أن نعالجه هنا، ولكن شيئاً واحداً يجب أن نذكره، وهو أنَّ الجامعة التي كانت مستقلة وفاعلة في عهد الاستعمار البريطاني، فقدت اليوم استقلالها وفاعليتها، وصارت مطية لأصحاب الهوى الذين لهم أذرع غليظة وقبضات حديدية وقلوب حجرية!
*اسمح لي أن أوجه إليك آخر سؤال حول أخبارك الأدبية الجديدة؟
ـ يا سيدي أنا لست رجلاً مهماً يُسال عن أخباره، فأخباري التي يجب أن تسألني عنها تتعلق بالأمل في الله أن يرحم المسلمين من الهزائم والآلام المتلاحقة، وأن يوفقهم ولو إلى عمل واحد من أعمال الخير التي تهمهم جميعاً وتقرِّب فيما بينهم.
أخباري ـ إن صحَّ أن يكون لي أخبار ـ تتمثَّل في رغبتي أن أنشر بعض الكتب الخاصة بالثقافة الإسلامية، والنقد الأدبي في الرواية والشعر، ولديَّ مشروعات كثيرة، لا أدري هل سأكتبها أم لا؟ أسأل الله أن يعينني على تنفيذها، أو تنفيذ بعضها.

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 01:36 PM
"الحداثة تعود.."
تأليف: أ.د. حلمي القاعود
عرض: أ.د. حسين علي محمد

ارتبطت الحداثة العربية ـ في بعض تجلياتها ـ بالمُخالفات العقدية، والجرأة في استخدام اسم "الله" ـ جل وعلا ـ فيما لا يليق، ومن ذلك ما يقوله "نزار قباني" في قصائد عديدة، مجترئاً على عقيدتنا في وجوب تكريم الله وتنزيهه، فيصفه بما لا يليق في مثل قوله:
(والله مات وعادت الأنصاب).
وبقوله:
(بلادي تقتل الرب الذي أهدى لها الخصبا).
وقوله:
(حين رأيت الله مذبوحاً في عمان).
وقوله:
(من بعد موت الله مشنوقاً على باب المدينة).
وقوله:
(ويتزوج الله حبيبته).
يدور كتيب الحداثة تعود للدكتور "حلمي محمد القاعود" (56 صفحة من القطع الصغير) حول ظاهرة الحداثة في حياتنا الفكرية والأدبية، وهذا الكتيب موجّه لمخاطبة القارئ العادي "ليحذره من مغالطة شاعت في أوساطنا الثقافية فحواها أن الحداثة مرحلة من التطور والتجديد ضرورية لفكرنا وأدبنا جميعاً، وأنها أمر طبيعي يتسق مع تطور الحياة والمجتمعات".
والحداثة كما يراها الغرب مصطلح term "يضم عدة اتجاهات خاصة ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين… ويعني عدم التواصل أو الانقطاع عن الماضي تاريخيا وجماليا، أو رفض كل القيم المرتبطة بالماضي". وهذا ما جاءت تُنادي به الحداثة العربية على أيدي عرّابها أدونيس (في مجلته "مواقف"، العدد 6 ، 1969) حيث يقول:
"ما نطمح إليه ونعمل له كثوريين عرب (!) هو تأسيس عصر عربي جديد. نعرف أن تأسيس عصر جديد يفترض ـ بادئ ذي بدء ـ الانفصال كلية عن الماضي. نعرف كذلك أن نقطة البداية في هذا الانفصال ـ التأسيس ـ هي النقد: نقد الموروث، ونقد ما هو سائد وشائع. لا يقتصر دور النقد هنا على كشف أو تعرية ما يحول دون تأسيس العصر الجديد، وإنما يتجاوزه إلى إزالته تماماً".
"إن ماضينا عالم من الضياع في مختلف الأشكال الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية. إنه مملكة من الوهم والغيب تتطاول وتستمر، هي مملكة لا تمنع الإنسان العربي من أن يجد نفسه وحسب، وإنما تمنعه كذلك من أن يصنعها".
والدكتور "حلمي محمد القاعود" في تتبعه لـ "أدونيس" ومن لف لفه من الحداثيين يرى تعسر محاولة التفريق بين الحداثة الفكرية التي تعنى بإلغاء الماضي والانفصال عن التراث ومحاربة الإسلام من جهة والحداثة الأدبية، يقول:
"لقد حاولت أن أُقنع نفسي باستخدام مصطلح "الحداثة الأدبية"، وإن كان داخلي غير مقتنع أصلاً؛ لسبب بسيط، وهو أن أية نظرة أدبية لا بد أن تنطلق من مفاهيم فكرية أو أسس أيديولوجية، أيا كانت هذه الأسس أو تلك المفاهيم".
لقد ازدهرت الحداثة العربية ووراء ازدهارها:
* الإلحاح الدؤوب والمستمر الذي جعل القيمة الأدبية للشكل الأدبي (النقد الشكلاني من البنيوية إلى الأسلوبية) وإغفال الإشارة ـ عمداً ـ إلى الموضوع الأدبي حتى لو كان إلحاداً صارخاً، أو جنساً مكشوفاً، أو شذوذاً فجاً.
* التزوير والتزييف الذي يمارسه نقّاد الحداثة حيث يفسرون النصوص الحداثية التي لا تلتزم بأي تقليد فني تفسيرات غريبة وعجيبة، بل مضحكة في بعض الأحيان.
* جذب أصحاب المواهب الضحلة وطلاب الشهرة ـ وهم كثر ـ وجواز مرورهم الإيمان بالحداثة أو الماركسية.
ويختم المؤلف بحثه الموجز بسؤال:
ـ وما العمل؟
ويجيب:
"لابد من التوعية والمتابعة: التوعية بخطورة الحداثة منهجاً فكريا، والمتابعة لمسيرتها تطبيقاً بشعاً يرفض الحرية والدين والجمال".
لقد جاء كتاب الدكتور "حلمي محمد القاعود" في وقته فهو يكشف عن ظاهرة الحداثة الفكرية التي استشرت في حياتنا الأدبية، وأصبحت مرضاً لا يُمكن البرء منه، وظهرت تجلياتها واضحة في العديد من الأعمال الأدبية (كالشعر والقصة والرواية والمسرح)، وقُدِّمت الدراسات المطوّلة عن أصحابها الذين أصبح لهم منابرهم وإصداراتهم في العالم العربي من الماء إلى الماء (أو من الخليج إلى المحيط).
لكننا لا نُوافق الدكتور "حلمي محمد القاعود" في أن "الحداثة الأدبية هي الحداثة الفكرية"؛ فقد جاء في آخر المعاجم الأدبية "معجم مارتن جراي" martin gray حول "مصطلح الحداثة":
" تعتبر الحرب العالمية الأولى 1914-1918م بصفة عامة مستهل الفترة الحديثة في الأدب، و"الحداثة" هي التي تُميِّز بعض خصائص كتابات القرن العشرين فيما يتعلّق بمدى اختلافها عن الأعراف الأدبية الموروثة من القرن التاسع عشر … وأهم الملامح المميزة خاصية التجريب التي يُعتقَد أنها استجابة للحياة في عالم يتبنّى الطرائق العصرية، وقد حدثت الابتكارات التقنية الجذرية في جميع الأجناس الأدبية الرئيسة"
وطبقاً لهذا التعريف لمصطلح "الحداثة" فنحن نختلف مع الدكتور "حلمي محمد القاعود" في جعله الحداثتين الأدبية والفكرية مصطلحاً واحداً "يضم تحت ردائه نخبة من أصحاب الفكر ومحترفي الأدب الذين يتفقون فيما بينهم على قطع صلة العربي المُعاصر بماضيه تماماً… سواء أكان هذا الماضي العقيدة الإسلامية أو التاريخ أو التراث، اللهم إلا ما اتفق من هذا التراث أو ذلك التاريخ مع مناهجهم، سواء تمثّل في الحركات الشعوبية أو الباطنية أو الإلحادية (الزنادقة)، أو غير ذلك ممّا يتناقض مع الإسلام وتصوُّره الصحيح"
إنّ الحداثة في تصوّرنا حداثتان:
الأولى: حداثة فكرية، وهذه نرفضها؛ لأنها تريدنا أن ننخلع عن الماضي، فأي ماضٍ لنا نخجل منه ونريد الانخلاع عنه؟!
إن ماضينا الإسلامي بإشراقاته وانتصاراته مازال ماثلاً للعيون، ومازلنا نعيشه ونتمثله حتى لو امتلأت حياتنا بالإحباطات والمثبِّطات، فكيف ننخلع عن هذا الماضي الذي نعيشه بكل ذرة من كياننا؟
الثانية: حداثة أدبية، وهي التي تُريد التجديد في أشكال الكتابة، فكيف نرفضها ونُلحقها بالحداثة الفكرية المرفوضة؟
صحيح أن كثيراً من أهل الحداثة الأدبية يُمكن أن نُلحقهم بأهل الحداثة الفكرية، وهؤلاء مَن يملؤون الساحة ضجيجاً وصخباً
لكن في المقابل هناك من يرتبط بالإسلام، وينطلق منه لمواجهة العالم وإشكالاته، بفنه "الحداثي"، ومن هؤلاء في الشعر: صابر عبد الدايم، وأحمد فضل شبلول، وعبدالرحمن العشماوي، ومحمد بنعمارة، وحسن الأمراني، ومحمد علي الرباوي، وجميل محمود عبد الرحمن، وعبد الله السيد شرف، ونشأت المصري، ومحمد سعد بيومي، ومحمود مفلح … وغيرهم.
هؤلاء يكتبون قصيدة التفعيلة ـ وهي شكل حداثي للشعر ـ بجودة واقتدار، ويكتب بعضهم ـ نشأت المصري ـ قصيدة النثر، فلماذا نُلحقهم بركب المُعادين للأمة، من الحداثيين الفكريين، وهم منهم براء؟!

د. حسين علي محمد
26-11-2009, 01:38 PM
الشخصية الإسلامية في أدبنا الحديث
بقلم: أ.د.حلمي محمد القاعود

تعرضت الشخصية الإسلامية في أدبنا الحديث إلى السخرية والزراية بطريقة غير مسبوقة في أدبنا العربي على امتداد تاريخه الطويل، وقد تفنن المعادون للتصور الإسلامي والموالون للتصورات المادية والاستعمارية في تصوير الشخصية الإسلامية تصويراً بشعاً وقبيحاً وفصامياً، يقوم على التناقض بين القول والفعل، والكلام والعمل، لدرجة أن المرء - من أي ملة كان - يعتقد من خلال هذا التصوير أن الشخصية الإسلامية لا تتفق وطبيعة الحياة، وأن الإسلام - وهذا هو الأهم - لا يصلح ليكون منهجاً وطريقة سلوك، فعلماء الدين ورموزه الذين تصوّرهم الأعمال الأدبية منافقون وكذابون وزناة ومرتشون ومصالحهم تسبق معتقداتهم! بل إن هذه الأعمال أسرفت في تصوير المسلم بصفة عامة، حين جعلته "يطبع" علاقاته مع الانحرافات السلوكية التي تتناقض مع العقيدة والشريعة، لدرجة أننا نرى البيت المسلم مثلاً، لا يخلو من "بار" لتقديم الخمور، أو قاعة للرقص الغربي أو الشرقي، أو أن هذا البيت لا يعرف أفراده الوضوء ولا يقيمون الصلاة، ولا تسمع منهم تحية الإسلام، ولا ذكر الله، ولا تعبيراً يدل على انتمائهم للعقيدة والشريعة.
وإذا كان الشعر العربي الحديث، قد حفل بمضامين غير إسلامية تدعو إلى أيديولوجيات غربية وأفكار فلسفية بعيدة عن الإسلام، أو حاول أن يشوه بعض الرموز والقيم الإسلامية، فإن الفنون الأدبية الدرامية، وبخاصة المسرح والقصة والرواية، ويتصل بها المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية المأخوذة عنها، قد أحرزت تأثيرات أكثر خطورة في تشويه الإسلام بعامة، ورموزه وقيمه بصفة خاصة؛ وذلك لقدرتها على غزو الوجدان والمشاعر لدى المتلقين بطريقة سهلة وبسيطة وغير مباشرة، بحكم أن الإنسان بطبيعته يستلذ عملية القص والحكي، ويستريح إليها فيما يشبه الحذر اللذيذ؛ لأنه يتابع أحداثاً وشخوصاً وعلاقات تتسلسل أمامه، وهو مسترخ، فيتقبلها غالباً دون عناء أو تفكير أو إعمال عقل بطريقة يقظة.. ويمكن القول بأن الأعمال الدرامية، قد جعلت صورة المتدين مرفوضة لدى قطاعات كثيرة من الناس، وجعلته رمزاً للزيف والانتهازية والسلوك الرخيص.
وفي السنوات الأخيرة، استطاعت بعض الحكومات المستبدة في العالم العربي (الإسلامي) أن تستغل الدراما مكتوبة ومصورة ومشخّصة، في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، من خلال استغلال بعض الحوادث والخلافات التي وقعت بين هذه الحكومات، وبعض الجماعات الإسلامية، فأشاعت الأعمال الدرامية التي أنتجتها حكومات الاستبداد أو ساعدت عليها أن ترسم صورة مقزّزة للإسلام ولكل من ينتمي إليه، بل إن هناك أعمالاً أغرقت في عدوانيتها وبجاحتها ضد الإسلام، فلجأت إلى التاريخ وزورته، وزيفت حياة بعض الشخصيات التاريخية وصورتها في حالة من الانحلال والمجون والزندقة، لتقول بعدئذ إن هذا هو الإسلام المطلوب، الذي يتوافق مع "الاستنارة" و"التقدم".
خطأ كبير
ومن المؤسف أن بعض المثاليين الذين يقاومون الفساد والانحراف والظلم، قد وقعوا في خطأ كبير، عندما انبهروا ببعض الأعمال الدرامية التي تصوّر علماء الدين في صورة فصامية متناقضة، وتحوُّل بعض الشخصيات من الاستقامة والطهارة إلى الانحراف والدعارة، وعدّوا ذلك فضحاً للفساد ومقاومة للظلم ونضالاً ضد الاستبداد والطغيان! والحق أن تعرية الفاسدين والظالمين والمستبدين والطغاة أمر محمود بل ومطلوب، بل وفرض على كل قادر ومستطيع، ولكن هل يأتي ذلك على حساب تشويه صورة الإسلام والمسلمين.. وإيهام الناس أن الإسلام منبع الظلم وأن علماءه والمنتمين إليه ليس فيهم رجل رشيد؟
هناك شيء في الأعمال الأدبية والفنية يسمى بالمعادل، والمعادل يعني أن نضع النماذج الخيّرة في مواجهة النماذج الشريرة، قد يكون المعادل حدثاً أو فكرة أو شخصية أو غير ذلك، وهمة هذا المعادل نسف الفكرة التي يرفضها الكاتب أو الفنان وترسيخ الفكرة التي يدعو إليها وينشغل بها، فإذا خلت الأعمال الأدبية والفنية من المعادل، فمعنى هذا أن صاحب العمل يؤكد الفكرة المطروحة ويؤمن بها، وإلا ماذا يقصد الكاتب وهو يجعلنا نتعاطف مع عاهرة كانت من قبل امرأة شريفة ومستقيمة ومتدينة؟ لا ريب أنه أمر مقصود، وخصوصاً إذا كانت قيمة الشخصيات من عمل الكاتب معوجة ولا تعرف الطهارة فضلاً عن الله!
دعك من حكاية الظاهر والباطن التي يسوّغ بها البعض قصور كاتب معين وعدم تقديمه للمعادل المسلم الصالح، فالعمل - حتى لو كان رمزياً- لا يستطيع أن يغفل هذا المعادل أو يتجاهله.
ويصبح الأمر مثيراً للتساؤل والدهشة والغرابة، عندما تنظر حولك فلا تجد شخصية إسلامية سويّة، لا على مستوى الأفراد العاديّين، ولا على مستوى الصفوة التي يمثلها علماء الدين في تخصصاتهم المختلفة، تتضمنها رواية أو مسرحية أو عمل تلفزيوني أو فيلم سينمائي، إن الأعمال التي تضمنت شخصيات إسلامية قليلة بل نادرة، ولعل هذا كان من أسباب الدعوة إلى أدب إسلامي ينصف الإسلام من معظم الكتاب الذين أغرقوا في كراهية الدين الإسلامي، أو ابتعدوا عنه، أو فهموه فهماً قاصراً!
واقع الحياة
إن واقع الحياة يحفل بالشخصيات السوية والمنحرفة، والطيبة والشريرة، ومن غير الإنصاف، أن نزيّف الواقع، فلا نرى فيه إلا الشر والقبح والدمامة، وأن نصوّر الشخصيات الإسلامية تصويراً يتسم بالمغالاة والبعد عن الواقع، فلا نرى المسلم إلا صاحب وجهين ومنافقاً وانتهازياً وأفاقاً، وإذا كان بعض المعادين للإسلام يتسقون مع أنفسهم في هذا الاتجاه، فإن المسلمين الذين يسايرونهم يضعون أنفسهم في موقف الريبة والشك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
عن (موقع لها أون لاين ـ 15/4/2002م)

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:09 PM
كامل أمين.. شاعر الملاحم الإسلامية

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

قبل ربع قرن تقريباً، رأيت رجلاً أبيض الشعر، متواضع الهيئة، يدخل مكتب رئيس التحرير لإحدى المجلات الأدبية، ويتحدث حول أعماله الشعرية، وقصائده التي يرشحها للنشر، كان متحمساً حماسة الشباب، مع أنه كان في ذلك الحين يبدو قد جاوز الستين بسنوات، عرفت أن الرجل هو الشاعر "كامل أمين"، واسمه الكامل: "كامل أمين محمد"، وكان له موقف من الحياة والمجتمع، يقوم على التصور الإسلامي، ويرفض التصورات العلمانية والماركسية التي كانت سائدة في الواقع الثقافي آنئذ، وهو ما جعل القوم المهيمنين على الصفحات الأدبية في الصحف والمنابر الثقافية ودور النشر الرسمية، يقفون منه موقفاً سلبياً، ويرفضون نشر إنتاجه الشعري والأدبي.
وفي مرحلة تالية، أتيح له أن يجد فرصة مناسبة لنشر بعض أعماله، سواء في الصحف أو المجلات أو دور النشر الرسمية، ولكن عودة الماركسيين والعلمانيين إلى الهيمنة مرة أخرى حجبه عن القراء وعن الساحة الأدبية بصورة شبه كاملة!
وقبيل وفاته في الأسابيع الماضية اشتد به المرض، فتوسطت له كاتبة إسلامية عند بعض ذوي النفوذ من مثقفي السلطة وكتابها كي يعالج لدى المستشفيات المتخصصة على نفقة الدولة، ووعد هؤلاء بعلاجه، ولكن مر الوقت والمرض يرعى جسد الشاعر المسن الفقير، وتجاهل ذوو النفوذ من مثقفي السلطة وكتابها أمر الرجل، حتى قضى نحبه، دون أن تكلف الصحف الرسمية وغير الرسمية نفسها عناء نشر خبر في سطرين عنه، ولم تستطع أسرته أن تنشر نعياً له!! وبالطبع لم يكتب أحد عنه شيئاً، لا مقالاً، ولا تحقيقاً ولا متابعة، مما يحظى به صغار الأدباء اليساريين والعلمانيين، عندما يصابون بالكحة أو الأنفلونزا!
وسمعت أن الكاتبة الإسلامية التي توسطت من أجل علاج شاعرنا الراحل، أعادت الكرة مرة أخرى من أجل نشر إنتاجه الشعري والأدبي الضخم، ولكن القوم لن يسمعوا لها لسبب بسيط جداً، وهو أن كامل أمين "ليس يسارياً ولا علمانياً"، وقبل ذلك وبعده، فهو يعبِّر عن تصور إسلامي يرفضه اليساريون والعلمانيون جميعاً!
نشأته
ولد كامل أمين، في مدينة "طنطا" عاصمة مديرية الغربية، في الخامس من يوليو سنة 1915م، وقد تلقى تعليمه في المدارس الفرنسية أولاً، وواصل دراسته بعدئذ في المدارس المصرية، واشتغل موظفاً في وزارة الري "الأشغال"، وعاش حياة متواضعة حتى أحيل إلى التقاعد، وقد منح تفرغاً لبعض الوقت من وزارة الثقافة.
نشر الشاعر قصائده في المجلات الأدبية والإسلامية، وكانت "الرسالة" تتزين بقصائده، وبمطولاته، وفي المرحلة الساداتية كان ينشر في "الأهرام"، و"الثقافة"، و"الهلال" وغيرها، واتسم شعره بقوة السبك، ووضوح العبارة، وقرب الألفاظ، وإيثار الموضوع الإسلامي، والدفاع عن الفكرة الإسلامية في مواجهة خصومها.
من بناة الملاحم في الشعر الحديث
ويعد كامل أمين من الشعراء البناة للملحمة في الشعر العربي الحديث، وكما نعلم فالملحمة لم تكن معروفة في شعرنا العربي الذي تغلب عليه صفة الغنائية، أي المقطوعات والقصائد التي يعالج من خلالها الشاعر موضوعه أو تجربته. الملحمية كانت من سمات الشعر اليوناني القديم، والشعر الروماني القديم أيضاً، والشعر عند اليونان والرومان كان وسيلة للتعبير المسرحي والملحمي، بحكم معتقداتهم وتصوراتهم، حيث كانت تقوم على الوثنية وتعدد الآلهة، وصراع هذه الآلهة مع البشر، وخاصة أبطال وقادة اليونان والرومان. لقد امتزجت الوثنية عند هؤلاء بالأسطورة والخرافة، وهو ما عبر عنه شعراء الإغريق والرومان في أعمال ملحمية شهيرة ترجمت إلى معظم لغات العالم، ومنها: أجا ممنون، ألكترا، حاملات القرابين...
ومع أن العرب قبل الإسلام كانوا وثنيين، وكانت لهم أساطيرهم وخرافاتهم، إلا أن طبيع تهم وبيئتهم ورحلتهم في المكان والزمان، جعلتهم ينتمون إلى القصيدة الغنائية دون المسرح والملحمة، وفي بدايات عصر النهضة، سعى "محب الدين الخطيب"، ليكون للعرب والمسلمين ملاحمهم التي تقوم على تاريخهم الحقيقي، وفيه من الصراع بين الحق والباطل، ما يفوق أساطير اليونان والرومان وخيالاتهم، وقد ذهب إلى "أحمد شوقي" أشهر شعراء العصر الحديث آنئذ، وعرض عليه فكرة نظم الملحمة إسلامياً، ولكن "شوقي" صمت ولم يعلن قبوله أو رفضه، فذهب الرجل إلى "أحمد محرم" وعرض عليه الفكرة، فقبلها على الفور، وبدأ في النظم ونشر الملحمة "الإلياذة الإسلامية" أو "مجد الإسلام"، في مجلة "الفتح"، على أجزاء، وكان محرم بذلك أول من راد هذا الطريق وعبّده لغيره من الشعراء العرب المحدثين، المفارقة أن "شوقي" فاجأ الناس بعد ظهور "إلياذة محرم" بنشر "مطولته" ولا أقول ملحمته المعروفة باسم "دول العرب وعظماء الإسلام"، ترصد حركة الإسلام منذ فجر الدعوة حتى أيامه، ولكن لم تكن لها قوة ملحمة "محرم".
جاء "كامل أمين" ليحقق أول ملحمة عربية إسلامية مكتملة فنياً، ولم يكتف بملحمة واحدة فقط، ولكنه كتب أكثر من ملحمة، وساعده على ذلك قدرته الكبيرة على النظم وطواعية اللغة، ودراسته الجيدة للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
كانت أول ملحمة يكتبها هي ملحمة "السماوات السبع" عام 1957، وكانت بداية متواضعة من حيث المستوى الفني، تلتها ملحمة "عين جالوت"، وإني لأعدها أعظم ملاحمه على الإطلاق، ليس لضخامتها أو تعبيرها عن معركة خالدة في حياة الإسلام والمسلمين، حيث كان الانتصار كبيراً ورائعاً وفريداً على التتار الغزاة، ولكن لأنها استطاعت أن تبني فنياً لحظة من أروع لحظات التاريخ الإسلامي، وتثبت بحق أن تراثنا التاريخي فيه ثروة هائلة من الأحداث والوقائع الباهرة التي تفوق خيال اليونان وأساطيرهم، كما تفوق ما لدى نظرائهم من الرومان.. ومع أن الشاعر أنجز هذه الملحمة عام 1968 (العهد الناصري)، فإنها لم تنشر إلا عام 1975م (المرحلة الساداتية).
تابع الشاعر كتابة ملاحمه التاريخية، فكتب ملحمة "القادسية" عام 1978م، عن المعركة العظيمة التي خاضها المسلمون ضد الفرس، وانتصروا عليهم فيها.
وهناك ملحمة أخرى هي الملحمة "المحمدية" عام 1979م، وترصد السيرة النبوية، وقد تناولتها في كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث".
إن "كامل أمين" في احتشاده لكتابة الملحمة التاريخية الإسلامية ليعد صاحب جهد فريد وكبير ونادر، نقل الشعر العربي من الغنائية إلى الملحمية، وأغناه بهذا التراث، فضلاً عن توظيفه في ميدان جديد يبعده عن كثير من السلبيات التي تصاحب الشعر الغنائي.
مجموعة دواوين
ومع ذلك، فإن "كامل أمين" أصدر مجموعة من الدواوين التي تضم قصائد غنائية معظمها يدور حول الدفاع عن الإسلام واستنهاض الأمة وشحذ عزيمتها لمواجهة المحن والأزمات والصعاب والتغلب عليها.
أصدر عام 1947م ديوانه "نشيد الخلود"، وفي عام 1964م أصدر ديوانه "المشاعل"، وأصدر عام 1979م ديوانيه: "مصباح في الضباب"، و"عندما يحرقون الشجر".
ومن المؤكد أن أوراقه التي تركها بعد رحيله، تضم كما علمت شعراً كثيراً لم ير النور، في ظل الحصار المفروض على التوجه الإسلامي بصفة عامة، سواء كان شعراً ملحمياً أو غنائياً.
ويحسن أن نتناول نموذجاً من شعره، قبل ختام هذه السطور؛ لعلنا نرى فيه بعض خصائص شعره، يقول في إحدى قصائده "صيحة مسلم"، مدافعاً عن اللغة العربية "لغة الضاد" وربط الهجوم عليها بالمؤامرة الكبرى على الإسلام والمسلمين:
رحمة الله والسماء عليها / كانت الضاد للكتاب لسانا
وبها كان يهبط الروح جبريل / ويوحى للمصطفى القرآنا
أيها المفلسون من كل شيء / فارقونا وهرّجوا في سوانا
كل تاريخنا ديون عليكم / لا تظنوا استرداده إحسانا
كل وجه لكم بألف يهوذا / ألف قابيل واغلٌ في دمانا
قد تركنا كتابنا فضللنا / بعد أن كان في الكتاب هدانا
أيها المسلمون في كل أرض / التقوا حول دينكم حيث كانا
ولعل تسمية القصيدة "صيحة مسلم"، تتناغم مع صوت الجهارة الذي يسودها، واللغة المباشرة التي لا تلجأ إلى المجاز كثيراً، والتعبير القوي العميق عن القضية التي يدافع عنها، ويستبسل في سبيل المنافحة عن حماها، فهو مستمسك بالضاد التي صنعت مجداً، وكانت وسيلة الخير الإلهي الذي أصاب المسلمين وهو القرآن الكريم، وبالإضافة إلى ذلك، فهو يرى أن الضاد طريقنا لاستعادة المجد، وتقدم الصفوف، أما الذين يحاربون اللغة، فهم "يهوذا" و"قابيل"، ويدلل على خسارة الأمة وضلالها بترك كتاب الله، ويوجه نداءه إلى المسلمين كافة بالالتفاف حول الإسلام والتمسك به؛ لأنه طوق النجاة.
رحم الله "كامل أمين"، فقد استمسك بإيمانه وكرامته حتى مات في صمت، مؤمناً زاهداً كريماً.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:10 PM
توابع نجاح الإخوان المسلمين

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

أصاب نجاح الإخوان المسلمين في المرحلة الأولى للانتخابات التشريعية الراهنة؛ كتائب الدعاية الحكومية بصدمة عنيفة أفقدتهم صوابهم ، وجعلتهم لايحترمون المنطق ولا المنهجية في مخاطبة الجمهور الذي يخاطبونه عبر الإذاعات المرئية والمسموعة والمقروءة، ولم يتورعوا أن يكذبوا على الناس دون خجل أو حياء بادعاء أمور غير حقيقية على الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي بعامة .. يتربع خادم السلطة على كرسيه في التلفزيون مثلا ويأخذ في الهجوم على الجماعة المحظورة ، ويركز على كلمة المحظورة ليلفت الانتباه إلى أنها ليست قانونية ويجب معاقبتها على مشاركتها في الاهتمام بقضايا الشعب البائس وهمومه ، ثم ينتقل إلى الحديث عن شعارهم الغامض " الإسلام هو الحل" ، ويتحفنا بالكلام عما يحدث في أوربة من عدم الخلط بين الدين والسياسة مع أن ملكة انجلترا رئيس الكنيسة البروتستانتية ، وجورج بوش يرى أن السماء أرسلته ليحرر بلاد المسلمين من الإرهاب ويحول دون قيام إمبراطورية إسلامية من إندونيسيا إلى إسبانيا .... الخ
أفراد كتائب الدعاية الحكومية يحاكون البهلوانات في دفاعهم عن النظام البوليسي الفاشي الذي يستخدمهم ويفتح لهم أكياس العطاء ، فهم يدعون أنهم مع التعددية واحترام الآخر وإتاحة الفرصة للجميع في منافذ التعبير والحرية ، ولكنهم في حقيقة الأمر يحاورون أنفسهم ، ولا يسمعون إلا صوتهم وصوت سادتهم المستبدين بدليل أن اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والصحف الحكومية لاتتيح فرصة لوجود أي طرف إسلامي يدافع عن الإسلام أو أفكار التيار الإسلامي ، وإذا حدث ووجد هذا الطرف فهو واحد من اثنين إما مهمش في الحوار أو ساخط علي التيار الإسلامي لأسباب شخصية .. وهكذا تسقط دعاواهم ببساطة شديدة !!
مشكلة السلطة وكتائب الدعاية التي تدافع عنها وعن حزبها المتسلط أنها تصادم الشعب المصري في أخص خصائصه الحياتية والإنسانية وهو الإسلام ..لقد تناسوا أن الدين بصفة عامة مكون أساسي من مكونات المجتمع ، وأن كل المحاولات المحمومة التي بذلت منذ احتلال نابليون لمصر والشام حتى اليوم لإبعاد الشعب المصري عن دينه وإسلامه قد باءت بالفشل الذريع ، وكلما ظنت السلطة وخدامها من التغريبيين وأشباههم أن الشعب يمكن أن يتخلى عن إسلامه، فاجأهم الواقع بغير ما يتوقعون .. وقد فاجأ الشعب المصري سلطته المستبدة وكتائب دعايتها بانتخاب أكثر من أربعين نائبا في ظل الحملة الشرسة التي شنتها السلطة المستبدة وأجهزتها المهيمنة .
من المؤكد أن شعار "الإسلام هو الحل "ليس غامضا كما يتوهم رجال الدعاية السلطوية ، بدليل هذا الانتصار الكبير الذي حققه الإخوان في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية الحالية ، وهو ما أثار الذعر في أوساط النظام الحاكم وتابعيه من كتائب الدعاية الكاذبة ، مما دفع بعض المراقبين إلى توقع تدخل السلطة في المرحلتين الثانية والثالثة بصورة أكثر شراسة وفجاجة لتزوير الانتخابات لحساب مرشحيه، وإسقاط مرشحي الإخوان المسلمين ومن يتعاطف معهم من مرشحي المعارضة ..
إني هنا لاأدافع عن الإخوان ؛فهم أقدر على الدفاع عن أنفسهم ، ولكن ما أريد قوله هو أن الإسلام حقيقة واحدة لايمكن تجزئتها ، وهو ما يعني أن الشعار الذي يرفعه الإخوان أو غيرهم من الحركات الإسلامية ليس غامضا ، لأن التصور الإسلامي يؤسس لرؤية تناغي الحياة وتعمل لها كما تعبد الله وتعمل للآخرة ..
وإذا كان الشعب المصري اليوم يجد في هذا الشعار حلما جميلا يمكن أن يعبر عن طموحاته في مواجهة القهر السياسي ، والفساد الشائع في كافة المرافق الاجتماعية ، والنهب المنظم الذي يقوم به كبار رجال السلطة تحت مظلات قانونية (!!) وخراب التعليم ، وضعف الرعاية الصحية والاجتماعية ، وازدياد الفوارق بين الأغنياء ( ومعظمهم من أهل السلطة وأشياعها ) والفقراء ، وانهيار الطبقة الوسطى التي كانت عماد المجتمع ، فضلا عن تفشي البطالة بدرجة غير مسبوقة في تاريخ الشعب المصري في العصر الحديث .. فهو يعود إلى فطرته التي يعبر عنها دينه خير تعبير ،ويعلم أنه دين العدل والرحمة والعفة والمساواة والأخوة والكرامة الإنسانية والمستقبل المضيء ..
وأظن أن كتائب الدعاية للسلطة لاتلفت إلى أحلام الشعب وتطلعاته وأمانيه.. ولكنها تلتفت إلى مصالحها الخاصة وأنصبتها من المال العام ، الحرام عليهم وعلى مستخدميهم ؛ ولذا فهم يستميتون في الدفاع عن النظام البوليسي الفاشي وينحدرون في دفاعهم إلى درجة مشينة ومرفوضة من صاحب كل حس إنساني نقي ونظيف!!
في السبعينيات رفع صديقي المرحوم "جابررزق" شعار " المسلمون قادمون"، وجعله عنوانا على غلاف مجلة الدعوة ، مما أغضب الرئيس الراحل أنور السادات .. وقد آن الأوان أن يأتي المسلمون ليحلوا مشكلات أمتهم ، وينتهي عصر استبعادهم من الحياة العامة ، ويكون لهم حق ارتفاق فهم ليسوا أبناء الجارية على أية حال !
.................................................. ...
*المصريون : بتاريخ 18 - 11 - 2005 م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:11 PM
العصا الغليظة!

بقلم : أ.د.حلمي محمد القاعود

كالعادة؛ أبت السلطة البوليسية الفاشية أن تتوب عن سلوكها القمعي الإرهابي ضد كل من يخالفها أو يحكم القانون والعقل والمنطق ؛ فأشهرت عصاها الغليظة في وجه قضاة مصر الشرفاء الذين أبرءوا ذمتهم أمام الله والناس ، وأعلنوا أن جريمة التزوير قد حدثت في دائرة بندر دمنهور الانتخابية ، وأن المرشح الخاسر قد أعلن فوزه في سابقة غير مسبوقة ولا مقبولة..كان إعلان القضاة من الجرأة والشجاعة مما جعل الأمة تحتفي بهم وتلتف حولهم، وأيضا كان إعلانا لتنقية ثوبهم الأبيض الذي يحرصون على بقائه ناصع البياض أيا كان الترهيب أو الترغيب الذي يمارسه النظام الديكتاتوري الحاكم !
لقد أعلنت السلطة من خلال مجلس القضاء الأعلى التابع لها عن إجراءات عقابية ضد القضاة الذين تحدثوا عن التزوير ، وأبلغوا الأمة حقيقة ماجري في الدوائر الانتخابية عامة ، وبندر دمنهور خاصة ، ورأى المجلس أن قلة من القضاة دون العشرة تحدثت إلى الفضائيات ووصفت الانتخابات بأوصاف رديئة –يعني بالتزوير –مما يعرض البلاد للفتن ويعصف بالاستقرار ، وطلب المجلس تحويل القضاة المذكورين إلى التحقيق الفوري أمام النائب العام .
هذا هو المضمون العام لبيان المجلس المذكور الذي جاء ليؤكد حرص السلطة على الاستمرار في ممارساتها الاستبدادية، بدلا من الرجوع إلى الحق والتحلي بفضيلة الاعتراف بالخطأ ، وتصحيح الوضع المقلوب الذي أعلن خسارة الفائز ، وفوز الخاسر.
إن المستشار نهى الزيني التي بدأت الإعلان بضمير حي عن جريمة التزوير ، وتلاها نادي القضاة الذي أعلن من خلال لجنة متابعة الانتخابات التي شكلها عن شهادة سبعة وثلاثين ومائة قاض قالوا في شهادتهم بالأرقام أن هناك مايقرب من ستة عشر ألف صوت هي الفارق بين الفائز الرسمي والخاسر المظلوم.. لقد احتكم القضاة إلى الشعب وحمايته ، لأنهم رأوا أن السلطات المختصة تقر التزوير وتؤيده ، وأن الشكوى إليها هي من قبيل الحرث في البحر بل إن عواقب الاستعانة بها ستكون تنكيلا وحصارا ومطاردة!!
كان من المفترض أن يهب المجلس لمعاقبة من شاركوا في جريمة التزوير ، ومن قبلوا إملاء السلطة المستبدة لإرادتها التي أهدرت كرامة القضاء ، وأزرت بنزاهة القضاة وحيدتهم ، ولكن المجلس آثر تهديد القضاة بالعصا الغليظة إن لم يغلقوا أفواههم متهما إياهم بالعمل السياسي !! في حين أنهم يعلنون رأيهم فيما وصلت إليه الأوضاع الانتخابية من استهتار بالقضاء ، واعتداء على القضاة، ومحاولة تحميلهم وزر التزوير الذي يجب فضحه وإعلانه على الملأ لأن ذلك من صميم عملهم واختصاصهم .. أليسوا المشرفين على سير العملية الانتخابية والحريصين على نزاهتها وشفافيتها ؟!
لقد استنكرت ثماني منظمات لحقوق الإنسان بيان المجلس المذكور ، وحذرت أن يكون ذلك مقدمة لمذبحة جديدة للقضاة ، كما أعلنت قلقها من لغة التهديد التي تغلف البيان .. وهو مايعني أننا بصدد حملة تخويف لكل قاض يتحرك ضميره في اتجاه الحق والصدق والعدالة التي هي من صميم عمل القضاء في كل الظروف والأحوال .
من المؤكد أن نادي القضاة قد أزعجه بيان العصا الغليظة ، ومن المؤكد أيضا أنه سوف يتخذ موقفا يناسب مضمون البيان ودلالاته ، ومن المؤكد كذلك أنه لن يرضخ للتهديد أو التخويف .
أما مايخص الأمة فيجب أن تكون على مستوى الحدث ، وهى كذلك بالفعل لأنها تساند القضاة الذين يعبرون عن ضميرها وإرادتها ، وقد قدمت الأمة كثيرا من التضحيات في سبيل حريتها وكرامتها ، وهى لن تدخر جهدا في سبيل تقديم المزيد من هذه التضحيات.
ولعل السلطة تتسق مع نفسها فيما تقول وتفعل ، فإذا كانت حقا تريد حياة ديمقراطية حقيقية فعليها أن تقبل بتبعات الديمقراطية الحقيقية من نزاهة وشفافية ، وقبول للفوز والهزيمة في الانتخابات ، وتداول سلمي للسلطة .. أما إذا كانت مصرة أن المسألة لاتعدو ديكورا ينصب ليراه العالم الخارجي ويعتقد أن لدينا ديمقراطية ؛ فلتعلن ذلك على الملأ . . وبعدها فليكن لشعبنا قراره الذي يراه ملائما سواء بالمشاركة في اللعبة أو التعبير عن إرادته الحقيقية بانتزاع الحرية من بين أنياب النظام المستبد الفاشي.
تحية لكل صاحب ضمير في هذا الوطن سواء كان من القضاة أو من غيرهم .. والنصر للشعوب الحرة !
............................................
*المصريون : بتاريخ 28 - 11 - 2005م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:13 PM
وداعاً عميد الأدب الإسلامي المقارن

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

ودّعَنا يوم السبت الثامن والعشرين من شوال 1425ه، الموافق الحادي عشر من ديسمبر 2004م، علم من أعلام الأدب الإسلامي ودراساته المقارنة، وهو الأستاذ الدكتور "حسين مجيب المصري" عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عاماً، قضاها في البحث والدرس والتعليم والإبداع.. وقد رحل الرجل كالعادة دون أن يذكره أحد في المجال الإعلامي والصحفي باستثناء "خبر صغير" نشرته إحدى الصحف مدفوناً وسط أخبار أخرى موسعة تتحدث عن أشباه أدباء وكتاب يهتمون بالدعاية أكثر من اهتمامهم بالتجويد والإخلاص.
عرفت الرجل قبل ثلاثين عاماً أو يزيد، ولعل الذي عرفني به صديقه الأديب الكبير الأستاذ "وديع فلسطين"، ولكنه شكا إليه ضعفاً في بصره، الذي فقده فيما بعد، مما اضطره إلى استئجار من يقرأ له ويكتب.
كان يرحمه الله يتحرك في غرفته نشطاً، يطلعني على بعض الكتب ويحدثني في بعض القضايا، ومع أني لم أمكث طويلاً، فقد خرجت ببعض كتبه القيمة ودواوينه الشعرية، وانطباع بتواضع الرجل وإخلاصه للعلم والبحث والأدب، دون أن يهتم بعرض الدنيا ومتاعها الزائل.
لم يكن الرجل يتقن فن العلاقات العامة الذي صار يتقنه أشباه الأدباء والكتاب، ولذا لم يرشح لأية جائزة ثقافية في بلده لا تشجيعية ولا تقديرية، مع أنه بمنطق العلم والأدب يستحق أن ينال أعلى جائزة يمنحها الوطن، ومن المفارقات، فإن دولاً إسلامية عديدة منحته جوائزها الكبرى ودرجة الدكتوراه الفخرية كما فعلت جامعة مرمرة في تركيا، والحكومة الباكستانية، ودولة قازاخستان وغيرها.
وفي الوقت الذي نرى فيه أدباء وكتاباً محدودي القيمة الأدبية والثقافية، على خريطة الأبحاث في الدراسات العليا بالكليات المختلفة، فإن حسين مجيب المصري لم يُطرح موضوعاً لرسالة ماجسيتر أو دكتوراه، والأمر نفسه فيما بتعلق بالحياة الثقافية، فلم يتناوله أحد من الكتاب أو النقاد، باستثناء بعض المقابلات القليلة القصيرة والمقالات وكتاب وحيد، أصدره صلاح حسن رشيد بعنوان: حسين مجيب المصري، تجربة فريدة في الشعر العربي الحديث، أصدرته مكتبة الآداب في القاهرة عام 2004م.
لقد تعرض لظلم كبير في عمله في الجامعة أيضاً ويبدو أن هذا قدر الذين يعكفون على العلم والبحث، فيظلمهم أهل "الفهلوة" والباحثون عن الدنيا والوجاهة والمناصب، ولا ريب أن ذلك كله قد أصابه بالإحباط وخلف في نفسه كثيراً من الأسى نراه عبر مقطوعات شعرية تقطر ألماً ومنها:
أنا من خبت في سعي
أنا من حرت في أمري
غثاء ضاع في سيل
وطير ضل عن وكر
هباء بين أرواح
ودمع سال في البحر
كلامي رجع أوتار
ولكن أين من يدري؟
وشعري نفح أزهار
ولكن من يرى شعري؟
ولد "حسين مجيب المصري" في مدينة القاهرة عام 1916م، وجده لأمه "محمد ثاقب باشا"، كان وزيراً للري في عهد الخديوي إسماعيل، وكان جده لأبيه حسني باشا المصري من كبار الأعيان في القطر المصري، التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية وفيها قرأ كتب الرافعي وجبران ودواوين شوقي وحافظ وزهير وغيرهم من الشعراء، وسطعت موهبته الشعرية في مدرسة السعيدية الثانوية في الجيزة عام 1932 فنشر أولى قصائده بعنوان "الوردة الذابلة"، وكانت مرثية لابنة عم له توفيت، وكان رحمه الله يعتز بهذه القصيدة اعتزازاً كبيراً.. ويذكر أن حلاقاً كان بجوار بيتهم أثر فيه تأثيراً كبيراً، حيث كان يحفظ كثيراً من عيون الشعر العربي، ويلقيه على مسامعه وهو فتيً يافع، فحببه إلى الشعر وحبب الشعر إليه، مما أحدث نقلة كبيرة في حياته، فجعلته يعيش بالتنغيم والنظم والإيقاع، وهي ظاهرة واضحة في أشعاره التي نشرها، وضمتها دواوينه الستة.
لقد نظم الشعر بالفرنسية، وترجم الشعر عن الإنجليزية، وكانت مسيرته مع اللغات حافلة بالتفوق والجهد الكبير، لقد أجاد ثماني لغات إجادة تامة، وساعده على ذلك انتسابه إلى معهد اللغات الشرقية الذي درس فيه الأردية والإيطالية والألمانية والروسية، وكان يترجم منها إلى اللغة العربية ما يروق له من شعر ونثر.
وقد استخلص من دراساته المقارنة لآداب الشعوب الإسلامية أن الأدب العربي ركيزة أساسية ورصيد يستمد منه شعراء وأدباء هذه الشعوب كثيراً من المعاني والقيم، وهناك تشابه واضح بين الأدب العربي وآداب هذه الشعوب من حيث التأثر بالإسلام وقيمه، والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، فنجد مثلاً في الشعر التركي ما يسمى بالرمضانيات يصف فيها الشاعر مظاهر الاحتفال في هذا الشهر، وكذا الحال في الشعر الأوردي والفارسي... وهو ما ينطبق على موقف هذه الآداب من قضية فلسطين والقدس.
إن اهتمام "حسين مجيب المصري" أستاذاً جامعياً وأديباً وشاعراً بآداب الشعوب الإسلامية، واطلاعه عليها في لغاتها الأصلية التي يجيدها، وكونه أول من اشتغل بالأدب الإسلامي المقارن جعله مرجعاً، ويعود إليه الأساتذة والطلاب، وجعل منه عميداً للأدب الإسلامي المقارن، فقد أخلص له، وبذل جهداً مادياً في البحث والتنقيب والاطلاع، في الوقت الذي كان زملاؤه وغيرهم يفضلون الطريق السهل، وهو التوجه نحو الآداب الأوروبية الأكثر رواجاً، والأفضل عائداً مادياً، ولكن "حسين مجيب المصري" آثر أن يشق طريقه في ميدان صعب ومجهد ومكلف، يبتغي من ورائه خدمة دينه وأمته الإسلامية، وكان هذا الطريق هو "الأدب الإسلامي المقارن"، الذي صار علماً عليه. وقد أنتج الرجل عشرات الكتب التي زادت على السبعين كتاباً.
وظل حتى آخر أيام حياته يعمل بجد ودأب وكان آخر كتاب ينوي نشره هو "بدائع إقبال في الأوردي"، وآخر كتاب كان ينوي أو يعمل في تأليفه كان حول المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة: العربية والتركية والفارسية، ولا أدري هل انتهى منه أم لا؟
فوجئت به ذات يوم في العام الماضي يرسل إليَّ على عنواني البريدي رسالة رقيقة طلب فيها كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث"، لأنه بصدد المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة، لم أكن في مصر وأخبرتني الأسرة بمضمون الرسالة، فحمل له ولدي النسخة الوحيدة لدي وذهب بها إلى مسكنه واستقبله الرجل استقبالاً كريماً، والأهم بعد ذلك أنه أرسل إليَّ رسالة مليئة بالعاطفة الحارة العميقة، وكنت أود نشرها لكنها ليست تحت يدي الآن.. وهي في مجملها تدل على إخلاصه للعلم، والأدب، وتواضعه الجم، وزهده في الدنيا ومتاعها الفاني.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:15 PM
قضية التماثيل .. ووطن الأماثيل!

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

كتب مكرم محمد أحمد في الأهرام يوم الثلاثاء الماضي 4- 4- 2006م ؛ مقالا حول موقف مدير الجامعة الأميركية بالقاهرة ، من مواد الثقافة العربية التي قرر المدير إلغاءها من مقررات الدراسة بالجامعة ، وهي المواد المتفق عليها في " بروتوكول " بين الحكومتين المصرية والأميركية . ولم يستجب المدير لمناشدات الأساتذة والطلاب بالإبقاء على مواد الثقافة العربية مع هامشيتها وبساطتها ، وتخلى عن منهج الجامعة الذي يقوم على الحوار والتفاهم ..
واضح أن السيد مدير الجامعة الأميركية يتحرك وفقا لسياسة بلاده الصليبية الاستعمارية التي أعلنت الحرب على الإسلام ( وليس الإرهاب لأنها أول من صنعه ورباه وغذاه) ، وراحت بالصلافة والعجرفة تأمر الحكومات العربية والإسلامية بإلغاء الإسلام من إعلامها وتعليمها ، وثقافتها وفكرها ، تحت مسمى تغيير الخطاب الديني .. ولم تعبأ أميركا الصليبية الاستعمارية – وهى التي لا تتمسك بقيم المسيحية ولا تعاليم المسيح – بأية قواعد قانونية أو مواثيق دولية في حق الدول المختلفة في المحافظة على ثقافتها وهويتها ، ومن ثم جاء قرار مدير الجامعة الأميركية ، صادما للأمة بوقاحته واستفزازه وعنصريته..
هذا الحدث الجلل الذي يعبر عن هوان الأمة على نفسها ، لم يستوقف كتاب المار ينز في بلادنا ، ولكنهم هاجوا وماجوا لأن فضيلة المفتي أصدر فتوى تحرم التماثيل ، وتطوّح بعضهم في حلقة الذكر " الاستعماري" تعبيرا عن كراهيته للإسلام وثقافته، وراح يصف المفتي بممالأة السلفية ، والانتماء إلى طالبان ، ووصل الأمر بواحدة من إياهن إلى المطالبة أن يغلق شيخ الأزهر والمفتي فمهما ، ولا يتكلمان بل لا ينطقان بأية فتوى طالما هناك قانون ودستور يحكمان البلاد !
كتاب المار ينز موتورون من الإسلام وثقافته ، يتعاملون مع شرائع الأرض والسماء بود وتسامح ما عدا الإسلام . يعلموننا ليل ونهار أن الغرب ليس واحدا ، وأن اليهود الغزاة ليسوا واحدا ، ولكنهم يضعون الإسلاميين جميعا في تصنيف واحد، يطلقون عليه كل ما يحمله القاموس اللغوي من معان سلبية وشريرة ورديئة وبذيئة .
قبل فترة رفض الأنبا شنودة تزويج المطلقات والمطلقين من النصارى الذين تحكم المحاكم بانفصالهم ، لأن ذلك في رأيه مخالف للإنجيل ، ولم ينبس واحد من كتاب المار ينز ببنت شفة ، ولا أظنه يستطيع .. لسبب واحد ، وهو أن غير المسلمين يحمون شرائعهم ،ويستطيعون الرد المؤلم والموجع على من يتعرض لها . أما الإسلام فهو الحائط الواطئ الذي يقفز عليه كل سفيه وعميل وبائس دون أن يخسر شيئا ،أو يتأثر بشيء !
وكنا نتصور أن كتاب المار ينز – ومعظمهم من اليسار المتأمرك ومرتزقة النظام – يمكن أن يكون لديهم حد أدنى من الخجل والحياء ، فيوجهون أقلامهم إلى معالجة القضايا الحيوية التي يضج الناس منها على المستويات المختلفة كافة .. ولكنهم للأسف لا يستطيعون مواجهتها مواجهة جادة ومخلصة وصادقة . فهم يعملون لحساب من صنعوا مشكلات الوطن ومن فاقموا من أزمته ومتاعبه وآلامه.. والعبد لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه سيده.
لقد أصبحنا أمثولة بين أمم العالم في التخلف والعجز وقبول الذل والاستسلام لما يفعله الآخرون بنا ، وصرنا نخرج من مأزق إلى آخر ، ومن محنة إلى أخري ، وانظروا ما ذا جرى لنا على مدى شهرين فقط: موت ألف مصري في عبارة الرجل المحصّن- كارثة الطيور التي أذهبت الثروة الداجنة وأوقفت حال الناس وحرمت الفقراء من طعم اللحوم – اشتداد الغلاء وكان السكر في مقدمة السلع والتليفونات في مقدمة الخدمات ، ولن يكون الوقود الذي أعلنوا عن قرب رفع أسعاره آخر السلع ، لأنه سيشعل الأسعار تلقائيا – امتداد طابور البطالة – تبديد أموال الدولة في المظهريات وإنفاق المليارات فيما لا يفيد وفقا للجهاز المركزي للمحاسبات ...
القوم لم يتوقف سعارهم المحموم في حملتهم على فتوى المفتي بسبب التماثيل ، ولكنهم تجاهلوا ما يعانيه المصريون من قهر واستبداد ونظام فاسد ينتفش فيه الفاسدون والمنافقون ويستأسدون ..
إننا نتساءل : هل يأخذ كتاب المار ينز بكل الفتاوى في الأمور الإسلامية أساسا ؟ إن بعضهم لا يفيق من الخمر ، وبعضهم لم يركع ركعة واحدة .. وبعضهم لا يقبل أن يعطي فقيرا قرشا واحدا بدعوى أن الدولة مسئولة عنه، وبعضهم لا يهتز ضميره وهو يمارس الرذيلة أو يأخذ ما ليس له من أموال المسلمين .
لقد صرنا أمثولة الأمم .. بل أماثيل في سياستنا واقتصادنا وثقافتنا وواقعنا وأخلاقنا وحاضرنا ومستقبلنا .. ومع ذلك فالقوم مشغولون بقضية التماثيل التي أثاروها في العام الماضي ، وصنعوا من أجلها مناحة ملأت الدنيا لأن رئيس حي أو مدينة لم يضع تماثيل لآلهتهم المزعومة في إحدى الحدائق ..
ويا وطن الأماثيل .. لابد من فجر جديد.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:18 PM
عصام الغزالي.. هارب من الأضواء!

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

هذا شاعر من طراز خاص، درس الهندسة، وتخرج في جامعة القاهرة، 1972م، ثم درس علوم الدين والشريعة الإسلامية، وتخرج في كلية أصول الدين بالرياض عام 1398هـ 1978م، فهو يمزج في ثقافته بين العلم والدين، وبين التجربة والوحي، ويملك بهذا أفقاً عريضاً ومتسعاً للرؤية والتصور، وإذا أضيف إلى ذلك حس فني مرهف وموهبة شعرية ساطعة، أدركنا لماذا هو شاعر من طراز خاص.
وأحمد عصام الدين الغزالي خليل، أو عصام الغزالي، كما يعرف بين الأدباء والشعراء، من شعراء السبعينيات في مصر، وينتمي إلى الشعراء الذين سميتهم "بالورد" في مقابل من سميتهم "بالهالوك"، وكان بودي أن أخصص له فصلاً في كتابي "الورد والهالوك" ـ صدرت منه طبعتان: 1993م، 1994م ـ لولا ظروف حالت دون أن تكون دواوينه تحت يديَّ.
وقد أنتج عصام الغزالي شعراً كثيراً ضمته خمس مجموعات طبعها جميعاً على نفقته الخاصة وهو من المميزات التي تجعله طرازاً خاصاً مع أن هناك من دور النشر فيما أعلم من يرحب بنشر إنتاجه، ولكنه آثر أن يوزع شعره من خلال دار الوفاء في المنصورة، وهي المدينة التي ولد فيها عام 1945م، ويعيش فيها حتى الآن.
ومجموعاته الخمس هي "الإنسان والحرمان" 1970م، "لو نقرأ أحداق الناس" 1978م، "أهددكم بالسكوت" 1994م، "دمع في رمال" 1995 (إصدار ثان) ثم "هوى الخمسين" 1999م.
وعصام الغزالي يأخذ موقفاً من الحركة الأدبية، أو تأخذ منه الحركة الأدبية موقفاً، فهو يعيش مثلي بعيداً عن أضواء القاهرة وصحافتها ونقادها، ويستشعر تبعاً لذلك أنه مظلوم، ومعه حق، مع أن كاتباً صحفياً كبيراً كتب عنه في عموده اليومي، ولكنه يحتاج مع ذلك إلى ناقد متخصص يغازل شعره أو يطارحه الدرس والنقد، ثم إن رؤيته الإسلامية التي تتضح في شعره تجعل الحركة الأدبية
ومعظمها مشدود إلى تصورات مغايرة تتجاهله ولا تحتفي بموهبته، وفي داخل هذه الحركة من لا يلتفت إلى التصورات أو القيمة الفنية أساساً، بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالعلاقات العامة وخاصة في مجال النشر والتعريف، وعصام الغزالي من النوع الذي ينفر من هذه العلاقات... فهو يعتز بذاته اعتزازاً كبيراً، يجعله يترفع عن استجداء الاهتمام بشعره وطلب التعريف به.. هذا وغيره من الأسباب جعل شعر عصام الغزالي بعيداً عن قطاعات عديدة من الجمهور، وإن كانت القطاعات التي قرأته وعرفته قد تمسكت به شاعراً مرموقاً له خصائصه الشعرية، وسماته الفنية.
وبصفة عامة، فإن شعر عصام الغزالي يدور حول محاور عديدة، منها ما هو تقليدي مثل الغزل والرثاء والإخوانيات والتوبة والاستغاثة والهجاء والغربة، ومنها ما هو مستجد ومستحدث مثل المواجهات الثائرة الغاضبة الحالمة ضد عناصر القهر والاستبداد والطغيان ثم مطالبته بالعدالة الاجتماعية، ورفض العنصرية، ولا ريب أن الشاعر يعالج محاوره معالجات متفاوتة، منها ما هو أقرب إلى الرصد والتسجيل، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى طرح الحلول والإجابات، ولكن الرؤية بشكل عام محكومة بالتصور الإسلامي، الذي يصل بالشاعر أحياناً إلى حد الزهادة في الحياة. ويصوغ الشاعر تصوره أحياناً في إطار يذكرنا بشعراء الزهد في العصر العباسي، خاصة شعر أبي العتاهية، في قصيدته "قالت لي الريح" يقول:
لا شيء تحميه البيوت
الكل: من يحيا يموت
المد يتبعه انحسار والبريق له خفوت
الحال ظل، يستحيل له دوام أو ثبوت
في آخر اللحن المغرد سكتة.. قبر صموت
الرزق في بحر تصارع فيه ملاح وحوت
وكلاهما في البحر مبتلع وللأمواج قوت
والرؤية الإسلامية في شعر عصام الغزالي تستوجب دائماً الاستعانة بالحق سبحانه وتعالى، والتوبة والرجوع إليه، وما أكثر القصائد التي يبتهل فيها الشاعر إلى البارئ سبحانه أن يعينه ويلطف به، وأن يحميه من الفتنة، وأن يساعده على العفة، وأن يتمم له ومن معه النور:
غريبان طوبى لنا يا أبي
وفي عالم الظفر والمخلب
تعبنا وجئنا نريح الخطى
ونستاف عطراً بأرض النبي
فيا رب أتمم لنا نورنا
بأيماننا ساطع الكوكب..
وفي قصيدته "في نور التوبة" يقف أمام ملك الملوك، ويهرول ملبياً ويقول:
ملك الملوك أتيته ومهرولاً لبيته
من سار في طلب الهدى فالله هذا بيته
ألقٌ توضأ بالجلال من المهابة سمته
إنا يبشرنا كتابك، والكتاب تلوته
ودنوت للحجر الذي لولاك ما قبلته
وغمرت صدري من تدفق زمزم وعمرته
فاقبله سعياً في سبيلك دون ذنبي سقته
وانفحه نوراً ملء قبر موحد.. لك موته
واجعله عوناً للضعيف على صراطك فوته
ولا يعني ذلك أن الشاعر يعتزل الناس أو المجتمع، فزهده والتزامه باب الله، لا يمنعانه أن يغوص في أعماق الواقع غضباً وسخطاً وتمرداً وثورة، ولعل مجموعته "لو نقرأ أحداق الناس" تعطينا دليلاً على هذا الغوص، فقد كانت قصائد المجموعة قبل حرب رمضان 1393ه، تضج بالرفض للهزيمة العسكرية في جبهات القتال، والهزيمة الداخلية في الوطن، فضلاً عن هجاء المهزومين وتعرية سلبيتهم، وفضح تخاذلهم، ولنقرأ على سبيل المثال قصيدته: "برقية إلى ربان سفينة تغرق" التي كتبها ضمن منشورات اتحاد طلاب هندسة القاهرة عام 1972م يقول فيها:
زميلك وسَّع شرخ القنوط
و"مات" وعقّد كل الخيوط
وخلَّى الحمولة وشك السقوط!
إذا كان يمكن فتح الخطوط
توجّه سريعاً لأدنى الشطوط
تماسك.. تحرك قبيل الهبوط
أخاف عليك من "الأخطبوط"
وبالطبع، فإن الشاعر يعيش مثل جيله، غربة زمانية حادة، قسوتها تفوق قسوة الغربة المكانية، ويزيدها قسوة غربة الشعر أيضاً في "زمان غريب" فالشاعر يمزج بينه وبين الشعر حتى يصيرا كياناً واحداً:
أنا الشعر، أرخوا عليَّ الستارا
فإن الزمان الجميل استدارا
غريب أنا، في زمان غريب
كطفل رأى وجهه المستعارا
فبيني وبين المرايا قناع
وبيني وبين العيون الحيارى
فهذا زمان "الجناة الضحايا"
وهذا زمان "البغايا العذارى"!!
ولعل في النماذج السابقة، ما يكفي لبيان رؤية الشاعر وتصوره للعالم والكون من حوله، حيث يقدم لنا الشاعر القابض على الجمر الذي يدفع ثمن قبضة حريقاً وألماً، ولكنه لا يتراجع، في الوقت الذي نجد فيه من ينكرون شيئاً اسمه الوطن أو القيم، تفتح لهم أبواب النشر والمؤتمرات الخارجية والداخلية، ويحظون أيضاً بالدعاية الإعلامية!.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:20 PM
اللهو الخفي !: الفتاوى المتلفزة والفتاوى الفضائية

بقلم:أ د .حلمي محمد القاعود

أعتذر إلى القراء الكرام لاستخدام هذا العنوان ؛ فهو مما يدور في الواقع الشعبي تعبيرا عن المتاعب والمصاعب التي تهبط على رءوس الناس ، دون أن يعرفوا لها مصدرا أو سببا ..وإن كان بعضهم يعرف مغزاها ومنتهاها!
و" اللهو الخفي"؛ هو أقرب التعبيرات إلى الدقة فيما تواجهه الأمة عامة ، ومصر خاصة في هذه الأيام ، حيث تجد قضايا تُطرح على نطاق واسع ، ولا تدري السر في ذلك .. أو الهدف من تفجيرها في هذا الوقت بالذات ؟
ومن هذا اللهو الخفي ما عرف بقضية " إرضاع الكبار " . من الذي كان وراءها بالضبط؟ ولماذا حظيت بهذا الزخم الإعلامي الكبير في التلفزة والإذاعة والصحافة والمستوى الشعبي العام ؟ ثم ذلك الإلحاح على ما يسمى بمسألة الفتاوى الفضائية وموضوعاتها الهامشية التي لاتعني جموع الناس ، ولا مصائرهم ، ولا مستقبلهم ؟
ولنفترض أن شخصا دفعه الهوى إلى تناول مسألة من هذه المسائل الهامشية التي تغطي على قضايا كبرى تهم جموع الناس وترتبط بقضاياهم اليومية في الطعام والشراب والأسعار الملتهبة وتوفير الضروريات الأساسية للأبناء والحصول على العلاج ،ومقاومة الأزمات التي يصنعها بالقانون كبار اللصوص والمحتكرين والفاسدين والمفسدين.. فماذا يعني إرضاع الكبير ليحل له الاختلاء بزميلته في العمل ، هل قضية هذه الزميلة أهم من من قضايا الوجود ذاته ؟
ومن هذا اللهو الخفى ، قضية مثل عروبة مصر أو فرعونيتها . ما معنى إثارتها في هذا الوقت الذي لا توجد فيه عروبة ولا فرعونية من أساسه ؟
إن الموجود فعلا أمة مستباحة من الغزاة النازيين اليهود والمستعمرين الصليبيين المتوحشين ، القادمين من وراء البحار ، يعيثون في أرضها فسادا وإفسادا ، وقتلا وتدميرا ، ونهبا وسرقة ؟ ثم إن هذه الأمة المستعبدة لا تملك من أمرها شيئا ، فقد وكلت مصائرها إلى طغاة مستبدين في معظمهم ؛ يستخدمون العنف والغدر والخسة والمكر للإجهاز على ما تبقى من من قيمها وكرامتها ورموزها ..
لنفترض أن كاتب مسلسلات حانقا على بعض العرب ، لأنهم لم يحققوا له ما يريد في مجال "البيزنس " المسلسلاتي ، فهل يستحق ذلك أن ننفى عن مصر عروبتها وإسلامها ، ونرفع المذكور إلى مرتبة سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم –الذي يفتري عليه المفترون بأنه غيّر من قراره ، وعدّل من رأيه وحوّل القبلة من القدس إلى مكة المكرمة ، كما افترى المفترون على عمر بن الخطاب ، وادّعوا أنه أوقف حد السرقة في في عام الرمادة، ومنع نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة ؟ أين وجه المقارنة بين كاتب المسلسلات صاحب "البيزنس " ، ونبي الإسلام – صلى الله عليه وسلم – الذي لاينطق عن الهوى ويمتثل في أقواله وأفعاله لوحي ربه ؟
ثم هل يملك عمر أو غيره أن يوقف حدا من حدود الله ؟ أم نفهم المسألة على وجهها الصحيح ؟ حيث لم تتوفر الأسباب لإقامة الحد على اللصوص ، ولم يعد هناك مؤلفة قلوبهم يستحقون الزكاة ؟
ومن هذا اللهو الخفى ما يثيره كتّاب غشاء البكارة والختان والعجز االجنسي من آن لآخر ، حول الإسلام وقيمه ، والتشكيك فيه بمناسبة وغير مناسبة , أحدهم ادعى أن طفله تعلم في حصة الدين بالمدرسة أن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود والنصارى ، وأنه رجع إلى بعض التفاسير فوجد كلام الطفل الذي سمعه من مدرّسه صحيحا . وأقام صاحبنا مناحة من أجل تنقية كتب التفسير والتراث من هذه الآراء التي تدعو إلى الفتنة والتطرف والإرهاب !.
وبالطبع فإن صاحبنا لا يكلّ ولا يملّ من الكلام عما يسميه حرية الرأ ي، وحق التعبير ، وطلاقة الإبداع ، وكم تبنى الدفاع عن الأعمال المدنّسة التي تسبّ الله والرسول – صلى الله عليه وسلم – والإسلام والمسلمين ، وقد نشرت الصحيفة التي يكتب بها صاحبنا في العدد نفسه، نصف صفحة عن كاهن بإحدي الكنائس المصرية يلعن الإسلام والمسلمين ، وأظنه لن يجد في ذلك غضاضة لأنها حرية تختلف عما يفعله المسلمون الظلاميون في كتبهم ومؤلفاتهم !
وأسأله أولا : هل هناك حصة دين أصلا في مدارس مصر الإسلامية ؟ أم إنها انتهت تماما أيام وزير التنظيم الطليعى الذي جعل الإسلام مرادفا للإرهاب والقتل ، وحول مدرسى الدين الإسلامي إلى أعمال إدارية ، وجعل حصة الدين لا تُدرس ولا تضاف إلى المجموع ، وآخر ما تفكر فيه المدرسة ؛ لأنها حصة مستباحة لمدرسى الرياضيات والاجتماعيات والألعاب والرسم ..ومجموعات الدروس الخصوصية !
أما المغضوب عليهم ، فهم بالتأكيد يا كاتب الاستنارة ليسوا اليهود الغزاة النازيين الذين يقتلون الفلسطينيين والعرب والأسرى ( برفق وحنان ) ، ويدوسون بالدبابات على الأجساد الحية والميتة ، ويعذبون الآن أحد عشر ألفا من الأسري في سجونهم بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا ( ولكن في إنسانية زائدة عن الحد !).
وهم بالتأكيد أيضا ليسوا الصليبيين الاستعماريين الذين دمروا – وما زالوا – أفغانستان والعراق ولبنان ، ومزقوا السودان والصومال ، وزرعوا الفتنة في مصر والجزائر وتونس والمغرب واليمن ، وفعلوا كل ذلك بالدبابات بقنابلهم الذكية ( الجميلة ) وطيرانهم ( الوديع ) وصواريخهم ( الرشيقة ) ودولاراتهم( الخضراء)!
ومن قضايا اللهو الخفى التي تصل من خارج الحدود ما قام به وزير الثقافة التونسي ، حين منع ثمانية آلاف عنوان ( إسلامي ) من العرض في معرض الكتاب بتونس الخضراء ، وأعادها من حيث أتت !! ، لأنها – كما قال معاليه – كتب ظلامية !( أين أنتم يا بتوع حرية التعبير .. شكر الله سعيكم ) ،خادم سيده يقول إنه ليس ضد الكتاب الدينى ( كذا ! ) ، ولكنه ضد الكتب الظلامية ؟ ثمانية آلاف عنوان كلها ظلامية " يامفتري"؟ لا شك أن "خادم سيده" تعلم من سادة سيده أن الإسلام هو الإظلام كما سبق إلى ذلك مثقفو الحظيرة في بلادنا ، وقد اقتدي برفيقه الشيوعى المتأمرك في الرباط ( ويسمى الأشعرى !)في منع الكتب الإسلامية من العرض ، وسمح للكتب الصهونية في الوقت نفسه بالوجود !ولكن خادم سيده التونسي ، أضاف إلى ذلك منع المحجبات التونسيات وغيرهن من دخول المعرض أو شراء الكتب .
قضايا اللهو الخفى لا تنتهي ، ويفرضها علينا مجهولون أو معلومون مثل المجهولين ، كي ننسى أمورا في غاية ( البساطة !) ؛ مثل الاستمرار في تدمير أفغانستان والعراق ، وقتل شعبيهما بوساطة المرتزقة والقصف الجوي الذي لا يستثني مدنيا أو مقاوما ، مع هدم البيوت والمستشفيات والمساجد ، وذبح العلماء والمخطوفين بعد تعذيبهم بطريقة وحشية يعف عنها الحيوان .. مع سرقة البترول والتراث والثروات ، وزرع الفتنة الطائفية والعرقية ، وإنشاء الكيانات والكانتونات الانعزالية لإقامة دويلات جديدة في الوقت القريب المناسب .
ومثل تزويد آية الله محمود عباس رئيس مايسمي السلطة الفلسطينية في جمهورية دحلانستان بستين مليون دولار أمريكي، لاغتيال ( حماس ) وتدميرها ، وإيقاف صواريخ القسام ، كي لا تزعج ( غير المغضوب عليهم حتى لا يغضب كاتب غشاء البكارة ) ، وإنهاء قضية اللاجئين والقدس والمياه، اكتفاء بجمهورية دحلانستان !
ومثل – وهو الأهم – الانتهاء من قانون الأحكام العرفية الذي نصت عليه التعديلات الدستورية الأخيرة ؛ وهو القانون الذي سيجعل أمين شرطة يقبض على أمين الجامعة العربية دون إذن من النيابة ؛ بتهمة الإرهاب ،أو أية تهمة تعجب سيادته!!
وما زال الإعلام مشغولا بقضايا اللهو الخفى ، وطشة الملوخية ، ولحم البعرور ، وشرب البول ، وتجليات شرم الشيخ الشقيقة !
.................................................. ........
*عن: مدونة الدكتور حسين علي محمد.
الرابط: http://hamohd99.maktoobblog.com/?pos...#myCommentsNew (http://hamohd99.maktoobblog.com/?pos...#myCommentsNew)

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:22 PM
سعيكم مشكور.. " على جزمتنا" !

بقلم: أ. د . حلمي محمد القاعود

لم أكن أنوي الإشارة إلى ما يسمى بانتخابات مجلس الشورى . فمعروف سلفا ؛ أنها ليست انتخابات " ولا يحزنون " ، بل هي تمثيلية سخيفة اخترعها النظام البوليسي الفاشي ، ليجمّل وجهه القبيح أمام العالم ، وليس لاصطفاء نخبة حقيقية من ذوي الخبرة والإخلاص تؤدي دورا حقيقيا يخدم البلاد والعباد .والبسطاء الأميون في أعماق الريف يدركون جيدا أن مثل هذه المجالس ؛ لاتخدم سوى أعضائها والنظام الذي أتي بها ، وتحليل – من الحلال – كل ما يقترفه النظام من محرّمات ضد الشعب والأمة جميعا .
كنت أتمنى أن تنفق المائة مليون جنيه – وقيل ثلاثمائة مليون – المخصصة للانتخابات على مصالح الناس ، بدلا من إنفاقها على انتخابات صورية ، يعلم الناس جميعا أنها مزورة ، وأنها تتم بإرادة البوليس وإشرافه ، وليس القضاء ؛ كما يكذبون علينا صباح مساء .
عاجلني صوت المذيعة الكذابة في نشرة التاسعة مساء الأحد 11/6/2007م، وهي تجزم بصيغة قاطعة أن خمسة وثلاثين مليونا من الناخبين المصريين قد توجهوا إلى لجان الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى ، بعد أن فاز أحد عشر عضوا بالتزكية . المذيعة الكذابة كانت تستخدم صيغة الفعل الماضى التي تفيد التقرير والحدوث ، وكان الواقع يكذب كلامها والصحف الحكومية نفسها التي صدرت في اليوم التالى تؤكد أن نسبة الحضور 22% مع أن الواقع يؤكد أن الذين ذهبوا أقل من واحد بالمائة من مجموع الناخبين !
كنت أتمني أن يستفيد الناس بما أنفق على هذه الانتخابات الصورية في مشروعات مفيدة مثل الصرف الصحى وتنقية المياه الملوثة التي أهلكت كُلى المصريين وأكبادهم وأمعائهم ، ثم تقوم بتعيين من تختارهم وتجد لديهم الاستعداد للتصفيق الحاد ، والهتاف القوي ، والردح الأصيل لخصوم السلطة البوليسية الفاشية .
لن يعارضها أحد ،ولن يقف في طريقها أحد ، فكل الناس تخشى منهج " الفرم" الذي ظهر مع أزهى عصور الحرية والديمقراطية والرخاء والعدل والإنصاف !
كنت أتمنى أن تريح الحكومة البوليسية نفسها ، ولا تعلن عن انتخابات صورية ، لا يحضرها أحد ، بل تعتقل من يترشح لها من الإخوان المسلمين " قمة المواطنة " ! وتلقي بهم مع الأنصار والأتباع في السجون ، وتحرمهم من ذويهم ، وأقاربهم دون جريمة تذكر ، فهم مثلا لم يغرقوا أكثر من ألف مصري في البحر ، ولم يقتلوا أحدا في حوادث القطارات والسيارات ، ولم ينهبوا أموال الدولة بالقانون في صفقات مشبوهة ، ولم يسرطنوا الغذاء ، ولم يسمموا الدواء ، ولم يتصوروا على السيديهات المخلة ، ولم يقدموا للناس دما مغشوشا ، ولم يستولوا على أراضي الدولة بأقل من سعر التراب .
كنت أود من النظام البوليسى الفاشي أن يريح ويستريح ، ويعلن أنه سيختار الأعضاء الذين يعجبونه شكلا ومضمونا ، ويصدر قرارا بتعيينهم وكفى الله المؤمنين القتال .. فالناس تعلم جيدا أنه لا المعارضة مؤثرة ، ولا الصحافة مقلقة ، ولا تصريحات " مجرم الحرب " جورج بوش " مغيرة .
الناس واثقون تماما أنهم سيظلون هكذا تحت رحمة النظام البوليسي الفاشي حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .. وهم واثقون أيضا أنهم يستحقون ذلك ؛ لأنهم صمتوا طويلا أمام القهر والعسف والتنكيل ، بل إنهم صفقوا لذلك وهتفوا .. هل نسينا ذلك الذي رقص في مجلس الأمة غداة الهزيمة ابتهاجا ببقاء الزعيم ، ونسى أن سيناء ضاعت مع القدس والضفة والقطاع والجولان ؟
الناس يعلمون أن مجلس الشعب ومجلس الشورى وبقية المجالس التى صنعها النظام البوليسي الفاشي على " جزمة" أصغر جلاد في دائرة اسطنها منوفية !!
عضو مجلس الشعب عن عن هذه الدائرة طبيب بيطري ، مرّغوه في الوحل ، ومزقوا ملابسه ، وسحلوه فى الشارع ؛ وهو خارج من سرادق عزاء ، وقالوا له : سعيكم مشكور ! وقال له الجلاد الصغير : أنت ومجلس الشعب "على جزمتنا" ! . نشرت ذلك الصحف والمواقع الألكترونية !
لم يغضب نواب الحصانة في الوطنى ، ولا أحزاب بير السلم ، لأن " جزمة " النظام ممثلا في أصغر جلاد فوق الجميع أوتحتهم ، شرف وعز ومجد وتقدير .. يالها من جزمة !! ولم تغضب صحافة لاظوغلى أو الحديد والصلب أو السيراميك أو التوكيلات أو الأراضى المنهوبة ، لأن جزمة البوليس تختلف عن الجزم الأخرى التي يؤلفون حولها الحكايات ، وينسجون عنها الأساطير .. أما جزمة البوليس ، فهي طاهرة ونقية ورائحتها زكية وتردّ روح أى صحفي من الخدم وأىّ عضو من الوطني وبير لسلم !
صحيح أن نواب الإخوان غضبوا واعتصموا وصدقوا ما قاله الرجل الثاني في البروتوكول عن حضور وزير الداخلية للاعتذار ، ولكن الأنباء جاءت بما لا يشتهى الرجل ، فالوزير لم ولن يعتذر ، وصحف لا ظوغلى قالت إن النائب هو الغلطان، لأنه سدّ الطريق بسيارته ، وأن الجلاد الصغير لم يتفوه بكلمة ، ولم يلمس العضو المحترم !واخبطوا دماغكم في أقرب حائط يابتوع الإخوان ، والمستقلين كمان !
ومع ذلك يخرج الصديق عصام العريان ليقول إن في الانتخابات سبع فوائد ومآرب أخرى !
إني أختلف معك يا دكتور عصام ، وأحرجك – على طريقة محاور العبارة 98!- فدخول الانتخابات في ظل الأوضاع الجديدة غطاء شرعي للنظام البوليسي أمام العالم ، وفي ظل غياب الإشراف القضائى الحقيقي الكامل فلن ينجح أحد من الإخوان وربما ينجح واحد أو اثنان ، ولكن لن تتكر تجربة مجلس الشعب 2005م ، وإحساسي يقول إن النظام سيحل المجلس ليتخلص من مجموعة ال88 ، ويأتي بمجلس آخر غير مزعج لن يتسرب إليه عضو واحد من الإخوان ، فالتزوير سيكون علنيا وواضحا ، وعلى عينك يا تاجر !
ومن باب أولى أن يستجيب أعضاء ال88 لكرامتهم قبل كرامة زميلهم المسحول ، ويقدموا استقالة جماعية قبل أن يقيلهم النظام من خلال حل المجلس في تغييرات بدت بشائرها في ظهور نجل الرئيس قبل الرجل الثاني في البروتوكول على شاشة التليفزيون في أثناء الإدلاء بأصواتهم !
وأظنك تذكر يادكتور عصام أن الجلاد الذي أعلن ذات يوم أن سيضرب في سويداء القلب ، وأنه على استعداد لقتل خمسمائة ألف مواطن من أجل الاستقرار ، لم يقل ذلك عبثا ، أو كان فلتة لسان ، أو تعبيرا عن رؤية شخصية ، ولولا أن فضحته جريدة "الشعب" – المغلقة - وهو يسبّ أصحاب المناصب الكبيرة والصغيرة ، يومها كتب "عادل حسين" – رحمه الله – خذوا السكين من يد هذا المجرم ! لولا ذلك لمضى الأمر كما يريد المجرم الجلاد ، ولقتل من شاء ، دون أن يسائله أحد !
الانتخابات لا فوائد لها في ظل هذا الوضع الشائن الشاذ ، والضحايا يدفعون ثمنا بلا مقابل ، والأولى في هذه المرحلة على الأقل ؛ تحرير الناس ، والشباب خاصة ، من الغيبوبة التي يصنعها النظام بالكذب والتزييف والتزوير والقهر ، والاعتماد على أحزاب بير السلم التى يديرها أصحاب مصالح صغيرة ، وخاصة سلالة هنري كورييل !
علموا الناس كيف تتحرر بالقرآن وقيمه وسلوكه من عبودية الجبابرة والطغاة ، ربّوا الأجيال تربية قرآنية ،حرمت منها في المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة ، وهي مهمة صعبة للغاية ، وأصعب من السياسة بكثير ، ولكنها أكثر جدوي ، وأكثر تأثيرا .. وساعتها سيسقط الجلادون الفاشيون تلقائيا .. واسلمي يامصر !
drhelmyalqaud@yahoo.com (drhelmyalqaud@yahoo.com)
.................................................. ..
*المصريون ـ في 12/6/2007م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:23 PM
بركاتك يا شيخ رجب !

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

كان مهرجاناً شاملاً ، انتقل من تلفزة النظام البوليسي الفاشي ، إلى قنوات رجال القروض ، إلى صحف لاظوغلى وطشة الملوخية ولحم البعرور وتبولة الشام .. كان المهرجان بسبب موافقة رئيس الدولة على علاج الشيخ " رجب هلال حميدة عضو مجلس الشعب ( المعارض !) على نفقة الحكومة لمدة ستة شهور في عاصمة أجنبية .. أسهبت أجهزة الدعاية الحكومية وشبه الحكومية في الحديث عن كرم الدولة وسخائها مع مواطنيها الذين لا تفرق بينهم على أساس الموالاة والمعارضة ، فمع أن الشيخ رجب ( معارض !) وصوته عال ضد الحكومة، وضد الفساد، وضد محاربتها للأحرار، فقد اتصل به سيادة الرئيس، بعد أن نقل إليه سيادة اللواء رئيس الديوان الجمهورية خبر الموافقة على العلاج .
قالت أجهزة الدعاية إن الشيخ رجب فوجئ بالرئيس يتصل به، ويتحدث معه حديثاً أبوياً ويطمئن عليه وعلى أسرته ويتمنى له الشفاء، ويُعبّر عن تضامن الدولة معه حتى يرجع بالسلامة عائداً في إهاب الصحة والعافية وطول العمر.
الشيخ رجب عبّر هو الآخر عن شكره وامتنانه واعتزازه بأبوة السيد الرئيس، وقال ذلك في الاتصالات الهاتفية التلفزيونية والصحفية التي انهالت عليه عقب إذاعة خبر علاجه على نفقة الدولة، وقال الشيخ رجب إنه كتب طلبا – مجرد طلب على ورقة بيضاء – وأرسله إلى السيد الرئيس، فجاءت الموافقة بأسرع مما يتوقع، وحققت حلمه في العلاج خارج البلاد.
فرحت – والله – لموقف الدولة ، وموافقتها على علاج مواطن مصرى ، قبل أن يكون عضواً أو نائبا بمجلس الشعب ، مؤيداً أو معارضاً ، حقيقيا أو مستأنسا ، فهذا لا يعنينى ، بقدر ما يعنينى أن من جرّب الألم وعاش محنة المرض ، يتمنى العافية لكل الناس ، ولو كانوا من خصومه وأعدائه ، فلا شىء يقهر الإنسان إلا الدّاء والدواء . كلاهما مرّ وقاس ، وكلاهما يُعيد الإنسان إلى ربّه ليستشعر قدرته وعظمته ورحمته ، حيث لا يُساوى المريض وهو سليم جناح بعوضة ، ولا يزن مثقال ذرة عند ربّه حتى وهو سليم معافى ، ولكنه كرّمه وأعطاه العقل وأفاض عليه نعمة الدين ليتعرف على خالقه ، فيسمع له ويُطيع ، ويبتعد عن الطغيان والجبروت وقهر أخيه الإنسان .
ويبدو أن بركات الشيخ رجب كانت حاضرة ، حيث غابت عن الدكتور عبدالوهاب المسيرى ، مثقف الأمة ، الذى أبت نفسه أن تذلّ لأحد غير لله ، وتعفف عن قبول التبرعات من الشعب لعلاجه ، ورضى بقدره مستسلماً لإرادة الله . فى حين صمتت السلطة البوليسية الفاشية عن نداءات من يملكون الأقلام والأصوات لمعالجته على حساب الشعب ومن ميزانيته ، لأنه فى أبسط الأحوال مواطن مصرى خدم بلاده خدمة جليلة تفوق ما يقدمه أعضاء مجلس الشعب أجمعين ، مع احترامى لهم جميعاً ، فالذى أنجزه لا يقدرون جميعاً على إنجاز بعضه ، وفى الوقت ذاته كان ينفق من جيبه وميراثه على موسوعته – كما أشرت فى المقال السابق – ثم إنه كان أكثر تطبيقا عمليا لما تعلمه ولما يؤمن به ، حين نزل إلى الشارع ليتظاهر ضد الطغيان والفرعنة وإهدار كرامة الإنسان ، مع أن من فى مثل عمره – وقد قارب السبعين – يجب أن يخلد إلى الراحة والهدوء ، ولكنه أبى أن يقعد مع القاعدين ، أو يكتفى بكلام يذهب مع الريح ، وراح يتقدم الشباب والرجال والنساء الذين واجهوا الخوذات الغبية والنبابيت البلهاء والبيادة العمياء !
المسيرى معارض للدولة ، ولكن معارضته – كما يرى النظام البوليسى – تخرجه من سياق المعارضة إلى نوع آخر ، لا أعرف كيف أسميه ، بدليل أنها فرّقت بينه وبين المؤيدين ، ورفضت أن تعالجه على نفقتها ، وتركته أو تركت أمره ، ليتولاه أمير سعودى ، أو تاجر مصرى يعرف قيمة الرجل ، فرقّ لحاله ، وتبرع من ممتلكاته أو ثروته ، ليقوم بما كان ينبغى أن تقوم به الدولة تجاه أحد مواطنيها اسمه عبدالوهاب المسيرى !
كان الرجل منتسباً إلى إحدى الجامعات المصرية ، وأستاذا بها ، ولا أدرى أظل مرتبطاً بها ، أم انفصل عنها ، وإن كانت السيدة حرمه مازالت – فيما أعلم – أستاذة بإحدى الكليات الجامعية ، ويُفترض أن الجامعة التى تنتسب إليها أو ينتسب هو إليها ، أن تعالجه وتتولى شئونه الصحية ، ولكن أمر علاج أساتذة الجامعة ، يمثل جرحاً غائراً فى أعماق هيئة التدريس عموماً ، باستثناء من التحقوا ببلاط النظام ، وعاشوا على أعتابه ، وعيّنوا أنفسهم فى وظيفة " مسوّغاتى " أو " مشعللاتى " على رأى " سعاد حسنى " حين عيّنت " فريد شوقى " فى وظيفة " مشعللاتى " !
أستاذ الجامعة البعيد عن النظام البوليسى الفاشى ، أمامه طريقان للعلاج لا ثالث لهما ، أولهما ما يُسمى بالتأمين الصحى ، نظير الخصم الإجبارى الذى يُستقطع من مرتبه الشهرى المحدود ، وعليه إذا أراد الكشف والتشخيص والعلاج ، أن يأخذ بطاقته ، ويذهب بعد طلوع الشمس – لا أبالغ – ليحجز مكانه وسط طوابير الموظفين والعمال والطلاب الذين حضروا للعلاج ، وحتى يأتى موعد الكشف عليه يكون النهار قد بدأ يميل إلى الشيخوخة والشمس تستعد للغروب ، ناهيك عن " بهدلة " الزحام و " بعثرة " الكرامة !
أما الطريق الآخر ، فهو اختراع أخذت به بعض الجامعات – أو كلها لا أعرف – وهو خصم مبلغ إضافى من المرتب ، نظير ما يُسمى الرعاية الصحية ، حيث تتعاقد الجامعة مع بعض المستشفيات الخاصة على علاج الأساتذة وحدهم دون أسرهم . فيأخذ الأستاذ خطابا من كليته ويذهب إلى المستشفى التى تُحوّله إلى طبيب متعاقد معها حيث يجلس فى انتظار دوره .. ثم يقرر له العلاج المطلوب ، وقد يسبق ذلك تحاليل وأشعة ونحوها ، فيضطر للذهاب – وهو غالباً شيخ مهدّم تجاوز الستين – إلى مستشفى الجامعة التعليمى لينتظر دوره أو أدواره وسط الزحام القادم من التأمين الصحى والأقسام الاقتصادية ( يعنى التى تعالج بالفلوس ) ثم يعود ليكتب طلباً بالعلاج إلى رئيس الجامعة الذى يُحوّله إلى لجنة طبية التى تقرر الاستحقاق من عدمه ، وبعدئذ يدخل متاهة الموافقات والمراجعات والبحث عن الأصناف الموجودة فى صيدلية الجامعة ، أو شراء البديل ، وتحرير طلب بقيمتها مع الفواتير التى تصرف أو لا تصرف بعد شهور ومشاوير تهدّ الحيل ، إذا كان هذا " الحيل " موجوداً أصلاً !
أما العلاج فى الخارج ، فأيامه "بيضاء" . " أبيض " من قرن الخروب ! وقد رأيتم ما جرى للمسيرى !
ولكن الأساتذة المحظوظين من أهل البلاط أو الحرملك ، فالطريق أمامهم مفتوح ، والتسهيلات بلا حدود ، وباقات الورد ، ولو فى باريس – بلا عدد !
لا تحدثنى عن بقية الناس من الذين أنهكتهم الأغذية المسرطنة والمياه الملوثة ، والغلاء الفاحش ، والمجارى الطافحة ، والمخدرات المنتشرة ، والمساكن الزدحمة ، والأيام الخانقة .. فهؤلاء الذين يمثلون الأكثرية الساحقة التى لا تعرف السلطة البوليسية الفاشية عنها شيئاً ، ولا تُريد ، وبالتالى ، فإن حلمهم بالعلاج المجانى أو شبه المجانى ، قد تم وأده تماماً ، فأقل تذكرة دواء لا تقل قيمتها اليوم عن مائة أو مائتى جنيه . مرتب شهر كامل للشخص المحظوظ الذي يجد عملا ؛ وربما أكثر ..ومع ذلك فإن كتاب لاظوغلى لا يذكرونهم بكلمة ، وإن كان أحدهم سخر بوقاحة من المسيرى وتمنى له الشفاء !
.................................
*المصريون ـ في 5/6/2007م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:25 PM
فرنسا والحجاب .. إنهم أناس يتطهرون !!

بقلم: أ. د.حلمى محمد القاعود

كان قوم لوط من الشواذ ، يمارسون الفحشاء مع أمثالهم من الرجال ، وعدوا الشذوذ هو الأصل ، والطهارة هى الاستثناء ، ولذا حاربوها وحاربوا الداعين إليها ، وعلى رأسهم سيدنا لوط عليه السلام ، وكانت تساعدهم فى حربهم ضد الطهارة زوجه التى كانت تنقل أخباره إلى قومه ،وكانت نهاية هؤلاء القوم طبيعية حين انقلبت بهم الأرض فصار عاليها سافلها ، ومعهم زوج لوط ، الذى أنجاه الله ومن آمن به .
وقد وردت قصة لوط وقومه فى أكثر من سورة على امتداد القرآن الكريم ، وأكدت القصة دائما على النهاية التى يستحقونها وهى التدمير بخسف الأرض وإمطارهم بحجارة من سجيل لقد وردت القصة فى سور منها :هود ،والحجر ،والأنبياء ،والشعراء ،والعنكبوت .والنمل ،والصافات ،وسأكتفى بإيراد آيات سورة النمل لكشف التفكير المعوج الذى يجادل به قوم لوط ، مع أنهم كانوا أصحاب عقل وبصر : (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون .أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون .فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ،إنهم أناس يتطهرون .فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين .وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) (النمل:54- 58 ).
وتكشف الآيات أن قوم لوط أصروا على شذوذهم وإجرامهم ،وكان ردهم على الاستفهام الإنكارى التوبيخى من جانب لوط عليه السلام هو طلب إخراج لوط ومن معه لأنهم أناس يتطهرون ، الطهارة والعفة والنقاء مسوغات الطرد من الديار عند الشواذ والمنحرفين ..
معاناة المسلمين في فرنسا
وهذه المسوغات بعينها هى ما يرفعه الصليبيون الاستعماريون المتعصبون فى فرنسا ضد المسلمين ، دع قضية الحجاب جانبا ، وانظر إلى مجمل ما يعانيه المسلمون من تمييز عنصرى بشع وكريه فى أرجاء البلاد الفرنسية ،مع أنهم يمثلون القوة الثانية بعد الكاثوليك ،ويبلغ عددهم أكثر من خمسة ملايين مسلم ،منهم ثلاثة ملايين يحملون الجنسية الفرنسية ،والباقى من المقيمين الذين قضوا فترات طويلة هناك فلا يوجد وزير مسلم واحد فى فرنسا ،ولا يوجد مسئولون مسلمون فى الإدارات الفرنسية حتى المستويات الدنيا ..والمسلمون يسكنون غالبا فى الأحياء الفقيرة ،ويعيشون مستوى اقتصاديا أقل من اليهود والكاثوليك ..ومع ذلك فهم يخدمون الدولة الفرنسية بإخلاص ، ويعطونها جهدهم وعمرهم ، ويأبى عليهم المتعصبون أن يكون لهم وجود إنسانى أو كيان محترم ..بل يريدونهم عبيدا بلا دين ولا عقيدة ولا ثقافة ولا هوية !.
الحجاب يقضي على النظام الجمهوري!!
إن فرنسا تمتلئ بالنساء العاريات والداعرات والمدمنين والشواذ والإباحيين ، ولكن ذلك لا يشغلها ولا يمثل لها مشكلة خطيرة ، فقط يشغلها استراتيجيا وقوميا حجاب المرأة الفرنسية المسلمة الذى يعلن من وجهة نظرهاعن هوية صاحبتها الإسلامية ..صار الحجاب علامة وشارة لدى فرنسا المتعصبة الظلامية ،وليس جزءا من العقيدة الإسلامية التى تلزم المرأة بالطهارة والعفة والنقاء ..ويجب التخلص من هذه الشارة وتلك العلامة لأن ذلك يخل بالمعادلة العلمانية ويقضى على النظام الجمهورى ؟!.
مشابهة بين منطقين
ولا ريب أن المشابهة قائمة بين قوم لوط فى منطقهم المعوج ضد المتطهرين ،و المتعصبين الفرنسيين ضد الحجاب ،وكلا الطرفين يملك عقلا وبصرا وعلما وفقها ،ولكن الشذوذ والتعصب ضربا بظلامها على الجميع ،وإذا كان قوم لوط قد نالوا جزاءهم قديما ،فلا أظن المتعصبين الفرنسيين سيفلتون من العقاب الإلهى قريبا أو بعيدا.. وصدق الله إذ يقول " وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا " الكهف ، فالظلم هو سبب الهلاك ومقدمته فى كل مكان وزمان !.
ليست قضية حجاب
القضية فى كل الأحوال ليست قضية الحجاب ، وإن كان الحجاب جزءا منها ، إنها قضية الإسلام الذى يكرهه الصليبيون المتعصبون ، ويحاربونه ليل نهار ، ويحققون انتصارات عظيمة ( في هذا المضمار ) .. .. ومع كل هذه الانتصارات الصليبية الاستعمارية ، فإنهم يخافون الإسلام والمسلمين ،لأن قيمه ضد طموحاتهم الشريرة وغاياتهم العدوانية وسلوكهم الإجرامى ضد الآخر استعمارا ونهبا وإذلالا واستعبادا .
المفارقة!!
والمفارقة أن الإسلام ينتشر فى عقر دارهم ،وبين أبنائهم الذين يهديهم الله تعالى إلى التعرف عليه وعلى مبادئه وتشريعاته ، وقد كثر القول مؤخرا عن دخول عدد كبير من الأوربيين والأمريكان إلى الإسلام عقب أحداث سبتمبر (2001) الغامضة ،التي اتهم المسلمون بتدبيرها ،حيث تهافت عدد كبير من أهل أوربا وأمريكا على شراء نسخ القرآن الكريم ومحاولة التعرف على ما فيه وكانت النتيجة إسلام بعضهم ، وتحجب نسائهم المسلمات ،مما أثار ذعرا وقلقا فى دوائر المتعصبين الصليبيين الظلاميين الذين مازالوا يعيشون بمنهج بطرس الحافى !!.
والمسيحية أبعد ما تكون عن الصليبية الاستعمارية ،ولقد اتخذ الاستعماريون الهمج من الصليب شارة وعلامة على المسيحية ،وهم يذبحون ويقتلون المسلمين والنصارى على السواء( الحملة الصليبية الثالثة توجهت إلى بيزنطة بدلا من القدس ،فأعملت فى أهلها النصارى قتلا وتشريدا ونهبا مما تقشعر له الأبدان).
وهو ما يكرره الصليبيون المعاصرون فى هيستريا لا تقل خطورة عن الهيستريا الصليبية القديمة ، حين يرون فى الحجاب تدل على تمدد الإسلام داخل المجتمع الصليبى الاستعمارى ،وهو ما يضعه الاستراتيجيون الغربيون تحت دائرة الضوء والتشريح لمعرفة مستقبله وتأثيره على المعادلة الاجتماعية والثقافية والسياسية فى الغرب ،كما يرى بعض الباحثين .إن الإسلام اليوم وهو حاضر المسلمين دائما فى الشارع الأوروبى يجعل الأوربيين يتساءلون دائما عن الإسلام ، وعن أولئك القوم الذين يتطهرون بالحجاب والعفة والنقاء ولا ينضوون تحت لواء الإباحية أو الإدمان أو الشذوذ ..وهذا ما تراه الحكومات الاستعمارية المتعصبة خطرا على وجودها فى المدى القريب أو البعيد .. ومهما يكن من أمر ،فإن الحملة المسعورة ضد الحجاب لن تزيد المسلمين إلا تمسكا بدينهم وحرصا عليه ودفاعا عنه وانتماء إليه ، والله غالب على أمره.
....................................
*الشبكة الإسلامية ـ في 19/1/2001م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:26 PM
المرأة المسلمة والأعاصير الغربية

بقلم: د.حلمى محمد القاعود

تمثل المرأة في التفكير الغربي الاستعماري الحديث محورًا مهمًّا من محاور الصراع ضد الإسلام والمسلمين ، الذي غايته - أو محصلته - هيمنة الغرب الصليبي على مقدرات الأمة الإسلامية ، والسيطرة على إرادتها ، واستنزاف مواردها ، وإدخالها دائرة التبعية المطلقة من منظور السيّد الخادم .
ولا يكفّ الغرب الصليبي عن إثارة موضوع المرأة المسلمة في شتى المناسبات الممكنة ، وبوساطة الأقلام المحلية والأجنبية ، ليكون بديلاً
عن القضايا الأساسية التي تعنى الأمّة وتشغلها وتؤرقها مثل : الحريّة والشورى والتعليم والثقافة والإدارة والبحث العلمي والقوة الاقتصادية والقوة العسكرية ، وما إلى ذلك من قضايا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بواقع المسلمين ومستقبلهم .
إن الإلحاح على قضية المرأة وإثارتها في الأدبيات المطروحة يثير من الرّيبة أكثر مما يثير من اليقين ، وخاصّة أن الأمر تجاوز المؤسسات الغربية الصليبية إلى المؤسسات العالمية أو الدولية التي يفترض أنها تمثل أمم الأرض جميعًا ، وأعني بها مؤسسات الأمم المتحدة .
إن معظم بلاد المسلمين الآن تغصّ بالمدارس التي تعلّم البنات ، والكليات المخصّصة للبنات ، فضلاً عن المؤسسات التعليمية المشتركة للبنين والبنات ، فضلاً عن امتلاء الشوارع ومؤسسات العلم والإنتاج والمستشفيات والمصالح الحكومية والجمعيات الخاصة والعامة ، والمجالس الشعبية والنيابية بالنساء من مختلف الأعمار والتخصّصات ، مما يعني أن المرأة المسلمة لا مشكلة جوهرية لديها .. صحيح أن هناك مشكلات محددة تصنعها التقاليد الظالمة والعادات السخيفة ، ولكن من قال إن هذه العادات أو تلك التقاليد تمثّل حالة عامة في المجتمات الإسلامية تحتاج إلى عملية تحرير ؟ وتحرير ممن ؟
إن الإسلام يحقق للمرأة ما لا تحققه لها المجتمعات الغربية الصليبية و لقد أعزّ الإسلام المرأة ، وحقق لها إنسانيتها، وراعى ظروفها الطبيعية والبيولوجية فألزم المجتمع - ممثلاً في الأب أو الزوج أو الأقارب - بحمايتها وصيانتها ورعايتها ، وفضلاً عن ذلك فقد جعل الإسلام للمرأة ذمّتها المالية الخاصة ، وحقوقها المادية التي لا يجوز لأحد أن ينال منها أو يستبيحها .. في الوقت الذي تحوّلت فيه المرأة الغربية الصليبية إلى مجرد سلعة يتداولها رجال الأعمال ، ومنتجو السينما والتلفزيون ، ومنظمو حفلات ملكات الجمال المحلية والعالمية ، وغيرهم من رجال المافيا والدعاية وشبكات الدعارة وما شابه .. ولعل هذا يفسّر سرّ زيادة عدد النساء الأوروبيات الداخلات في الإسلام أكثر من الرجال .
إن المرأة المسلمة تؤدي دورها الإنساني بكفاءة وتفوّق وسعادة ، فهي مدبّرة منزلها ومربّية أولادها .... وحافظة أسرتها دون ادّعاء عريض ، أو صراخ بغيض ، وهي على مستوى الجمهور الكبير في البلاد الإسلامية - تواجه مع الرجل - صعوبات الحياة وقسوتها بما يشبه البطولة ، وتسعى - مع الرجل - إلى توفير أساسيات الحياة في صبر وجهاد عظيم ، ثم إنها تذهب إلى المدرسة وتتعلم وتتفوّق وتنافس الرجال ، دون أن تكون هناك قيود أو سدود ؛ اللهم إلا ما يفرضه الخلق الإسلامي والقيم الكريمة التي يتحلى بها الرجال والنساء معاً .
بيد أن العالم الصليبي يصر على تصدير انحلاله ، أو انحلال بعض النماذج النسائية عنده إلى أمتنا . ويتخذ من بعض المقولات العامة طريقًا عامًا لعملية التصدير والإقناع بها .. إنه يطرح قضيّة المساواة المطلقة بين الرجال والنساء في كل شيء ، دون مراعاة لخصائص كل من الرجل والمرأة ، بوصفها حقًّا من حقوق الإنسان ، ويطمح من وراء ذلك أن يكون عدد النساء مثلاً مساويًا لعدد الرجال في الحكومات والمجالس النيابية والإدارات المحلية ومواقع السلطة في كل مكان .
نقل عن السيد "كوفي عنان" أمين عام الأمم المتحدة قوله : "لا أستطيع أن أفكر في أي قضيّة ترتبط بمنظمة الأمم المتحدة إلا وكانت تتعرض لقضية المرأة وتتداخل فيها . فالمرأة أصبح لها دور مساوٍ للرجل في تحقيق السلام ، والأمن وحقوق الإنسان ، لذلك فإن من الحق ، بل من الضروري ، أن تكون المرأة ممثلة في مواقع السلطة واتخاذ القرار لتحقيق هذه الأهداف . وأن تكون نسبة تمثيلها في هذه المراكز مساوية لعدد الرجال لأنها تملك القدرة نفسها والأداء المتميز لخروج خططها إلى حيّز التنفيذ (الأهرام : 7/ 16 / 2000 ) .
وهذا القول ، مع ما فيه من مبالغة ، لا يخلو من خيال واسع ، يبتعد عن أرض الواقع ، وحقائق التكوين الإنساني البيولوجي للرجل والمرأة . كما وأنه غير محقق في أي دولة على مستوى العالم مهما كانت دعواها في تحرير المرأة.
إن قدرات المرأة - مهما تفوقت في المجالات الإنسانية والإدارية والعلمية - تظل مرتبطة بالمجال الأساسي والرئيس للمرأة ، وهو الإنجاب وتربية الأبناء ، وتكوين الأسرة ، وهذه مهمة من أشرف المهام وأنبلها .
وإذا كانت بعض المجتمعات الغربية الصليبية قد أهملت شأن الأسرة ، ولم تعد تعدّ بها ، فإن الأسرة - وفقاً للفطرة الإنسانية - كيان ضروري ، لا تستطيع المجتمعات الطبيعية التفريط فيه ، أو النظر إليه بعدم مبالاة .
إن " كوفي عنان " يطمح إلى أن تكون نسبة المرأة بين موظفي الأمم المتحدة 50% ، حيث وصلت الآن إلى ما يقرب من 38.9 % ، وهدف خطة "عنان" من ذلك أن يقدم نموذجًا عالمياً لأمم الأرض كي تحذو حذوه ، وتصنع مثله ، وتجعل المرأة مساوية للرجل في الوظائف القيادية والإدارية ، واتخاذ القرار ، مما سيعطي المرأة فرصة الاهتمام بقضاياها وهمومها التي تلح عليها دول الغرب الصليبي . ومن هذه القضايا : التطرف الديني والأيديولوجي وتأثيره السلبي في المساواة بين الرجل ، وعدم الاعتراف بالأم المراهقة والأم العزباء ( خارج نطاق الزوجية ) ، وتنفيذ خطة بكين على الصعيدين الدولي والإقليمي ، والحدّ من الممارسات الضارة ( من وجهة نظر هذه الدول ) مثل ختان الإناث والزواج المبكر والزواج بالإكراه وتعدد الزوجات .
وكما نرى فإن هذه القضايا التي تطرح في المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة ، وآخرها "مؤتمر نيويورك 2000" أو الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة ( المرأة 2000 ) ، تصدر عن تصوّر غربي يركّز بالدرجة الأولى على المفاهيم الإسلامية الأساسية حول المرأة ؛ لنسفها ، وإحلال السوك الغربي الإباحي محلّها !
فالتطرّف الديني - مثلاً - مفهوم غير واضح وغير محدد ، ولكن المفهوم من الكتابات الغربية والكتابات المحلية المشايعة له : أنه السلوك المعادي للحرية والإنسانية وللمرأة أيضًا ، وفكرنا الإسلامي يرفض هذا السلوك ويدينه ، ولكن القوم يقصدون من وراء طرح مفهوم التطرّف الديني نبذ الإسلام ، وعدم تحكيمه في قضايا المجتمعات الإسلامية بصفة عامة ، والمرأة بصفة خاصة ، وبالطبع فإن القوم يرون ارتداء الحجاب تطرّفًا ، وأداء الصلوات تطرّفًا ، والزواج الإسلامي تطرّفًا .. وهكذا .
أما موضوع الأم المراهقة والأم العزباء ، فهو إصرار من جانب الدول الغربية الصليبية - ومن خلال الأمم المتحدة - على إلزام الدول الإسلامية بتقنين الإباحية ، وفرضها على المجتمع الإسلامي بوصفها حقًّا من حقوق الإنسان .. أي يصبح من حق أي فتاة أن تمارس الزنا مع من تريد ، وتحمل منه ، وعلى المجتمع الإسلامي أن يقرّ هذا السلوك ، بوصفه أمراً واقعًا يترتب لصاحبته حقوق الاعتراف والمشروعية وطلب المساعدة المادية والمعنوية!
ولنا أن نتصوّر كيف يكون الواقع الاجتماعي حين نسمح لبناتنا بممارسة الزنا والولادة غير الشرعية ، ثم يتوجب علينا بعدئذٍ أن نقرّ هذا الوضع ونتماهى فيه ؟
لا ريب أن تصدير الإباحية والانحلال إلى مجتمعاتنا عدوان سافر على قيمنا وأخلاقنا وحقوقنا الإنسانية المشروعة في الاعتقاد والتصّور والتفكير والحرية .
وقس على ذلك ما يتعلق بمسائل الختان والزواج المبكر وتعّدذ الزوجات ، وغيرها من أمور لها طبيعتها في المنظور الإسلامي الذي يختلف اختلافًا جذريًّا مع التصور الدولي الصليبي وغاياته . وإذا كانت المؤسسات الإسلامية في العالم الإسلامي تتصدى لهذا القهر الدولي الصليبي بما تستطيع ، فإنه من المؤسف ، أن تتولى مجموعة من النساء العاملات في المجال النسائي والجمعيات النسائية على الأرض الإسلامية الترويج لهذه المفاهيم والدعوة لها ، والدفاع عنها ، في الوقت الذي تتناسى فيه حقوق الأمة كلها في الحرية والشورى والأمل .
....................................
*الشبكة الإسلامية ـ في 8/3/2004م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:27 PM
مدينة أكادير تحتضن الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي

بقلم: د.حلمى محمد القاعود
..............................

عقد الملتقى الدولي للأدب الإسلامي دورته الثالثة بعنوان "دورة محمد المختار السوسي" في مدينة أكادير بالمغرب الأقصى، بتنسيق بين كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة ابن زهر، و المكتب الإقليمي لدول المغرب العربي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، و مجلة "المشكاة" المغربية.
كان ذلك أيام 21، 22، 23، شوال 1421هـ، الموافق 16، 17، 18، يناير 2001مو كان موضوع الدورة هو، "النقد التطبيقي بين النص و المنهج".و قد افتتح الملتقى أشغاله بحضور والي ولاية أكادير، و رئيس المجلس البلدي، وبكلمات كل من قيدوم كلية الآداب، و رئيس الرابطة و نائبه، و رئيس مكتب البلاد العربية، و رئيس المكتب الإقليمي لدول المغرب العربي. تلا ها قراءة قصيدتين للشاعرين: جابر قميحة من مصر، و الراضي اليزيد من المغرب.و بعدها توجه المشاركون إلى المعرض الذي نظم على هامش الملتقى، ثم إلى حفل شاي بالمناسبة.
ثم انطلقت جلسات العروض و البحوث المقدمة للدورة يتقدمها عرض الدكتور عماد الدين خليل، بعنوان: " إشكالية النقد التطبيقي لدى الأدباء الإسلاميين".ثم توالت العروض في خمس جلسات موزعة على أيام الملتقى، اشتملت كل جلسة على ستة عروض.
و في ما يلي بيان لأسماء الأساتذة المشاركين في الملتقى، و عناوين عروضهم و بحوثهم المقدمة فيه:الجلسة الأولى: في محور: النقد التطبيقي إشكالات و مفاهيم. 1. الأستاذ عباس ارحيلة، من المغرب: "النقد بين الغلو في التنظير و القصور في التطبيق".
2. الأستاذ إبراهيم وليد قصاب، من الإمارات العربية: "الاتجاه الديني و الخلقي في النقد التطبيقي عند العرب".
3. الأستاذ عبد الرحيم الرحموني، من المغرب: "مزالق النقد التطبيقي: قراءة نقدية في كتاب (مقالات في النقد الإسلامي تأصيل و تجريب، للأستاذ سعيد الغزاوي)".
4. الأستاذ صالح أوزكاي: "شروط النقد التطبيقي و ضوابطه".
5. الأستاذ مصطفى رمضاني، من المغرب: "النقد المسرحي بين النص والعرض".
6. الأستاذ عمر بوقرورة، من الجزائر: "النص بين التألق و الاضطراب". الجلسة الثانية: في محور: النقد التطبيقي و الشعر.
1. الأستاذ العربي المنزيل، من المغرب: "النقد التطبيقي و القصيدة الإسلامية المعاصرة".
2. الأستاذ بوجمعة جمي، من المغرب: "الفطرة السوية و الخصائص العقدية في إبداعات شعرية عربية، تحليل و نقد".
3. الأستاذ محمد ناجي، من المغرب: "المرجعية الدينية عند ابن قتيبة في نقده التطبيقي".
4. الأستاذ عبد الجليل هنوش، من المغرب: "التذوق و أسرار النص، قراءة في المنهج النقدي عند محمود محمد شاكر". 5. الأستاذ عبد الرحمن حوطش، من المغرب: "الملامح الفنية في ديوان نجاوى محمدية للشاعر عمر بهاء الدين الأميري، رحمه الله".
6. الأستاذ محمد الأمين، من المغرب: "قراءة نقدية في ديوان (القادمون الخضر)، للشاعر سليم عبد القادر". الجلسة الثالثة:
1. الأستاذ محمد الواسطي، من المغرب: "تجليات الأدب الإسلامي عند أبي تمام في قصيدته فتح عمورية".
2. الأستاذ جابر قميحة، من مصر: "شرائح النثر في شعر بهاء الدين الأميري".
3. الأستاذ محمد الحسناوي، من سوريا: "خماسية الأميري: هدية الأدب الإسلامي للأدب العالمي".
4. الأستاذ محمد خضر عريف، من السعودية: "الإسلام و العروبة في شعر محمد حسن فقي".
5. الأستاذة خديجة الفيلالي، من المغرب: "حضور القرآن في شعر أحمد مطر".
6. الأستاذ محمد بلاجي، من المغرب: "تجليات القدس في الشعر العربي الحديث".الجلسة الرابعة: في محور: النقد التطبيقي و السرد. 1. الأستاذ محمد بسام ساعي: "الفن القصصي في الأدب الإسلامي و نقده". 2. الأستاذ سعد أبو الرضا، من مصر: "الصراع بين القيم و المذاهب الأدبية في الرواية الإسلامية".
3. الأستاذ حلمي محمد القاعود، من مصر: "مملكة البعلوطي و نموذج القرية الأسلامية".
4. الأستاذ عبد السلام أقلمون، من المغرب: "تحليل و دراسة آخر أعمال أحمد التوفيق الروائية:غريبة الحسين، أو موسم الهجرة إلى الجنوب".
5. الأستاذ عيسى باطاهر، من الإمارات: "النقد و الالتزام عند الشيخ أبي الحسن الندوي، مع قراءة في كتابه: مسيرة حياة".
6. الأستاذ محمد همام، من المغرب: "الاعتراف و التوبة في السيرة الذاتية المغربية".الجلسة الخامسة: في محور: محمد المختار السوسي مبدعا و ناقدا. 1. الأستاذ محمد خليل: "محمد المختار السوسي ناقدا".
2. الأستاذ البشير التهالي: "مفهوم الأدب عند محمد المختار السوسي بين التاريخي و الجمالي".
3. الأستاذ محمد الحاتمي: "المعرفي و الأدبي في الكتابة الرحلية- نموذج (من الحمراء إلى إليغ) لمحمد المختار السوسي".
4. الأستاذ المهدي السعيدي: "محمد المختار السوسي شارحا للشعر: (الثريدة المناغية للعصيدة)".
5. الأستاذ أحمد الهاشمي: "الأثر الإسلامي في أعلام الأماكن بسوس".
6. الأستاذ أحمد أبو القاسم: "صناعة الشعر و نقده في المدرسة الإليغية بين النظري و التطبيقي: محاكمة إبداعية".و قد كان الملتقى مسرحا للمناقشات العلمية، و القراءات الشعرية التي شارك فيها شعراء مبدعون من المشرق و المغرب.
و تميز بالحضور الكثيف في جلسات المؤتمر كلها، و بغزارة البحوث المقدمة للملتقى، و كثرة المداخلات المناقشة للبحوث المقدمة فيه، و كذلك حضور عدد كبير من الشعراء الإسلاميين.
و اختتم الملتقى أعماله بقراءة التوصيات التي أسفر عنها، و هي كما يلي:توصيات الملتقى الدولي الثالث للأدب الإسلامي 1. طباعة البحوث المقدمة في هذا الملتقى، مع الاستفادة من المداخلات المنهجية التي حدثت خلاله، و تيسيرها للباحثين و المهتمين.
2. تنشيط نشر الأدب الإسلامي و دراساته، و البحث عن سبل تجاوز الصعوبات و العقبات القائمة.
3. البحث عن أساليب ناجعة لتواصل أفضل بين أقطار العالم الإسلامي فيما يخص الإبداع الأدبي الإسلامي.
4. تخصيص ندوات و مؤتمرات لبحث قضايا تهم مجتمعاتنا الإسلامية، منها: صورة المرأة في الأدب- أدب الطفل- المسرح بين النص و العرض- النقد الإسلامي والمناهج المعاصرة- الأدب الإسلامي و العولمة- الأدب الإسلامي و تقنيات الإعلام الحديث- إبداع الشباب في إطار الأدب الإسلامي- الأدب الإسلامي و المناهج الدراسية- السيرة الذاتية إبداعا و نقدا- أعلام الأدب الإسلامي المعاصر.
5. الاهتمام بترجمة الأعمال الأدبية الإسلامية، من العربية و إليها.
6. الاهتمام بتوفير النصوص الأدبية الإسلامية المناسبة للأعمال الدرامية، و خاصة التي تقدم في الفضائيات.
7. الاهتمام بإيجاد صيغة منهجية للحوار مع الآخر بما هو مفيد.
8. الاهتمام بتطوير موقع الرابطة على شبكة الإنترنت العالمية، و إتاحة الفرصة لعرض أنشطة المكاتب الإقليمية من خلالها.
9. عقد الملتقى الدولي الرابع للأدب الإسلامي في مدينة فاس، و تسمية الدورة باسم علال الفاسي، و يكون موضوعها: "الرواية المعاصرة بين الواقع والتطلع".
10 تكليف المكتب الإقليمي في المغرب العربي بإصدار بيان إعلامي باسم الملتقى يتضمن تحية لانتفاضة الأقصى المباركة، و شكرا للجهات الداعمة والمساهمة في إنجاح هذا الملتقى، و نص التوصيات التي صدرت عنه، و توزيع هذا البيان على وسائل الإعلام المتاحة. و الله ولي التوفيق.
....................................
*الشبكة الإسلامية ـ في 12/3/2001م.

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:29 PM
تجار الدراما.. وإرهاب الحكومات!

بقلم: د. حلمي محمد القاعود

يلعب معظم تجار الدراما والأفلام والمسرحيات من كتاب ومخرجين ومنتجين وغيرهم دورًا مزدوجًا في خدمة القوى الاستعمارية الدولية والحكومات العربية التابعة لها، وفي الوقت نفسه يزعمون أنهم يقدمون صورة الإسلام السمح من خلال أعمالهم وكتاباتهم.
هذا الدور المزدوج يمثل حالةً من حالات انحطاط الدراما والفن، لأنها تُحوّلها إلى صورة دعائية فجة للحكومات التي تحتفي عادةً بالأعمال التي تتناول عنف بعض الجماعات، وتغدق على المشاركين فيها كثيرًا من الرعاية والامتيازات والشهرة والجوائز، فضلاً عن العوائد المادية والأدبية التي تأتي نتيجة لشراء الجهات الإعلامية الرسمية (التلفزة والإذاعة) لهذه الأعمال، واستضافة أصحابها في البرامج والصحف والندوات والمؤتمرات وإجزال العطايا والهدايا والجوائز لهم!
أهم ما يُميز هذه الأعمال هو إدانتها للإسلام، وليس للقائمين بالعنف أو الإرهاب، وسبق أن كتبت عن هذا الملمح تفصيلاً في أكثر من مناسبة، ولكن الذي أريد أن أؤكد عليه هو تقديم الصورة القبيحة الدموية الجاهلة التي يعيشها بعض الأفراد، والسلوكيات التي يُمارسونها في واقعهم وحياتهم بوصفها من خصائص الإسلام الطبيعية ومعطياته الحقيقية.
إنهم مثلاً لا يقدمون شخصًا ضلّ الطريق، وانساق إلى العنف في ظل ظروف معينة ونتيجة لأسباب خاصة، ولكنهم يقدمونه كأنه نبت شيطاني تغذيه جهات أجنبية (؟) يستسلم لها استسلامًا كاملاً، ولا يوجد له في أعمالهم الفنية والدرامية مقابل إسلامي حقيقي، يقدم الإسلام بسماحته ورحمته وكرمه وتعففه وشرفه وكبريائه وعزته.. إن المقابل الذي يقدمونه هو المسلم الذي "تأورب" أو "تغرّب" أو تثقف بالثقافة الأوربية الغربية بكل ما فيها من قيمٍ مغايرة وسلوكيات مختلفة.. وتفيض على هذا المقابل الغريب ملامح الإنسانية الرقيقة والبشرية المسالمة؛ سواء كان شيوعيًّا أو وجوديًّا أو إلحاديًّا أو سكيرًا أو عربيدًا أو إباحيًا بصفةٍ عامة.
بل إنَّ المفارقةَ تتأتي في بعض الأحيان حين يقدمون صورة المتشدّدين والمتزمتين من غير المسلمين، فهم يقدمونهم في صورةٍ محبوبةٍ جميلة.. فهذه الزوجة غير المسلمة مثلاً، حين تأخذ من زوجها غير المسلم موقفًا حادًّا وعنيفًا؛ لأنه يلعب الورق أو يشرب الخمر، لا يصورونها جافة خشنة قاسية الملامح كما يصورون الشخصيات الإسلامية التي يزعمونها متشددة أو متطرفة، بل يقدمونها في صورة الإنسان الباحث عن الأخلاقِ والمروءة والشرف مما يجعل الجمهور يؤيده ويقف من ورائه!
وواضح أن إنتاج الأعمال الدرامية التي تعالج العنف والإرهاب- كما يزعمون- تأتي في سياق دولي عدواني تقوده جهات استعمارية معروفة، ليست غايتها التعريف بسماحة الإسلام ومسالمته بقدر ما تهدف إلى تشويهه وتنفير الناس منه وأولهم المسلمون العوام الذين حرمتهم الحكومات الإسلامية من دراسة الإسلام ومعرفة أصوله الصحيحة وقواعده السليمة، وفرضت عليه حصارًا استئصاليًّا في كل مكانٍ يمكن أن يكون فيه فعّالاً ومثمرًا للإسلام والمسلمين بدءًا من الإعلام والتعليم والثقافة حتى القضاء والنيابة والمؤسسات العسكرية والبوليسية.
إن الإسلام لا يقرّ العنف أو الإرهاب ضد أي أحدٍ من الناس، فما بالك بالمسلمين إخوة الدين وأشقاء العقيدة وأهل الوطن ورفاق المجتمع..؟ إنها حالة واحدة فقط يفرض فيها الإسلام على القادرين حمل السلاح ويُجبرهم أن يرفعوه ضد الغزاة الذين يعتدون على الأوطان ويردعون البلاد والعباد.. أما الاعتداء على الآمنين والمسالمين، فهو أمر يرفضه الدين نصًّا وتطبيقًا.
ولا شك أن العنف الذي عرفته بعض البلاد العربية في العقود الأخيرة، هو ظاهرة غريبة ليست مألوفة في مجتمعاتنا الإسلامية المسالمة، وقد انحسرت هذه الظاهرة التي كانت تتبناها مجموعات محدودة، نتيجة لعوامل صنعتها السلطات الحاكمة في الأغلب الأعم.
وكان يمكن لتجار الدراما أن يُعالجوا هذه المسألة في سياق عام ضمن ظواهر اجتماعية أخرى موضحين أسبابها والدوافع التي قادت إليها. ولكن تجار الدراما، وأغلبهم شيوعي أو علماني أو مرتزق يسعى إلى الكسب بأيةِ وسيلة ولو كانت حرامًا، وجدوا الفرصة سانحة، فصنعوا بالوحي البوليسي أو التطوع التلقائي مسلسلات وأفلامًا وتمثيليات، وقاموا بالترويج لها في أجهزة الدعاية التي تسيطر عليها الدولة تؤكد على عدوانيةِ الإسلام وفقدان البديل الإنساني الذي يمثله المسلم المعاصر.. وأضافوا إلى ذلك حالة دعائية مفتعلة تقول إن هناك من يكفرهم؛ وإنهم مهدّدون في حياتهم، وإنهم معرضون للاغتيال، ومعظم ما يقولونه تهويل لا أساسَ له في الواقع، يشبه بعض الرسائل المجهولة التي تصل إلى كتاب الصحف والمجلات ردًّا على بعض مقالاتهم، ويأتيني شخصيًّا كثير منها على الشبكة الألكترونية (النت)، باسم المجلات والصحف والمواقع التي أكتب فيها، ولا آبه لها؛ لأنها في الأغلب الأعم رسائل "فشنك" لا قيمة لها، ولكن القوم صنعوا من أنفسهم ضحايا، وصنعوا من أنفسهم أبطالاً وشهداء، وهم في الحقيقة لا يتجاوزون مخبري الشرطة وعملاء المباحث.
إن العنف صناعة حكومية في أغلب الأحوال، صنعتها سجون الاستبداد وما يجري فيها من تعذيبٍ وحشي، لا تقره شريعة ولا عقيدة ولا قانون، وصنعتها ممارسات حكومية ظالمة، جعلت الناس تفقد الأمل في العدل والمساواة والكرامة، وصنعتها ممارسات حكومية إجرامية فقدت الرشد والاتزان، ففاقمت من الفقر والتخلف والقهر، وساندت النهب والفساد والانحراف، وخلفت فيالق من العاطلين والمتسكعين بلا عمل ولا هدف ولا غاية، وصار القانون في حماية الأقوياء، وضد الضعفاء.. وانهار التعليم والعلم والثقافة والصناعة والزراعة، ولعبت الدول الكبرى بجواسيسها وعملائها وأتباعها في كل مرافق المجتمع والحياة التي يعيشها العرب والمسلمون؛ ثم كانت الجريمة الكبرى التي ارتكبتها الحكومات العربية الإسلامية بمحاربة الإسلام ودعاته، والتضييق على الفكر الإسلامي في الإعلام والتعليم والثقافة والمساجد، وتفريغ الأزهر والتعليم من العلوم الشرعية الإسلامية والعربية.
كل هذا لا يذكره تجار الدراما، ولكنهم يركزون على جانبٍ واحدٍ فقط، هو تقديم المسلم الإرهابي الدموي الذي لا يتورع عن القتل وسفك الدماء واستحلال دماء الآخرين واستباحة كل شيء، وامتلاك قلبٍ من الصخر لا يأبه للضعف الإنساني ولا يصغى لخفق القلوب!
إن تجار الدراما، وخاصةً الشيوعيين- أو من كانوا كذلك ثم تأمركوا- والمرتزقة الذين جاءوا من قاع المجتمع، يرتكبون جريمةً حقيرةً في حقِّ المجتمع والوطن والأمة، وقبل ذلك الإسلام والمسلمين، وهم يخونون بلادهم ويخدمون أعداءها، ولو ادَّعى بعضهم أنه مطلوب على قائمة "الموساد"!

د. حسين علي محمد
02-12-2009, 03:30 PM
ولا عزاء لأدونيس فى نوبل

بقلم: د.حلمى محمد القاعود

قبل أيام كتبت عن جائزة نوبل التى مُنحت فى أكتوبر 2006م للروائى التركى (( أورهان باموك ))، الذى كتب عدّة روايات تعالج الصراع بين الشرق الإسلامى والغرب الصليبى ، وتنحاز للطرف الثانى بصفة عامة ، حيث عبّر عن إدانة بلاده بسبب المذابح المزعومة ضد الأرمن والأكراد التى يدعيها الغرب ، وقلت إن (( باموك )) لو أدان مذابح الغرب الاستعمارى الصليبى ضد العراقيين والأفغان والبوسنيين ، مثلا.. ما كان قد حصل على جائزة نوبل أبداً .
كان عدد من الكتاب العرب وغير العرب من الذين ينتمون إلى العالم الإسلامى ، ينتظرون الحصول على الجائزة ولكن " التركى " سبق بها . وكان من بين هؤلاء الكتاب على أحمد سعيد ( أدونيس ) ، وهو من الطائفة النصيرية ( التى تسمى بالعلوية ) الحاكمة فى دمشق ، وانتمى إلى القوميين السوريين، وبعد الوحدة السورية المصرية ترك سورية احتجاجاً على الوحدة وعاش فى بيروت ، ويُقال إنه " تنصّر " وتم تعميده فى جامعة القديس يوسف ، التى منحته درجة دكتوراه الفلسفة فى الأدب عن كتابه الشهير " الثابت والمتحول " الذى صدر فى ثلاثة أجزاء .
وأدونيس ، الذى ولد عام 1930م فى قرية قصابين باللاذقية ( معقل الطائفة النصيرية / العلوية ) ، هو فى الأصل شاعر ، أصدر مجموعة كبيرة من الدواوين ، من أشهرها : أغانى مهيار الدمشقى ، دليلة ، قالت الأرض ، وقدم قراءة للشعر العربى القديم ، ومختارات منه محتذيا فى ذلك الشاعر الرائد " محمود سامى البارودى " مع الفارق الزمنى والفكرى بين الاثنين .
وأبرز أفكار أدونيس ، التى عبّر عنها بصورة واضحة وصارمة مبثوثة فى مجلة "مواقف " ، فضلاً عن شعره ، هى رفض الإسلام ، والإيمان بمقولات لينين عن الدين بصفة عامة ، وكان يمثل فى الستينيات مع مجموعة من الشعراء اللبنانيين ما يُسمى بشعراء الرفض . والرفض ليس التمرد على الاستبداد أو الظلم أو التخلف ، ولكنه رفض الإسلام والعروبة والوحدة ،ثم تبني ما يسمى الآن بالحداثة بمفهومها الغربي، ويركز دائماً على أن الحياة العربية ليس بها محور غير الانحطاط وأن العربى لا يخرج عن كونه طفلاً أو هيكلاً عظمياً ، وأنه ليس الله فى المنطقة العربية هو الميت ولكنه كذلك العالم والإنسان . وأن القرآن " خلاصة تركيبية لمختلف الثقافات التى نشأت قبله "، وأن عودة العربى إلى نقائه الأول لا يمكن أن تتحقق إلا فى ضوء عودة الشاعر يوسف الخال إلى المسيح !
وشعر " أدونيس " يمتلئ بعدد من الرموز التى تدور حول النار ، وفينيق ، والصلب ، والجلجلة ، والطوفان والمطر ، والجرح ، والوثنية . ثم إنه يتخذ من " مهيار الديلمى " الشعوبى القديم رمزاً له فى " مهيار الدمشقى " .
ومن أشعاره : " إننى مهيار هذا الرجيم / إننى خائن أبيع حياتى / إننى سيد الخيانة " . ومنها : " لا الله أختار ولا الشيطان / كلاهما جدار / كلاهما يُغلق لى عينى " أو " أعبد فوق الله والشيطان / دربى أنا أبعد من دروب / الإله والشيطان " أو " خريطتى أرض بلا خالق / والرفض إنجيلى " .
وبعد أن انتهى " أدونيس " شاعراً بحكم الزمن وتقدم السن واحتضان الأنظمة الشمولية له ، واحتفائها به فى مناسباتها المختلفة ، بل واختلاق المناسبات التى تدعوه إليها ، وتقيم له الأفراح والزينات ، وتُضىء له الشاشات الصغيرة ، ليعبّر عن استعلائية مرذولة ، واحتقار للآخرين وخاصة من الشعراء والنقاد والمفكرين الذين ينقضون أفكاره وتصوّراته ، فقد راح يعزف على وتر آخر ، يصب نغماته فى آذان الغزاة اليهود والغرب الاستعمارى . وبدلاً من أن يقف مع شعوب الأمة العربية فى كفاحها ضد الغزاة والأعداء ، فإنه ينعطف تحت مسميّات براقة ، ليلوى أعناق المضطهدين من أمته نحو قضايا هامشية ، وكأنه يؤكد على صواب ما يفعله الغزاة والأعداء .
من ذلك مثلاً خطابه الذى وجهه إلى السلطات اللبنانية عام 2001م فى جريدة الحياة ، والانتفاضة الفلسطينية الثانية فى عنفوانها يطالبها فيها بمنع عقد مؤتمر " مراجعة الصهيونية " . إنه لا يُشير أبدا إلى المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطينى ، وعدوانها المستمر على جنوب لبنان وتحليق الطائرات اليهودية فى السماء اللبنانية التى يعيش تحتها .
إنه يرى أن " الثقافة العربية " هى الثقافة المجرمة الآثمة التى يجب أن توجه إليها اللعنات ، لأنها تنشغل بمطاردة اليهود وتدمير الغير ، والنتيجة أنه لم تعد لدينا قضية إنسانية (!) تتجاوز حدود أنانيتنا ولماذا لا يمكن أن نحارب إسرائيل ونسالم فى الوقت نفسه الفن والأدب اللذين ينتجهما كبار الأدباء والفنانين اليهود خارج إسرائيل وداخلها ؟ "
لا شك أن الشاعر الكبير أدونيس لايدرى شيئاً عن واقع الصراع الجارى بين الغزاة النازيين اليهود ، وبين من يفترض أنهم شعبه وأهله وأنه واحد منهم . ولا ندرى هل لديه علم عما يقوله عنا أدباء اليهود وفنانوهم وصورة العربى فى قصصهم وأشعارهم ومسرحهم ؟
هل تزعجه العمليات الاستشهادية ، وعمليات المقاومة عموماً ، ولا يُزعجه قصف بيروت وغزة وخان يونس والمخيمات الفلسطينية ؟
وهل ما يقوله أدونيس عن " ثقافتنا المتوحشة " له علاقة بالمؤتمرات التى انعقدت فى برشلونة وغيرها وشارك فيها مع نفر من اليهود الغزاة ؟
لا ريب أن أدونيس كان يتهيأ بكلامه وأفكاره ليتلقى جائزة نوبل ، ولكنها للأسف أخطأته ، وذهبت إلى " درويش " أكثر عشقاً للأوربيين ، وهو التركى " أورهان باموك " .
ويبدو أن بعض الجهات العربية لم يرضها أن يحزن " أدونيس " الذى طال انتظاره لنوبل ، ولم تأت ، فجهزت له نوعاً من التعويض الذى يجعله موجوداً على الساحة ، ولو أعاد إنتاج كلامه القديم ، فقد قررت مكتبة الإسكندرية استضافته لمدة أسبوعين ضمن برنامج يُسمى الباحث المقيم ، يلقى فيه أربع محاضرات ، ويلتقى عدداً من رواد المكتبة المختارين بدقة ، فيلقى محاضرة عن " الثابت والمتحول " فى الثقافة العربية : قراءة لكتابه الثابت والمتحول " وأخرى عن " الذائقة الشعرية " وثالثة عن " الشعر والفكر " ورابعة عن " الشعر والهوية " .. وبذا تكون مكتبة الإسكندرية قد قدمت عزاءً مناسباً لأدونيس الذى يرى ثقافة أمته لا تهتم بالإنسانى الذى يحيى الذات وتحيا بها الذات وتساعد الآخرين على الحياة . لكنها مشغولة بتشويه الإنسان اليهودى والاستعمارى طبعا وقتله والتضحية به ونفيه !!
أما رأيه في المصريين الغزاة ، فهو أمر يحتاج إلى كلام كثير ، ويكفى أنه يرى أن كل شىء يبدأ بالفراعنة ينتهي بالموت والخراب ، وسماهم في عهد الوحدة مع سورية بالرمل والغربان ..!!
ما رأيكم دام فضلكم فى أسطورة " أدونيس " الذى يرى فيمن يقتلنا إنسانية وتحضراً ، ويرى فى ثقافتنا توحشاً وتخلفاً ؟
....................................
*المصريون ـ في 1/11/2006م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:21 PM
الأدب الأفغاني الإسلامي

بقلم الدكتور حلمي محمد القاعود

يظل العالم العربي في حاجة إلى تعرف آداب الشعوب الإسلامية في آسيا وإفريقية ، على الأقل من باب الواجب المعرفي ، فقد اهتم الأدباء العرب ونقادهم بالانغماس في المركزية الأوربية وما يحيط بها من آداب تابعة لها بحكم الثقافة أو اللغة أو الدين ، ومن المفارقات أن الأدباء العرب مثلا يعلمون عن أدب أمريكا اللاتينية الكثير ، ولا يعلمون إلا القليل عن الأدب الفارسي والتركي ، وأعتقد أنهم لا يعلمون شيئاً ألبتة عن الأدب البنغالي أو الملايوي أو الإندونيسي ، بل إنهم لا يعرفون أدباً أو أدباء في بلاد تنتمي إلى الجامعة العربية مثل الأدب الصومالي أو الأدب الجيبوتي أو الأدب في جزر القمر . قد يكون الانبهار بالمركزية الأوربية من وراء إهمال الآداب في العالم الإسلامي ، وقد يكون توجه النخبة المعادي للثقافة الإسلامية عموماً من وراء البعد عن آداب شعوبها .. ولكن المحصلة في النهاية هي الجهل شبه التام بآداب الشعوب الإسلامية ، وخاصة ما صدر منها عن تصور إسلامي أو رؤية إسلامية .
ولعل المشروع الذي أخرجته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى الوجود للتعريف بآداب الشعوب الإسلامية يعدّ الأول من نوعه في هذا المجال ، فقد رتّبت عمادة البحث العلمي لنشر سلسلة آداب الشعوب الإسلامية ، وبالفعل ظهر من هذه السلسلة عدة دراسات مهمة ؛ عن الأدب التركي، والأدب الأوردي ، و الأدب الأفغاني ، ورابعها عن الأدب الأوزبكي، وكلها تؤصل للأدب الإسلامي في تركيا والباكستان وأفغانستان .. وقد اخترت الدراسة الثالثة لأقدمها إلى القراء بحكم أن كثيرا من القراء العرب يفتقدون النصوص الأدبية الأفغانية الإسلامية بين أيديهم . وجدير بالذكر أنني قدمت منذ سنوات وعقب الاحتلال السوفياتي لأفغانستان الذي وقع عام 1979م دراسة حول شعر الشاعر الأفغاني العظيم " خليل الله خليلي " ، ومن خلاله عرّفت ببعض ملامح الأدب الأفغاني الإسلامي المعاصر ، وخاصة ما تعلّق منه بمقاومة العدوّ الشيوعي المستعمر ، وأتباعه من الشيوعيين الأفغان الذين نشروا الإلحاد والموت والقهر والدمار في شتى أرجاء أفغانستان !
الدراسة التي بين أيدينا من تأليف وإعداد وترجمة الدكتور " محمد أمان صافي "، وتنطلق من الوحدة الحضارية والثقافية للمسلمين بوصفها وحدة حضارية أصيلة وثقافة إسلامية مستقلة ، والأدب هو الشاهد على هذه الوحدة ، فروحه وتصوّراته ورؤاه تصدر عن منبع واحد هو الإسلام ، ولا يؤثر في ذلك ما تنتجه النخبة المتغرّبة في البلاد الإسلامية ، فأدبها هو الاستثناء المخالف الذي يثبت الوحدة الحضارية والثقافية للمسلمين .
لقد صمدت الأمة الإسلامية في وجه النكبات والغزوات التي ألمت بها ، وجعلتها شيعاً وأحزاباً؛ بفضل الله أولاً ، ثم بفضل أدبها الإسلامي الذي عبر عن فكرها المشترك ومشاعرها الواحدة ، وتاريخها الواحد ، وهو ما جعلها تستمد من هذا الأدب أصالتها ورسوخها في النضال والكفاح والصمود ، وتفوّت على الغزاة والطامعين فرصة إبعادها عن دورها الحضاري الإسلامي ، أو قطع صلتها بالتراث الإسلامي العظيم .
إن الأدب الأفغاني من أهم الآداب الإسلامية ، وأعظمها فائدة ، وأجملها متعة ، وأصدقها رواية ، ونصوصه كل شيء إسلامي للإنسان عامة، وللمسلم خاصة، تقدم البناء الفكري والسلوكي والذوقي ، وتقدم المتعة الجمالية، والقيم الإنسانية ، والمنفعة التعليمية ، والعذوبة الفنية ، والتسلية النفسية في بيان إسلامي ساحر جميل . إنه أدب جدير بالاهتمام ، وجدير بالترجمة .
وإذا كان الأدب العربي هو الجناح الأول للأدب الإسلامي ، فإن جناحه الآخر يتمثل في آداب الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية ، ولا يجوز أن يبقى الجناح الأول بعيداً عن الجناح الآخر ، أو العكس ، فبالجناحين يستقيم التحليق في الآفاق الأدبية الإسلامية ... وبالترجمة يمكن فتح باب جديد واسع في الأدب الإسلامي مازالت دروبه بكراً ، ومازالت دراساته وساحاته ميادين واسعة للباحثين والدارسين والمترجمين .
يحدد الدكتور " محمد أمان صافي " خصائص الأدب الأفغاني الإسلامي ومميزاته في النقاط التالية :
1 – هو أدب إسلامي عريق نشأ في ظلال الإسلام ، وتحت رعاية اللغة العربية ، وكانت العناية به إسلامية أفغانية ، وكانت نهضته وتطوره مبنيتين على الأسس والمبادئ الإسلامية . وقد نشأ نشأة إسلامية في منبت إسلامي طيب ، وفي شعب شديد التماسك بالإسلام يأمر الشعراء والأدباء والكتاب بالتقيد الشديد بالتزام قواعد الإسلام ، وتطبيقها في القول والفعل ، كما يأمرهم ويحضهم على الالتزام بالخلق القويم .
2 – وهو أدب ينطلق من التصوّر الإسلامي للخالق العظيم ، وللإنسان والكون المحيط بالإنسان ، وللحياة التي يعيشها ، ويدعو الإنسان إلى عبادة الخالق العظيم في هذه الحياة ، ليس هذا فحسب بل يقوم برسم معالم الطريق الرئيسة ليسلكها في رحلة حياته الطويلة ، فلا غرابة أن نرى الروح الإسلامية تسري في عروقه المعنوية والصورية ، إنه أدب يهتف في شعره ونثره بعظمة الإسلام ، ويدعو بقوة إلى التمسك بأهداب الدين الإسلامي حيث إنه طريق النجاة من الضياع .
3 – واقع الأدب الأفغاني واقع إسلامي ، منه يستقي قيمه وسلوكياته ، وعليه يعتمد في واقعه الأدبي ، حيث إنه لا يعرف العيش في أبراج عاجية بعيداً عن الحياة والناس . والحياة في منازل الأفغان حياة إسلامية ، والناس فيها مسلمون شديدو التمسك بالإسلام . ولابد للأدب أن ينفعل بالحياة والأحياء تأثراً وتأثيراً ، وقيود الواقع الحيّ تشدّه شدًّا إلى أن يقوم بتصويره وتجسيده ، فيصبح على واقع الحياة والأحياء ، حلوه ومرّه .. إنه أدب إسلامي حاول على مدى تاريخه العريق أن يقدم وصفاً مطابقاً للواقع ، وأن يعكف على دراسة مشكلات الحياة الإسلامية ، ومناقشة حلولها الإسلامية ، وجعل من واقع الحياة مصدراً استقى منه أعماله الأدبية بحيث يمكننا أن نرى فيه صورة صادقة وواقعية للحياة الإسلامية .
4 – الأدب الأفغاني مظهر من مظاهر الانتماء الإسلامي في أجلى صورة، ومظهر التغنّي بأمجاده ومآثره التاريخية الممتدة في جذور انتمائه إلى أعمال التاريخ ، وفي اعتزازه بالإسلام وبقيمه ومثله العليا . وقد واجه بقوة محاولات القضاء على مظهر الانتماء الإسلامي ، ولم تتمكن مظاهر التغريب من التغلب عليه ، بل قاومها ودافع عن المظاهر الإسلامية .
5 – الأدب الأفغاني الإسلامي أسهم في إقامة المجتمع الإسلامي وفي تكوين الفرد المسلم ، وفي غرس الولاء الإسلامي ، وفي تنمية المسؤولية الإسلامية، والحرص الشديد على الذوق الجمالي الإسلامي ومجابهة الأفكار الهدّامة ، وتأكيد العبودية لله ، والمشاركة في مظاهر بهجة المسلمين وسرورهم بالانتصارات في الفتوحات الإسلامية ، وفي تصوير تلك الفتوحات والانتصارات في القديم والحديث ، وقد وفق الأدب الأفغاني في تصوير هذه الغايات والأهداف النبيلة في الإطار الذي حدّده الدين الإسلامي ، وهي غايات وأغراض جميلة تدور حولها الدراسات الأدبية في عصرنا الحاضر . لقد ظل الأدب الأفغاني الإسلامي يؤدي دوره لخدمة الإسلام دون أن تحطمه حملات المذاهب المادية !
6 – إن الأدب الأفغاني الإسلامي في جملته أدب إسلامي الأساس والمنطلق ، إسلامي الواقع والمظهر والانتماء ، إسلامي الإسهام في إقامة المجتمع وتربية الفرد . ومع ذلك فإن بعض الأدب الأفغاني ضل الطريق وشذّ عن الجادّة الإسلامية ، ولا قيمة لهذا " البعض " أما رسوخ الأدب الإسلامي الذي يمثّل الصورة الغالبة . " ويكفيه فخراً أنه ليس في أدب الناطقين بالأفغانية مكان للكافر والكفر " !
هذه الخصائص والمميزات التي ذكرها الدكتور " محمد أمان صافي " يترجمها إلى واقع عبر صفحات دراسته من خلال النصوص الأدبية الأفغانية الإسلامية ، ومن خلال إطلالة ضافية تتناول تأثير الإسلام في نشأة اللغة الأفغانية ( البشتونية = البختونية ) وكتابتها بالحروف العربية بعد أن عادت إليها الحياة ودبت فيها الحركة ، وهجرت نهائيا الهجائية القديمة التي كانت تستخدم في كتابتها .. ثم تركّز الدراسة الحديث عن الشعراء والأدباء الأفغان الإسلاميين في كل فترة من تاريخ الأدب الأفغاني ، وبيان ما أجادوه في الأدب الإسلامي من الأفكار والتصوّرات والأخيلة ، وما صوروه في شعرهم من المعاني والمفاهيم الإسلامية ، مع الاعتماد على الشواهد الأدبية ، ونقلها من الأفغانية إلى العربية ، وهذا في الحقيقة يمثل رحلة الأدب الأفغاني عبر القرون .
ويمثل القسم الثاني من الدراسة لبّها وجوهرها ، أو نموذج الأدب الرفيع للأدب الأفغاني الإسلامي ، وبعد مقدمة تاريخية حول الجهاد الأفغاني الإسلامي ، فإن الدراسة تدعونا لمعايشة أجمل نماذج الشعر والنثر التي قالها الشعراء والأدباء الأفغان المسلمون ، خاصة في ظل الاحتلال الشيوعي الروسي وأتباعه من الشيوعيين الأفغان .
وكان من توفيق الباحث أنه وضع النصوص المترجمة باللغة البشتونية ، ليستزيد القراء والباحثون الملمّون بهذه اللغة من متعة الاطلاع عليها ، والتغلغل في جماليّاتها .
ويصعب في هذه الكلمات الموجزة أن نلمّ بجميع ما أورده الباحث من نماذج أدبية تتناول الجهاد الأفغاني قديماً وحديثاً ، ولكننا سنكتفي بالوقوف أمام بعض الشعراء والكتاب من الأدباء الإسلاميين الأفغان المعاصرين الذين آثروا أدب الجهاد الإسلامي بقصائدهم وكتاباتهم .
وينبغي أن نتذكر أن الشيوعية الأفغانية أشدّ الشيوعيات عداوة للأفغان ، وكرها للإسلام ، وحقداً على المسلمين ، تضع في طريق القيم الإسلامية ، والأفغانية كل العقبات والعراقيل ، وقد استعانت بالروس الغزاة ، وقامت بإنزال المحن بالمسلمين ، وأعدمت كثيراً من الأبرياء ، أو اعتقلتهم ، وشردت الآمنين ، وذلك بعد أن قفزت على كرسي الحكم في كابل ، وبعد أن احتل الروس أفغانستان بالقوة . وقد لعب الحزبان الشيوعيان : خلق وبرشام دور العملاء في هذه العمليات الإجرامية .
لم يكن أمام الشعب الأفغاني المسلم إلا القيام بالجهاد الإسلامي لمواجهة القهر والقمع والتنكيل التي تمت فيها ممارسة أشرس أساليب المقاومة الإسلامية ، وأشدّها فتكاً وتأثيراً . وبدأت مسيرة الجهاد الأفغاني إسلامية ، وانطلقت إلى كل الآفاق دفاعاً عن الدين والوطن .
لقد استشهد الباحث في سياق الجهاد الأفغاني الإسلامي المعاصر بأشعار وكتابات عدد كبير من الشعراء والأدباء ، منهم : عبد الله غمخور ( الحزين ) والشيخ عبد الباري غيرت ، وحبيب الله رفيع وديدار خان أحمدزي ، وجوهري ، وعبد المتين تسكين ، والصادق كل زرك زردان ، وغمجين ( الحزين المتألم ) ، ومحمد يونس خالص ، وقيام الدين كشاف ، وتوريالي زازي ، وعيسى محمد ، ومحمد عارف غزوال ، وسيد محيي الدين هاشمي وعبد رب الرسول سياف ..
كنت أتمنى أن يستعرض الباحث بعض أشعار " خليل الله خليلي " ، ومع أنه أشار إليه في سياق البحث ، ووصفه بالشاعر العظيم ، فقد كنت أتمنى أن يحظى منه ببعض الاهتمام وتقديم بعض النماذج الشعرية له . ولا أدري سبباً معقولاً يجعله يتجاوزه ، فقد غنّى الشاعر خليلي لأفغانستان غناء عذباً شجياً دامعاً ، وهو في مهجره بعيداً عن وطنه ، محروماً منه ، ملهوفاً عليه .
قدم الباحث الشعراء والأدباء الأفغان الإسلاميين من خلال نبذة قصيرة تتناول سيرتهم وإنتاجهم الأدبي ، مع تقديم نماذج شعرية أو أدبية ، واتسعت هذه النبذة أحياناً وضاقت في أحيان أخرى ، وفقاً لمستوى الشاعر أو الأديب ومقدار إنتاجه الشعري أو الأدبي .
وقد بدأ البحث المرحلة المعاصرة للجهاد الإسلامي الأفغاني بالشاعر عبد الله بن عبد الودود – الملقب بغمخور – أي الحزين – الذي يبدو أكبر الشعراء المعاصرين سنَّا حيث ولد عام 1921م = 1339هـ في ولاية كونر ، بمنطقة جميلة رائعة في أحضان الظلال الوارفة ، وعبير الأشجار الخضراء الناضرة .
عاش غمخور في بيت علم وزعامة ، وفي بيئة متوسطة الحال . اشترك والده الحاج عبد الودود، وعمه الشيخ عبد الرحمن في حرب الاستقلال في عهد الملك أمان الله خان ، الذي أعلنها ضد الإنجليز في الهند .
عمل غمخور في السلك الحكومي الإداري ، وخاصة إذاعة كابل ، وتشبع بعداوة الإنجليز، وبشعور العطف والشفقة على الناس ؛ وهذه المشاعر تبدو واضحة في شعره . ويمتاز غمخور بثقافة متنوعة تركت آثارها على إنتاجه الأدبي ، ونظراته النقدية ، ساعدته على إجادة الكتابة وقول الشعر، وإنتاجه الأدبي يجمع بين السلامة والقوة ، وبين وضوح الفكرة وعمقها . قال عنه الأستاذ " خليل الله خليلي " شاعـر أفغانستان العظيم : " إنه شاعر قدير ، زوّد الأدب الأفغاني بمجموعة من شعره النفيس " . وقال عنه " سيد شمس الدين مجروح " ، وزير العدل الأسبق في أفغانستان ، وأحد علمائها وأدبائها المشهورين : " يكمن في شعر عبد الله غمخور كثير من الدرر واللآلئ المبتكرة " . وقال عنه الأديب " هميش خليل " المؤلف والمحقق الأفغاني : " إن الشاعر عبد الله غمخور يدافع عن هوية بلاده بفمه وقلمه وقدمه .. إنه شاعر ومقاتل ومجاهد " .
(يتبع)

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:22 PM
لقد صور واقع الجهاد الأفغاني الإسلامي بمنتهى الدقة والوضوح ، ودون مواربة ، ودعا المجاهدين إلى النهوض بمسؤولتهم ، وحمل الأمانة ، والاتحاد إن أرادوا النصر على الأعداء ، وقد انتقد كثرة الزعامات وإضاعة الوقت والهدف . يقول :
لقد كثر الكلام وتعدد الأفواه وفقد الهدف
زادت المؤتمرات وزادت الحكايات وفقد الغرض
ويقول :
لا تسألوا عن جنون الزعامة وهوسها
لقد فقد أصحاب القلوب ما يشغل القلوب !
فقد أصل " غمخور " في أشعاره المتنوّعة لفكرة الحماسة والجهاد من خلال التصور الإسلامي ، حتى في شعره الذي أنشأه في الموضوعات الوطنية :
إنني عبد الله ذاهب إلى التضحية بنفسي
لقد ثرت غيرة على الإسلام وغيرة على الأفغان
إنني قد قمت بصيحة التكبير لأجل الإسلام
وقمت بالرحيل مع الأسرة لأجل شعبي ..
وفي قصيدة بعنوان " اليوم الدامي " يصور شكواه المرة الحزينة التي أثارتها مشاهد الجرائم الوحشية التي ارتكبها الشيوعيون ضد شعبه . يقول فيها متحدثا عن حزب " خلق " الشيوعي :
كلتا يديه مخضبتان بدمائنا الوردية بوضوح
وكل أسنان فمه الفاغر محمرة بلحومنا
لا تقل ، إنها أعلام حمراء للشيوعيين " الخلقيين "
بل إنها ثياب صدورنا الحمراء التي قطعت
ليست قطع القماش وحدها تبدو ملونة بدمائنا القانية
بل الأسواق أيضا محمرة بدمائنا النازفة الغارقة
إن مصاصي الدماء ممن يعبدون لينين اعتدوا علينا
فاحمرت البيوت ، بل القرى والمساجد بدمائنا الوردية
ويستمر الشاعر في الإنشاد مستثمرا ببراعة المفارقة بين لون الدم ، وشعار الشيوعيين ، حيث يرى الحمرة صبغت كل شيء في أفغانستان ، لأنها صارت دما ينزف في كل شبر من أرجائها ، وليس مجرد راية حمراء يرفعها الشيوعيون .. حتى يصل في بعض أجزاء القصيدة إلى القول :
الآن مات المحراب والمنبر
لأن أعلام الملحدين المعلقة مصبوغة بالحمرة الدامية !
ويسجل " غمخور" آلام الهجرة والأنين الذي انتشر في حدائق الطيور ، والدماء القانية التي صارت رداء للوطن ، في قصيدة ملحمية طويلة تبشر بالأمل القادم والنصر الموعود ، والنور الذي سيشرق من جديد ، وسينجو العالم من براثن ذئاب لينين . ولا ينسى " غمخور " وهو يرصد الألم ويبشر بالأمل أن يلتفت إلى زعماء الجهاد وخلافاتهم المؤسفة ، فيبكتهم ويستنكر أفعالهم ويحذرهم من ضياع الدين والوطن :
لماذا تركتم الجهاد أيها الزعماء وبدلتموه
بصيحات ونعرات الاتحاد .. الاتحاد الفارغة ؟
يا جياع الثورة وعشاق المال اسمعوا القدر :
إن دين الأفغان ودنياهم قد ضاعا .. وضاعا !
ومع متابعة " غمخور " لحركة القادة المجاهدين وما يحدث بينهم من خلافات ، فإنه يشيد دائما بالمقاتلين المسلمين الأفغان ، ويبارك انتصارهم على الشيوعيين الملاحدة ، وله قصائد طويلة في هذا السياق منها قصيدته الجميلة التي يهنئ فيها الشعب في " كونر " بانتصاره وبطولاته ، يقول في ختامها :
أيها الفجر الجديد للحياة الجديدة ، لك التهنئة
لقد نفذت البطولة الكبرى ، فلك التهنئة .
وعندما انتصر الأفغان وتم طرد الروس بعد هزيمتهم الفاضحة ، قال " غمخور " مقطوعة قصيرة لها دلالتها العميقة مخاطبا المجاهد الأفغاني المسلم المنتصر :
أحدث سيفك وقع رجع الصدى في العالم ، بورك فيك
وأخرجت الروس من ترابك الطاهر ، بورك فيك
فأصبح بذلك دور " آريانا " التاريخي مفتوحاً يا ابن الأفغان
كيف أمكنك التغلب على هذا المارد ؟ ، بورك فيك
من الشعراء المهمين الذين ترجم لهم الكتاب ، الشاعر " غمجين " ، ومعنى اسمه : " الحزين المتألم " ، وهو من المتخصصين في الإنشاد في موضوعات الجهاد الأفغاني . وموضوعاته نماذج أدبية إسلامية سامية الهدف ، عالية الأسلوب ، وهي ألصق بالجهاد الذي أصبح من الحياة اليومية للأفغان .
وديوان " غمجين " الذي أسماه " جهاد جذبه = جاذبية الجهاد " مرآة لحياته الجهادية الصادقة ، تكمن فيه أبعاد شخصيته الأدبية ، وصراعات الجهاد وانتصاراته ، ولغته الشعرية التلقائية ؛ وهي لغة حية دافقة ، زاهية ولكنها بسيطة بساطة طبعه وحياته ، عميقة وصافية صفاء جوهره ، وفيها جميع عناصر الحياة من الجهاد بمشاهده ومناظره وانتصاراته . إنه كائن حيّ داخل تشكيلة الحياة الجهادية المتحركة بكل أبعادها وأشكالها وقوالبها المتأرجحة بين تقدم للهجوم وتأخر للإعداد .
إن جرأة التناول ، وطراوة الخيال ، واتساع الأفق بعض ما تميز به الشاعر " غمجين "، فقصائده ذات علاقة وثيقة وطيدة بالأجواء والأحوال السائدة في أفغانستان . وشعر " غمجين " الجهادي ممتلئ بتفاؤل عميق ، وهو مثل الشعراء الأفغان الآخرين ، يؤمن بأن النصر في النهاية من نصيب الجهاد ، وأن حكومة إسلامية ملؤها السعادة والإشراق ستنهض في بلاده ؛ لذا نراه يلح على الجهاد والمجاهدين والفدائيين .
وفي قصيدته " الفدائي الطاهر " يقول :
لا خوف عندي من قصف القنابل ولا من الغاز السام
مائة حسرة وأسف على الموت الذي يتم اليوم
عندما يلفظ الإنسان أنفاسه في حضن أمه بدلال
يا " غمجين " إن الصفقة لإحدى الحسنيين
الفدائي النقي الخالص إما أن يكون شهيدا ، وإما غازيا
ويتعجب " غمجين " ، خداع الشيوعيين المحليين ومكرهم ، فيكشف أساليبهم وألاعيبهم ، ويتحدث في قصيدته " لون البقرة أسود ولبنها أبيض " عن " نجيب الله " الحاكم الشيوعي وكلامه المعسول ، فيقول :
مهما يتحدث " نجيب " عن قصص الود والحب
الشائقة العذبة ذات الدلال واللطف الكثير
من أجل خداع عامة الناس بمكر وحيلة
وهي قصص مملوءة بالفساد ، وملونة للإضلال
يجد نفسه بأنه في عداد المسلمين من غير وضوء
ومن حوله يقف الروس الحمر يحملون السياط
كيف يمكنه إخفاء الشمس المشرقة بإصبعين
الكل يعلم أن لبن البقرة السوداء أبيض
ما دام هو يحمل في أذنه حلقة العبودية للروس
أقوم أنا " غمجين " فأشرب من الحزن دم مهجتي
ولا ريب أن حرارة الشعر لدى " غمجين " والشعراء الأفغان الإسلاميين ، ترتبط ارتباطا وثيقا بصدق مشاعرهم وصفاء أحاسيسهم وتعبيرهم عن التجربة الشعرية من داخلهم ، ولعل ذكر الشاعر لاسمه ، أو جعل نفسه طرفا في بناء القصيدة الإسلامية الأفغانية من وراء هذه " الحرارة الشعرية " .
يشغل النثر في دراسة الدكتور " محمد أمان صافي " حيزا محدودا ، ويتوقف عند الكتاب والأدباء الذين كتبوا المقالة وحدها ، لذا لم يقدم من النثر الأفغاني الإسلامي إلا نماذج للمقالة ، واختفت الأجناس النثرية الأخرى ، مثل القصة القصيرة والرواية والخطبة والخاطرة والمسرحية والحوارية ... وكان يمكنه أن يثري هذا الجانب لو قدم بعض النماذج أو أشار إليها بالعرض أو التلخيص ، وسبق أن قدمت " لمرال معروف " روايتين ، الهجرة إلى أفغانستان " التي ترجمها " محمد حرب " ، ورواية " معسكر الأرامل " التي ترجمتها " ماجدة مخلوف " وقد طبعتها رابطة الأدب الإسلامي ، وهما من الأدب الأفغاني الإسلامي المتميز .
تقدم الدراسة عددا من أدباء المقالة في أفغانستان ، منهم الزعيم محمد يونس خالص ، والشيخ قيام الدين كشاف ، والأديب توريالي زازي ، والأستاذ عيسى محمد ، والأستاذ محمد عارف ، والأستاذ سيد محيي الدين الهاشمي ، والأستاذ عبد رب الرسول سياف ، كما سبقت الإشارة .
يقدم من الكتاب الزعيم محمد يونس خالص ، ولعله أكبر الأدباء الناثرين سنّا ، فهو من موليد 1298هـ 1919م بولاية ننكرهار بشرق أفغانستان ، وهو من زعماء المجاهدين ، ويكاد أن يكون مدرسة تتعانق فيها أساليب القتال بأساليب الأدب .
قضى الشيخ محمد يونس خالص حياته في تدريس العلوم الإسلامية والعربية ، وإلقاء الخطب الدينية والإمامة في المساجد، بالإضافة إلى إذاعة الأحاديث الخاصة بتفسير القرآن الكريم من الإذاعة الأفغانية والكتابة في الجرائد والمجلات نثرا وشعرا .
وقد هاجر إلى بيشاور ، وانضم إلى " الحزب الإسلامي " بزعامة حكمتيار ، ثم انشق عليه عام 1979م ، وأسس حزبا خاصا به يحمل اسم " الحزب الإسلامي " أيضا . وشارك – مع تقدمه في السن – في كثير من عمليات الجهاد التي قادها بنفسه ، وإيمانه لا يتزعزع بانتصار الثورة الإسلامية الجهادية في أفغانستان ، وقيام حكومة إسلامية صحيحة فيها . وله مجموعة كبيرة من الآثار الأدبية والفكرية أهمها " الدرر الدينية ، وروح الاجتماع ، والدين والتمدن الإسلامي ، والإسلام بين العلماء الضعاف والشباب الجاهل ، ومن النماذج التي كتبها خالص مقالة " خائن الشعب " التي نشرها في مجلة " بيام حق " رسالة الحق التي كان مديرها المسؤول ؛ وجاء فيها :
" خائن الشعب هو الذي يقوم بالقضاء على لغة الشعب وعاداته المفيدة، وتقاليده الشعبية، ويقوده إلى تقليد الأجانب .
هو الذي يخلق التفرقة والحقد بين أفراد الشعب، ويفرق بينهم بتميزات مخالفة للعدالة .
هو الذي يقتل في الشعب مشاعره الدينية الحقة، ويقضي على الشعائر، والتعاليم، والمحاسن الدينية .
إنه ذلك الذي يضحي بأموال الشعب، وأعراضه، ودمائه في سبيل تلبية رغباته الشخصية، ومطالبه النفسية .
هو ذلك الذي لا يتحرك غيره على ناموس الشعب . إنه ذلك الذي يقضي على شخصيات الكثيرين لأجل رفع شأن شخصيته الخاصة .
هو الذي يتهم كثيرين من الأبرياء لينالوا الجزاء باسم المجرمين لإثبات مصالحه الخاصة . هو ذلك الذي يقوم في بلده بالدعاية للأجانب ، ويعمل لمصلحتهم .
إنه ذلك الذي لا يقدر الشخصيات البارزة في بلده ، وينظر إلى شخصيات الأجانب بتقدير واحترام، وهم لا شخصية لهم .
هو ذلك الذي ... "
وواضح من هذا النص أنه يشير إلى الحاكم الشيوعي لأفغانستان، أي حاكم، سواء كان طرقي، أو حفيظ الله ، أو كارمل، أو نجيب .. فهذه الصفات الواردة في المقالة تنطبق عليه وتختص به .
إن الأدب الأفغاني الإسلامي، يحتاج فيما أتصور إلى دراسات أخرى موسعة تتناوله بالدرس والتحليل، واستخراج مكنوناته ومميزاته ، والإضافة إلى ما كتبه الدكتور " محمد أمان صافي " ، بالبحث عن الشعراء والكتاب الذين لم يرد لهم ذكر أو نص في دراسته .
وتبقى هذه الدراسة خطوة مهمة على طريق التعريف بآداب الشعوب الإسلامية عامة ، والأدب الأفغاني الإسلامي خاصة، نأمل أن تتلوها خطوات أخرى موفقة إن شاء الله تعالى .

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:24 PM
الكُتَّاب الماسون.. وإلغاء الشريعة!!

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

في ظل الحملة الصليبية العاتية التي تشنها الولايات المتحدة والغرب ضد أمتنا الإسلامية يقوم الماسون ومعهم الكتاب اليساريون المتأمركون بدور خائن بشع بل أشد بشاعة وخاصةً حين يعلنون أنَّ مصرَ المسلمةَ لا بد أن تتخلى عن دينها وتاريخها وتراثها، وتلحق بذيلِ المدنية الصليبية المتوحشة حتى يكون لها قيمة، ووجود حقيقي، في المستقبل المنظور وغير المنظور.
والقارئ الذي لم يسمع عن الماسونية قد يظنها حركةً مفيدةً تخدم المجتمعات مثل حركات المجتمع المدني الأخرى، والحقيقة أنَّ الماسونية حركة هدَّامة منذ نشأتها، وقد خدعت بشعاراتها في القرن التاسع عشر نفرًا من كبارِ القادةِ الإسلاميين والوطنيين الذين بهرتهم شعاراتها الإنسانية فظنوها بابًا للخير، بينما كانت في حقيقةِ الأمر أكبر مؤامرة على الإسلامِ والإنسانية جميعًا!
إنَّ الماسونيةَ ترفع شعار (الحرية والمساواة والإخاء)، وهو شعار برَّاق رفعته الثورة الفرنسية في الوقتِ الذي كانت فيه الدماء الفرنسية تجري أنهارًا وكانت المقاصل لا تتوقف عن الأزيز وهي تفصل الرءوس عن الأجساد، والمفارقة أنَّ الماسونيةَ لا تعمل في العلنِ إلا من خلال بعضِ المنظمات المشتبه بها مثل أندية الروتاري والأونرويل وغيرهما من الأنديةِ والمؤسسات التي تعمل في العلنِ بحجةِ جمع التبرعات لأعمالِ الخير مع أنها تستخدم معظم هذه التبرعات لإرغامِ المؤسسات الصحفية والإعلامية والسياسية والاجتماعية المؤثرة على عدم المساسِ بالصهيونية، وفي الوقتِ نفسه توجهها للدعوة إلى الإلحاد ومحاربة الأديان- عدا اليهودية طبعًا - ونشر الإباحية والتحلل، والمتاجرة بجسد المرأة وهدم الروابط الأسرية والعائلية.
إن تاريخ الماسونية غائرٌ في أعماق التاريخ، وقيل إنه يبدأ من عهد المسيح عليه السلام، وتجدد في القرن الثامن عشر وازدهر منذ هذه اللحظة حتى الآن، وخاصةً بعد قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وللماسون برغم تنظيمهم السري للغاية فضائح تفجَّرت في بعضِ الدول الأوروبية، منها على سبيلِ المثال ما جرى في إيطاليا في الثمانينيات من خلال فضيحة المحفل الماسوني بي- 2.
ولأن الماسونية تعمل في الخفاء وتجند كبار رجال المجتمع من مختلف الفئات والتخصصات، فهي تتخذ من الشعارات والرموز ما يتوافق مع منهجها الشرير في الهدمِ والتخريب مثل استخدام النجمة السداسية والشمعدان ذي السبعة أفرع، ويقسم العضو الذي ينضم إليها بعد تحرياتٍ سريةٍ دقيقةٍ على التوراةِ والخنجرِ المدبب المتجه إلى الصدرِ في غرفةٍ مظلمةٍ حتى لا يرى الحاضرين من الأعضاءِ القدامى.
إنهم يستخدمون عبارة مهندس الكون الأعظم وهي عبارة وردت بالنص في التوراة .. وكل هذا وغيره يؤكد صلة الماسونية بالصهيونية صلة وثيقة وإستراتيجية.. وقد صدر في إنجلترا هذا العام 2005م كتاب جديد تحت عنوان "الأخوة" يُعدُّ أخطر كتابٍ يتمتع بالمصداقيةِ والمرجعية الموثقة يتناول فضائح الماسون وإجرامهم ويكشف عن بعضِ زعمائهم الذين أصابوا الإنسانية بشرٍ عظيمٍ؛ ومنهم على سبيل المثال الرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي أمر بإلقاءِ القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي في اليابان في الحربِ العالمية الثانية مع أنَّ اليابان كانت على وشكِ الاستسلام!!
إنَّ الاستغراقَ في تاريخ الماسونية وممارساتها الإجرامية التي تتم في الخفاءِ وانكشف بعضها للناس يحتاج إلى مئات الصفحات، ولكن النتيجة الختامية تؤكد أنَّ الماسونيةَ مصدرُ شرٍّ كبير، وأنَّ شعاراتها مجرَّد خديعة كبرى للأغرار أو الذين لديهم استعداد نفسي للانحلالِ والجريمةِ والتمييز!
والمشكلة التي تواجه الأمة الإسلامية هي انجراف أعداد كبيرة من صناع القرار والكتاب المؤثرين والشعراء والمثقفين إلى المحافل الماسونية، وهدفهم الأساس ازدراء الإسلام وتحقيره والسعي لاستئصاله، وقد وافق ذلك هوى مع بعض الحكوماتِ في البلادِ الإسلامية التي تسعى لاستئصالِ الإسلام بحجةِ مقاومة الإرهاب في حين أنها تُريد استئصاله لهدفٍ آخر بوصفه عنصرَ المقاومة الباقي والأقوى ضد استبدادها ولصوصيتها وقسوتها على شعوبها.
والكُتَّاب الماسون- ومعهم الكُتَّاب اليساريون المتأمركون- غايتهم الأولى في معظمِ كتاباتهم هي التشهير بالإسلام سعيًا لاستئصاله أو إقصائه من الحياة العامةِ على الأقل، وإحلال البديل الماسوني الذي يقوم على نشرِ الإلحاد أو تحويل الإسلام إلى مجرَّد قشورٍ لا قيمةَ لها بحيث يكون التدين الشكلي بديلاً عن التدينِ الحقيقي، فضلاً عن نشرِ الإباحية والترويج لمفهومِ الفردية الذي يتناقض مع مفهوم الجماعة والتماسك الأسري والعائلي والوطني والقومي والإسلامي، والسعي للتمييز بين الطبقات الاجتماعية والفئات المهنية.. وبالنسبة للإسلام فقد كانوا في البدايةِ يُناقشون قضايا هامشية في الظاهر، مثل قضية ميكروفونات المساجد، والملصقات الإسلامية على السيارات، والحجاب، والختان والتربية الجنسية ونحوها ويطرحون من خلالها رؤى وتصوراتٍ تقترب من التصورات الصليبية والعلمانية التي تُشكك في حقيقةِ هذه القضايا إسلاميًّا وتُثير البلبلة لدى العامة الذين ليست لديهم دراية بحقيقةِ الدين وتعاليمه إلا من خلال السماع من العلماء وغيرهم.. ثم تشجعوا فيما بعد لينادوا بما يُسمَّى علمنة الدولة وحق المواطنة، والتعريض بنظام الجزية وعدها إنتاجًا إسلاميًّا.. ثُمَّ بعد ذلك تجرءوا على المناداة بإلغاءِ المادة الثانية من الدستور التي تنص على أنَّ دين الدولة الرسمي الإسلام وأنَّ الشريعةَ المصدر الأساسي للتشريع؛ مع المطالبة بحذف خانة الديانة في الوثائقِ الرسمية: البطاقات الشخصية والعائلية وعقود الزواج، ونحو ذلك مما تُصبح بعده الدولة لا هويةَ لها ولا شخصيةَ، ويجري فيها ما يجري في الدولِ الصليبية الاستعمارية من سلوكياتِ وممارسات لا تستند إلى دين ولا تمت إلى عقيدة.. ناهيك عن دعواتِ أخرى تصب في السياق ذاته مثل الدعوة إلى الجندر، وحق الشواذ، وسيادة الأقليات، وعد الإسلام غزوًا استعماريًّا، وتشويه صور الصحابة الذين فتحوا مصر وعدهم غزاة استعماريين...!!
ولا ريبَ أنَّ مصرَ المسلمةَ ما زالت متماسكة، وهي إنَّ كانت تصبر على دعواتِ الماسون وأشباههم من اليساريين المتأمركين، فإنَّ الخوفَ من انتفاضتها يظل قائمًا، فالمصريون يتسامحون طويلاً مع أشياء كثيرة ولكني أظنهم أمام استباحة دينهم؛ فإنهم ينتفضون ويدفعون الثمن مهما كان غاليًا.. فهل يدرك ذلك الماسون الذي لم يكتبوا كلمةًَ واحدةً عن مأساةِ الشعب الفلسطيني، بل كانوا مدافعَ مُوجَّهةً ضد مقاومته الباسلة الشريفة وعونًا غير مباشر للصهاينة؟!.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:26 PM
الكتاب: النقد الأدبي الحديث... بداياته وتطوراته

الكاتب: د. حلمي محمد القاعود
الناشر: الرياض: دار النشر الدولي ـ 2006م.

يناقش الكتاب، في مستهله، نشأة النقد العربي القديم وصولاً الى بدايات النقد الحديث على يد حسين المرصفي وآخرين. ويتناول جماعة "الديوان" ورواد المذهب الرومانطيقي، معالجاً ما يسميه التوجه الوصفي التحليلي ونموذجه طه حسين. ويتطرّق أيضاً الى المذهب الواقعي في النقد، وجهود الناقد محمد مندور في هذا الإطار.
يتميّز الكتاب في ابتعاده عن السرد الكلاسيكي والتصنيف الجامد للمدارس النقدية. وهو يعزو الضعف العام الذي يتخلل تدريس هذه المادة الصعبة في الجامعات، الى ميل الأساتذة الى جعلها مقصورة، أما على مؤلفاتهم الذاتية، وإما على نصوص محددة تفتقر الى التنوّع وعمق التحليل والمقارنة الحيوية بين الأجناس الأدبية المختلفة. ويرى أن الخطوة الأولى المطلوبة في هذا الاتجاه، تكمن في تذليل الصعاب المتمثلة في الناحية النظرية التجريدية للنقد الأدبي ليتمكن الطلاب من استيعاب مرتكزاتها الأساسية.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:29 PM
حرية التعبير وتجليات القمع!

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

حكمت النمسا على المؤرخ البريطاني "ديفيد إيرفنج" بالسجن ثلاث سنوات؛ لأنه شكَّك في المحرقةِ اليهوديةِ، وأكد أن "هتلر" كان صديقًا أو حليفًا لليهود، ولولاه ما قام كيانهم الغاصب في فلسطين المحتلة.
ما قاله إيرفنج طرحه في كتابٍ نشره على الناس قبل ستةَ عشرَ عامًا وطالعوه، ولكن اليهود لم يتعاملوا معه على أساس أنه يُمارِس حريةَ الرأي والتعبير، أو يعبِّر عن رأيهِ الذي تكفله القوانينُ والتشريعات؛ بل تعاملوا معه بوصفهِ معاديًا للسامية، ومنكرًا لمعلوماتٍ حقيقية!
أما الادعاء بأن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- إرهابي، ثم السخرية منه ومن دينه وأتباعه فمسألةٌ ليست من الحقائقِ المعلومة، ولا تدخل تحت لافتة العداء للسامية، مع أن العرب هم الساميون الحقيقيون، وأن اليهود الذين جاءوا من القرم وبولندا وجنوب إفريقيا وروسيا والفلاشا يصعب وصفهم بالسامية؛ لأنهم من الأجناس الحامية أو الهندية.
الغرب الصليبي الاستعماري يحرص على الكيل بمكيالين، ويعد اليهود الغزاة امتدادا له- لأسباب شتى- في قلب العالم الإسلامي، لذا لم يُطبَّق عليهم قرارٌ واحدٌ من قرارات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن التابع لها، وفي المقابل يمارس إذلال العرب والمسلمين، ويأمرهم بتنفيذ القرارات الظالمة التي يتخذها ضدهم بحذافيرها وفورًا بلا إبطاء.
وموقف النمسا من "إيرفنج" لا يختلف عن موقف الغرب كله من المسلمين ماضيًا وحاضرًا، ويتلخص في عدة نقاط أساسية منها:
1- استخدام القوة ضد المسلمين في أقسى صورها وأشدها وحشيةً، سواء كانت هذه القوة عسكريةً أو اقتصاديةً أو سياسية أو ثقافية.
2- إضعاف المسلمين بكل السبل، وفي كل المجالات، وإجهاض كل محاولة من جانبهم لبناء القوةِ في أية صورة من الصور.
3- استخدام الكذب بلا حدود في البيانات والادعاءات والمحاورات أو المناقشات، بحيث يتحدث الغرب الصليبي عن أشياء، ويفعل أشياء أخرى تخدم منهجه في إذلال المسلمين وإضعافهم.
4- تجييش المؤسسات الدولية السياسية والإعلامية والاقتصادية لقهر العالم الإسلامي وإبقائِه في دائرة (المجرم المتوحش) الذي لا يأبه بالقانون ولا حقوق الإنسان، ويعتدي على الآخرين دون مسوغ أو سبب.
5- استخدام مجموعةٍ من العملاء سواء في مجالات الحكم أو الفكر لتقنين الاستبداد في معظم أنحاء العالم الإسلامي وحرمان شعوبه من الحرية والعدل والمساواة والمشاركة في بناء أوطانهم والحضارة الإنسانية.
ولا شك أن هذه النقاط وغيرها قد أثمرت واقعًا غربيًّا صليبيًّا لا يقبل الإسلامَ والمسلمين، ولا يؤمن بحقهم في الحرية والعدالة والمستقبل.
ولعل ما رأيناه مؤخرًا يؤكد على استشراء الروح الصليبية في نفوس الغربيين، ليس على مستوى الحكومات الاستعمارية وحدها، ولكن على امتداد قطاعات كبيرة من المجتمعات الغربية بما فيها الولايات المتحدة، مع ملاحظة أن الروح الصليبية لا تمت إلى المسيحية بسبب، ولكنها تمتد إلى الوثنية الإغريقية والرومانية بتجلياتها العدوانية الوحشية.
إن المحرر الثقافي للصحيفة الدانماركية التي نشرت الرسومَ المسيئةَ للإسلام ورسوله- صلى الله عليه وسلم- أعلن أن نشر الرسوم يهدف إلى تحدي المحظورات الإسلامية! وكلامه يعني رغبةً واضحةً في العدوان على المسلمين، فضلاً عن إهانتهم والزراية بمقدساتهم ورموزهم.
وقد رأينا على شاشاتِ التلفزة كيف يضرب جنود الاحتلال البريطانيون بعضَ الشباب العراقي بقسوةٍ لا مثيل لها مع السخرية منهم، مع تصويرهم وهم يهدرون كرامتهم في أبشع حالات الوحشية.
وقد رأينا أيضًا صورًا جديدةً لإذلال المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب من جانب الأمريكيين الغزاة، وظهرت في الصور كل أنواع العنف والقسوة والوحشية والاعتداء الجنسي!!
هذه التجليات القمعية الوحشية الصليبية لا يمكن أن تكون استثناءً في سلوك الغرب الصليبي، ولا نشازًا في واقعه الاستعماري العدواني كما يزعم بعض قادته الذين يتحدثون في فضائياتنا مثل بلير وسترو وبوش ورايس وهيوز وغيرهم.
والسؤال الآن: أين حرية التعبير في هذا الإطار القمعي الوحشي الصليبي؟!
لا شك أنهم يقصدون شيئًا واحدًا فقط.. هو حرية العدوان على المسلمين وحدهم!

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:30 PM
أولاد حارتنا وحرية آلاف المعتقلين!

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

لا يكف مثقفو السلطة, وخاصةً مَن يُطلَق عليهم مثقفو الميكروباص, عن القيام بأدوار المهرجين الذين يشغلون المجتمع عن قضاياه الأساسية وحقوقه الدستورية والقانونية, من خلال القيام ببعض العروض الهزلية السخيفة الباردة التي لا تجد قبولاً لدى الأغلبية العظمى من المثقفين الشرفاء, الذين تمَّ إقصاؤهم واستبعادهم من الواقع الثقافي نتيجة للممارسات الاستبدادية والقهر السياسي الاجتماعي الذي تتبناه السلطة البوليسية الفاشية, وخدامها الأوفياء من حملةِ الأقلام التي لا تعرف الوضوء ولا الصيام!
وكان رحيل نجيب محفوظ مناسبة ذهبية لهؤلاء الخدم, كي يحملوا على الإسلام والمسلمين, ويتهموا الجميع بالتكفير والظلامية والرجعية والردة(!) والتخلف والتطرف والإرهاب, ويلحوا على محاولةِ اغتيال نجيب محفوظ الفاشلة التي نسبت إلى شخص لا علاقةَ له بالأدب ولا بالإسلام, وزعموا أنه قام بمحاولته بناءً على فتوى تُبيح إهدار دم نجيب محفوظ من أحد الدعاة وليتهم يتكرمون بنشر هذه الفتوى حتى نصدقهم, بعد أن كثُرت أكاذيبهم وادعاءاتهم لخدمة سادتهم الذين منحوهم من مال الشعب وعرقه ما لا يستحقون.
وكانت الداهية الدهياء- إذا صحَّ التعبير- هو الحديث عن رواية أولاد حارتنا وضرورة نشرها تحديًا للظلاميين الرجعيين المتخلفين, أي الإسلاميين, وكفاحًا من أجل حريةِ الرأي والإبداع, ووفاءً لصاحب جائزة نوبل.
وانشغل بعض مثقفي الميكروباص من نفايات حزب العمال الشيوعي, الذين تأمركوا وصاروا خدامًا في بلاطِ التنظيم الطليعي الجديد, الذي يُسمَّى لجنة السياسات بالحزب الوطني, بقضية أولاد حارتنا واستنفروا كُتَّاب السلطة وغيرهم للقيام بحملةٍ غير مقدسة لنشرِ الرواية التي أُوقف نشرُها في كتابٍ بعد نشرها مسلسلةً في الأهرام لدى كتابتها في عهدِ محمد حسنين هيكل, ثم نشرها سهيل أدريس في بيروت, ووزُعت في مصر على رؤوس الأشهاد, وكما نشرتها جريدة توتو حتى قرأها مَن لم يُفكِّر في قراءتها أصلاً! تحولت أولاد حارتنا عند مثقفي الميكروباص إلى قضيةٍ إستراتيجيةٍ وقوميةٍ تستحق الحشد, وتجييش الجيوش لقهر الظلاميين الغزاةِ الذين عدَّهم البعض أخطر من اليهود ولن يتحقق النصر القومي إلا بنشرِ الرواية, وتوزيعها بكل وسيلة.
كان نجيب محفوظ- رحمه الله- قد رفض في حياته, وظلَّ على موقفه حتى لقي ربه- أن تُنشر الرواية إلا بعد موافقةِ الأزهر الشريف, وكتابة مقدمة لها بقلم الوزير السابق أحمد كمال أبو المجد, وما لم يحدث ذلك, فلن يوافق أبدًا على نشرِ الرواية.
هذا ما كان من أمر صاحبِ الرواية وهو حي يُرزق.. فماذا كان من أمر مثقفي الميكروباص؟ أصروا بعد رحيله على تحويل المسألة إلى إحدى قضايا مصر الرئيسية, ورفعوا شعارات الحرية والإبداع والتحدي, مع أن صاحبها كان موقفه عكس ذلك.
والمفارقة أنَّ القوم وهم يهتفون بالحرية، يتناسون الحرية الأساس، الحرية الحقيقية، الحرية الكبرى، وهي حرية الشعب المظلوم الذي يعيش على مدى نصف قرن أو يزيد من حالة مصادرة كاملة لكرامته وإنسانيته وحقوقه في المشاركة والعمل والإبداع بصنوفه كافةً، هذا الشعب الذي يُحرِّم عليه أن يلتقي خمسة أفراد على مائدة طعام بحكم قانون الطوارئ المزمن، لا يتورع عن مصادرة حياة أي مواطن مهما علا مركزه، وكانت قيمته.
وينسى هؤلاء المثقفون الميكروباصيون أن معتقلات مصر تعج بآلاف المعتقلين، ويُقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألف معتقل سياسي، يعيشون وراء القضبان وفي ظلامِ الزنازين، ولم يتكلموا عن الإفراج عنهم ليروا أولادهم الذين وُلدوا في غيبتهم، والأمهات الشابات اللاتي شخن قبل الأوان، وترملنَّ في عزِّ شبابهن، ومع أن أزواجهن على قيدِ الحياة، ولكنهم في قبضةِ الجلاد.
ينسى المثقفون الخدم القضايا الكبرى ويتعلقون بقضايا مفتعلةٍ لا تهم إلا مَن أثاروها وتحدثوا عنها, إنهم يعلمون جيدًا أن روايةَ أولاد حارتنا لا تعني المواطنين بقدرِ ما تعنيهم سلامة القطارات والعبَّارات التي تصعقهم أو تفرمهم أو تسحقهم يوميًّا بلا أدنى قلقٍ لدى الحكومة الظالمة المستبدة التي يخدمونها ويغترفون من أموالها.
إنَّ المثقفين الخدم يعلمون جيدًا أنَّ روايةَ أولاد حارتنا من أردأ رواياتِ نجيب محفوظ فنيًّا، وأنها باردة الصياغة والبناء، ولعل هذا هو السبب في عدمِ إصرارِه على نشرها؛ لأنه بحسه الفني يُدرك أنها روايةٌ ضعيفة، ولا يعيب نجيب محفوظ ولا غيره من الكتاب أو الشعراء، أن يتخلى عن عملٍ يشعر بضعفه أو هبوط مستواه عن أعماله الأخرى، وبالنسبة لي شخصيًّا فقد تجرَّعتُ المُرَّ حين أكملتُ قراءتها، ولم أشعر فيها بلذةٍ فنيةٍ أو موضوعية.. وهي لا تساوي شيئًا بجوارِ عملٍ آخر مماثل لنجيب مثل ملحمة الحرافيش الزاخرة بالحياة والفكر والتشويق والصياغة الشعرية التي ترقى بالأسلوب السردي إلى مستوًى عالٍ، وقد سجلتُ رأيي النقدي فيها من خلال دراسةٍ طويلةٍ نشرتها إبَّان صدورها في مجلة البيان الكويتية.
مشكلة الفصام التي يعيشها مثقفو السلطة تجعلهم يخونون قضايا أمتهم، ويتنكرون لها، ويظنون أنهم بذلك يقدمون خدمةً جليلةً لسادتهم وكبرائهم الذين أضلوهم السبيل.
ومع ذلك فلدينا مثقفون محترمون يقفون عند القضايا الجادة سواء لدى محفوظ أو غيره، وتأمل على سبيل المثال الملف الذي نشرته مجلة وجهات نظر حول نجيب محفوظ في عدد أكتوبر 2006 م، وقارنه بالتهريج الذي قامت به بعض الصحف، والبهلوانية التي حركت بعض المجلات للتكسب بنجيب محفوظ، وإلهاء الناس عن جرائم السلطة في حقِّ شعبها، وحق مواطنيها الذين يسكن منهم آلاف المعتقلين في قعرٍ مظلمةٍ، منذ ربع قرن، ولا تستجيب في الوقت ذاته لأحكام القضاء المتكررة بالإفراج عنهم وإطلاق سراحهم.. بل تعتقل كل يوم مزيدًا من الشرفاء وتُجدد حبسهم، في الوقتِ الذي تترك فيه القتلة واللصوص الكبار في البلاد في حفاوةٍ وإعزاز، ولا تجرح مشاعرهم بكلمةٍ واحدةٍ عن جرائمهم الكبرى.. ما رأيكم في مثقفي الميكروباص؟

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:32 PM
القاعود يهاجم مثقفي السلطة وكتابها في أحدث كتبه "تحرير الإسلام"

بقلم: سالي العناني

صدر حديثاً كتاب بعنوان " تحرير الإسلام " للدكتور حلمي محمد القاعود، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة طنطا.
الكتاب من القطع المتوسط، ويقع في 215 صفحة، مقسم إلى ثلاثة فصول، يتناول الأول جريمة استباحة الإسلام والمطالبة بإلغائه من الحياة!، والفصل الثاني يتناول مفهوم " تجديد الوعي" الذي يروج له بعض من يسعون إلى محاربة الإسلام بدعوى أننا نعيش في عصر العلم، أما الفصل الثالث فيتناول تعرية أكذوبة " تحرير الإسلام" عن طريق استئصاله من الواقع، وذلك بقلب الحقائق من خلال ما يروج له من أسماهم القاعود بـ " مثقفي السلطة" وكتابها في مقالاتهم التي رد المؤلف عليها وكشف عن السبب الحقيقي الذي يقف خلف هؤلاء وهو بالطبع استرضاء الغرب والاستعمار الصليبي الأمريكي.
واعتبر القاعود تصديه لما يردده مثقفوا السلطة وكتابها من أكاذيب وافتراء على الإسلام واجب على كل مسلم ولا يعتبر ذلك ترفاً أو نشاطاً زائداً عن الحاجة، لكنه تشريح لأكاذيب ينخدع بها من لم يطلعوا على منهج الإسلام بصورة جيدة، أو من حرموا الوعي بكنوز الدين الحنيف ومعطياته.
ويوضح د. القاعود، أن الأمة الإسلامية قد أصيبت بكارثة مروعة عندما سقطت عاصمة الخلافة العباسية " قديماً" تحت أقدام الطغاة المستكبرين في إبريل 2003، ودخلها الصليبيون الغزاة بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا ليدكوها بأحدث أساليب التدمير وينسفوا بنيتها الأساسية من الشمال حتى الجنوب، ويقتلوا عشرات الآلاف من أبناء العراق، بخلاف أعداداً مهولة من الجرحى والمصابين، وجاء الحاكم الصليبي ليجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه فخر الأمة في زمنه وبعد زمنه هارون الرشيد ثم ابنه المعتصم.
وبعد سقوط بغداد، ومن قبلها كابول، يستعد الطغاة لإسقاط عواصم أخرى وإخضاع العرب والمسلمين جميعاً من خلال العمل على تغيير ثقافة الأمة وعقيدتها وإحلال ثقافة صليبية غربية بديلة تقنن التبعية والذيلية.
وانتقد د. حلمي القاعود تماهي النخب الثقافية في العالم الإسلامي مع وجهة النظر الصليبية الاستعمارية، وتسويغ احتياجاتنا واستباحتها لأرض الإسلام بدعوى أن حكومة طالبان " ظلامية" وأن حكومة صدام " دموية"، ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل تمادوا في استباحة الإسلام ذاته وطالبوا بإلغائه واستئصاله من واقع الأمة بعد أن أُلغي من واقع السلطة في البلاد الإسلامية!.
وراحت هذه النخب تردد ما يقوله العدو الصليبي الاستعماري وفي الوقت الذي كان فيه دم الأمة يسيل غزيراً في أكثر من مكان، كانت الأقلام والأفواه التي تقود إلى هذه النخب تمارس أبشع دور في تزييف الوعي، وتسطيح الفكر، وطرح القضايا الإسلامية من وجهة نظر صليبية استعمارية.
وبعدما صار العدوان على المسلمين سافراً ووقحاً كان لابد من التصدي لهذا العدوان، وما تروج له النخب المتماهية معه ومنهم مثقفوا السلطة وكتابها الذين لم تعرف أقلامهم الوضوء ولا الحياء، سعياً إلى تحرير الإسلام من قبضة الاستبداد والاستعمار وخدامهما جميعاً.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:35 PM
الست فلّة .. والست تونس !

بقلم: أ. د. حلمى محمد القاعود

قبل فترة ذهب إلى تونس نفر من الصحفيين والكتاب المصريين الذين يخدمون نظامنا البوليسى الفاشى ، أو يرضى عنهم على الأقل ، وراحوا يبشروننا بالتطور الذى حدث فى البلد الشقيق ، والتقدم الذى أنجزه فى كافة المجالات ، ولم ينسوا بالطبع أن يحدثونا عن " الكسكسى " والأكلات الشعبية التونسية ، وأشاد بعضهم بالإنجاز الهائل الذى حققته " تونس الخضراء " فى مجال التحديث ، وكان مظهره أنه لا توجد فتاة محجبة فى كلية الآداب التونسية التى زاروها !
وذراً للرماد فى العيون أشار بعضهم إلى ما يُسمّى ببعض السلبيات القليلة التى تجعل من تأثير الإيجابيات ( ! ) موضع تساؤل !
كتاب السلطة المصريون الذين ذهبوا إلى تونس يعلمون جيداً أن النظام الحاكم هناك بوليسى فاشى ، يقوده دكتاتور ، ولاؤه لفرنسا والغرب واليهود ، وهو لا يخافت بذلك بل يعلنه فى كل وقت وحين ، وكان وزيراً لداخلية سيّده الراحل " بورقيبة " ، وجلاداً له ، ثم انقلب عليه وعزله وعيّن نفسه ديكتاتوراً بديلاً له يحكم بالحديد والنار ، وصنع نظاما ديكورياً ، يعتمد على مجموعة من الأحزاب الكارتونية التى تشبه أحزاب مصر الرسمية ، وفى الوقت نفسه راح يستأصل الإسلام ، ويغتال الإسلاميين ويعتقلهم ويعذبهم بلا رحمة ، ضارباً عرض الحائط بالأخلاق والقيم والقوانيين المحلية والدولية ، وضم إلى الإسلاميين مجموعات أخرى من المستقلين والشيوعيين ، ولم تكن النساء بمعزل عن ذلك .. فقد " شرّفن " السجون التونسية ومعتقلاتها ، وفى الوقت نفسه ، فقد اختار عالم سلطة وفقيه شرطة جعله وزيراً للأوقاف – مثلما يفعل نظراؤه فى دول أخرى ، وراح هذا الوزير يُفتى بأن الحجاب ليس من الإسلام ، وأنه زى طائفى !! أى إن تونس المسلمة ( 99% من سكانها مسلمون ) يمثلون " طائفة " ، أى أقلية ، ينبغى عليها أن تتجنب الزى الطائفى وتمتنع عنه حتى تكون مستنيرة متسامحة ، لأن الحجاب رمز للتخلف والظلام والأصولية والتطرف والإرهاب ، بمفاهيم سيد البيت الأبيض وخدامه فى المنطقة العربية أو الشرق الأوسط الكبير كما يسمونه !
ولأن النظام البوليسى الفاشى فى تونس يكره الإسلام والمسلمين فقد حرّم الحجاب على الطالبات فى المدارس والجامعات ، والموظفات فى الهيئات والمؤسّسات ، ومن ترتدى الحجاب من هؤلاء أو أولاء ، فإنها تُعامل معاملة عنصرية تضعها فى طبقة أدنى ، ويمكن أن تتعرض لمتاعب لا حد لها . ولم يقتصر الأمر على التونسيات المقهورات المقموعات بقوانين الوحشية البوليسية الفاشية ، فقد امتد القهر والقمع إلى دمية تُباع فى الأسواق على شكل فتاة محجبة تلهو بها البنات اسمها " فُلّة " لذا تفرغ لها النظام البوليسى الفاشى ، وترك القضايا المهمة كافة سواء على المستوى الداخلى أو المستوى الخارجى ، وراح يطارد فُلّة فى المكتبات والمحلات والأسواق ، حتى الحقائب المدرسية المرسوم عليها " فلة " أخذ يُصادرها ، ويشغل قواته البوليسية فى عملية من أغرب العمليات السياسية التى يشهدها زماننا العرب المهزوم .. دولة بكامل أجهزتها تتفرغ لملاحقة " دُمية " حتى لا يُقال إن نظامها يتعاطف مع الإرهاب !
قبل فترة نشرت بعض المواقع الإليكترونية أن النظام البوليسى الفاشى فى تونس الخضراء يفكر فى مشروع يضمن بمقتضاه السيطرة التامة على " المساجد " – أى والله المساجد ! – ويتلخص هذا المشروع فى تخصيص بطاقات ممغنطة يحملها المتردّدون على المساجد ، وكل بطاقة تتعرف على بوابة المسجد المخصص لصاحبها فى الحىّ الذى يسكنه ، فلا يستطيع مسلم تونسى فى صفاقس مثلاً وأدركته الصلاة فى العاصمة أن يدخل أيا من مساجدها ، لأن البطاقة الممغنطة لن تقبل فى بوابة أى مسجد يُريد دخوله ! وكان الهدف كما قال المشروع هو التعرف على المصلين حتى لا يكون بينهم " إرهابى " أو " متطرف " يأتى من هنا أو هناك !
وحين اتسع نطاق النشر عن هذا المشروع التافه الحقير الذى يدل على خسّة أصحابه وتفاهتهم وحقارتهم ، انطلقت ألسنة النظام وأبواقه الكاذبة والمنافقة تنفى وتنفى ..!
وكأنهم يظنوننا بلا عقول ولا منطق .. ويظنون أن هناك أجهزة متفرغة للتأليف والنشر تقدم للناس مثل هذه القضايا والحكايات .. لقد وجد النظام التونسى البوليسى الفاشى ، أن مشروعه سيضعه فى وضع حرج غير مسبوق على المستوى السياسى والمستوى الإسلامى ، فتراجع صاغراً ذليلاً أمام غضب الرأى العام الإسلامى ، وأعلن أن المشروع ليس له أى أساس من الصحة .. وهدأ الناس لهذا الإعلان !
بيد أن النظام الذى اختار إعلان الولاء للعدو النازى اليهودى فى فلسطين المحتلة ، والارتماء على أقدام الشيطان الأمريكى ، فضلاً عن الاستسلام الكامل لفرنسا التى مازالت تقوم بدورها فى فرنسة تونس فكراً وثقافة وإعلاماً وسياسة ، وتتستر على كبار اللصوص من المقربين إلى النظام ، أقول إن هذا النظام لم يحقق إنجازات تُذكر إلا فى إحكام قبضته على الشعب الشقيق ، والعمل على استئصال الإسلام من صدور بنيه ، بعد أن استأصله من الجامعات والمدارس والجامعة الإسلامية العريقة " جامعة الزيتونة " التى ظلت قروناً تحمل شرف دراسة العلوم الشرعية الإسلامية من جيل إلى جيل ، وقد سخرت لهذه المهمة الآثمة والشريرة شيوعيا معروفا ، تامرك فيما بعد ، اسمه " العفيف الأخضر " الذى كان من أولى مهامه عندما تولى وزارة التعليم العالى ، أن يقضى على الشريعة وعلومها فى جامعة الزيتونة العريقة وبقية جامعات تونس ، إرضاء لسادته الصليبيين المستعمرين واليهود النازيين الغزاة !
تونس السلطة البوليسية الفاشية ، تبذل كل جهودها ليرضى عنها سادتها الصليبيون واليهود ، فتعمل على مطاردة الإسلام والمسلمين ، وقد امتلأت سجونها ومعتقلاتها بالمظلومين ، وفى المهاجر الأوروبية والأميركية عشرات بل ألوف التونسيين المنفيين أو الهاربين من قبضة النظام الحديدية ، التى لا تعرف الله ولا تعرف الرحمة .. وقد امتدت يدها لتصل إلى الست " فلّة " .. بعد أن هيمنت على الست " تونس " !وبقي سؤال عن جمعيات المرأة عندنا المشغولة ليل نهار بتحرير المرأة كما تدعي : أين هذه الجمعيات من اضطهاد المرأة المسلمة في تونس ؟ أم إن الإسلام ممنوع من الاهتمام عند هذه الجمعيات ؟
...........................................
*المصريون ـ في 10/10/2006م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:36 PM
جابر عصفور.. والطاهر وطار

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

"الطاهر وطار" كاتب جزائري يساري, كتب إلى وزير الثقافة المصري ينتقد مؤتمر المثقفين الذي انعقد أول يوليو الحالي (2005م), ولكن هذا الانتقاد لم يعجب صديقي اللدود "جابر عصفور" وزير الثقافة التنفيذي (أمين المجلس الأعلى للثقافة), وأرجع صديقي اللدود موقف "الطاهر وطار" إلى تحالفه مع الجماعات الإسلامية الجزائرية!! المؤتمر حضره قرابة مئتي كاتب ومفكر معظمهم من الشيوعيين القدامى وبعض الليبراليين, واثنين من المحسوبين علي التيار الإسلامي، أحدهما وزير سابق, والآخر أستاذ قانون.
المفارقة أن "جابر عصفور" كتب قبل أيام في "الأهرام" يشيد برواية "الزلزال" لـ "الطاهر وطار"؛ لأنها تتعمق في شخصية الإرهابي.. أي المتدين المسلم! وعدّه رائداً في هذا السياق.. بالطبع فإن مؤلف "الزلزال" لم يتعاطف مع "الإرهابي" وقدمه في صورة بشعة دون أن يقدم المقابل غير الإرهابي من المتديّنين الصالحين!

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:37 PM
قراءة في كتاب «لويس عوض: الأسطورة والحقيقة»
للدكتور حلمي محمد القاعود

بقلم: أ.د. حسين علي محمد

«كان قدري أن أسبح ضد التيار في معظم ما أكتب إن لم يكن فيه كله، مع ما في هذه السباحة من متاعب ومصاعب، وأن أدخل إلى مناطق ملغومة، مليئة بالأشواك التي تُدمي وتجرح. وكان هدفي في النهاية هو كشف الحقيقة وتقديمها للناس دون من ولا أذى محتسباً ما ألقى عند الله».
بهذه الفقرة يقدم الدكتور حلمي محمد القاعود كتابه الجديد: "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة" للقارئ في ثلاثمائة وثماني عشرة صفحة من القطع المتوسط، والذي صدر مؤخرا عن دار الاعتصام بالقاهرة.
إن الاقتراب من عالم لويس عوض مغامرة محفوفة بالمخاطر والمحاذير، فالرجل رغم رحيله منذ خمسة أعوام مازال يُمارس سيطرته القاهرة؛ فتلامذته وأتباعه من العلمانيين والمراكسة يُسيطرون على وسائل الإعلام، ويمثلون مركز قوة خطيراً، كما كان الراحل يمثل منذ ثلاثين عاما، حينما كان المستشار الثقافي لأكبر جريدة في الشرف الأوسط، ألا وهي جريدة "الأهرام".
لكن الدكتور حلمي محمد القاعود توكّل على الله، واقتحم وكر الأفاعي، وأمسك رأس الأفعى! فهل يتركونه؟!
ليس بعيداً عن الذاكرة ما جرى للعلامة محمود محمد شاكر حينما أراد أن يتصدّى لجهالات لويس عوض التي كان ينشرها في الناس، فكتب أكثر من عشر مقالات في "الرسالة" (الإصدار الثاني في عامي 1964و1965م)، جمعها شاكر بعد ذلك في كتابه القيم "أباطيل وأسمار".
لقد أراد شاكر التصدِّي لجهالات لويس عوض، فكتب مقالات بدأها بعنوان "ليس حسناً"، وفي الأسابيع التالية "بل قبيحا"، "بل شنيعا"، فكان جزاؤه السجن وإغلاق مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" (1965م).
يقع الكتاب في ثلاثة أبواب:
الباب الأول بعنوان "السير والسلوك"، ويقع في ثلاثة فصول، في الفصل الأول يتناول المؤلف نشأة لويس عوض، ومفتاح شخصيته، وعلاقته بالآخر، وفي الفصل الثاني "المكونات والمرجعية، والفصل الثالث الحضور الثقافي والأدبي (ص ص21-97).
والباب الثاني بعنوان "الوصف والإنشاء"، ويتناول المؤلف فيه مؤلفات لويس عوض من خلال فصلين: الفصل الأول بعنوان "الوصف" ويتناول فيه جهود لويس عوض في النقد، والأدب المقارن، واللغة، والترجمة. والفصل الثاني بعنوان "الإنشاء"، ويدرس فيه رواية "العنقاء" وديوان "بلوتولاند" ومسرحية "الراهب" (ص ص99-188).
والباب الأخير (الثالث) بعنوان "الرؤية والفكر"، وفيه ثلاثة فصول، هي: السلطة والسياسة، والتشويه والتجميل، والإسلام والعروبة ( ص193-182).
ثم تأتي الملاحق وفيها خطاب من رمسيس عوض ضد غالي شكري، وملخص أخطاء لويس عوض (صفحة من كتاب العلامة محمود محمد شاكر "أباطيل وأسمار")، ومقالة لعبده بدوي، وأخرى لمحمد جلال كشك، ويتلو ذلك ثبت الأعلام، فالمصادر والمراجع، فالفهرس التفصيلي.
إن هذا الكتاب يكشف القناع عن ناقد ذاع صيته، بينما إمكاناته متواضعة، جد متواضعة، ويكفي ما قاله عنه العلامة محمود محمد شاكر: "إن إحساس لويس عوض باللغة ضعيف جدا، وأجنبي جدا، ومع ذلك فهو يعمد إلى النصوص الأدبية في لغة العرب، فيدرسها بمخرقة شنيعة، وبلا حياء".
لقد كان لويس عوض أكذوبة كبرى في حياتنا انطلت على الكثير، مما جعل ناقداً معروفاً مثل الدكتور جابر عصفور يقول عنه: "إن حياة لويس عوض كانت كلها جهداً متصلا وكفاحاً دائماً لتغيير الواقع الذي ظل يرفض ما فيه من تقاليد جامدة، وظلم اجتماعي، وغياب للحرية" (الأهرام 13/9/1990م).
ولقد ظلّت هذه الأكذوبة تستشري في حياتنا حتى جاء هذا البحث للدكتور حلمي محمد القاعود ليضع لويس عوض ـ بالدليل والبُرهان ـ في حجمه الحقيقي، بعد أن يتناول جوانب الهالة الأسطورية التي أحاطته، بأسلوب علمي أكاديمي موضوعي، يعتمد على مقولات لويس عوض وكتاباته بالدرجة الأولى، وما كتبه من كتب نقدية وإبداعية، فيُظهر أن كتابات الرجل متهالكة علمية، ويسرق كتابات الآخرين (كما فعل في كتابه عن جمال الدين الأفغاني)، وكتاباته الفنية متواضعة، ولا تصنع منه مبدعاً كبيراً.
أما كيف أخذ الرجل هذه الهالة، وكيف صار نجماً ذا سطوة على مُخالفيه في الرأي والعقيدة، فهذه تحتاج إلى شرح وإبانة يقوم بها الكتاب خير قيام.
تحية إلى الدكتور حلمي محمد القاعود وهو يسلك الطريق الصعب، ويقتحم وكر الأفاعي لينشر الحقيقة، ويدحر الأكاذيب.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:39 PM
عبدالمنعم سليم جبارة.. رجل لا يحبّ الضجيج

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

كنت كلما دخلت عليه مكتبه أداعبه بالآية الكريمة، "ومزاجه من تسنيم" (المطففين/27).. وكان يبتسم ابتسامة هادئة، ولكنها تعبِّر عن فرح عميق، فقد رزق بفتاة سماها "تسنيم" بعد ولد سماه "زياد". كان اسم "تسنيم" نادراً، ولكنه اسم قرآني جميل، صارت صاحبته اليوم عروساً في الدراسات العليا بعد أن تجاوزت العشرين.
مرَّ الزمان سريعاً مذ قابلته لأول مرة في مقر مجلة "الدعوة" بالتوفيقية عام 1976م، كان هادئ السمت، قليل الكلام، يهتم بما هو مفيد، لا يحفل بالثرثرة، ولا يبدي انفعالاً، ولكنه يتجه نحو العمل، العمل فقط، وحوله كوكبة من الشباب، صاروا اليوم مبرزين في أعمالهم، "صلاح عبدالمقصود"، وكيل نقابة الصحفيين، "بدر محمد بدر" مدير تحرير "آفاق عربية"، "أحمد عز الدين"، مدير تحرير "المجتمع"، وغير هؤلاء من جيلهم والجيل التالي بعدهم أعداد أخرى حققت نجاحات في ميدان عملها الصحفي والثقافي والفكري، تعلمت من "عبدالمنعم سليم جبارة" وعملت معه.
تعرفت إليه بواسطة صديقي الراحل "جابر رزق"، وكانا يديران مجلة "الدعوة" في ظل الأستاذ "عمر التلمساني" والأستاذ "صالح عشماوي" ـ رحم الله الجميع ـ وكانت "الدعوة" آنئذٍ تصدر شهرية، وتغطي مع مجلة "الاعتصام" التي كنت محرراً بها نشاط الحركة الإسلامية، وتعبِّران معاً عن رؤية إسلامية لأحداث تلك الفترة التي أعقبت حرب رمضان، والإفراج عن المعتقلين من التيار الإسلامي، والسماح بهامش من الحرية التعبيرية.. كان لي شرف الكتابة في الدعوة، وخاصة بعد إعلان مبادرة الرئيس الراحل "أنور السادات" بزيارة القدس المحتلة، والتفاوض مع الكيان الغازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة.
توطدت معرفتي بعبدالمنعم سليم جبارة بعد ذلك، وكان هناك مفارقة طريفة، وهي أننا تزوجنا في عام واحد (عام1 978)، ثم تعاونت معه فيما بعد حين أعيد إصدار مجلة "لواء الإسلام" التي صار رئيساً لتحريرها، وكنت أتولى تحرير القسم الأدبي فيها، حتى سافرت إلى العمل بالخارج، وجاءت حرب الخليج الثانية (احتلال الكويت من جانب العراق)، فأغلقت "لواء الإسلام" تحت ضغط الأحداث ومضاعفاتها، فلم أقابله إلا لماماً، ولكني كنت أتابع مقالاته المستمرة والدؤوب في العديد من المجلات والصحف: "المجتمع، الأحرار، الشعب، الحقيقة، آفاق عربية، وغيرها". وكان فيما يكتبه ملتزماً بالرؤية الإسلامية النقية التي لا تتأثر بالدعاية السائدة، ولا تنخدع بالأقوال التي تصدر عن خصوم الإسلام، كان يرى الأشياء كما يوجب الإسلام أن تُرى، لا كما يريد الآخرون أن نراها. ثم إنه يصوغها في عبارات علمية دقيقة بعيدة عن الانفعال العاطفي أو الهجاء السياسي.. فقد كان يرصد ما يراه، ثم يبدي رؤيته الإسلامية في وضوح، لا يراوغ ولا يخاتل ولا ينافق، وكانت مقالاته في معظمها تتجه نحو معالجة القضية الفلسطينية ومستجداتها على الساحة السياسية والعربية، منطلقاً من فهم محدد يؤمن أنَّ الجهاد هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين واستعادة بيت المقدس.
لقد تخرج عبدالمنعم سليم جبارة في كلية الآداب، وكان تخصصه في "الجغرافيا"، وهو ما ساعده في تحليلاته السياسية على استيعاب أحوال العالم الإسلامي، بل العالم كله، فقد كانت الدنيا تحت ناظريه يعرف تضاريسها الجغرافية كما يعرف تضاريسها السياسية، ولذا جاءت كتاباته عميقة، تشير إلى وعي جاد بما يدور على خريطة العالم.
وكانت تجربته الإنسانية زاخرة وعامرة، مع قسوة بعض جوانبها ومراراته وبشاعته، فقد ولد في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1930م لعائلة ميسورة في مركز فاقوس بمحافظة الشرقية، ومكّنه المستوى المادي المرتفع لأسرته من دخول جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً). وانضم وهو طالب في ا لجامعة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وشارك في عمليات الفدائيين ضد المستعمرين الإنجليز بمنطقة قناة السويس في أوائل الخمسينيات، واعتقل عام 1955 وظلَّ بالمعتقل حتى أفرج عنه عام 1974م بعد أن قضى نحو عشرين عاماً ذاق فيها مرارة السجن وبشاعة التعذيب وقسوة الظلم، وقد عبَّر "نجيب الكيلاني" ـ رحمه الله ـ عن هذه المحنة في روايته المؤثرة "رحلة إلى الله"، وكان صديقاً لعبدالمنعم سليم ورفيقاً له في السجن، بعد محاكمات 1965م، وقد أشار "نجيب الكيلاني" إلى علاقته بعبدالمنعم مذ كانا طالبين في الجامعة، الأول كان طالباً في الطب، والآخر في الآداب، وسجلها في كتابه الضخم الذي ترجم فيه لنفسه "لمحات من حياتي"، وأذكر أنني حين ذكرت له بعض الوقائع التي وردت في الكتاب، وحكاها لي نجيب شفاهة، ضحك، ولم يعلق، كعادته، وكأنه يستحي أن يشير إلى ما تعرَّض له في المعتقل، على العكس من صديقه "جابر رزق" الذي سجَّل ما جرى وحدث بصراحة بالغة، وكان الهدف منها كشف الممارسات الوحشية لبعض البشر الذين ماتت قلوبهم، وهو ما عبَّر عنه أيضاً الكاتب الراحل "مصطفى أمين" في كتابه المشهور "سنة أولى سجن" وأشار فيه إلى ما أصاب المعتقلين السياسيين من تعذيب بشع!
لقد خرج "عبدالمنعم سليم" من غياهب الظلمات وهو في الرابعة والأربعين من العمر، لم يتزوج، ودون وظيفة، فعمل في وزارة التربية والتعليم موجهاً بالتعليم الثانوي، وفي عام 1976م انضم إلى مجلة "الدعوة"، ثم أعير إلى الإمارات العربية المتحدة ليعمل في مجال التدريس، ويؤسس مع آخرين مجلة "الإصلاح"، ثم ترك الإمارات وعاد إلى مصر بعد سنوات.
الميزة الرئيسية التي تميز عبدالمنعم سليم، هي أنه لا يحب الضجيج، بمعنى أنه يريد أن يخدم دينه ودعوته إلى الله في صمت، فلا يسعى إلى الأضواء، ولا يجري وراء البريق، ولا يستشعر "الأنا" التي تعبِّر عن حب الذ ات أو النفس، إلا في مواقف التضحية والبذل، حينئذٍ يقدم نفسه وروحه، في صمت ودون ضجيج. إنَّ بعض العاملين في مجال الحركة الإسلامية والدعوة إلى الله تتسلل إليهم آفة "النرجسية" أو "حب الظهور" أو "الانتفاخ الكاذب". ولكن رجلنا كان متواضعاً، أو حريصاً على التواضع الذي يدخله في دائرة الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. هو يريد أن يقول كلمته في هدوء ثمَّ يمضي، وكأنَّه لا يريد أن يعرف أحد أنه هو الذي قال، ولعلَّ ذلك كان من وراء كتابته مئات المقالات بأسماء مستعارة، حيث كانت بعض المطبوعات تحمل له أكثر من مقالة، فيوقع بأسماء مثل: أبوزياد، أبوطارق، د. سيد الفضلي، د. أحمد عبدالحميد البنهاوي، وغيرها..
وأذكر أنَّ كاتباً يحمل اسمه ـ وهو من تيار آخر ـ احتج كتابة بأنَّ تشابه الاسمين يوقع صاحبنا في مآزق مع التيار الذي ينتمي إليه، فأضاف الراحل الكريم إلى اسمه لقب العائلة "جبّارة" دون أن يجد في ذلك غضاضة، ليفرِّق الناس بين الاسمين.
إنَّ تواضع "عبدالمنعم سليم جبّارة" في الحياة والدعوة الإسلامية، يجعله نموذجاً للداعية الإسلامي، الذي تمكن الإيمان من قلبه، فلم تشغله زخارف الدنيا ولا عرضها الزائل، وفي الوقت نفسه يقدم درساً حياً وبليغاً إلى "المغرورين" أو "السفيانيين" الذين يدورون حول أنفسهم وذواتهم، ويتناسون أنَّ الخدمة في ميدان الدعوة الإسلامية تقتضي التواضع أو إنكار الذات، ليكون عملهم خالصاً لوجه الله، وأشهد أني ما رأيت الرجل يوماً يضع نفسه في مستوى فوق مستوى المسلم البسيط الذي يرجو رحمة ربه وعونه.. مع أنه كان في مواقع تتيح له أن يتيه وينتفش ويزهو ويفاخر.. ولكنه كان ينظر إلى الآخرة متخلقاً بأخلاق الإسلام والسلف الصالح.
ولعل ذلك كان من وراء التكريم الإلهي له، وهو التكريم الذي تبدَّى عند وفاته، فقد ظلَّ واقفاً عل ى قدميه، يصلي ويتهجَّد ليلة السابع والعشرين من رمضان الماضي، وهو الليلة المباركة التي يرجح العلماء أن تكون ليلة القدر، فقد اختاره الله وهو يصلي، وتمَّ دفنه يوم الجمعة، ورأى من رافقوه إلى مثواه معالم كرامات تدل على أنَّه من المقبولين إن شاء الله.
هذا الرجل الطيب والداعية الذي ينكر نفسه، كان مثالاً للمسلم الذي يعرف القناعة والرضا بقدر الله، تقول عنه زوجته: "كان زوجي نسمة لطيفة في حياته ومماته، كان معلماً منذ أول لحظة ارتباطنا، منذ أن ارتضينا هذا الطريق نقطعه معاً إلى الجنَّة، فبدأنا بشقة صغيرة في شبرا الخيمة، ولم اشتر فستان زفاف، بل استعرت فستان أختي، وعقدنا زواجنا بمسجد صلاح الدين بالمنيل في حفل عائلي صغير، ثم فتحت علينا الدنيا أبوابها، فتدفق المال، ولكن كل هذا كان في يده لا في قلبه. لم يغيره فيض العطاء بعد طول الحرمان؛ لأنَّ قلبه قد تعلق بأمل آخر.. الجنة، رغم حياته الزاخرة لم يكن يذكر ما حدث له إطلاقاً، بل كنت أعرفه من الكتب ولا أحدثه فيه، كان يشعر بأن ما يقدمه لدعوته هو كنزه، فكان أحرص ما يكون عليه، وعلى ألا يطلع عليه أحد، فلا أذكر أنه روى لنا ما حدث معه في السجن إلا مرة واحدة، كنا نشكو من شدة الحر، فشرد ببصره قليلاً ثم قال: سبحان الله، لقد كانت تأتي على الأخوان أيام في سجن قنا نظن فيها أنَّ الموت يكاد ينالنا من شدة الحر. وإذا بالمولى عزَّ وجل يرسل ما يلطف به الجو فيخفف عنا والجنود حولنا في ذهول. وحينما كنت أرى إصابات جسده من أثر التعذيب وأسأله عنها كان ينكر بشدة ويتهرب من أسئلتي..".
وأكتفي بهذا القدر من شهادة الزوجة الصابرة، وما تضمنته من حفظه للقرآن الكريم ودأبه على قراءته وتلاوته باستمرار.. لأقول: "إنَّ عبدالمنعم سليم جبّارة" يقدم أنموذجاً لخدمة الإسلام في صمت ودون ضجيج ودون رياء أيضاً.. رحمه الله، وجعل مستقرَّه في الفردوس الأعلى.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:40 PM
الوعي والغيبوبة.. كتاب حول الرواية المعاصرة

صدر مؤخرا في السعودية كتاب تحت عنوان الوعي والغيبوبة.. دراسات في الرواية المعاصرة للدكتور حلمي محمد القاعود .يؤكدالدكتور القاعود في المقدمة علي انطلاقه في الكتاب من الأهمية التي باتت منعقدة علي فن الرواية الذي صار بامتياز ديوانا آخر للعرب إلي جانب ديوان الشعر، ويشير إلي سلسلة الكتب التي أصدرها في هذا السياق مثل الرواية التاريخية في أدبنا الحديث، الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، الرواية الإسلامية المعاصرة، الرؤية الإسلامية في الرواية، وحوار مع الرواية في مصر وسورية .ويشير القاعود الي أن ما شجعه علي إصدار هذه السلسلة من الكتب حول الرواية، هو أن هذا الفن بات يرصد الحياة بصورة بانورامية، ويعرض لصراع الأفكار والمعتقدات والتصورات، وذلك من منطلق أن الرواية مجال خصب وفسيح ـ حسب الكاتب ـ بحكم قرابتها من مخاطبة الوجدان، ومناغاة النظرة، وإشباع الرغبة والتشويق إلي معرفة المصائر والنهايات، ولذا وجدت اهتماما نقديا ودراسيا عظيما في المجال الثقافي والأكاديمي.ويؤكد المؤلف أن فكرة الكتاب جاءت امتدادا للكتب التي سبق أن أصدرها في تقديم الرواية الإسلامية ، والرواية المضادة لها، كي يري الأدباء الإسلاميون تأثير الرواية الإسلامية ونقيضها علي القارئ، وفي الوقت ذاته ـ علي حد تعبير المؤلف ـ ينهضون للاهتمام بهذا الفن والاستفادة منه في خدمة التصور الإسلامي وقضايا الأمة الإسلامية.
في الفصل الأول يناقش القاعود رواية ثريا في غيبوبة للكاتب إسماعيل فصيح، وهي رواية ترصد صورة المجتمع الإيراني عقب انهيار نظام السافاك في إيران. يعرض المؤلف لفكرة الرواية ثم يناقش دور مجموعة المثقفين الهاربين في باريس كأبطال متعددين، ثم وصف لحال ثريا المضطربة حسب وصفه ووصف الرواية ثم المكان متعدد الدلالة، ويري القاعود أن جزءا أساسيا من أهمية تلك يكمن في الفترة الزمنية التي تناولتها، حيث تعتبر مرصدا للواقع الإيراني عقب انهيار نظام الشاه حيث تبدأ أحداثها عام 1979 حين انطلقت الجمهورية الإسلامية ونشبت الحرب العراقية الإيرانية.ثم ينتقل القاعود إلي رواية للكاتب علي أبو المكارم هي أشجان العاشق وهي ـ كما يقول ـ جزء من ثلاثية في العشق كتبها مؤلفها علي مدي خمس عشرة سنة، حيث كان الجزء الأول قد صدر تحت عنوان الموت عشقا ، والثاني العاشق ينتظر ، والثالث هو موضوع الدراسة، ويشير المؤلف إلي تناوله للجزء الثاني بالذات لأنه يتعرض للفساد الثقافي الذي يعيشه المجتمع بينما كان الجزء الأول قد تناول الفساد السياسي ومقاومة المجتمع له، أما الجزء الثالث فقد تناول ما أسماه تجليات الاستبداد علي قطاعات الشعب المختلفة، مع إضافة عنصر الهيمنة الأمريكية وتجلياتها العنصرية الاستعلائية علي حد تعبير المؤلف.
وفي فصل تحت عنوان محنة الاستلاب وتشويه الإسلام يتناول المؤلف رواية ليلة القدر للروائي المغربي الطاهر بن جلون وهي الرواية الفائزة بجائزة الجونكور وهي المرة الأولي ـ حسب المؤلف ـ التي تمنح فيها الجائزة لرواية غير فرنسية الأصل، مع أن الكاتب بن جلون يكتب بالفرنسية، وقد قام بترجمة الراوي الناقد فتحي العشري وصدرت في العام 1988.
ويعترض القاعود علي مقدمة المترجم فيما يتعلق بحديثه حول الرواية العربية التي حققت العالمية، حسبما يراها.
ويشير القاعود الي أن اعتراضه مؤسس علي أن العالمية تحكمها مواصفات غير دقيقة أو غير مؤسسة علي قواعد ثابتة، ويضيف: ان كل كاتب شريف أو مثقف حقيقي يرفض محاكم التفتيش التي دخلت إلي ضمائر المسلمين وغيرهم وحاسبتهم علي ما عدته نوايا ومعتقدات تخالف أفكار الصليبيين الغزاة المنتصرين في الأندلس، ويضيف المؤلف ـ فيما يشبه المانيفستو ـ كما نري نؤمن برفض الوصاية والمصادرة والكتابة الجنسية، لأنها ضد الحرية والأخلاق، وفي المقابل نطلب التسامح والحوار والعقلانية مع التصور الإسلامي ومعطياته، خاصة أن السادة المهيمنين علي الساحة الثقافية في العالم العربي والإسلامي، يصادرونه ويفرضون عليه الوصاية، ويتعاملون معه غالبا بعدوانية مقيتة لا يملكها إلا خصومه من مثقفي الدول الاستعمارية المتوحشة.ثم يستعرض المؤلف بعد ذلك جانبا من سيرة مؤلف الرواية (الطاهر بن جلون)، يستعرض الرواية وتكوينها وفصولها ثم يستعرض المكان الروائي الذي أتي غير محدود رغم أن الإشارة عنت بعضه، ثم ما أسماه لعبة الزمان التي ترتبط عنده بصورة المكان، ثم يستعرض ما أسماه بالشخصيات المجهولة حيث يقول عنها: إنها شخصيات لا أسماء لها ولا هوية مميزة أو محددة علي امتداد الصفحات التي ضمت أحداث الرواية وشخصياتها.
أما من حيث الموضوع الروائي فيشن المؤلف هجوما لاذعا علي بن جلون ويراه نجح في تقديم أبشع الصور للإسلام من خلال عملية الختان وفضح مرجعيتها وطقوسها، ولم يغفر للكاتب محاولته نفي تلك البشاعة التي تخلفها مثل هذه الصورة، ويأتي تحفظ القاعود علي القضية من زاوية أن الغرب يروج لها وكأنها القضية الاستراتيجية الأولي لهم، ويري كذلك أن شخصية البطلة تقدم صورة متناقضة مع الغايات التي يطمح إليها الكاتب، ويرصد العديد من أوصافها القاسية التي يراها تناقض فطرة المرأة، حيث تبدو صورة التمرد والرفض لكل الأعراف والتقاليد قائمة في سلوك البطلة بشكل دائم، ويشير الي ذلك قائلا: لا تكف البطلة في رحلتها الدامية عن هجاء المجتمع المسلم ورجاله، ويربط بين رواية بن جلون ورواية السوري خيري الذهبي حسيبة للتماثل بين البطلتين حيث تتحول البطلة في هذه الرواية أيضا إلي رجل.
وفي النهاية يري القاعود أن المؤلف الطاهر بن جلون حول شخصياته إلي أبواق دعائية تتكلم باسمه أكثر مما تتكلم بمنطق الفن الروائي، ويضيف قائلا: لقد حول مقولاتهم وأفكارهم الي منشورات سياسية تشارك الفكر الاستعماري والتصور الاستشراقي الحملة المزمنة والظالمة ضد الإسلام وقيمه.ثم يتناول القاعود رواية احترس من الدولار للكاتب محمد نور الدين التي تعالج فكرة السفر الي الخارج والرغبة في جمع المال لمواجهة الظروف المادية القاسية، وما يتخلف عن ذلك من مشكلات مادية، ثم يتناول بعد ذلك، من خلال وقائع الرواية، ما أسماه زمن التحولات الذي يأتي مكثفا جدا في الرواية ولا يستغرق أكثر من يومين ثم يستعرض المكان وتغيراته، وفكرة المباشرة في السرد ويري الرواية نكهة جديدة في الكتابة الروائية. ثم ينتقل الكاتب الي رواية جديدة للكاتب نهاد رضا تحت عنوان منافسة في باريس في فصل تحت عنوان صراع الهوية وفساد الطوية ثم ينسي، بعد أن يأخذه الاستطراد التاريخي، أن يذكر اسم المؤلف.وتحت عنوان وحشية الرغبات وإخفاق الطموحات يتناول المؤلف حياة الكاتب محمد صدقي وأعماله .
..............................
*موقع:
http://www.islammemo.cc/article1.aspx?id=39598 (http://www.islammemo.cc/article1.aspx?id=39598)

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:41 PM
حصيرة الريف الواسعة : مواقف نقدية وقضايا ثقافية

تأليف الدكتور : حلمي محمد القاعود
الناشر : بستان المعرفة ، كفر الدوار ( بحيرة ) – 2007م
عدد الصفحات : 188 صفحة .
......................................

هذه فصول قصار كتبت في سنوات قريبة مضت ، تناولت بالنقد والتحليل نصوصا أدبية ونقدية ودرامية جديدة ، وفيها أيضا حديث عن بعض الأعلام المعاصرين في مناسبات مختلفة ، فضلا عن بعض القضايا التي تتصل اتصالا وثيقا بالحياة الأدبية والفكرية الراهنة مازال معظمها يراوح مكانه ويشكل حالة سلبية في الواقع الثقافي .
وقد سميت هذه الفصول " حصيرة الريف الواسعة " انطلاقا من المقولة الشائعة في الريف " حصيرة الريف واسعة " ؛ فالقرية بالنسبة للمؤلف حيث يقيم ويعيش هي المبتدأ والخبر ، وكثير من مادة هذا الكتاب تنتسب إلى الريف وأهله ومشكلاته .. ، ثم إن تنوع مادة الكتاب وتشعبها تجعل القارئ يجد في حصيرة الريف ؛ مجالا ملائما للمشابهة في الرحابة والاتساع .
معظم النصوص التي يعالجها الكتاب تنتسب إلى جيل الشباب أو أدباء النضج الذين أهملهم النقد ، ولم يلتفت إلى إنتاجهم أو كتاباتهم ، ويحسب لهذا الكتاب أنه قدمهم إلى الجمهور القارئ أملا أن يكون ذلك بداية لمتابعتهم وتحليل إبداعهم ونصوصهم .
أما الأعلام الذين تناولهم الكتاب وهم من المعاصرين وبعضهم من الذين رحلوا دون أن تتوقف عندهم أجهزة الإعلام الأدبي كما ينبغي ، أو تشير إلى بعضهم مجرد إشارة اعتمادا على نظرة أحادية تسود الحقل الأدبي ، وتجعل صاحب المبادرة بالعلاقات العامة هو الأكثر حضورا وبروزا واهتماما ، علما أن هؤلاء الأعلام أصحاب إنتاج له قيمة لا تبلى ، وجهد لا ينكر ، مما يجعل الالتفات إليهم ضرورة سواء في الجامعات أو الدوريات المتخصصة .
صفحات هذا الكتاب تدعو إلى تحرير الأدب والثقافة في بلادنا ومناقشة الوسائل الفعالة والأساليب الناجحة من أجل تحقيق هذا التحرير ، وهي دعوة تستحق من المخلصين من أدباء هذا البلد ومثقفيه – وليس كتاب السلطة – أن يدرسوا نواحي القصور في ثقافتنا حتى تكون الثقافة قاطرة للتحول والدخول إلى عالم أفضل وأكرم .

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:42 PM
الشعب الفرعوني!

بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود

لي صديق عزيز يغضب مني دائما كلما دافعت عن شعبنا المظلوم ، وأبعدت عنه مسئولية المحنة التي يعيشها منذ مئات السنين ، تحت سياط الجلادين والطغاة والمغامرين والأفاقين والمستبدين . إنه يؤمن بالأثر : كيفما تكونوا يولّ عليكم ، فضلا عن الآية الكريمة " إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ " ( الرعد : 11 ).
يقول صديقي : انظر إلى الشعوب التي كانت تحت الحكم الشيوعي الدموي في بولندة ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي وبلغاريا وألبانيا .. حتى زامبيا وكينيا وجمهوريات الموز ، فضلا عن إيران وأفغانستان وميانمار وتايلاند ؛ كلها شعوب تتحرك ، وتغير بيدها ولسانها وقلبها ، إنها تنهض وتتقدم وتنطلق إلا مصر المحروسة ، فهي مثل "شارون" في غرفة الإنعاش منذ زمان بعيد لا يموت ولا يحيا ، هناك من يطالب بفصل الأجهزة الواصلة إلى قلبه ومخه حتى يموت ويستريح ويريح ، ولكن هناك من يرى ضرورة بقائه ليكون فزاعة مخيفة ولو لم تحدث أثرا ، المهم أن يبقى جثة هامدة لا تتحرك حتى يوقن الآخرون أنها ستنهض في يوم ما وتقف على قدميها ، وربك قادر على كل شيء ..
أقول لصاحبي : إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، فيزداد غضبا نبيلا ، ويشتعل انفعالا كريما ، ويذكرني بالآية الكريمة " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ " ( القصص: 8 ) ، فأقول له : " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا .. " ( القصص: 4 ) ، فيؤكد على أن فرعون ليس هو الحاكم وحده الذي يفرق ويمزق ويستبد ، ولكنه موجود في البيت والمدرسة والجامعة والعمل والشارع ، والحقل والسوق ، في تجارة الحديد والأسمنت والخشب ، وسيارات الميكروباص والنقل ؛ التريلا والمقطورة التي تقتل الألوف كل عام ،وضحاياها أكثر من ضحايا الحروب والمعارك العسكرية ، ومثلها العبارات المتهالكة والطائرات الخردة والقنوات الفضائية التي تبيع الرذيلة والناس تستسلم لها استسلاما كاملا ، ونواب الشعب الذين يصفقون للقوانين الظالمة التي تصادر حرياتهم ، وتقنن الاستبداد ، وتعتصر ناخبيهم وتقلب جيوبهم بحثا عن ملاليم ، وتفسح الطريق أمام اللصوص الكبار كي ينهبوا ثروة البلاد والعباد من أراض ومحاصيل ومنتجات ومصانع ، وأبواق النظام الذين لا يكلون ولا يملون من ترديد الأكاذيب ، وتصوير الأحوال على أنها فل الفل وعال العال..
وحين أحاول تهدئة صديقي العزيز ، و أقول له إن القرآن الكريم وصف فرعون بأنه كان من المفسدين ، وأطلب منه ألا يتحامل على الشعب البائس المسكين الذي تحمل ما لم يتحمله شعب آخر على ظهر الأرض ؛ ينظر إليّ بعين العتاب والأسى كأنه يتوعدني توعّد المحب الذي يتمنى ألا يقول لحبيبه إلا ما يرضيه ، ولكنه لا يملك ما يقوله، ثم يفهم صديقي أني أريد أن أهدئ وتيرة الحوار ، أو أغير الموضوع ، ولكنه يرد بحزن شفيف:
ألم تقرأ قوله تعالى : " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ " ( الزخرف : 54 ) ، والفسق كما تعلم وأعلم هو الخروج عن المنهج والتشريع والعقيدة ، وتأمل التوكيد الثقيل المشدد – على وزن السجن المشدد !- بإن المشددة والضمير ، والجملة الاسمية ووجود الموصوف والوصف الظاهرين ، والقوم الفاسقون ، أو الشعب الفاسق ، هو الذي خرج عن الفطرة والاستقامة والمنهج ، وانحرف إلى طريق الفساد والأنانية والهروب من الواجب ، وعدم تحمل المسئولية ، وإلقاء التبعة على الآخرين ، والاكتفاء بالولولة واللطم والصياح ولوم السلطة والاعتقاد أن ما نعانيه من بؤس وتعاسة هو قدر لا مفر منه ، وقضاء نافذ لا حيلة فيه ولا مرد له ، ومؤامرة من الجن والإنس لا قبل له بها ، إنه شعب لا يفكر إلا في بطنه ومصلحته وفائدته . أما الآخرون فليذهبوا إلى الجحيم ...
أقول لصاحبي : سامحك الله ! كيف تفسر إذا هذه الرغبة العارمة لدى الملايين من شعبنا في العمل والتفوق والتعاون والتراحم ، ولكنهم لا يجدون من يأخذ بيدهم أو يستجيب لهم أو يوجههم إلى طريق السلامة .. أتراهم وهم ينجحون في الخارج ويلمعون وبعضهم يأتي إلينا بجوائز عالمية مرموقة .. يقفون في موضع المتهم الذي تتولى توجيه الاتهام إليه ؟
يزفر صاحبي زفرات حارة تكاد تحرق ما حولها ، ويقول بأسى عاتب :
أنت تجادلني ، وإني لواثق أن أعماقك تحوي سخطا أكثر من سخطي ، وغضبا أقوى من غضبي ، ولكنك مشهور بالهدوء والصبر والتحمل ، وكان معروفا عنك في شبابك قدرتك على الامتصاص ، لتطحن الأحداث في رأسك ، وتستخلص منها الدلالات والنتائج بعد أن تهضم الأسباب والمقدمات .. أقول لك إن شعبنا أعطى التفكير إجازة طويلة ، ويريد من يفكر عنه بالنيابة ، ومن يتولى قضاياه بالنيابة ، ومن يدافع عنه بالنيابة . انظر مثلا : نحن نسلم أمورنا للدول الكبرى .. نطلب من أميركا وروسيا حل مشكلاتنا مع الغزاة ، ننسحب إلى أعماقنا ، ونغلق الأبواب ، كي نترك للآخرين مهمة العمل واتخاذ القرار بالنيابة عنا ، ليس في السياسة وحدها ، بل في الاقتصاد والتعليم والصناعة والتجارة والاستثمار ؛حتى الزراعة التي كنا أول شعب في العالم مارسها وقننها ، وصدر خبراته فيها إلى شعوب الأرض ، ننتظر اليوم شذاذ الآفاق الغزاة ليقدموا لنا تجاربهم فيها ، علما أن كليات الزراعة ومعاهد البحوث تمتلئ مخازنها بآلاف الأبحاث ( ماجستير ودكتوراه وغيرها) ، تقتات عليها الفئران وابن عروس والفأر النرويجي ، لأن أحدا لا تعنيه صفحاتها وما تضمه من خبرات وتجارب ونتائج !
ثم لماذا تذهب بعيدا ، وقد أطلق صاحبك الراحل " يوسف السباعي " – رحمه الله – صيحته الداوية قبل خمسين عاما أو يزيد حين صرخ في مصر : يا أرض النفاق ! .. انظر حولك تجد شعبا يحنو على الغريب والعدو ، ويقسو بعضه على بعض بصورة لا مثيل لها في العالم ، كل من يتعامل في الشارع في المكتب في أي مكان يستخدم قسوة أو فظاظة غير مسبوقة ، كل شخص يسحق الآخر بالكلمة واليد واللسان والفعل ، ومع ذلك انظر حولك تجد النفاق معششا في كل النفوس والأركان ، لأن شعبنا يعبد الأقوياء ، ويدوس الضعفاء ، وقد امتد النفاق ليكون للصوص والمنحرفين والأفاقين والكذابين ، ولم يعد قاصرا على نفاق الأقوياء والكبراء ومن بيدهم مصالح الناس وأقواتهم . قلّب وجهك تر النفاق منهجا له أصوله وقواعده ومخرجاته ، فقد صار بديلا للإخلاص والاستقامة والرشد والجدية ورضا الله . أقول لك : مات كاتب معروف وعالم مشهور قبل أسابيع ، فلم تهتم به الجامعة التي ينتسب إليها ، ولكن ابن أخته الوزير ، وابن أخته رئيس الجامعة الأخرى ، وأقاربه المهمين في جهات عليا هم الذين دار حولهم الاهتمام في سرادق العزاء ، وأعمدة الصحافة ، وبرامج الهواء .. أما الراحل الكريم فكان المناسبة التي أتاحت لجيوش المنافقين أن تدق الكعب وتضرب " تعظيم سلام " للمسئولين الكبار الذين لا يساوون جميعا بعض خالهم الراحل في علمه أو فكره ! ولكن القوم ترجموا المثل الشعبي الذي يتحدث عن كلب العمدة الذي خرجت القرية كلها لتدفنه يوم مات ، أما العمدة نفسه حين توفاه الله فلم يخرج أحد في جنازته ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ...!
قلت لصديقي وقد أجهده الغضب : لا تغضب مني يا أبا خليل ؛ سأقول لك ما قاله خليل الرحمن : " إني معي ربي سيهدين" (الشعراء :62). "رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين " ( الشعراء : 82 ) ، وأستأذنك لألحق بالطائرة كي أطوف إن شاء الله بالكعبة الزهراء علّ الله ييسر لي الطواف ، ويُسخّر من يأخذ بيدي بعد أن أصبحت ضعيفا مجهدا ، لا أقدر على الكلام أحيانا .. ولله عاقبة الأمور .
حاشية :
صبيان الكنيسة في صحافة التعري والسيراميك مازالوا يشنون حملاتهم المغرضة على المساجين الذين يقال إنهم تهربوا من الضرائب ، ولكنهم يتجاهلون عمداً رجال الأعمال النصارى وتهربهم من الضرائب ويتجاهلون جرائم تجارة الأطفال المحرمة دينيا ودوليا ؛ المتهم فيها بعض من ينتسبون إلى الكنيسة ،بل يحللون هذه التجارة الحرام، وسكتوا عن جريمة تسليم الفتاة التي أسلمت واسمها عبير لتلحق بأخرى اسمها وفاء قسطنطين ، خرجت من سيطرة الدولة لتدخل تحت سيطرة الجمهورية الدينية السوبر .. بعض هؤلاء الصبية يريد أن يكون أستاذا جامعيا للأسف !
...........................................
*المصريون ـ في 3/3/2009م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:44 PM
جائزة الشجاعة المدنية

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

ذهب الكاتب المصري الشيوعي ( سابقا ) " على سالم " إلى مقر السفارة الأمريكية في لندن ، وتسلم من السفير يوم الأربعاء 19/11/2008م جائزة الشجاعة المدنية ، وقدرها 50 ألف دولار أمريكي .
في الوقت ذاته كان الغزاة النازيون اليهود يًحكمون حصارهم بمساعدة بعض العرب المسلمين حول قطاع غزة ، حيث لا يجد أهل القطاع وقوداً ولا كهرباء ، ولا دواء ولا غذاء ، ولا يستطيعون الخروج من المعابر ولا يدخلون ..إنهم ينتظرون الموت الجماعي أو الإبادة الجماعية على يد الغزاة النازيين اليهود !
كان " على سالم " صاحب أغنية " على الممر " منتشياً بالجائزة ، وسعيداً بمن سلموها له من الأمريكان والصهاينة ، وقال مفاخراً ومباهياً : " إن الجائزة مهمة جداً من الناحية المعنوية ، لأنني سعيد أن الناس ترى ما أفعله " ، وأعرب على سالم عن سعادته بأن هناك أناساً يمكن أن يقدروا عمله ، وقال إن الجائزة التي تمنحها مؤسسة ترين في الولايات المتحدة ، اعتراف بكل دعواته إلى السلام مع الكيان النازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة ، ومعارضة من جانبه لما أسماه التطرف الإسلامي ، حيث إن هناك – كما يرى – ارتباطاً بين غياب السلام والتطرف !
من حق على سالم ، أن يعتقد بالأفكار التي تناسبه حتى لو تناقضت مع مواقف سابقة كانت تبدو أساسية وعضوية ، ومن حقه أن يؤيد الغزاة النازيين اليهود ، وهم يقتلون الشعب الفلسطيني ويسحقونه ويحاصرونه حتى الموت ، ومن حقه أن يؤيد جيش الغزو الصهيوني وهو يطوّر القاعدة العسكرية الصليبية الاستعمارية المتوحشة في فلسطين ، ويهدد الدول العربية والإسلامية بالدمار والخراب والهلاك ، من حق على سالم أن يؤيد ويبارك ما يفعله العدوّ الصهيوني ، والأب الروحي المتوحش في واشنطن وعواصم الغرب ..
من حقه أن يفعل كل شيء ، ولكن ليس من حقه أن يفرض على الأمة أفكاره ورؤاه التي تقضى بالتفريط في عقيدتها وأرضها وكرامتها ومقدساتها .. ليس من حقه أبدا ، ما معنى معارضته لما يسمى " التطرف الإسلامي " ؟ هل يقصد المقاومة الإسلامية للقتلة الغزاة اليهود ؟ هل يقصد التمسك بالدين الإسلامي مثلما يتمسك بدينهم الغزاة النازيون اليهود ؟ ويمنحون دارسي الدين اليهود امتيازات مادية ومعنوية ؟ إن كان يقصد ذلك فنحن نرفض أفكار على سالم في هذا السياق ونؤكد على أن الأمة الإسلامية مهما تعرّضت للقهر والذل والهوان لن تبيع إسلامها وعقيدتها وأرضها ، وستقبض عليها كما تقبض على الجمر !
إن على سالم ، السعيد بالخمسين ألف دولار ، يجب أن يتذكر أن الرئيس السادات ذهب إلى القدس المحتلة قبل ثلاثين عاماً أو يزيد ، وخاطب القتلة الغزاة في عقر احتلالهم ، وقدم لهم كل التنازلات الممكنة كي ينزلوا عند إرادة السلام ، ويسلّموا الحقوق التي اغتصبوها إلى أهلها ، ولكنهم رفضوا ، وحوّلوا الأمر إلى مفاوضات تعقبها مفاوضات ، تليها مفاوضات دون جدوى وفى الوقت نفسه ، لا يتورعون عن قتل الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري بالطائرات والمدفعية والدبابات والصواريخ ، ويزرعون الضفة والقدس والجولان بالمستوطنات وحواجز التفتيش والإرهاب ، وتشديد الحصار على الشعب الأعزل ، ويتحدثون – يا للفجور – عن الإرهاب والتطرف ، فهل هذا هو السلام يا علىّ ، يا صاحب جائزة الشجاعة المدنية ؟
ثم ما معنى الشجاعة المدنية .. هل تقابل الشجاعة العسكرية ؟ وهل الشجعان العسكريون الصهاينة والصليبيون يؤسسون للاستسلام والانهزام أمام جبروتهم الاستعماري باسم الشجاعة المدنية ؟
أليس غريباً يا على أن يكون الشجعان المدنيون الذين يؤسسون للهزيمة وقبولها ورفض المقاومة وتكاليفها ، من اليساريين التقدميين الاشتراكيين ؟ سبقك إليها أهل كوبنهاجن وجمعية السلام ، بل إن غلاة رافضي المقاومة الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية هم من اليساريين ( المدعو عبد ربه على سبيل المثال ! ) ، ثم إن الشيوعيين المصريين والعرب كانوا أول من نادي بالتعاطف مع الغزاة النازيين اليهود في فلسطين ، ووصفوا حرب الإنقاذ والنجدة للشعب الفلسطيني التي شاركت فيها الدول العربية بأنها " حرب قذرة " ! وتضامنوا علناً مع حزب " المابام " – العمال - اليهودي بقيادة بن جوريون - ؟! وأخيراً اختزلوا الصراع مع الغزاة النازيين اليهود في " التطبيع " ! لقد نجح " هنري كورييل " في اللعب بالمخ العربي عن طريق اليسار العربي لصالح العدوّ الصهيوني ، وحوّل عداءه من المقاومة للغزو النازي اليهودي ، إلى عداء للإسلام ، وكل ما يمت للإسلام بصلة !
ومع ذلك – يا علىّ – فهناك شيوعيون محترمون – كانوا ينفقون على التنظيمات الشيوعية من جيوبهم وأملاكهم ، لأنهم كانوا يعتقدون بصحة النظرية الشيوعية ، وأن غايتهم مقاومة الاستعمار والاستبداد ، وللأسف فقد رحل كثير منهم ، أو صمتوا ، أو أصيبوا بخيبة وصدمة في الرفاق الذين صاروا على استعداد لبيع أي شيء من أجل مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية ، وانظر حولك في الصحافة والإعلام وحزب السلطة والتنظيم الطليعي !
تمنيت يا على سالم – يا صاحب "أغنية على الممرّ " ، أن تدين مرّة واحدة ، حصار غزة أو قتل الفلسطينيين في الشوارع والحواجز وغرف نومهم ، أو إقامة المستوطنات أو الهجرة غير المشروعة إلى فلسطين التي يقوم بها اليهود من أنحاء العالم .. ولكنك لم تفعل أبداً ، بل تكررت زياراتك لفلسطين المحتلة ومدنها وكتبت عن الغزاة النازيين معجباً " بتحضرهم " وحياتهم ومعيشتهم ، حتى منحوك درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بن جوريون عام 2005م !
لاشك أنهم مدينون لك يا على بأكثر من جائزة قيمتها خمسون ألف دولار ، فأنت تستحق أكثر من ذلك ، فقد كنت شجاعاً في قبول الهزيمة ، ورفض المقاومة والموافقة على تسليم المقدسات ! مثلك كثير .. ولكن المقاومين أكثر ، وأحباب الإسلام بلا عدد ، وتلك الأيام نداولها بين الناس !
.........................................
*المصريون ـ في 25/11/2008م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:45 PM
عباد الرحمن .. وأخلاق العبيد!

بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود

سألني سائل : لماذا يحترم الشعب الفرعوني الجنسيات الأجنبية ويحتفي بها ، وفى الوقت نفسه يحتقر بعضه بعضاً ويزرى ببعضه إلا من كان مسئولاً يملك سوط السلطة أو نبوت الشرطة ؟
وكأنّ السائل يعتب علىّ ما كتبته من قبل في تحميل الفرعنة للشعب والحكام معاً ، ويُريد أن يُحمّل الشعب وحده المسئولية كاملة ، فهو الذي يصنع الآلهة ويعبدها ، وعليه أن يقبل ما يجرى له وفقاً لأمزجة الآلهة المصنوعة .
وقال لي آخر ونحن في صالة السفر بالمطار: انظر كيف يعاملون الأجانب ، ويبالغون في تكريمهم ، بينما المصري إلا إن كان ذا حيثية سلطوية أو منسوبة إلى السلطة تتم إجراءاته فوراً ، ويجد من يساعده ، ومن يوسع الطريق للباشا ، ومن يأخذ أوراقه ليتجاوز بها العجائز أمثالك أو من يتوكأون على عصا مثل عصاك !
حتى من كان مسئولاً سابقاً ، يصعب عليه أن يقف في الصف ، أو يبحث عن حقائبه بنفسه ، أو يدفع عربة الحقائب بيده . هناك من يأتي ، أو يحرص على من يأتي ليقوم له بكل شيء على أن يكون من غير عمال المطار أو موظفيه ، ليتحقق له التميز والمغايرة والحرص على " البريستيج " .. ويضيف المتحدث ، ألم تر الرئيس السابق كارتر ، وهو يمضى في مطارات واشنطن ولندن وشرم الشيخ ، وهو يدفع عربة الحقائب بيده ويقف في الصف مثله مثل غيره من الناس دون أن يعانى من مركب نقص أو إحساس بالدونية أو شعور بتورّم الذات ؟
شارك في الكلام مسافر كان يجلس قبالتنا ، فذكر أن المصري لا قيمة له في أي مكان إلا إذا كان مربوطاً بحبل السلطة أو الرشوة ، وأن العيون الزرق لها الأفضلية العليا على العيون السمر في شتى المواقف والمناسبات ، وضرب مثلاً أعادنا إلى الحادث الإرهابي في الأقصر قبل عشر سنوات أو أكثر ، حين عوقب وزير الداخلية على الهواء أمام الدنيا كلها ، وعاد راكباً قطارا يعد الفلنكات ويقطع المسافة إلى القاهرة في وقت طويل ، وكان قد ذهب إلى الأقصر في الطائرة السريعة مرافقاً للرئيس ! هل تعرف السبب ؟ كان الضحايا من أصحاب العيون الزرق ، أي من غير المسلمين ، وهؤلاء قيمتهم عالية للغاية ، ويجب التكفير عن الجريمة التي ارتكبت في حقهم بكل الوسائل ولو كانت الإطاحة بأكبر رأس في جهاز الأمن علناً وعلى رؤوس الأشهاد ! تأمل الفارق عندما جرت حوادث دهب ونويبع وشرم الشيخ ! لم يحدث شيء ذا بال ، لأن الأغلبية الساحقة من الضحايا كانوا من أصحاب العيون السود ؛ أي من المصريين البائسين ، وهؤلاء لا ثمن لهم ولا قيمة !
تدخل السائل الأول ، وأصرّ أن الشعب المصري يحمل في جيناته الآن ، بحكم التراكم التاريخي ، كرات دموية خاصة قوامها العبودية والقابلية للاستعباد ، تجعله يركع دائماً أمام القوة أو السلطة ، سواء كانت داخلية أو خارجية ، مادية أو معنوية ، والأمثلة كثيرة على ذلك عبر التاريخ ، وانظروا اليوم كيف يخضع أستاذ الجامعة لأمين شرطة أو ضابط صغير ، وكيف تكون الحظوة والتدليل لبوق إعلامي أو مطبل أجوف أو مشخصاتي أو زمّار مأجور على أهل العلم وقادة الفكر وروّاد الثقافة والعاملين في الحقول والمصانع والأسواق والمواقع المختلفة .. إن العنصرية تكاد تمزّق المجتمع وتفتك بمكوّناته ، وتظل متوهجة إلى أن تصطدم بالآخر الأجنبي ، فتختفي تماماً ، وتتحوّل إلى عبودية شاملة في اللغة والفكر والسلوك ، وتأمل تعامل السلطة القوية مع كيان الغزاة النازيين اليهود ، إنه انبطاح كامل ، لا يستطيع أن يرفع رأسه ولو بالكلام فحسب ، ناهيك عن أمريكا وبعض الدول العربية الغنية ! وتستطيع على ضوء ذلك أن تفسر ما يلاقيه المصري في الغربة من هوان واستضعاف واستذلال ، وهو ما حوّل بعض المصريين إلى منافقين محترفين يشي بعضهم ببعض لأصحاب الأعمال خوف انقطاع الرزق أو رغبة في الوصول إلى منفعة ، يستوي في ذلك العامل البسيط والخبير المتميز .
قال المسافر الذي يجلس قبالتنا ، أريد أن أشير إلى ما قاله الأستاذ الذي تحدث عن جينات العبودية أو القابلية للاستعباد ، التي تحدث عنها المفكر الإسلامي الراحل " مالك بن نبي " وإن كانت قد جاءت في سياق آخر ( القابلية للاستعمار ) ، والاستعمار والاستعباد مادتهما واحدة على كل حال ، العبودية في الإسلام جاءت من أجل الخالق سبحانه وحده ، وليس لأحد آخر ، بوصفه مالك الرزق والأجل حيث لا يملكهما سواه ، ومن يتأكد من ذلك ، فهو يعيش حرّاً نبيلاً في سلوكه وأخلاقه لأنه لا يخضع إلا لله وحده ، الذي قال جلّ شأنه : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ " ( الذاريات : 56 – 58 ) .
ثم إن الحق سبحانه ، وصف المؤمنين به الذين يعبدونه بعباد الرحمن ، ووصفهم بأنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقد بشرهم بالجنة جزاء على عبوديتهم الحقيقية له ، حيث لم يعبدوا غيره أو يشركوا به أحداً من خلقه وهم في كل الأحوال أصحاب العقول المضيئة : " وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ " ( الزمر : 17 – 18).
الإيمان يجعل العبودية لله شرفاً وميزة وطريقاً إلى الحرية في الدنيا ، والجنة في الآخرة ، أما أخلاق العبيد فهي تختلف تماماً لأنها أخلاق فاسدة ، ينسى أصحابها وجود الله ، ويعتقدون أن المخلوقات المماثلة هي التي تملك الرزق وتستحق العبادة . وهؤلاء هم الذين يُسيّرون المجتمع المصري الآن ، وينخرون جسده كالسوس ، ويعيقون تطوره ، ويطرحونه ذليلاً مهيضاً أمام الغرباء والفاسدين حتى بدا مُثلةً يعبث بها كل مغامر وانتهازي !
قال واحد من المسافرين ، وكان صامتاً طوال الحديث ، أراكم تتحاملون على الشعب المصري كثيرا؛ فأبناء هذا الشعب هم الذين حققوا ملحمة العبور في رمضان 1393هـ ( أكتوبر 1973م ) ، وهم الذين يبدعون ويعملون داخل مصر وفى الوطن العربي والعالم ، ويظهر منهم المتفوقون والناجحون الذين تباهى بهم الدنيا ، وأمريكا نفسها تضم آلافاً من المصريين المتميزين في الإنتاج والعمل والبحث والمجالات الإنسانية الأخرى .
انفعل جارى ، وأشار إلى المتحدث ، وكأنه يختم الحديث ، حيث أوشكت الرحلة ، وسمعنا النداء للتوجه إلى باب الخروج من الطائرة :
يبقى أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ، وأن الشعب الفرعوني من القوم الفاسقين ، فالعلو في الأرض والفسق لا ينتجان إلا هذا البؤس الذي نعيشه ولا حول ولا قوة إلا بالله . قوموا إلى طائرتكم يرحمكم الله .
هامش :
صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك وصفوا الصحابي الجليل أبا هريرة - رضي الله عنه – براوي الأكاذيب !! .. هل يستطيعون أن يصفوا واحدا من قادة التمرد الطائفي في الكنيسة بمثل هذا الوصف ، أم إنهم يعلمون أنهم سيدفعون الثمن غاليا ؟
........................
*المصريون ـ في 10/3/2009م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:46 PM
محفوظ عجب .. والكُتّاب الجدد!

بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود

الكتاب الجدد نمط جديد قديم من الكتاب الذين يلبسون الحق بالباطل ، ومن خلال تدليسهم على الناس يرددون مقولات خاطئة ، ولا يملون من تكرارها – على طريقة جوبلز – حتى تصير حقائق يتلقفها كاتب عن آخر ، وخاصة من الشباب أو ممن ضعفت علاقتهم بأسباب الثقافة الجادة والمعرفة الأصلية .. بحيث أضحت مصادرهم أعمدة الصحف السيارة ومقالات الكتّاب الحكوميّين أو مثقفي السلطة .
وقد عرفت مصر في العصر الحديث نمطاً من الكتاب صورتهم شخصية محفوظ عجب الروائية الشهيرة وعرفها الناس في السينما والتلفزيون .. شخصية الصحفي الانتهازي الذي يصعد من أسفل إلى أعلى ولو على جثث زملائه وأخلاقه من أجل مصلحته الخاصة ومنفعته الذاتية ، ومحفوظ عجب وزملاؤه يشبهون شعراء المديح ، الذين كانت غايتهم إزجاء الثناء على الحكام والمسئولين وذم خصومهم ومعارضيهم من أجل منافع رخيصة ، وكانت جل كتاباتهم تركز على الممدوح بقصد إضفاء الصفات الحميدة والأخلاق الرفيعة عليه . أي إن مهمتهم محدودة بشخص أو أشخاص يتلقون مديحهم ، ويعطونهم مما يملكون – بيد أنه في أيامنا ، ظهر هؤلاء الكتاب مرة أخرى ولكن في ثوب جديد . إنهم لا يعملون من أجل شخص وحسب ولكن يعملون من أجل نظام معين وفكر محدد . قد تكون السلطة البوليسية من ورائهم ، وقد يكون الحزب الحاكم ممولاً لهم وللصحف التي يكتبون فيها ، وقد يكون هناك رجال أعمال أو مؤسسات دينية غير إسلامية تحركهم وتوجههم وتغرقهم بالمال والعطايا ، أو يتبرعون هم للعمل من أجل الوصول إلى غايات غير كريمة !
ومعظم هؤلاء الكتاب نبتوا في بيئات فقيرة ، والفقر المادي ليس عيباً ، ولكنهم جمعوا إلى الفقر المادي الفقر الخلقي والروحي ، ووجدوا في مهنة الكتابة الصحفية ، والنشاط الفكري في الإذاعة والتلفزة والندوات والمؤتمرات ، مجالاً رحباً ليتخلصوا من الفقر المادي ،وينتقلوا إلى وضع اجتماعي أرقى ؛ وإن لم يتخلصوا أبدا من الفقر الخلقي والروحي ، لأنهم على استعداد للعمل في أي مكان يدر عليهم المال أو الجاه أو السطوة أو النفوذ ، تحت أي ظرف.
بعضهم يعمل في صحف حزبية ، والبعض الآخر في صحف مستقلة ، والبعض الثالث وهو الأغلبية يعمل في إعلام السلطة بكل فروعه ، وهناك بعض رابع يأتي من مؤسسات غير إعلامية أو تم نفيه من عمله الأصلي لسبب أو آخر ، ولكنه يشارك بقلمه وكتاباته ، سعياً للحصول على المزيد من المكاسب .
وكلمة السر المشتركة الأولى في إثبات كفاءة هؤلاء هو الهجوم على الإسلام وتشريعاته مباشرة أو من خلال التنظيمات الإسلامية غالبا ، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين ، أو المحظورة كما يسمونها ، فهذا الهجوم الذي يُصوّر الإسلام بصورة معادية للدولة المدنية التي لا يتحكم فيها العسكر أو الشرطة ، أو تقديمه معاديا لما يُسمى المواطنة ، أي الكرامة والحرية والمساواة والمشاركة التي يتمتع بها المواطن في دولة حرة محترمة .. وغير ذلك ألوان وأشكال .
وكلمة السر المشتركة الثانية في منهجهم : تلقف ما يصدر عن المعنيين بأمور الإسلام أو ممن يفترض فيهم ذلك ، واصطياد بعض الجزئيات السلوكية المختلف عليها ، وتضخيمها ، لتشويه صورة الإسلام ، وتنفير الناس منه ومن أتباعه ، مع أن الإسلام حجة على المسلمين والمسلمون ليسوا حجة عليه .
وكلمة السر المشتركة الثالثة هي اللعب بالورقة الطائفية ، ودعم التمرد الطائفي من خلال وصم المسلمين بالتعصب وكراهية الآخر والتمييز الديني ورفض السلام على غير المسلمين أو مصافحتهم وعدم تهنئتهم في المناسبات الدينية واستحلال أموالهم وأسلمتهم ، أي إكراههم على دخول الإسلام ، وازدراء معتقداتهم من خلال بعض الكتابات والإذاعات والقنوات التلفزيونية . ويأتي هذا من خلال لغة وقحة فاحشة أحيانا ، أو لغة مراوغة مائعة في بعض الأحيان .
وكلمة السر المشتركة الثالثة ، هي المحور الذي يعمل عليه بتركيز شديد الكتّاب الجدد ، وحقق بعضهم من خلاله نجاحات مادية عظيمة سواء في الإثراء أو احتلال مراكز جيدة في الصحافة والإعلام والسياسة معاً ، فانتقل بعضهم من السطوح إلى القصور ، واحتل بعضهم مناصب لم يكن يحلم بها ، وأضحي لبعضهم مساكن في أرقى الأحياء وصالونات وعلاقات مع علية القوم ومشاهيرهم ، فضلا عن علاقات استثنائية مع رموز التمرد وقادته!
لذا جاءت معالجتهم لموضوع التمرد الطائفي منحازة إلى المتمردين انحيازاً كاملاً ، أسسوا عليها مطالب خطيرة ، تستهدف استئصال الإسلام من حياة المسلمين تماماً .
ففي المقالات واللقاءات والندوات والمؤتمرات التي تبثها وسائط الإعلام والصحافة لهؤلاء الكتاب الجدد تراهم يُطالبون السلطة ويُلحون عليها لإلغاء البرامج الإسلامية في الإذاعة والتلفزة ، بحجة أنها تسيء إلى غير المسلمين ، كما يطالبون بتغيير مناهج التعليم والتربية الدينية حتى لا يبقى فيها أثر من تعاليم الإسلام ولا تشريعاته ولا تاريخه ، فضلاً عن إدانتهم الدائمة للإسلام والمسلمين ، وقد كان سقوطهم الذريع يوم نشروا في الصحف الكبرى داخل البلاد وخارجها إعلاناً ضخمة على صفحة كاملة يطالبون فيها بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري التي تقضى بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين ، وكون الإسلام دين البلاد الرسمي .. وقد تساءل الناس عن ممولي قيمة الإعلان الذي نشرته أكثر من صحيفة ، تتقاضى كل منها مبلغاً خرافياً ، يفوق طاقتهم المادية مجتمعين ... !
لقد ترك هؤلاء الكتاب القضايا الرئيسية والضرورية التي تهمّ البلاد والعباد ، وراحوا يتناولون الأمور الهامشية التي تتعلق بالإسلام والمسلمين ، ويستغرقون في مناقشتها ، وتحويلها إلى قضايا إستراتيجية بوصفها ستؤثر على نظام الكون كله ، وليس على النظام في مصر .
إنهم مثلاً يريدون تحريم قراءة الفاتحة على المسلمين ، بل يريدون إلغاءها من القرآن الكريم ، والسبب أن الآية الأخيرة فيها تقول " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ، ويسبقها قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم " فالمغضوب عليهم والضالون ، هم من انحرفوا عن الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام ، دين الهداية والاستقامة ، وهؤلاء يشملهم كل من رفض الرسالة الإسلامية ، سواء كانوا يهوداً أو نصارى عرفوا طريق الحق ولم يتبعوه . إن كلام ربنا المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والأحق أن نتبعه ، ينبغي ألا نصغي إليه وفقا لكلام الكتّاب الجدد الذين يتطوعون بالفتوى في أمور الإسلام ، وكثير منهم إن لم يكن كلهم ، لا يصلى ولا يصوم ولا يزكى ولا يحج ، بل إن بعضهم يكتب وهو تحت تأثير الغيبوبة التي يصنعها إدمان المسكرات والدخان الأزرق .
ليس غريباً أن يلتقي الماركسي المتأمرك مع المتأمرك المتصهين ، مع الماسوني المرتزق على هجاء الإسلام وإهانة نبيه – صلى الله عليه وسلم – والتشهير بالصحابة رضوان الله عليهم ، وتجريح علماء الدين واتهامهم بكل نقيصة وعيب ( قال أحدهم يجب إلقاء صحيح البخاري في أقرب سلة زبالة ، ووصف بعضهم أبا هريرة رضي الله عنه وصفا أستحي من ذكره!) ، في الوقت الذي يؤيدون فيه التمرد الطائفي ويعلون من شأنه ، وهم يعلمون أن خطره على الوطن مدمّر وقاتل لأنه يؤدي إلى تفكيكه وتخريبه ، كما يؤدى إلى سفح دماء غزيرة بريئة ، ثم إنهم حين يتحدثون عن رموز التمرد أو معها ، تجدهم يُطأطئون أقلامهم ، ويغمسون حروفهم في مداد المذلة والخضوع والخنوع ، ويصفون قادة التمرد بأصحاب القداسة والنيافة ، وينادونهم بالآباء والأعمام وبعضهم لص كبير أدانته المحاكم وعاقبته على إجرامه ، ويسبغون عليهم صفات البطولة والنضال والتقدمية والتنوير فضلاً عن غسل سمعة من تدور حوله الشبهات في نفاق رخيص وتملق أرخص .
وهكذا يتفوق الكتاب الجدد على محفوظ عجب ، حيث تجاوزوه بمراحل لتخريب وطن وتدمير أمة، واستئصال دين ، وليس مجرد مدح شخص مسئول أو ذمه أو خدمة ضابط في جهاز أمن !
إلى عادل حمودة :
الصبي الذي ورطك مع شيخ الأزهر يواصل أخطاءه وخطاياه. يحاول تشويه صورة الشيخ القرضاوي على طريقة أشهر جلادي لاظوغلي "زكي بدر"، ويسب علماء الإسلام ، ويهين من هم في حكم أساتذته ، ويصفهم بالهجامة وأهل الكهف وخصوم الحياة، وقبل ذلك بأيام وصف الشيخ كشك رحمه الله بالشتام .. ولا أظنه وهو يبحث عن حرف الدال بالوسائل إياها سيجعل الناس تتعاطف معك، ولكنهم لا تقاء شره سيجرونه وأنت معه إلى المحكمة ثانية، وبالتأكيد فمن حقه أن يركع أمام الأنبا شنودة ، ويغسل سمعة مرقص ، ويبيض وجه بيشوي ، ويطبطب على كتف توماس ، ولكن ليس من حقه سب أو شتم علماء الإسلام !
........................
*المصريون ـ في 14/10/2008م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:48 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (1)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

كنت أحلم دائماً بالسفر والرحلة . أُتوق لرؤية العالم والتعرف عليه واكتشاف المزيد من أنماط الحياة وأنواع السلوك ، وحققت بعض الحلم ، دون أن تكون الرحلة غاية فى ذاتها ، والسفر هدفاً لذاته .. كان العمل ، أو العلم من وراء شدّ الرحال . أما الرحلة نفسها فلم تكن مقصودة إلا فى زمن بعيد . أيام كنت طالباً فى المرحلة المتوسطة أو الثانوية ، وكانت فى داخل مصر ، ونفذتها بقروش قليلة ، وكانت جميلة جمال الأيام الأولى فى حياة الصبا والشباب ..
بعدها ، أخذتنا الدنيا ولم تفلتنا ! شدتنا وراءها فنسينا أنفسنا ، سعيا وراء غاية عامة أو خاصة ، ثم تكاثرت الهموم والآلام ، فجعلت الحركة محدودة ، والسفر مقيداً بالضرورة القصوى ، والإلحاح المضنى ..
وحين عرفت أن " مراكش " هى المقصد فى أواخر أكتوبر 2007م ، استدعت ذاكرتى أياماً قديمة جميلة .. رأيت فيها اثنين من المغاربة يهبطان قريتنا فى شمال الدلتا ، لقد كانا فى طريقهما لأداء فريضة الحج ، وبقيا فى ضيافة أحد الجيران ، وكان خياطاً بلدياً – رحمه الله – فترة طويلة عاماً أو أكثر من عام ، حتى رحلا إلى أرض الحجاز تشيعهما دموع الأهالى البسطاء ، وذكريات الأيام الطيبة التى قضياها بين أهل القرية ..
كان الرجلان من مراكش . لا أدرى من مراكش الدولة كما كانت تسمى المغرب آنئذ ، أو مراكش المدينة الحمراء كما تعرف الآن .. ولكن مراكش التى ترددت فى أسماعنا صغاراً ظل لها سحر غريب وعجيب ، يشدّنا إلى عالم بعيد ومجهول وشائق دلت عليه ملابسهما المميزة ، ولهجتهما الخاصة .. وهو عالم محبوب تمنينا أن ننتقل إليه ، ونتعرف عليه .. بيد أننا نحن القرويين الصغار – لا نملك إزاء ذلك شيئاً ..
فى فترات لاحقة كانت الدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) تكتب فى " الأهرام " - الملحق الأدبى – مقالات تذكر فيها مراكش وتتحدث عن عملها فى جامعة القرويين ، وعن الأبحاث والمخطوطات التى تحققها هناك ، وتضيف إلى ذلك شيئاً من التاريخ القديم والحديث الذى يتعلق بأهل مراكش وكفاحهم وحضارتهم وعلاقتهم بالأندلس ..
رسخت مراكش فى ذاكرتى .. ومع أننى زرت المغرب عام 2001م ، قاصداً مدينة أغادير الشهيرة على المحيط الأطلنطى ، فقد كانت مراكش مطروحة فى الأحاديث والأبحاث التى عرضت فى المؤتمر الذى كنت أحضره آنئذ ، وزاد من شغفى لرؤيتها أن بعض الزملاء تحمّلوا مشقة السفر ، وذهبوا إليها فى الوقت الضيق المخصص لزيارة المغرب .. وعدت أحمل مراكش فى وجدانى حلماً أسعى لرؤيته على أرض الواقع .
ويوم جاءت الدعوة لزيارتها بعد سنوات ، كنت مجهداً أعانى آلاماً مزمنة ، اشتدت فى الفترة الأخيرة ، وظننت أنى لن أستجيب ولن أستطيع ، ومع التشجيع ورغبة الأحباب ، قاومت أوجاعى ، وتوكلت على ربى ، وكان القرار بالسفر .
ليلة السفر ، غادرت قريتى فى منتصف الليل ، صحبنى بعض أولادى إلى المطار ، وقبيل الفجر كان كل شئ هادئاً فى الصالة القديمة . بقى على موعد الإقلاع ثلاث ساعات تقريباً ، وكان علينا أن ننتظر بعض الوقت حتى يبدأ العمل فى فحص التذاكر ووزن الأمتعة وتحديد الأماكن . بعد صلاة الفجر وانبلاج النور ، رأيت بعض الزملاء والمعارف ، وفى الطائرة تعرفت على زميل كان فى طريقه إلى كوناكرى فى جمهورية غينيا – وهى غينيا سيكوتورى كما كنا نسميها فى الستينيات نسبة إلى رئيسها أحمد سيكوتورى الذى لم يكن ينقطع عن زيارة القاهرة إلا نادراً – وكان الزميل متوجهاً إلى الدار البيضاء محطتنا الرئيسية ، ليقضى فيها بضع ساعات يستقل بعدها طائرة أخرى إلى كوناكرى حيث يمثل مع السفير المصرى فى غينيا وشيخا أزهريا الجالية المصرية هناك !
سألته : ألا يوجد مصريون يعملون أو يتاجرون أو يقيمون ؟
قال لى : لا .. نحن الثلاثة فقط . وأخبرنى أنه يعمل فى جامعتين . إحداهما اسمها جمال عبدالناصر والأخرى اسمها فرنسى ( نسيته الآن مع أنه اسم مشهور ، والعتب على الذاكرة الخربة ! ) . أخبرني أن العرب الموجودون هناك معظمهم لبنانيون ، وهم مقيمون إقامة شبه دائمة لأنهم يعملون بالتجارة .
قضينا فى الطائرة الضيقة طراز بيونج 737 ما يقرب من ست ساعات ، نام فيها الناس كما لم يناموا . أما أنا وزميلى المسافر إلى غينيا ، فقد جفانا المنام . لا أستطيع النوم فى طائرة أو قطار أو سيارة ، أظل يقظاً حتى أعود إلى مقر الإقامة المؤقتة أو الدائمة .. ولكن ثرثرتى مع زميلى التى شرّقت وغرّبت أضافت إلىّ أشياء كثيرة .. أما زميلى المرافق إلى مراكش فقد استغرق ، وكان يستيقظ بين الحين والآخر ، ليُشارك معنا فى الثرثرة ، ثم يخلد إلى النوم .
كان مطار الدار البيضاء يستقبل مع طائرتنا بعض الرذاذ الذى أخذت تبعث به السحب الخفيفة ، وكان المحيط بزرقته متعانقاً مع خط السماء فى مشهد بديع ، يصنع صبحاً جميلاً مفعماً بالهواء النقي الطري ..
لم أر من ( كازبلانكا ) أو الدار البيضاء غير مطارها هذه المرة ، والطرق المحيطة به ، والمؤدية إلى مدن مغربية أخرى . وكانت السيارة التى تنتظرنا تقف على أهبة الاستعداد لتقطع حوالى عشرين ومائتى كيلومترا إلى مراكش الحمراء ..
الطريق معبد وجديد ، محطات الخدمة جاهزة ، لا توجد محطة تدعى أن الكهرباء مقطوعة ، أو البنزين 80 غير موجود ، أو أنها تحولت إلى غسل السيارات فقط . الخدمة جيدة وسهلة وسريعة ، والسيارات تلتزم بحزام الأمان تلقائياً ؛ السائق ومن يركب إلى جواره لابد أن يرتديا الحزام ، وبوابات الطريق تُحصّل الرسوم من السيارات المارة فى آخر الرحلة . يسمونها محطات " الأداء " ، سألت عن معناها ، قالوا : إن الدولة تُحصّل تكاليف الطريق وإنشاءاته من مرور السيارات ، وعندما يتم تحصيل مجملها ، ترفع من على الطريق الذي يصير حرّاً ، ولا تدفع عليه أية رسوم بعد ذلك .
وقفزت إلى ذهني صورة بوابات المرور عندنا على الطرق السريعة ، وأموالها التي ....؟
...................................
*المصريون ـ في 20/11/2007م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:49 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (2)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

ابتلعت الكلام عندما عرفت من محدثي أن الحكومة المغربية ترفع بوابات الطرق بعد تمام تحصيل قيمتها وتوريدها إلى خزينة الدولة ، وتتركها حرة ، يستمتع بها الناس مجانا بعدئذ ، مع حرصها على صيانتها ونظافتها وتجديد اللافتات الإرشادية كلما حالت بفعل الجوّ وتقلباته .. على العكس مما يجرى عندنا .!
كنت أستمع في الرحلة من الدار البيضاء ، إلى مراكش ، إلى نشرة الأخبار فى الإذاعة ، وكان الاهتمام بأخبار الشرق التعيس فى الصدارة إلى جانب أخبار الحكومة الجديدة التى ألفها " علال الفاسى " الحفيد .. فالجد بطل من أبطال الاستقلال ، ومدافع عظيم عن هوية المغرب الإسلامية فى مواجهة " الفرنسة " أو " الأسبنة " التى يفرضها باستماتة الغزاة المتوحشون ، ولكنها تواجه بمقاومة باسلة ، ما زالت قائمة حتى اليوم ، وتبدت مؤخراً فى " سبتة " و " مليلة " عند زيارة ملك إسبانيا الاستعمارية ، وتحديه لمشاعر الشعب المغربى المسلم الشقيق !
مساحة الصحراء كبيرة ، وعلى جانبى الطريق تظهر القرى والمزارع ، فى سهول منبسطة أو فى أحضان الجبال العالية وبعضها ينتسب إلى سلسلة جبال أطلس ، والقوم هناك يزرعون الجبال بطريقة المدرجات ، والمحصول الملائم لها هو " التين الشوكى " الذى لا يحتاج إلى كثير عناء ، ولكنه إنتاج لا بأس به .. فهو لا يحتاج إلى ماء ولا تسميد ولا عناية زراعية ، أما الزراعات الأخرى فهى مماثلة لما عندنا فى مصر ، والمياه تأتى عن طريق بعض الأنهار أو النهيرات التى تتخلف عن الأمطار الغزيرة فى فصلى الخريف والشتاء ، أو من خلال حفر الآبار الارتوازية .. ويبدو أن مراكش الحمراء تكتفى زراعياً بمزارعها ..
وتكتسب مراكش تسميتها بالحمراء من حمرة الجبال المحيطة بها ، وحمرة مبانيها ، فبيوتها حمراء ومبانى المؤسسات الحكومية والتجارية والفنادق والمحطات .. كلها حمراء ، ويُلاحظ أن الارتفاعات فى مبانى مراكش الجديدة ( الأحياء الحديثة ) ، بل والقديمة ، متوسطة ، ولا تزيد فى الغالب عن أربعة أدوار ، ولكن شوارعها عريضة للغاية ، وبها جزيرة خضراء ، مزروعة بالنخيل والزيتون واليوسفى الذى يسمى هناك بالليمون .. والقوم هناك يمتازون بالحرص على الخضرة والأشجار ، بل إن بعض الأشجار والنخيل تعترض بعض الشوارع الجديدة ، فيتغير المسار من أجل النخلة أو الشجرة مع تسويرها وإحاطتها بمساحة خضراء من النجيل الأخضر .. وهناك حديقة ضخمة وواسعة تسمى حديقة النخيل .. فى مدخل مراكش من جهة الدار البيضاء وتلقى عناية ملحوظة .. وقد استنّت الحكومة قانوناً رادعاً لمن يقطع شجرة أو نخلة دون إذن منها ، وتصل العقوبة إلى ثلاث سنوات سجناً مع غرامة كبيرة ..
الخضرة ملمح رئيسى من ملامح مراكش الحمراء ، حدائق فى كل مكان ، وكل مساحة فضاء ، والمنازل فى كثير منها حدائق صغيرة ، وأشجار الزيتون تغزو مراكش وتفرض وجودها ، لدرجة أنه يمكن القول إن مراكش حديقة كبيرة فى قلب المغرب الشقيق .
فى مبنى كلية اللغة العربية – جامعة القرويين ، التى كان ينعقد بها المؤتمر الذى دُعيت لحضوره ، الخضرة تكسو كل مكان داخلها وخارجها ، بل إن حولها حديقة خضراء تعد متنزها شعبياً ، يجلس فيها الباحثون عن البهجة والراحة ، ومزوّدة بمقاعد جميلة ، وأشجارها مبسوطة الظلال ، بما فيها أشجار الزيتون العتيقة .
في الكلية التي أعمل بها هنا أخفقوا في إقامة المساحات الخضراء بعد زراعتها ، ومن ينظر إلى المحاولات التي تمت لتخضيرها ، يستشعر كأنها حصيد لم تغن بالأمس !
وفى بلادنا قطع الأشجار هواية ، وتجريف الحدائق إدمان ، وتخريب البساتين مرض لا شفاء منه ، وقد تم القضاء على الأشجار المعمرة عندنا ( الجميز ، والتوت ، والكافور ، والصفصاف وغيرها ) ، واستوردوا لنا شجرا يُسمى " الفيكس " قزم فى شكله ، بخيل فى ظله ، عاطل عن الثمار ! وياله من شجر يتناسب مع زماننا البلاستيكى المزوّق .. كل شئ فيه غير طبيعى ، وغير معتاد !
وصلنا إلى الفندق قرب العصر ، هناك سماحة فى التعامل ، وترحيب حقيقى بالنزلاء ، واهتمام غير مزيف ، فالقوم حريصون على ترك تذكار مع الضيف يرتبط بحسن المعاملة فى أبسط تعبير .. لا جهامة ولا عبوس ولا صلافة مكتومة تشعر النزيل بان موظفى الفندق يمنحونه من فيض كرمهم وجزيل عطائهم ، وينبغى أن ينحنى لهم ، ويقدم قرابين الولاء والطاعة .. أشقاؤنا المغاربة غير ذلك تماما ، لقد تعاونوا مع الزملاء الذين استعصى عليهم تغيير الجنيه ( المصرى ) بالدرهم المغربى ، وسهلوا لهم رغباتهم . وشركات الصرافة هناك لا تتعامل مع الجنيه المصرى – عليه واسع الرحمات – هناك بنك رئيسى فقط يتعامل معه فى الأوقات الرسمية وهى لا تشمل يومى العطلة ( السبت والأحد وفقا للنظام الفرنسى ) . تشعر بالحسرة حين يتحول الجنيه المصرى إلى ضيف غير مرغوب فيه ، أو ضيف ثقيل ، أو ضيف منزوع الهيبة والقيمة والوقار ! نحن لا نلوم المغاربة حين يرفضون الجنيه المصرى ، ولكن نلوم أنفسنا حين أصبحنا " معرّة " الدول اقتصادياً ، مع أن باشكاتب الدولة لا يكف عن إعلان الارتفاع فى نسبة النمو الاقتصادى ، وزيادة الدخل القومى .. وهو كلام يدحضه الواقع ويفنده المتخصصون فى الاقتصاد ، مما لا مجال للحديث عنه هنا .
فى الفندق ، يحضر الأرابيسك والطراز الأندلسى أمام عينيك. والتراث القديم بصفة عامة يتجاوز الفندق إلى البيوت والجامعة والمؤسسات الرسمية ، حتى المقاهى الكثيرة ، التى يرددون عنها فكاهة أن بين القهوة والقهوة توجد قهوة ، تدليلاً على كثرتها وأهميتها فى حياة المغاربة ، وفى فترة العمل الرسمى فى النهار تكتظ بالزبائن ، مثلما تكتظ بهم ليلاً ، والسبب معروف ، وهو انتشار البطالة .. وهى بطالة ليست فى حجم البطالة عندنا بكل تأكيد ، ومن بينها بطالة البحث عن عمل أفضل .. وتقدم المقاهى الشاى الأخضر الذى يشتهر به المغرب ، وتوفر شاى " الليبتون " أو الفتلة أو الشاى الأحمر ، لمن يطلبه وهم قلّة تستوعب المصريين .. ويبدو المغاربة مولعون بقراءة الصحف على المقاهى لمتابعة الأحداث ، أو البحث عن فرص عمل .
صعدت إلى غرفتى بالفندق ، بعد تناول الغداء على الطريقة الفرنسية الممزوجة بالأسلوب المغربى ، ( السلطة أولا ، ثم طبق آخر ، ثم الطاجن المغربى الشهير ، ثم الفاكهة ختام الغداء ) . صليت الظهر والعصر جمعاً وقصراً ، لم أجد سجادة صلاة ، ولا مصحفاً ( كنت قد نسيت مصحفى مما كدّرنى طوال الرحلة بسبب عدم تلاوة الورد اليومى ) .. ولكننى تدبرت أمرى ، ثم ألقيت بجسدى المتهالك على السرير ، ولم أفق إلا على صوت نداء ، يدعو إلى اجتماع بالقاعة الكبرى فى كلية اللغة العربية ، تمهيداً للمؤتمر وقضاياه ..
...................................
*المصريون ـ في 27/11/2007م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:50 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (3)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

" – ياويلى ! "
قلتها لنفسى ، عندما استيقظت استجابة لنداء جماعة المؤتمر ، من أجل جلسة مسائية تسبق أعماله في الغد – لم أسترح ، ولم أنم من ليلتين إلّا ساعة وبعض ساعة دون أن أستغرق .. أعلم أنه لا مفر من المشاركة مهما كنت متعباً ومجهداً ، فعمدة المؤتمر مع أنه تخطى السبعين – أطال الله عمره – ويسبقنى بنحو عشر سنوات ، ويُعانى مثلى من متاعب صحية كثيرة ، إلا أنه – بفضل الله – نشيط ، ويغالب التعب ، ويُحرّك الآخرين بإقناع وحزم ، فهو يريد المؤتمر ناجحاً ومثمراً ..
صليت المغرب والعشاء – وفقاً للرخصة الشرعية – جمعاً وقصراً ، وذهبنا إلى مبنى الكلية ، حيث قاعة الاجتماعات . كانت الحديقة الخضراء اليانعة تلّف الكلية الحمراء ، وتغمرها بالنضارة والروائح الزكية ، وجدت على الباب غرفة يجلس فيها موظف متواضع ، ولا أحد حوله .. تصوّرت أننى سأجد الأمن المركزي ( أو الدرك كما يسمى هناك ) المدجج بالخوذات والعربات اللورى الضخمة ، تدعم الحرس الجامعي ، كما هي الحال في الوطن التعيس ! لم أجد شبح عسكري واحد ، ولا أثر لحارس بمعنى الشرطة .. الموظف المتواضع يردّ السلام ويزيد عليه الرحمة والبركات .. التواضع والهدوء والرضا علامات يستشعرها من يدخل المكان .. ومع أن المغرب شهد حوادث عنف دامية ، ولكن لا أثر للدرك أو الشرطة فى المكان ، ولكنه النظام الأمنى الذى يعمل بذكاء ، ويظهر عند الضرورة من حيث لا يدرى أحد .. كانت القاعة مستطيلة ، وزاد عدد الحاضرين زيادة كبيرة ، فكان هناك صف ثان وثالث ، وبدأت الكلمات الترحيبية ثم التعارف ، ثم طرح الرؤى والتصوّرات الخاصة بقضايا الأدب ووسائل التعبير .. واستغرق ذلك وقتا غير قصير ، أحسست بعده بحرج شديد فى البقاء ، وعندما طرح مناقشة موضوعات أخرى ، وجدتها مناسبة لأطلب من رئيس الجلسة التأجيل إلى يوم تال ، نكون قد استجمعنا قوانا ، وعاد التركيز إلى الأذهان قوياً وحيّوياً .. لقد طلبت أن يطلق سراحنا بعد رحلة شاقة وطويلة .. وكانت استجابة جماعية كريمة لما اقترحته .
فى أثناء التعارف لاحظت ظاهرة غريبة ، أن عدداً غير قليل من زملائنا المغاربة فى جامعات مختلفة ، يصفون أنفسهم بأنهم " مغادرون طوعاً " ، مع أنهم فى الخمسينيات من العمر ، أى بداية العطاء العلمى والأدبى .. قمة النضج التى تحرص عليها الأمم والحكومات ، وأصررت فيما بعد أن أعرف معنى " مغادر طوعاً " ، فوجدتها تساوى عندنا " المعاش المبكر " ، مع اختلاف يسير حيث يحصل المغادر طوعاً على مبلغ كبير يغريه بإنشاء مشروع إذا كان من هواة العمل الحر ، أو يكفيه لحياة معقولة ، يستطيع فى أثنائها أن يتعاقد مع جامعة مشرقية تستفيد بخبرته ونضجه .. صعدت إلى رأسى مشاهد عديدة . منها مثلاً أن بعض الحكومات العربية حريصة على إذلال أساتذة الجامعات فيها ، بالمرتبات الضئيلة ، أو إخضاعهم لهيمنة السلطة البوليسية الفاشية ، أو ترويضهم بالمناصب السياسية أو ما يُشابهها لتأييد الاستبداد وقوانينه الظالمة .. ومنها مثلاً إهمال الأساتذة بعد الستين ومعاملتهم " درجة ثانية " ، ليقهرهم تلاميذهم ويتحكموا فى مقدراتهم فلا تستفيد منهم جامعاتهم ولا أمتهم ، على النحو الذى يعرفه أعضاء هيئة التدريس .. ومنها الضغط على الأساتذة المنتجين ، حتى يهربوا ، ويخرجوا إلى بلد آخر ، يظلون فيه بقية حياتهم ، ويستفيد من عطائهم وجهدهم .. ومنها مثلاً ما فعله الغزاة الصليبيون المتوحشون عندما احتلوا العراق حيث كان الأساتذة هدفا أساسيا من أهدافهم ، فقد تم اغتيال أكثر من مائتى أستاذ ، وتهجير آلاف ، وتحويل من تبقى إلى شبه متسولين ، يبيع بعضهم كتبه أو مكتباته فى بغداد على أرصفة شارع الرشيد أو شارع السعدون !
هل " المغادرة الطوعية " تدخل فى هذا السياق الكئيب ؟ لا أدرى ، ولم أعرف إجابة واضحة ، ولكن الذى أعرفه أن أساتذة الجامعة هم عماد البناء الحضارى فى أية أمة ، وقد كانت مصر فى بدايات نهضتها تستقدم أساتذة للتعليم العالي ؛ والثانوي أيضاً ، فى تخصصات عديدة لتحقق أملاً تسعى إليه وغاية تعمل من أجلها ، والسؤال هو : لماذا التفريط السهل فى الأستاذ الجامعى ؟ ولماذا التمسك القوى برجل الشرطة أو العسكرى بعد انتهاء خدمته الميدانية ، ليعمل في مجالات مدنية ، ومنها مجالات لا علاقة له بها مثل الثقافة ومحو الأمية والإذاعة والتلفزيون والمجالس النيابية والمحليات ووسائل المواصلات والاتصالات ؟ من يعلم الإجابة أرجوه أن يخبرنى ! .
عدت إلى الفندق أجرّ نفسى جرّا ، وكان علىّ أن أبقى مرغماً للعشاء مع الزملاء ، وأتناول منه قدر ما أستطيع ، فلست متعوّداً على الأكل فى وقت متأخر .. وكان نوم مضطرب .. وكان استيقاظ متكرر .. حتى جاء الفجر ، موعد يقظتى المعتاد ..
تمنيت أن أجد الفول فى الإفطار ، ولكن المطعم المفتوح فرنسى الهوى والسمات ، حتى الجبن لم يظهر إلا بعد طلبه من القائمين على شئون المطعم ، وكان هدفى الأول هو الشاى ..وحسناً فعل القوم حين جاءوا بعلبة شاى ليبتون وبجوارها السكر والماء الساخن ، بعد أن عرفوا أن المشارقة يُفضلونه على الشاى الأخضر ..
فى جلسات الطعام ، يكون الأكل آخر هدف لأعضاء المؤتمر . الهدف الرئيسى هو الثرثرة المفيدة حول أحوال البلد المضيف ، وبلد الضيف .. أحوال الثقافة والتعليم والفكر والسياسة والأدب والاقتصاد وأيضاً ، العادات والتقاليد .. إنها ندوة مفتوحة ، وقد يجد المرء نفسه هو المحاضر فيها دون أن يفكر فى إعداد المحاضرة وصياغتها .. هى محاضرة عفوية تلقائية ، تنحو إلى الفصحى غالباً ، ليفهم الآخرون عنك وتفهم عنهم ، فاللهجة المغربية تبدو صعبة للغاية بسبب السرعة الشديدة واختلاف المصطلحات إلى حد ما ، لذا فهم حريصون على الفصحى بطريقتهم المميزة عند الحديث إلى المشارقة . ولا يجدون صعوبة فى التفاهم مع الفرنسيين بالفرنسيّة ، حتى يتكلمونها بإتقان كأهلها ..
وقد لاحظت أن المطعم يغصّ بالأسر الفرنسية التى جاءت للسياحة ، وتسكن الفندق معنا ، ويتكاثرون فى وجبة الإفطار ، لأنها مجانية ضمن تكاليف الإقامة ، أما فى الغداء فيقلون ، ويكادون يتلاشون فى وجبة العشاء ، بسبب تناولهم لها فى الحىّ الشعبى الذى يعد رخيصاً بالنسبة للفندق ومراكش الجديدة ..
لقد كانت جلسات المطعم مع الأعضاء والزملاء دافئة وحميمية ، وتعبر عن وحدة أمة ، فرّقتها الأحوال والظروف ..
...................................
*المصريون ـ في 4/12/2007م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:53 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (4 )

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

الشارع في مراكش منضبط ! حلم أن تكون شوارع أي مدينة مصرية منضبطة .. خليها على الله ، السيارات في شوارعنا من كل شكل ولون .. و " معلهش " أصل احنا بنتكلم " و " مصر حتتقدم بينا " ، ولكن المغاربة يلتزمون التزاماً صارماً بالقانون : المواطن والمسئول الذي ينفذ القانون . لا يمكن أن تجد ذلك الكرنفال الذي تعرفه شوارعنا وطرقنا السريعة والفرعية " تريللا " و " مقطورة " ، و " كارو " و " ملاكى " ، و " أجرة " ( عفاريت الأسفلت ) ، الدنيا مختلطة ، ويتوه رجال المرور مع المارة فى قلب الطريق ، وإذا أصرّوا على إثبات وجودهم توقفت حركة المرور ، وشعر الراكبون والناس جميعاً بالاختناق ! فى مراكش لا يستطيع أحد أن يقف فى الممنوع لحظة ، تنشق الأرض ويخرج رجل المرور ليُعاقب قائد السيارة أيا كان اسمه أو رسمه .. لا يوجد هناك : انت عارف أنا مين ؟ أوابن مين ؟ ورأيت بنفسى شخصية كبيرة تخضع لرجل المرور الحازم الصارم ، الذى لا يمدّ يده ، ولا ترتعد فرائصه أمام موظف كبير أو ابنه أو راقصة درجة ثالثة تهدد بنقله إلى حلايب وشلاتين !
حركة المرور هناك – وعقبى للقاهرة وبقية المدن – تنساب بهدوء ، ودون عادم سيارات ، وإشارات المرور آلية ، لا يحركها شرطى ، ولا يُشرف عليها لواءات وعمداء وعقداء فى عرض الشارع ، وإذا قطع أحدهم الإشارة وجد المرور يمسكه من عنقه ، ويُعاقبه بالغرامة على الفور أو السجن مع الغرامة فى الحال ، لا تجدى التوسلات أو الرجاءات أو " معلهش " ..ولذا فكل الناس يحترمون نظام المرور .. حتى " الحنطور " الذى ما زال موجوداً ، ويلعب دوراً مهماً فى السياحة والتجوّل بالسائحين فى أرجاء المدينة .. وهو " حنطور " متحضر ، لا يُلوث الشارع ، لأنه يستخدم " البامبرز " الذى بشّر به " سنبل " فى " رحلة المليون " ! لا تضحكوا – والله العظيم يضعون تحت ذيل كل حصان قطعة قماش أو مشمع عريضة تنحنى من الطرفين لتسقط فيها فضلات الحصان ، حتى لا يتسخ الشارع .. ويلتزم الحنطور بالسير بجوار الرصيف دون أن يُغالب السيارات ، وله مواقف مخصصة له ..
بيد أن الدراجات تمثل ظاهرة ملحوظة ، حيث يمتلئ الشارع بالدراجات العادية والبخارية ، ويُمكن لها أن تصعد الرصيف العريض وتمضى عليه ، والدراجات البخارية تحمل شخصين أو ثلاثة ، والمفارقة أن المحجبات يركبن الدراجات البخارية أيضا مثلهن مثل السافرات وكل واحدة وراءها اثنتان ، وفى الجامعة رأيت مكاناً واسعاً مخصصاً للدراجات إلى جانب السيارات .. ركوب الدراجة لا غضاضة فيه ، ويركبها موظفون وطلاب ومعلمون من الجنسين . سيارات الأجرة متوفرة ، وسائقوها مهذبون هادئون ، ويستخدمون العدادات ( عقبى لنا يارب ! ) ..
وصلنا إلى مقر المؤتمر بجامعة القرويين فى التاسعة صباحا ، حضر رئيس الجامعة وعميد الكلية ورئيس رابطة الأدب الإسلامى العالمية ورئيس الرابطة فى المغرب .. بدأ افتتاح المؤتمر بالقرآن الكريم ، وتلاوة القارئ على طريقة " ورش " .. لا يتلون هناك بقراءة حفص .. قراءة " ورش " هى السائدة فى المساجد والصلوات والتعليم .. وقد اتخذ وزير شيوعى سابق من قراءة " ورش " سبباً منع بموجبه مئات العناوين من الكتب الإسلامية من المشاركة فى أحد المعارض الخاصة بالكتاب ! ومع ذلك لم نسمع لرفاقه فى مصر أى احتجاج على مصادرة الإبداع ، هم لا يتكلمون عن المصادرة إلا إذا أصابت كتابة ملحد أو شيوعى أو ساع للشهرة يكره الإسلام !
رئيس الجامعة ، تحدث حديثاً رقياً عن الأدب وأهميته ، ودور المؤتمر فى ترسيخ قيمة الكلمة فى البناء والإصلاح ، وتوالت كلمات الجالسين على المنصة تؤكد دور الحروف المتوضئة فى تحقيق السلام الروحى والنفسى والوجدانى واختتمت الجلسة الافتتاحية بقصيدة جميلة للشاعر المغربى الكبير " حسن الأمرانى " – الذي غاب عن المؤتمر ألقاها نيابة عنه شاعر مغربى كبير آخر هو " محمد على الرباوى " .
لاحظت أن المؤتمر فى جلساته التالية تمتع بقدر كبير من حسن التنظيم ، وخاصة فيما يتعلق بالحوارات التى كانت تتعلق بالبحوث الملقاة .. كانت هناك فرصة للتعقيب والرد عليه . كانت الحوارات على الطريقة التبادلية ( خذ وهات ) بما يُحقق قواسم مشتركة .. الصراحة سمة عامة ، فى إطار الاحترام الكامل لوجهات النظر المختلفة .
كان عنوان المؤتمر : " نحو منهج إسلامى للرواية " ، وقد شارك فى المناقشات من يرفضون وجود الإسلام فى أى شئ خارج جدران المسجد .. ولكنهم كانوا أكثر نضجاً وتقبلاً للآخر ، ولا يجدون غضاضة فى قبول ما يقتنعون به .. على العكس من رفاقهم فى بلادنا البائسة ؛ الذين يستأصلون كل مخالفيهم ، وكل من لا يسير على خطاهم الضالة ، هل يرجع ذلك إلى تعوّدهم على قراءة أكثر من وجهة نظر ؟ أو يعود إلى أنهم يتمتعون بهامش حقيقى للحرية ، فلا يُقلدون من عندنا حيث يقولون مالا يفعلون ؟
بالطبع ، ليست الصورة هناك وردية على الإطلاق ، فهناك شيوعيون وعلمانيون متعصبون للغاية ، أسوأ من نظرائهم عندنا ، ولكنهم يتحركون فى دائرة محدودة ، تسمح أن تقوم بجوارها دوائر أخرى ، وأذكر أن وزيراً يسارياً سابقاً ، كان لا يدعو إلى مؤتمر " أصيلة " وبقية المؤتمرات الأخرى التى تقيمها وزارته ، غير الشيوعيين المتأمركين عندنا وأشباههم !
على كل حال ، فإن سير المؤتمر أو الملتقى كان جيداً ، وكانت مشاركة أساتذة الجامعة ( القرويين ) تدل على وعى مرتفع بقيمة التفاعل مع الأبحاث والمناقشات .. وأيضاً قيمة التعارف مع الباحثين المشاركين من خارج المغرب والاستفادة بهم فى لقاءات مفتوحة مع الطلاب فى المستويات المختلفة .
حدثنى بعض أساتذة الكلية عقب انتهاء جلسة من جلسات المؤتمر والاستعداد لجلسة أخرى عن رغبتهم فى أن أخصص لهم وقتاً فى المساء لأتحدث فى موضوع " بلاغة المحاججة والخطاب الدينى " لطلاب المستوى الثالث .
إن أساتذة كلية اللغة العربية – جامعة القرويين ، يُشعرون ضيوفهم بمودة مغدقة ، وتعاطف كريم ، وهو ما شهدناه فى العديد من اللقاءات والمناقشات .
الظاهرة اللافتة فى المؤتمر أو الملتقى ، هى مشاركة المرأة مشاركة فعالة ومؤثرة .. سواء فى الأبحاث اللاتى شاركن بها أو المداخلات اللاتى علقن بها على القضايا المثارة ، أو القصائد اللاتى ألقينها ولقيت استحسان المستمعين أو المتلقين .. لم يمنعهن الحجاب من إثبات الوجود والحضور ..وهناك على المستوى العام تتعايش المحجبة ، وخاصة فى مجال العمل مع غير المحجبة ، والمشكلة هى التمييز الرسمى بينهما ، وخاصة فى المؤسسات التى تتعامل مع الجمهور فالبنوك مثلاً لا تسمح لمحجبة بالتعامل مع العملاء ، إنها تجلس فى الخلف ، على المكاتب الداخلية لإنجاز أعمال كتابية ونحوها ، أما غير المحجبة فهى التى تجلس أمام الجمهور لإنهاء معاملاته .. بالطبع غير مسموح للمحجبة أن تظهر مذيعة فى التلفزيون ، مثلما هو حادث فى مصر المحروسة ، حتى الإذاعة ممنوعة على المحجبات ، وقد نُشر مؤخراً إبعاد اثنتين من المحجبات من العمل فى الإذاعة إبعاداً تاماً ، أى فصلهن من الوظيفة بسبب الحجاب !
ويبدو أن الحجاب لدى الدوائر الرسمية ، وبعض النخب المتغرّبة ، صار مزعجاً لدرجة دفعها إلى تصرفات مجافية للحرية الشخصية وحقوق الإنسان .
...................................
*المصريون ـ في 11/12/2007م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:54 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (5)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

في الوقت الذي تتنافس فيه الدول من أجل زيادة الإنتاج والسبق إلى نتائج متقدمة في البحث العلمي ، وبناء القوة العسكرية لحماية الاستقلال الوطني .. تنشغل بعض الحكومات العربية بقضية الحجاب والنقاب وتجييش الجيوش من الإعلاميين المرتزقة والصحفيين الكذبة ، لتصنع منها قضية ، غايتها الأساسية إلهاء الشعوب عن واقعها البائس المتردي في المجالات المختلفة كافة .. ولا أدرى ما الذي يحدثه وجود مذيعة محجبة أو ممرضة منتقبة في بناء الدولة وتقدمها وحركتها نحو المستقبل ؟!
أليس وجود مذيعة محجبة أولى من وجود مذيعة دمية لا تملك لغة ولا ثقافة ولا فكراً ، وكل مؤهلاتها جسد عار ملطخ بالأصباغ والألوان لتثير المشاهدين ، وخاصة من المراهقين ؟
أليس الاهتمام بوضع المستشفيات المتردى وعدم وجود أطباء أو أدوية أو أجهزة أولى من إشعال حريق دولى حول الممرضات المنتقبات ، يشارك فيه أنصار الاستبداد وخصوم الإسلام ؟
لقد كان فصل مذيعتين محجبتين بالإذاعة المغربية ، مع أن الناس لا تراهما وتسمع صوتهما فحسب ، قراراً مثيراً للاستهجان على أكثر من مستوى .. وقد تساءل الجمهور :
هل الحرية الشخصية ترتبط بالتعرى دون التغطى ؟
كانت مفاجأة ، وأنا أقضى أمراً فى استقبال الفندق الذى كنا نقيم به ، أن أرى " فاطمة الزهراء " ، وهى إحدى موظفات الاستقبال ، تطل من الغرفة الملحقة به ، وكانت ترتدى " إسدالا " يُغطى جسمها كله عدا الوجه ، حيث كانت تصلى العصر . فاطمة من الموظفات المجتهدات ، ولكنها وفقا للنظام السائد لابد أن تكشف عن شعرها ، وتكون سافرة ، وإلا فلا مكان لها !
الدنيا تتحرك .. والقوم فى بعض بلادنا العربية حريصون على إرضاء السادة الأفاضل قادة الاستعمار الصليبى المتوحش ، ولو جاء ذلك على حساب الدين والقيم !
والمرأة العاملة فى المغرب ، تبدو مظلومة ، أكثر من أخواتها فى البلاد العربية الأخرى . رأيت العاملات والموظفات المغربيات فى معظم الأماكن يقمن بأعمال شاقة ومرهقة .. يكاد الرجال يعيشون رفاهية العمل ، والبطالة أيضا .. أما المرأة التى تبدو حاضرة دائماً فى معظم أماكن العمل ، فتحمل العبء الكبير فى التنفيذ والإدارة مع تواضع الأجور ، وواضح أن هذه المسألة لا تلفت نظر الجمعيات والهيئات التى تزعم أنها تدافع عن المرأة !
ومهما يكن من أمر ، فإن الأوضاع الاجتماعية بالمغرب الشقيق ، بما فيه وضع المرأة ، مكشوفة وواضحة ، سواء كانت إيجابية أو سلبية ، إنهم هناك يتعاملون من خلال ما يُسمى عندنا بالشفافية ، لا تعتيم ولا استهانة ، وعشرات الصحف اليومية تتناول ما يحدث داخل المدن الكبرى والقرى الصغرى على السواء ، وللأحزاب جميعا ، والقوى الساسية المختلفة ، صحفها التى تنطق باسمها ، وتبدى رأيها فيما يجرى ويحدث مما يُعطى صورة متكاملة عن أى حدث أو موضوع .
ويُلاحظ أن الأحياء الشعبية فى مراكش تحتفظ بطابعها التاريخى القديم ، وتجد إقبالاً منقطع النظير من جانب السيّاح والأجانب ، وخاصة فى المساء .. وتشبه إلى حد ما خان الخليلى فى القاهرة الفاطمية ..
وأبرز مافى مراكش القديمة مسجد الفنا ، وقبر يوسف بن تاشفين ، وقبر المعتمد بن عباد الذي لم تتح لى الفرصة كي أزوره . والمسجد صورة من الحالة التاريخية التى كانت سائدة فى عصر الموحدين ، وهو عصر شهد مبادرات عسكرية وبطولات حربية كان بطلها يوسف بن تاشفين زعبم الموحدين المشهور ، وقد كان الأثر الحربى واضحاً فى أبنية مراكش القديمة ، حيث تميل المبانى إلى شكل الحصن الذى ينتظر الأعداء القادمين من كل مكان .
فمسجد الفنا مثلاً ، تقوم مئذنته على هيئة مربعة ، تشق عنان السماء ، وطرفها العلوى يكاد يكون مختفيا داخل المربع ، الذى تظهر على جوانبه عدّة نوافذ ضيقة للغاية ، وكأنها مجرد وسيلة لمراقبة الفضاء المحيط .
والمئذنة نموذج لبناء المسجد ذاته الذى يبدو على هيئة قلعة لا يتم تمييزها عن بقية المبانى إلا بالمثلثات التى تصطف على حواف جدرانه الأربعة العليا بما فيها حواف المئذنة أيضا .
أما قبر يوسف بن تاشفين ، البطل الذى ظل قويا وصامدا فى فترة انهيار الأندلس واستقواء الصليبيين الهمج ، فهو قبر بسيط ، يُحيطه الإهمال ، وتعلوه آثار عوامل التعرية .. وكأن القبر يحدث الناس عن نفسه ، وعن صاحبه وأعماله التى لا يعرفها المسلمون المعاصرون ولا الذين سبقوهم حتى وفاة ابن تاشفين نفسه ، مسجد الفنا بداية للمكان الذى يمثل مركز مراكش القديمة ، وهو الساحة .. والساحة دائرة كبيرة مبلطة بالبلاط الأسود المستطيل الصغير ، الذى يشبه بلاط الحوارى القديمة فى القاهرة المعزّية ..
والساحة فى النهار تبدو فارغة من الجمهور اللهم إلا مجموعات من الدكك والترابيزات الخشبية والنصبات الخاوية .. وتظل الساحة خالية حتى منتصف النهار ، عندما ينصرف الموظفون والعمال من مكاتبهم وأعمالهم .. وحينئذ تتحول إلى شئ آخر تماماً ..
الساحة عندما تعمل ، تكتظ بالناس من كل الأجناس ، وليس المغاربة وحدهم ، هناك باعة الأطعمة المختلفة اللحوم والأسماك والفطائر ، وهناك الطعام الشعبى بدءًا من لحمة الرأس إلى الممبار ، والأسماك بأنواعها المختلفة ، مشوية أو مقلية ، وقد تعرضت لموقف صعب حين وقفت مع صديقى الشاعر المغربى الكبير " محمد على الرباوى " والدكتور " عبد العالى بوطيب " ، وكلاهما أستاذ جامعى ، واصرّا على أن أتناول معهما طبق الحلزون ( القواقع ) ! منظر الحلزون أزعجنى ، وجعلنى أتقزز ، وهما يضحكان ، ويُحاولان إقناعى بكل الوسائل أن أتذوقه ، مجرد تذوق ، ولكنى لم أستطع ، كان الرباوى يتناول ( شوربة ) الحلزون ، وهو يقهقه وعبدالعالى يستخدم الملعقة فى التهام اللحم الحلزونى بهمة ونشاط .. وأنا أرفض رفضاً قاطعاً ، كان يتكلمان عن فوائد الحلزون ، وتهافت الأزواج على استخدامه ، وأشياء أخرى ، ولكنى لم استجب لهما وهما يضحكان ، ربما لسذاجتى الريفية أو عدم خبرتى الحياتية ..
من المفارقات أننى شاهدت تقريراً تلفزيونياً يتحدث عن مطعم خاص بالحلزون افتتح فى إحدى المدن الفرنسية ، يقوم صاحبه بالحصول على الحلزون وإعداده وتقديمه للزبائن بأسعار مرتفعة للغاية ، ويصدره إلى دول الاتحاد الأوروبى ! ولله فى خلقه شئون !
إلى جوار مطاعم الساحة ، حلقات الحكواتى الذى يجلس مع فرقته الموسيقية ليحكى السيرة الشعبية وله جمهوره الذى يتفاعل معه ويندمج إلى درجة التماهى ، يذكرنا بشاعر الربابة قديماً فى مقاهى مصر وقراها ، وهناك حلقات عرض الثعابين ، وباعة الفواكه ، والتمور ، والياميش ..
أما المحلات على حافة دائرة الساحة ، فهى متنوعة بتنوع أغراض الناس بدءاً من الملابس الجاهزة والهواتف المحمولة إلى المكتبات والفنادق .. وهذه المحلات لها نظامها المختلف تماماً عن الساحة . فالساحة مقصد الفقراء والأغنياء والسياح ، يأكلون ويستمتعون بدراهم معدودة ، أما المحلات على حافتها ، فهى مقصد القادرين وحدهم ، لأن أسعارها مرتفعة وتكاد تقترب من أسعار مراكش الجديدة .
...................................
*المصريون ـ في 25/12/2007م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:55 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (6)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

من الساحة قرب مسجد الفنا أو الكتيبة ، تبدو مجموعة من الشوارع الضيقة الطويلة ، التي لا تختلف كثيراً عن شوارع القاهرة المعزّية ، وتضم هذه الشوارع التي تتولد منها شوارع أضيق معظم التجار الذين يقومون على تجارة الجملة والتجزئة ولبعض محلاتهم أسماء مخالفة للأسماء الشائعة عندنا ، وإن كانت تتفق معها في المعنى اللغوي والدلالي ، على سبيل المثال ، تسمّى محلات العطارة بالمعشبة وهى مأخوذة من العشب الذي يعتمد عليه العطّار في جلّ بضاعته ، ومحل الجزارة يسمى الملحمة وهى من اللحم فهي مكان للحم أو لبيع اللحوم ، ومقر الهاتف العمومي يطلق عليه مستقر الهاتف أو المكان الثابت للهاتف ..
وظاهرة استخدام المشتقات / المغايرة واضحة في أكثر من مجال ، فسيارة الأجرة مثلاً التاكسي تكتب هناك أحيانا " الطاكسى " ، والشوارع الضيقة الطويلة يطلق عليها " رياض أو طريق ، والمحلات الصغيرة تسمى " طوالة " وهواتف المحمول والساعات والمسجلات والنظارات ، تجمع في تسميتها العربية والأجنبية .. وبدلاً من كلمة عالم يوضع مكانها فضاء ، فنجد مثلاً " فضاء إلكترونيك " وهاتف المحمول يسمى النقال وتاريخ الميلاد يسمى تاريخ الازدياد ، والمغسلة ( للملابس ) تسمى مصبنة ، نسبة إلى الصابون ، والبنوك يطلق عليها الأبناك ، وأحياناً تسمى المصارف ، وبوابة الرسوم على الطرق السريعة تسمى محطة الأداء .. وفى مجال التعليم ، مسميات عديدة مغايرة يمكن أن نجد تجلياتها في الكتب التي يترجمها الزملاء المغاربة عن الفرنسية – غالباً – وتكاد تأخذ طابع الأداء الفرنسي في تركيب الجملة الفرنسية وصياغتها .. ولعل هذا ما أدى إلى ضبابية كثير من المصطلحات الأدبية الحديثة ، وخاصة فى مجال النقد الأدبى على النحو الذي يعرفه المتخصصون ، وهو ما أدى إلى وجود فجوة كبيرة عندنا بين فريق من النقاد وقرائهم ، نتيجة لمتابعة الأولين للترجمات العربية القادمة من المغرب الشقيق .
وبعيداً عن أمر المعجم السائد فى مراكش الحمراء وغيرها من بلاد المغرب العربى ، يبدو أن الفضائيات العربية ، وخاصة السياسية ، قد نجحت إلى حدّ كبير فى التقريب بين المشتقات العربية أو التعريف بها فى سياق النشرات الإخبارية والبرامج الجادة ؛ إن الحى الشعبى الذى يصب فى الساحة ، يبدو عالماً مدهشا ، بما يتوفر فيه من حرفيين وتجار فى مختلف السلع واللوازم ، وخاصة فى الحارات الضيقة التى تشبه المتاهة ، وتؤدى نهايتها كما يتخيل الزائر إلى بداية أخرى لها نهاية تؤذن ببداية جديدة وهكذا .. واذكر أننى وقفت مع صديق فى أحد المحلات أو الطوالات ، لشراء شئ ما ، وطلبت من البائع الذى تعرّفنا عليه ، وجلسنا فى طوالته نحتسى الشاى الأخضر ، أن أحصل على شيء ما من مكان آخر ، فأرسل معي شقيقه الأصغر ، الذي أخذني ، ودخل بي من حارة ضيقة إلى أخرى أضيق ، ومن منعطف إلى منعطف ، حتى وصلنا المكان الذى كان على هيئة منزل قديم ، ولكنني فوجئت في الدور الأرضي بمعرض فخم للملابس ، وفى الدور الثانى بمعرض آخر للستائر وما يشبهها ، ثم كان الدور الثالث مطعماً شرقيا ، ولأننا كنا فى الصباح والمكان شبه خال ، سألت مرافقى ، هل يعرف الزبائن هذا المكان ؟ ، فقال لى : إن زبائنه يأتون من أنحاء المغرب والعالم ، وفى مقدمتهم السيّاح ، الذين يستمتعون بما يشترونه ويأكلونه هنا .. ومع التواضع الذى يبدو عليه المبنى الذى كنا فيه ، شأن بقية المبانى المجاورة ، إلا أن الداخل يختلف تماماً ، من حيث التنظيم والتنسيق والشكل العام ، فضلاً عن النظافة التى تبدو سمة عامة فى الأماكن العامة ، وخاصة " الحمامات " التى تعد قطعة من البللور النقى ولا أبالغ ، فلا توجد بها ذرة تراب أو أثر ، ولو كان بسيطا ، للإهمال أو القذارة ، بل إنها مزوّدة بأحواض تلمع ، ومرايا صقيلة ، ومنظفات من أرقى الأنواع ..
تذكرت الحمامات فى بلادى ، وخاصة فى الميادين والمساجد والمصالح الحكومية والمدارس والجامعات ، حتى تلك التى تخصص للسادة الكبراء ، ويحتفظ الحجّاب بمفاتحيها .. فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله .. صحيح أن الحضارة نظافة ، ويوم كان الهمج الهامج فى أوربا لا يعرفون الحمامات ولا كيف يستحمون ، كان هارون الرشيد – رحمه الله – يطلب من مساعديه أن يذهبوا بضيوفه من هؤلاء للاستحمام أولاً ، وكانوا يخافون أو يستشعرون نوعاً من الدهشة وهم يدخلون الحمّامات ، فيتولى المساعدون بيان كيفية استخدامها حتى يحدث الاطمئنان للقوم .
هل تستطيع أن تجد فى القاهرة الآن حماماً عاماً " معقول " النظافة ؟ بل هل تجد فى الأصل حمامات فى كثير من الأماكن ؟ لنا الله !
فى المحلات التجارية التى تبيع الأجهزة الكهربائية " الثلاجات والغسالات والمطابخ " قرأت اسم شركة مصرية على ثلاجة أو غسالة لا أتذكر . نبهنى إليه صديقى الذى كان يرافقنى فى رحلة التجول فى الحى الشعبى .. فرحت فرحاً شديداً ، لأن " رجل قروض " مصرى استطاع أن يصدّر " سلعة " مصرية إلى بلد عربى . أعلم أن هذه السلعة تجميع " كورى " أو تايوانى " ، ولكنها فى كل الأحوال عبرت عن حالة ذات قيمة ، وهى إنتاج بضاعة للتصدير على العكس من بقية رجال القروض الذين يريدون الاقتراض من البنوك المصرية حتى تجف ، ثم يهربون أو ينشئون مشروعات ترفيهية أو كمالية لا تسمن ولا تغنى من جوع ، ويطلقون القنوات الفضائية المبتذلة بقصد تغيير هوية البلد وأهله ولغته ، أو يحلمون بالسيطرة على البلد واقتصادها وسياستها وإعلامها فى ظل " المواطنة " التى تعنى الخروج من دين الإسلام والدخول فى عباءة الهمج الهامج من صناع الوحشية الاستعمارية !
على الأرصفة تباع أشرطة وأسطوانات مدمجة ، أغلبها فرنسى ، أو مصرى وتشمل الأغانى والأفلام والمسلسلات والمسرحيات والمباريات ، والقوم هناك يعرفون أسماء المطربين والممثلين ولاعبى كرة القدم ، و " أبو تريكة " و الأهلى ، لهما شعبية جارفة هناك ، وللزمالك أنصاره أيضا ، ويحتشد الناس هناك أمام الشاشة الصغيرة فى مباريات الفريقين الكبيرين فى الدورى المصرى أو الكأس المحلى أو الإفريقى .
فى محلات الأقمشة التى تملأ حارة ضيقة انطلق صوت أم كلثوم بأغنية جميلة من الخمسينيات ، وصاحبها يجلس فى محله الصغير منسجماً مع الصوت الذى ظننت أنه انتهى بعد موت صاحبته بأكثر من ثلاثين عاماً فى ظل هوجة " التغريب " و " الديسكو " والصخب التافه الذى صنعه مطربو الأيام السود ودمى الأجساد المتهرئة بالكولاجين !
كان على في آخر الجولة أن أحسم أمرى ، وأشترى " المحمول " الذى أوصتنى به " فاطمة ابنتى " أو أمى الغالية كما أناديها .. لابد أن يكون محمولاً بغطاء برقم معين من أحدث الأنواع .. أليس لها حق ، وقد حمل أشقاؤها أغلى " المحاميل " ؟ هل كونها أصغرهم لا تستحق محمولاً ؟ على عينى يا أمى ، ولكن تذكرى أن أباك " أستاذ الجامعة " على المعاش ، وليس تاجر مذكرات ، وجمال سلطان لا يعطيه " هُبراً " ولا عظاماً مما يدفعه لكتّابه كما زعم بعض القراء ، بل ضنّ على أبيك بنسخة من " المنار " لأنه ينسى !! على عينى يا أمى الغالية .
...................................
*المصريون ـ في 1/1/2008م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:56 PM
الطريق إلى مراكش الحمراء (7)

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

إذا كان المشهد الثقافي في المغرب بصفة عامة يتصدره " اليساريون " في صورة المسئولية الرسمية والتشكيلات الثقافية والأدبية المهيمنة ؛ فإن طبيعة المغرب الشقيق في صورتها الحقيقية تظل مرتبطة بالإسلام والقرآن والروح الشرقي . وصعود أهل اليسار في الثقافة المغربية ، لا ينفصل عن صعودهم في بقية البلاد العربية ، حيث أتاح لهم الاستبداد في معظم عواصمنا أن يقوموا بمهمة غير كريمة ، وهي إزاحة الإسلام المقاوم والمعارض الحقيقي من العقول والنفوس ، والتشكيك في قيمه وثوابته ، وخدمة الأنظمة الشمولية ، وتسويغ تغوّلها على حرية الأوطان والمواطنين ، في مقابل ما يلقى إليهم من فتات المناصب الحكومية والجوائز العينية ، والحضور الإعلامي في أجهزة الدعاية الحكومية ، والتمثيل الوطني في المهرجانات والندوات والمؤتمرات الخارجية ..
ومع ذلك ؛ فالمقاومة للتوحش اليساري ، وخاصة اليسار المتأمرك ، ومهمته التغريبية لا تتوقف ، والنخبة المثقفة ذات التوجه الإسلامي لا تتوانى عن العمل بإمكاناتها المحدودة الضعيفة ؛ لترسيخ المفهوم الإسلامي الصحيح في القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية ، ويساعدها الهامش المحدود للحرية في المغرب على العمل والممارسة .. إنه هامش محدود ولكنه حقيقي يسمح بانتخابات تشريعية حقيقية إلى حد كبير ، ويسمح بإصدار صحف ، وعقد ندوات ومؤتمرات ، والخطوط الحمراء لهذا الهامش واضحة وصريحة ، ويعر فها أهل المغرب ، فلا ادعاء بأزهى عصور الحرية والديمقراطية ، ولا زعم بأنه لن يقصف قلم ، أو تغلق جريدة .. لا شيء هناك من ذلك . الخطوط مرسومة ، وعلى العابرين أن يسيروا في حدودها ، ولا يتخطوها .. وهو أمر مرحلي مريح للطرفين على كل حال !
وأعود لأؤكد أن اليساريين المغاربة ، ليسوا بالصلف أو الادعاء الذي نراه عند نظرائهم في مصر ، أو كثير منهم ، فهم يراعون إلى حد ما العلاقات الإنسانية السائدة ، وإن كانوا لا يتوانون عن العمل في برنامجهم الاستئصالى الداعم للاستبداد على المستوى العام !
وفي الجانب الآخر ، هناك دفاعات باسلة عن الإسلام وحقائقه في حدود الإمكانات المتاحة ، وقد لفت نظري وجود شخصية لطيفة نشيطة ، ومع السنوات الطويلة التي يحملها على كاهله ، فهو لا تكف عن الحركة والعمل ، وطول أيام الملتقى الأدبي ، كان الشاعر " جلول دكداك " الذي تجاوز السبعين ، ويكلل رأسه الشعر الأبيض الناصع ، ينطلق في أرجاء القاعات والفندق مثل شاب في مقتبل العمر ، يسأل ويناقش ويتعرف ، ويوزع كتبا ودواوين ، ويتبادل العناوين ،ويقوم بالتصوير ، وكثيرا ما أجده على مائدة الإفطار أو الغداء أو العشاء ، أو في ردهات الفندق أو المؤتمر ينهض من مكانه ، ويميل علىّ ، ويسألني :
- سي حلمي ، ما رأيك في الموضوع الفلاني ؟
- سي حلمي ، هل قرأت كذا ؟
- سي حلمي ، خذ هذا .. ( قد يكون صحيفة ، أو موضوعا ، أو قصيدة ... )
صار " جلول " معلما من أهم المعالم المميزة للمؤتمر ، نفتقده إذا غاب لدقائق ، ولكنه كان حاضرا دائما في الأذهان والقلوب ، طيبته الفطرية ، ومودته الإنسانية ، وحرصه على مناغاة الضيوف ، جعل منه نجما بلا ريب ، ويصف نفسه بشاعر السلام الإسلامي ، وهو بالفعل يعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين ، وإن كان لا يكف عن الكتابة والعمل والنشاط . ذكرته برسائله وقصائده التي كان يرسلها إلى مجلة " الشعر " قبل ثلاثين عاما أو أكثر . كان الدكتور عبده بدوي – رحمه الله – قد نجح في إصدارها مرة أخرى عام 1976م على عهد " يوسف السباعي " – رحمه الله – وكنت أحرر بعض أبوابها ، وكانت تأتي رسائل " جلول " مفعمة بإنسانيته وطيبته الفطرية ، فأنشر القصائد وأرد على الرسائل ، ومع سنّه المتقدمة لم يزل ينشد لفلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والصومال ، وبلاد المسلمين المستباحة ، ويرد على أكاذيب أهل ( الحداثة ) المتغربين ، ويكتب المقالات ، ويصحح المصطلحات ، ويسعى لنصرة القرآن الكريم ، ويستوعب – بحب – كتابات الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – ويردد مقولته : " إن أخشى ما أخشاه على الإسلام والمسلمين ؛ هم المسلمون أنفسهم !" ..
و" جلول " يحتاج إلى صفحات للتعريف به ، وتناول كتاباته وأشعاره ، ولكنه يبقى نسمة ندية في صيف قائظ يصنعه خصوم الأمة . وتمتد هذه النسخة إلى آفاق أخرى ، وتتحول في أيام البرد العاصف إلى لمسة دفء وأمل ، عندما تلتقي أساتذة كلية اللغة العربية – جامعة القرويين ، في مراكش الحمراء ، بدءا من العميد ، حتى أصغر معيد ، بل إلى الطلاب أنفسهم .. هناك أمل في عالم آخر ، من أهل التعليم والثقافة ، يحترمون التقاليد ، ويحترمون بعضهم ، ويقدسون العلم والبحث ، ويشتاقون إلى المعرفة ، ويرجون ضيوفهم أن يتحدثوا إليهم في ندوات مفتوحة مع الطلاب ، أو يحاضرونهم في تخصصاتهم المختلفة ,, الطلاب ملتزمون بالحضور ، والمتابعة والمناقشة ، ودراستهم شاملة متكاملة ، فهم في قسم الدراسات العربية مثلا ( يسمونه مسلك الدراسات العربية ) ، يدرسون ستة فصول ، وتجد فيها مواد مختلفة بدءا من دراسة اللغة والأدب والسيرة وفقهها ، والمذهب المالكي ،والمكتبة الإسلامية وتقنيات التعبير والتواصل ، والنحو والصرف والبلاغة واللسانيات والتفسير ، والعقيدة والقانون والنقد وإعجاز القرآن والبلاغة النبوية والقراءات والسرد ، والعقود والالتزامات والمعلوميات والأدب الإسلامي والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية والتداولية ، والأحوال الشخصية ، والأسلوبية ، ومنهجية البحث ، والتصوف الإسلامي ، وعلوم القرآن ، وتحليل الخطاب والسيميائيات والعروض ومناهج الدراسات الأدبية إلى جانب الفرنسية والإنجليزية ....
وإلى جانب الدراسات المنهجية ، هناك نشاطات مستمرة على شكل ندوات ولقاءات وإصدارات تعالج مختلف الموضوعات والقضايا ، ومن خلال رؤى متنوعة وتصورات شتى ..
كان وداعنا لمراكش الحمراء وداعا للحظات استثنائية في العمر ، عشناها بين أهلنا وأمتنا بعيد عن صخب المتاعب والمحن في مصر المحروسة التي لا نتوب عن حبها ولا نقدر ، مهما فعلت بنا ، وأزرت بوجودنا في ظل أوضاع استثنائية لا تجنح أبدا إلى الوضع الطبيعي الذي استقرت عليه أغلب الأمم ؛ حيث يكون الوضع الاستثنائي قصيرا تعود بعده إلى حالتها الطبيعية ، ولكن قدرنا أن نحيا في استثناء دائم ، وعذاب دائم حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .. وبلادي بلادي .. لك حبي وفؤادي ، وعذابي أيضا..
...................................
*المصريون ـ في 15/1/2008م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:57 PM
تراث ممتد من القهر والعبودية !

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

هل يمكن أن نضع الإطاحة بوزير الري المصري الدكتور محمود أبو زيد تحت هذا العنوان ؟
أتصور أن الإجابة بالإيجاب . فالوزير فوجئ بإقالته ، وعرف الخبر بعد معرفة سائقه ، ونُزع كشك الحراسة قبل وصوله إلى منزله، وهو ما يؤكد على أن الشعب المصري يعيش القهر والعبودية منذ الأزل إلى أمد لا يعلمه غير الله .
لا أعرف وزير الري ، ولا علاقة لي به ، ولكني أعلم مما تنشره الصحف ، ويقوله الناس : أنه عالم جليل ، خبرته نادرة في تخصصه ، وهو واحد من العلماء المعدودين على مستوى العالم ، ويشرف مصر والعرب في العواصم الدولية الكبرى ، ولم يقل أحد عنه سوءاَ ، ولم تشر إليه صحيفة بما يشين في سلوكه أو عمله أو علاقاته ، وهو رب أسرة جيد ، علّم أولاده ورباهم تربية حسنة ، وكانت كفاءته في عمله ، وقدرته الدبلوماسية محل إشادة ممن يعنيهم أمر المياه في مصر وخارجها .
لماذا تمت الإطاحة به إذاَ؟ واحتشدت الدنيا لتتحدث عن تغيير وزاري ، وهو ليس كذلك ، يرتبط بالرجل الشريف النظيف ؟ لقد أرادوا التغطية على الموقف باختراع وزارة ( ميني وزارة !)مكافأة للسيدة التي أبلت بلاء غير حسن في أمور هامشية مثل الختان والنقاب وما أشبه سعيا لإلغاء الشريعة الإسلامية ، وتمكين المرأة التي تلد سفاحا من نسبة المولود إليها، والتضييق على المسلمين في الزواج والطلاق ، وتقيد أمرهما أكثر مما تقيدهما الأزمة الاقتصادية ، وتخريب العلاقة بين الرجل والمرأة المسلميْن عموما ( لأنها لا تستطيع أن تقترب من غير المسلمين !) ، ثم إنها تريد تغريب المجتمع وثقافته الإسلامية ، لأنها متيمة بالغرب وأهله وثقافته المنافية للشريعة ، وبسيف القانون الذي تصنعه أغلبية مزورة تريد أن تفرض تشريعات مخالفة لمنهج الدين !
الشعب حتى اليوم لا يعرف الحقيقة التي جعلت " محمود أبو زيد - وحده –طريد الحكومة المصرية التي يتحدث الناس عن فشل أكثر وزرائها فشلا ذريعا .. ثم إن الإصرار غير العادي على الإطاحة لم ينتظر حتى يعود رئيس الدولة من قمة الرياض ، بل تم تأخير سفره – كما قالت بعض الأنباء - حتى يؤدي الوزير الجديد اليمين الدستورية !
قالوا إن ظروف الوزير الصحية كانت من وراء طرده ، بينما الوزير بدا في صحة ( زى البمب ) . وقال آخرون إن موقفه من مسألة توشكي وانتقاده للحكومة بسبب فشل المشروع كان دافعا لتغييره . وذهب فريق ثالث إلى القول : إن الوزير المطرود لم يرد على مسئول إثيوبي هاجم مصر في مؤتمر للمياه انعقد مؤخرا في شرق إفريقية ،ونُقل الموقف إلى المسئولين الأعلى مما حتم تأديب الوزير وفصله من الوزارة . ونقل فريق رابع تصريحا للوزير وهو يغادر منصبه يقول فيه : إن الوقت غير مناسب للكلام .. .. إلى غير ذلك من تخرصات لم تقنع أحدا من الناس في مصر ولا العالم العربي..
فهل يليق أن يتم طرد الوزير بهذه الطريقة ؟
عندما يصرف صاحب مصنع عاملا أو مجموعة عمال " فإنه يلتقي بهم ويشرح لهم الأسباب ، ويشكرهم على ما قدموه ، ويطلب منهم المعذرة لعدم استمرارهم بسبب الأزمة الاقتصادية أو المصاعب التي تعترض مصنعه ، وقد يكافئهم للترضية . فما بالك بعالم كبير في مرتبة وزير له حضوره على مستوى العالم بأسره ؛ يتم طرده بطريقة يصعب وصفها ؟
نحن نعلم أن المصلحة العليا للبلاد تقتضي اتخاذ قرارات سريعة ومفاجئة ، ولكن الناس لا بد أن تعرف الأسباب وتعلم الضرورات التي حتمت اتخاذ القرار . في الحروب وحدها لا يسأل الناس عن القرارات ، وإن كان من حقهم بعدها أن يجدوا تفسيرا لكل قرار !
مؤكد أن الإنسان المصري بلا قيمة ، وأنه يعيش حياة العبيد من زمن بعيد ، وحين تنظر أمامك تجد التنكيل بصور شتي لا يتوقف بصفوة الوطن من العلماء والخبراء ، بينما الملوثون والانتهازيون والمنافقون وأشباههم يحظون بالرعاية والعناية والاهتمام ومحاولات تبييض وجوههم التي عليها غبرة ..
لقد قتل صاحب العبارة أكثر من ألف مصري بائس قبل ثلاث سنوات ، فتم تهريبه من صالة كبار الزوار .وكانت تهمته أنه علم ولم يبلغ !!!وداخ الناس في المحاكم يستجدون حقوقهم ، والقاتل يمرح سعيدا في ربوع لندن ، وقصره الفخم هناك يستقبل الكبار والصغار ، وترسل إليه السلطة محاورا لتحسين صورته تلفزيونيا على حساب الغرقى والمعدمين ،وإظهاره بمظهر التقى النقي الورع الذي يرعي حقوق البلاد والعباد ، أما مجدي أحمد حسين الذي لم يقتل أحدا ؛ فإنه يحاكم بسرعة الصوت أمام محكمة عسكرية ؛ لأنه دخل غزة من فتحات السور الذي قصفته طائرات العدو منتهكة السيادة المصرية ، ويتم حبس الرجل المجاهد سنتين ، مع أن جريمته مفخرة لكل مصري ، وهي التضامن مع أشقائنا في غزة ، وقد كانوا أمانة في أعناقنا فضيعناها !
إن التراث الممتد من القهر والعبودية يؤكد على وصف القرآن الكريم للأسلاف الذين خلفهم خلْف أسوأ وأضل سبيلا حين قبلوا العبودية لغير الله : " إنهم كانوا قوما فاسقين " !، والفسق هو الخروج عن الفطرة التي تأبى الاستعباد والذل ، وعدم استخدام العقل للحصول على الحرية والكرامة ، ثم الرضا بما يفعله الفاسدون والاستسلام له !
قبل قرن وربع قرن تقريبا ؛ كتب جمال الدين الأفغاني يخاطب شعبنا التعيس :
" إنكم معاشر المصريين ، قد نشأتم في الاستعباد ، وربيتم في حجر الاستبداد ، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى اليوم . وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين ،وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين ، تسومكم حكوماتهم الحيف والجور ، وتنزل بكم الخسف والذل ، وأنتم صابرون ، بل راضون ، وتستنزف قوام حياتكم ، ومواد غذائكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط ، وأنتم معرضون . فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية ، وفي رءوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية لما رضيتم بهذا الذل ، وهذه المسكنة . تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ، ثم العرب والأكراد والمماليك ، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ، وأنتم كا لصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت .
انظروا أهرام مصر وهياكل ممفيس ، وآثار طيبة ، ومشاهد سيوة ، وحصون دمياط ، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم . هبوا من غفلتكم ..! أصحوا من سكرتكم ..! عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء .."
وواضح أن نداء الأفغاني لن يجد صدى كبيرا لدى المصريين الآن ، فهم مشغولون في طوابير الخبز والمظالم والأحزان ، وليس لديهم وقت لمقاومة العصا والمقرعة والسوط ؛ فهم مُعْرضون عن ذلك ، لأن الغزاة النازيين اليهود في الوطن المحتل يقومون باستخدام العصا والمقرعة والسوط لإلهاب ظهورنا وشق جلودنا ، وفي الوقت نفسه يقولون لعصاباتهم نحن نغير الوزارة بالانتخابات ، ونسقطها بالانتخابات ، ونشكلها بالانتخابات ، وحين يرتكب وزير أو رئيس جريمة تتم محاكمته على رءوس الأشهاد ، بعد استجوابه في الشرطة مثل أي فرد آخر في وطن الاحتلال !
ينبغي ألا نأسى على وزير الري المقال ، وما جرى له ، فلن يكون الأخير ، كما لم يكن الأول ، لأن العصا والمقرعة والسوط ، تعمل في حقل شديد الاتساع ولا تجد مقاومة ! إنه تراث ممتد من القهر والعبودية !
........................
*المصريون ـ في 17/3/2009م.

د. حسين علي محمد
05-12-2009, 11:59 PM
تكريم سعودي للأكاديمي المصري المعروف
حلمي محمد القاعود
جدة ـ

في أمسية ثقافية حافلة على شاطئ مدينة جدة السعودية يوم الاثنين الماضي 27-2-2006م ،تم تكريم الكاتب والأستاذ الجامعي المعروف الدكتور حلمي محمد القاعود ، بمقر الندوة الأسبوعية المعروفة باسم الاثنينية ، التي أسسها ويشرف عليها الأديب الكبير عبد المقصود خوجة..
حضر الأمسية والتكريم عدد كبير من الأدباء والصحفيين وأساتذة الجامعة وممثلي السلك الدبلوماسي في مقدمتهم قنصل مصر في جدة ورجال البعثة الدبلوماسية المصرية ..
بدأ التكريم بكلمة من صاحب الاثنينية الذي قدم المكرم إلى الحاضرين بكلمة ضافية تحدث فيها عن دور القاعود المتميز في مجالات الأدب والفكر والثقافة الإسلامية ، وأشار إلى دوره النقدي الجريء الذي أثر في الحياة الأدبية وخاصة بالنسبة لجيل السبعينيات من الشعراء المصريين ، وكان أبرز تعبير عن ذلك ما جاء في كتابه المشهور " الورد والهالوك ".
وتحدث الدكتور القاعود على مدي ساعة ونصف ساعة تقريبا عن تجربته الأدبية والإنسانية من خلال بعض المحطات البارزة في حياته بدءا من القرية حتى الجامعة وأكد على تصوره الإسلامي للكون والحياة والثقافة والمستقبل ، وأشار إلى أن الأزمة الأخيرة بسبب الرسوم المسيئة قد أثبتت انتماء الأمة إلى الإسلام ، وأنها مازالت بعافية وقادرة على العمل والإنتاج والإبداع والمشاركة في الحضارة الإنسانية ..
وكان هناك عدد كبير من الأسئلة التي أجاب عليها الدكتور القاعود في شتي المجالات الأدبية والفكرية ، وخاصة ما يتعلق بالأدب الإسلامي ، والصحافة الإسلامية ، والأصالة والحداثة .
في نهاية المحاضرة قام صاحب الاثنينية بإهداء القاعود درع الاثنينية وهو عبارة عن إطار كبير يحمل رقعة من كسوة الكعبة الشريفة طرز عليه اسم المحتفى به وجهة التكريم ..
يذكر أن القاعود له أكثر من أربعين كتابا في فروع الثقافة المختلفة ، وكان أصغر من حصل على جائزة مجمع اللغة العربية 1967م ، كما حصل على جائزة يوم الأرض من المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية ( المجلس الأعلى للثقافة الآن) عام 1974م ، وكرمه أدباء مصر في مؤتمرهم العام بمحافظة البحيرة عام 1998م..
بعد التكريم قال الدكتور القاعود إن تكريمه هو تكريم لمصر كلها واعتراف بدورها الثقافي و الحضاري الذي يشع في كل مكان .
................................
* المصريون ـ في 6/3/2006م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:01 AM
الجنازة حارة .. و ... !

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

شاعت بين المثقفين في وسط البلد ذات يوم نكتة تقول إن المرتجع من مجلة " إبداع " يزيد مائتي نسخة عن المطبوع ، والنكتة في المبالغة الشديدة تشير إلى أن " إبداع " مجلة راكدة لا يهتم بها المثقفون ولا عامة الناس ، لأنها رديئة المنهج هابطة المستوى ، ولا تمثل الثقافة القومية بحال . فهي مغلقة على مجموعة من الناس ( شلة ) لهم مصالح مشتركة ومنافع متبادلة ولا يعنيهم أمر الأدب والفكر من قريب أو بعيد اللهم إلا بما يحقق هذه المنافع وتلك المصالح . صحيح أن العائد منها يتضاءل أمام عائدهم من اللجان والجوائز والإعلام والسفريات وصحف الخليج ومجلاتها ، ولكن القوم يؤمنون أن " الحسنة القليلة " تمنع " بلاوى كثيرة " ، ولا يجوز أن يتركوا مثل هذا المنبر الخائب يقع في يد أعدائهم من الظلاميين الرجعيين المتخلفين الذين لا يعرفون قيمة فن " البورنو " وتجلياته الجمالية ، ويتمسكون بأصولية " بائدة " تعيد المجتمع إلى البداوة والتخلف آلاف السنين ، وتنصب محاكم التفتيش في ضمائر المستنيرين التقدميين " المشخلعين " الذين يتقدمون بالوطن التعيس إلى الأمام ليكون أقوى بلد في المنطقة .. يصنع القنابل النووية وتخضع له العواصم والقواصم ..
أقامت الجماعة أو الشلة جنازة حارة على " إبداع " التي لا تعرف الإبداع ، وشبعوا لطماً وصراخاً ، وشقوا الجيوب وضربوا الصدور ، ودعوا بدعوى الجاهلية ، لأن القضاء أصدر حكما بإلغاء ترخيص المجلة التقدمية المستنيرة ، التي نشرت كلاماً عن تزغيط البط يسب الذات الإلهية ويسخر منها !
ارتفع الصياح والعويل بانضمام بعض السيدات الصالحات القانتات المستنيرات التقدميات ، يتباكين على انشغال السادة الظلاميين الإرهابيين الأصوليين الرجعيين بموضوع تافه وبسيط جداً ، مثل سب الذات الإلهية ، وتساءلن : هل يمكن لقصيدة تسبّ الله أن تغير إيمان الناس ؟ وأجيب حالاً : كلا ، بل إنها تزيد إيمانهم وترسخ عقيدتهم وتوحد قلوبهم على قلب رجل واحد ليواجهوا الإلحاد والبلطجة والاستهانة بمشاعر الناس . ماذا لو أن أحداً قال لواحدة منهن : إنك كذا .. على مرأى ومسمع من الناس ، أو نشره في مجلة محدودة التوزيع ( مرتجعها أكثر من مطبوعها حسب النكتة ) ؟ هل هذا ينقص منها شيئاً أو يغير رأى المجتمع فيها ؟
على كل حال ، هناك حالة من الندب والتعديد في الأوساط التقدمية ، لأن شيوخ الحسبة – كما يسمونهم – بزعامة الشيخ يوسف البدري يعطلون الفكر والثقافة والأدب والإبداع والتعبير ويصادرون حرية الفن والفنانين ويلاحقون المثقفين المستنيرين الغلابة بقضايا التعويض من غير داع أو سبب لدرجة أنهم باعوا غرف الصالون والسفرة والمسافرين والنوم كمان ، وباتوا على الأرض ، ويعيشون الآن على النوتة ، والسحب الشكك من دكان عم جودة البقال ! يا حرام !
ومع أنك لا تستطيع أن تعزى في هذه الجنازة الحارة ولا تتمكن من قول كلمتين لجبر الخواطر ، وتبريد القلوب ، في أية جريدة أو مجلة أو برنامج من برامج الكلام الهوائي في التلفزة والإذاعة أو في الندوات والمؤتمرات أو حتى مقاهي سوط البلد ، فإن الجنازة ما زالت قائمة تتحدث عن الظلاميين الأغبياء الذين تخصصوا في قتل فرج فودة واغتيال نجيب محفوظ وضرب مكرم محمد أحمد وتهديد عبده كفتة ، ومطاردة زكى جمعة ....
الظلاميون أو العسس الجدد كما سمتهم إحداهن لا يزرعون شجرة ولا يرعون يتيماً ولا يخففون عن مريض ولا يهتمون بالقضايا الكبرى التي تشغل الناس ، مثل الحجاب والنقاب واللحى والإسدال والخمار والختان وتعدد الزوجات وتحديد النسل ومنع الطلاق والشقة من حق الزوجة والمعاش كمان ، والمساواة في الميراث والاعتراف بأبناء الزنا ونسبتهم إلى أمهاتهم الفاضلات ، وشيوخ الفضائيات وفتاوى المفكر المستنير عن التدخين في رمضان ومشاهدة الأفلام الإباحية بعد السحور ، وجواز القبل بين الشباب وعدم وجود ثوابت في الشريعة والعقيدة ، وكل شيء فيهما قابل للتطوير والتغيير والمرأة رئيسة جمهورية وسائقة دبابة وقائدة فرقة عسكرية و ... و ... من القضايا الكبرى التي تشغل بال المستنيرين التقدميين الذين يلاحقهم العسس الظلاميون بالقضايا والتهديدات والاغتيالات .. يا حرام !
ولا شك أن رجلاً مثل الشيخ يوسف البدري لا يحق له أن يشكو أو يتذمر ، حين يشتمه الأشاوس المستنيرون ، والنشامى التقدميون ، فمثل هذا الرجل من " المشايخ " أصولي ظلامي لا يحق له أن يشارك في الحياة العامة أو يدلى برأي ويستحق الشتم والسب آناء الليل وأطراف النهار ، فالسب والشتم من قبل المستنيرين التقدميين يعدّ شرفاً كبيراً لا يجوز أن يجحده الشيخ أو غيره ، وعلى أمثاله أن يقبلوا به ويحمدوا الله الذي يغضبون من أجله ، أن هناك من يشتمهم من أهل الاستنارة والتقدم ، فإذا بدا له أن يذهب إلى القضاء فالتشهير به من ألزم الضرورات في المجلات والصحف وأجهزة الإعلام التي يملكها الشعب ويهيمنون عليها وحدهم دون سواهم ، وهو بالطبع لا يقدر أن يحمل نبوتاً ويشق به رأس شاتميه ولاعنيه ، فقد بلغ من العمر مبلغ الشيخوخة والشعر الأبيض غير القابل للصبغة !
أهل الاستنارة والتقدم يعتقدون أن البلد بلدهم ، مثل الأنبا إياه الذي قال نحن أصحاب البلد ، ولم يحاسبه أحد ولأن الأمر كذلك ، فهم مؤمنون أن " الميديا " لهم ، والميزانيات كلها لهم والإعلام والثقافة والمجالس العليا والسفلى والأحزاب والهيئات الثقافية العامة والخاصة كلها لهم ..
لا يجرؤ أحد أن ينشر مقالاً أو كتابا أو حتى خبراً عن كتاب في صحيفة أو مجلة أو دار نشر حكومية تسيطر عليها السلطة أو يملكها رجال القروض ، لأنها محظورة على غير التقدميين والمستنيرين ،باستثناء من تحوّلوا إلى الماسونية والليبرالية النازية والذين تأمركوا فهم يعدّون شركاء لهم . أما أغلبية الشعب البائس فلا يحق له ولا لمن يمثلونه من الظلاميين الأصوليين المتخلفين أن يشاركوا في هذه الميديا ولو بسطر واحد ، أو كلمة واحدة ، لأنهم محظورون ممنوعون مرفوضون، حتى لو كانت هذه الميديا بأموالهم وضرائبهم وعرقهم وجهدهم.
هكذا يكون التسامح المستنير.. وحين تقوم السلطة بمصادرة الصحف والمجلات ودور النشر والمكتبات التي يملكها هؤلاء الظلاميون الرجعيون بعرقهم وجهدهم ، فلا يجوز أن يشيروا إلى ذلك أو يستنكروا أو يتحدثوا عن حرية الرأي والفكر والتسامح واحترام الآخر وذكر الآخر ..
في ذات يوم من عام 1965م كتب لويس عوض ، عراب الشيوعيين وأبوهم الروحي ؛ صفحتين كاملتين في الأهرام الغراء ضد مجلات وزارة الثقافة والإرشاد القومي آنئذ ، ورفع سلاح التوزيع – وكان يومها أضعاف أضعاف توزيع المحروسة إبداع ، وأصدر الوزير المختص في استجابة سريعة للعراب وحوارييه الشيوعيين الذين كانوا يسمون يومها بالاشتراكيين خمس مجلات ثقافية مرة واحدة بجرة قلم ( الرسالة – الثقافة – القصة – الشعر - الفكر المعاصر ) ويومها لم تحدث جنازة حارة ولا باردة و، لم يلطم أحد الخدود أو يشق الجيوب ويضرب الصدور أو يدعو بدعوى الجاهلية ! .. بل مضى الأمر عاديا حتى جاءت النكسة أوالهزيمة !
الأمر الآن في ذمة الأقلية المستنيرة التقدمية التي تكتب وتنشر وتسب الله والإسلام وتزيف التاريخ وتفتى بغير علم وتطالب بإلغاء الشريعة والعقيدة ، وتنقية مناهج التعليم وبرامج الإعلام من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وحذف التربية الدينية الإسلامية والإبقاء على الماسونية والبهائية ، وإلغاء المادة الثانية من الدستور وتحريم البرلمان والشورى والوظائف العليا والمناصب السيادية والجامعة والقضاء والكليات العسكرية والشرطة على الظلاميين والأصوليين وأبنائهم وفروعهم حتى الحفيد التاسع عشر ..
لا أدرى هل أضحك أم أبكى ؟ أقول لنفسي أحياناً : لماذا عشت في هذا الزمان الذي رأيت فيه هزيمة بلادي الداخلية ، ورأيت المعايير تنقلب رأساً على عقب بسبب " شلة " من أصحاب المصالح والمنافع والسهرات الزرقاء ؟ أيها الماسون هنالك شيء غلط في عالمكم البشع ، ومعذرة للشيوعي بريخت .
................................
* المصريون ـ في 14/4/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:02 AM
الفصل الأول من رواية « الحب يأتي مصادفة» لحلمي محمد القاعود
طبعة أولى، روايات الهلال، 1977م.
.................................................. .
ـ1ـ
تعودت أن أزور القاهرة كل عدة شهور، أطمئن فيها على شقيقي الذي يدرس الهندسة هناك، وأرى بعض أصدقائي من الكتاب وغيرهم ثم أرجع إلى قريتي أحكي لأمي ما رأيته، وأطمئنها على ابنها، فتسر لذلك وتسعد..
ولا أنسى طوال عمري ما شاهدته في الشتاء الماضي عندما زرت القاهرة وقابلت الأستاذ "عامر المنوفي" في جمعية الأدباء بشارع قصر العيني.. لم أكن أكرهه، وإن كان حبه لم يتسلل إلى قلبي! لقيته في جمع من الأدباء تحلقوا حول مائدة انضممت إليها، وأخذنا نحتسي الشاي والقهوة، ونتكلم.. ورغم أن الكلام هنا مباح إلا في الدين والسياسة، فقد التزمت الصمت تماما. لم أتفوه بكلمة.
ظللت أستمع إليهم، والأستاذ عامر المنوفي يرفع صوته الرفيع وتتوهج عيناه احمراراً، وتبين أسنانه الصفراء داخل كهف مظلم، وتتحرك يداه مشيرة إليهم بأوامر قاطعة تفرض عليهم أن يقبلوا رأيه الذي يعتقده صحيحا، كأنه يؤيده بأدلة عضلية.. ومع شعوري بالتقزز الذي تخلف عن صورة المناقشة خاصة آراء الأستاذ عامر المنوفي، إلا أنني وجدت أن لا مفر من الإجابة الباسمة عن أسئلتهم.
كانوا يعرفون أن كتاباتي قليلة، ويعرفون أني أكتب النقد الأدبي والدراسة الفنية، وقليل منهم يعلم أني أمارس كتابة القصة والمسرحية، وقرض الشعر في بعض الأحيان، كلهم قرءوا لي ما نشرته في العواصم العربية إلا الأستاذ عامر المنوفي، فلم يقرأ لي إلا قليلا، وأفصح في أكثر من مناسبة أنه يحترم ما أكتب، وقد تعارفنا ذات ليلة عن طريق صديق حميم تربطه معه آصرة عمل ورابطة زمالة.. والأستاذ عامر من النوع الذي يكيل المديح بالقنطار والشتائم بغير حساب، وعرفت ذلك من خلال ما سمعته عن علاقاته بالأدباء وزملائه الكتاب، ولم ادر لماذا استسلمت له في تلك الليلة حتى جرني إلى حوار ساخن ما زال يلسع جوانحي بسياط من لهب، فقد تأكدت من صفات الرجل جيدا، سألني:
ـ متى تنتهي من الخدمة العسكرية؟
فأجبته بغير مبالاة:
ـ لكل شيء أوان..
ـ وهل تنوون دخول الحرب؟
ـ ..........
لم أجب، واكتفيت بابتسامة خفيفة تعبر عن رغبتي في الصمت:
ـ لم أعرف أنك تتحمس للقتال مهما كانت النتائج؟
ـ صحيح.
ـ ولكن القتال بدون مساندة دولة كبرى يصبح هزيمة مؤكدة!
ـ ليس دائما!
ـ لا.. بل دائما!
كان صوته قد ارتفع أكثر مما ينبغي، واحمر وجهه كعرف الديك، وأحسست بالامتعاض إزاءه، كنت أخشى مناقشته، ليس لأنه أقوى حجة ومنطقا، ولكن لأنه لا يقتنع إلا برأيه، ولعلمي أنه مريض بالضغط وأخاف أن أفحمه فيحدث له مالا تحمد عقباه. عندئذ حاولت أن أتلطف معه وأحاوره خطوة خطوة، مهيئا نفسي لتقبل انفعالاته ونتائجها.
سألته بهدوء خافت:
ـ أي دولة كبرى تستطيع الاعتماد عليها؟
هتف من فوره:
ـ الروس! الروس!
ـ ولماذا الروس بالذات؟
ـ إنهم الدولة الكبرى الوحيدة التي تستطيع أن تساندنا.
ورغم أن الأستاذ عامر ليس ماركسيا، فإن أهل اليمين لا يحترمونه، وأهل الوسط يضعونه مع المشاغبين، أما اليساريون فيضعونه في أقصى اليمين الرجعي.. هكذا يتصورونه، ولكنه يتصور نفسه غير ذلك تماما. فهو يتصور نفسه تقدميا ناضجا، واشتراكيا عريقا، ووطنيا مخلصا، ومدافعا عظيما عن التراث. ليس هذا فحسب، بل إنه يخفي في نفسه شيئا يستحيي أن يجهر به، ولو أنه وجد من يصغي إليه ـ أديبا ناشئا مثلا ـ لباح له بسره، وأعلنه، وحينئذ تعلو البهجة وجهه وجبينه، ولكنه لا يستطيع لأن الكل مقتنعون بضحالة الجهبذ الكبير ـ كما كانوا يسمونه ـ تهكما وزراية.
ولست أدري ما الذي جعلني في تلك الليلة أصر على تفهيم الأستاذ عامر المنوفي أن رأيه خطأ، وأن آراء الناس تختلف عن رأيه، وكان أن قلت له:
ـ ولماذا لا نعتمد على أنفسنا يا أستاذ؟
أعجبته كلمة "أستاذ". نفخت غروره. أضافت إلى نبرة صوته نبرة المعلم الذي جمع معلومات الدنيا في رأسه المستطيل.
ـ لا.. لا.. إننا ضعفاء.. ولا يمكننا أن ندخل المعركة بإمكانياتنا الحالية، صحيح أننا متفوقون عدديا.. ولكننا لا نستطيع أن نفعل شيئا. شف يا حامد يا ابني.. هذا أمر مفروغ منه، وعلى جيلكم أن يفهم ذلك جيدا، عليكم أن توطنوا أنفسكم على الاعتراف بالواقع.. أسمعت عن الأمر الواقع؟.. لابد أن تفهموا أن الواقع يفرض عليكم أن تستعينوا بدولة كبرى، كما اليهود.. أتفهم يا حامد؟..
علا صوته، وانتفخت الأوداج، وأخذت عيناه تسح ماء ساخنا ممزوجة بمشاعر التيه والصلف والأستاذية وحب الذات.. كل هذه المشاعر تجمعت في رأسه المستطيل، فتدور به كما المروحة، فلا يقر على قرار..
كنت أريد أن أحكي له عن جيلي، وعن وطني، وعن الأسى، وعن المستقبل، ولكني أحسست رغما عني بالحزن يتسلل إلى داخلي، وشعرت كأن قطرات الدم تتساقط من قلبي بكاء صموتا لا يكف عن المطر!..
حاولت أن أخفي مشاعري، ولكن الليل أضواني، فسكبت على شفتي قطرة من الشجاعة المصطنعة في لحظة قهر. قلت له:
ـ سيدي.. مع احترامي لك، فإن الأمر الواقع لا يبقى أبدا، القوة تغيره، الدنيا تتغير، والفرق بين جيلنا وجيلكم كبير.. دهش، وتساءل في استنكار:
ـ ما هو الفرق.. قل لي .. اشرح..
ـ جيلكم ارتكب خطيئة وجيلنا يكفر عنها..
ومددت له يدي قائلاً، وسط الدهشة المتزايدة، والاستنكار الذي تحول إلى غضب: أستأذنك، أشعر برعشة برد..
ونهضت واقفاً، ولم أستطع تفسير تلك اللحظة التي بدا فيها رغم الغضب مجاملا، فقد نهض أيضا ليحييني ويودعني.. بل راح يطيب خاطري، ويتمتى لى حظا سعيدا، والانتهاء عاجلا من خدمة الميدان!
حاولت أن أرسم ابتسامة أو ظل ابتسامة.. شكرته على مشاعره، سلمت على بقية الجماعة التي لم تشاطره أفكاره. تركتهم على أمل اللقاء، ابتلعني شارع القصر العيني. تهت فيه.. صرت نقطة في بحره اللجي ولفحني هواء بارد. حاولت أن أبصر السماء من خلال الأضواء الباهرة، فلم أجد في وجهها ما ينبئ عن خير، وكانت مشبعة بالسحب، مضيت في الشارع الكبير، وصعدت كوبري "التحرير" المعلق، وركبت إلى البيت.. وهناك وضعت رأسي على الوسادة وتحت جنح الظلام أخذت أستعيد ما قاله الأستاذ عامر المنوفي ـ الجهبذ الكبير ـ كلمة كلمة.. ومع كل كلمة أسمع قطرات الدم تتساقط في داخلي كانهمار المطر.. بيد أنني بعد حين رحت في نوم عميق!

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:03 AM
روّاد البذاءة والخطوط الحمر!

بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود

يجب على السلطة في مصر أن تعترف بفشلها الذر يع في إدارة الأزمة الناتجة عن مجزرة غزة . كان الفشل سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً وإدارياً . وكان الغضب الشعبي الإسلامي ضد الحكومة المصرية – وليس ضد مصر – دليلاً صارخاً على الإخفاق العظيم (!) الذي لحق السلطة ، يُضاف إليه الغضب الشعبي المصري الذي عبّر عن نفسه بالمظاهرات والندوات ، فضلاً عن مقالات الصحف التي تعمل خارج سيطرة لاظوغلي !
لقد تطابقت المواقف السياسية المصرية مع الموقفين الأمريكي والصهيوني ، حيث تم إلقاء المسئولية على حماس ، وهو غير صحيح ، لأن القتلة النازيين اليهود هم الذين انتهكوا التهدئة باعتراف كثيرين ، وقد واجههم " أردوغان " وحمّلهم المسئولية أمام العالم كله . وكان السلوك الدبلوماسي الذي قاده السيد أبو الغيط ومعه سارق الكرسي ، مدعاة للبؤس والخيبة ، حيث جاء الكلام عندما يحسن السكوت ، والعكس صحيح ، وبدا التحامل الذي تدعمه السذاجة السياسية واضحاً في معظم تصريحات الرجل الأول في الدبلوماسية المصرية مما أساء إلى الحكومة ، وجعل قطاعات عريضة في مصر وخارجها تؤمن أن مصر تواطأت مع الغزاة على تصفية حماس ، حتى لو اقتضى الأمر تصفية قطاع غزة بأكمله ، وجاء السلوك اليهودي النازي مؤيداً لذلك ، حين رفض المبادرة المصرية وأوقف النار من جانبه حين أراد ؛ دون أن يعبأ بالإرادة المصرية المعلنة ، وتأكيده على أن مصر راضية بما يجرى ، ثم كانت مقولة ساركوزى – التي لم ينفها أحد حتى اليوم – عن رغبة الحكومة المصرية في عدم انتصار حماس مؤكدا آخر على التواطؤ والخذلان !
وقد أوكل الإعلام المصري أمره إلى النائحات المستأجرات والردّاحات الفاجرات ، فخسر تعاطف الرأي العام العربي والإسلامي ، وأظهره بمظهر الموالى للعدوّ النازي اليهودي ، والمساند لأفكاره وسلوكه ، ووصل الأمر إلى الردح الذي لا يليق بمصر الكبيرة ومكانتها ، وأحدثه ما نشرته مجلة أسبوعية حكومية كاسدة ( 7/2/2009م ) وصفت رجالاً محترمين لهم مكانتهم في السياسة والجامعة والدبلوماسية والصحافة بأوصاف لا تصدر إلا من بيئة تحكمها البذاءة وسوء الأدب ، ولنا أن نتخيل وصف هؤلاء الرجال مع علو قامتهم في عناوين صارخة : باللاجئ والمتهم والسمسار والهجّام ، مع شرشحة بذيئة في المتن ، وتشريح شخصي لا يمثل لغة نقاش أو حوار موضوعي بصورة من الصور !
وفى الوقت الذي كان فيه الإعلام المرئي المحترف خارج مصر يتابع الحدث ، وينقل ما يجرى داخل قطاع غزة وخارجه ، ويستضيف الخبراء والمعنيين لإضاءة الواقع المأساوي وتفسير جزئياته ، كان إعلام " البذاءة " يسبّ ويشتم ويلعن حماس ومشعل وحسن نصر الله وإيران ، وكأن هؤلاء هم الذين يحتلون فلسطين ويذبحون أبناءها بوحشية، ويخترقون الخطوط الحمر في الأمن المصري ، بانتهاك السيادة المصرية براً وبحراً وجواً.
لم يوجه الإعلام المصري كلمة واحدة ضد الغزاة اليهود القتلة ، وطائراتهم تنتهك المجال الجوى المصري لتضرب ما يسمى بالأنفاق ، وتحطم الجدار الفاصل بين مصر والقطاع ، وتقتل بعض المواطنين المصريّين وتجرحهم .. لم ينتفض رواد البذاءة ويقولوا سنكسر رجل من ينتهك مجالنا الجوى والأرضي ، ولم يغضبوا للاتفاق الذي تجاهل مصر واحتقرها ، ووقعته ليفنى ورايس في واشنطن لمراقبة الحدود المصرية ومنع التهريب ، مع أنهم يعلمون أن مصر – كما يفترض - دولة ذات سيادة !
أبو الغيط ، ومن بعده عائشة ، أعلن أنه سيكسر رجل حماس ، إذا دخل الفلسطينيون إلى سيناء ، ولكنه لم يقل أبداً إنه سيكسر رجل الغزاة اليهود إذا اقتحموا سيناء وقصفوها وهدموا بيوتا مصرية في رفح المصرية وقتلوا بعض أبنائها وجنودها ! أو إذا دخلوا المياه الإقليمية المصرية بالقرب من العريش وانتهكوا السيادة البحرية المصرية ، وأسروا سفن الإغاثة وسفن الصيد الفلسطينية ، وكما فعلوا مؤخرا يومي ( 5،6/2/2009م) مع سفينة الأخوة اللبنانية ، حيث اقتحموها في قلب المياه المصرية ، وضربوا ركابها المتضامنين مع الشعب الفلسطيني ، وأجبروهم على التوجه إلى أسدود ، وأخضعوهم للتحقيق ،ثم أطلقوا سراحهم على معبر الناقورة في جنوب لبنان !
لقد بكت مذيعة يهودية في القناة العاشرة الصهيونية بسبب المذابح التي يقوم بها القتلة النازيون اليهود في غزة . وذرفت " يوفيت ليفي " دموعها عقب نشرة الثامنة مساء 6/1/2009م مما عرضها لاتهام بالتعاطف مع الأعداء ، أي الفلسطينيين ، وبسبب دموعها تعاطفت معها مذيعات أخريات ، ودعون إلى التفاوض مع حماس ! ولكن النائحات المستأجرات والرداحات الفاجرات عندنا قلوبهم من حجر !
كان الفشل الإعلامي المصري مطبقاً حين رددت وكالات الأنباء أن العقيد " محمد يوسف شاكر دحلان " يتأهب بقواته في العريش لينقض على غزة بعد تصفية حماس ليحكمها بالأمن الوقائي ، وينسق مع العدوّ من جديد . ولم ينف أحد في الإعلام أو خارجه هذا الخبر ، بل انشغل الإعلام مع السلطة في التشهير بحماس أو ذراع إيران على حدود مصر ،كما سمتها النائحات المستأجرات والردّاحات الفاجرات ، وجعل من التبرعات التي كان يحملها عضو وفد حماس ، وهو عائد إلى غزة ، خطراً ماحقاً يهدد مصر وشعبها ، واتهم إيران بتمويل حماس من خلال العضو المذكور ، ونسي أن إيران وحماس يعلنان على الملأ أن الأولي تدعم الثانية بالمال بعد أن أمر الغزاة اليهود رئيس السلطة في رام الله أن يقطع عن غزة مرتبات الموظفين وعوائد الجمارك ، ومستحقاتها من المعونات الدولية .. أي إن غزة تتعرض للموت ، وإيران ( الشيطان في مفهوم العدو وأسياده وخدامه) هي التي تنقذها .. وبدلاً من التعاطف مع الشعب المنكوب الجائع المدمر المحاصر ، يتفاخر النظام بضبط العضو الذي لم يخف شيئاً ، وتفتيش الوفد المرافق تفتيشاً شمل كل شيء ، وهو ما لا يحدث مع الوفود النازية اليهودية ولا يمكن أن يحدث .. هل لو كان دحلان هو الذي يحمل هذا المبلغ كانت السلطة المصرية أو إعلامها سيشهر به مثلما شهر بعضو حماس ؟ بالطبع لا .. ولكن الإعلام الفاشل يصرّ على كسب مزيد من الكراهية للنظام بتصرّفاته الحمقاء .
أعلم أن البعض في إعلام البذاءة يستميت في بذاءاته اعتقاداً منه أنه سيحقق مكاسب وظيفية أو مادية كبيرة ؛ خاصة في موسم التغييرات الصحفية والوزارية والإدارية .. ولكن أما كان هناك رجل رشيد يدرك المصلحة العليا ، وضرورة الحفاظ على صورة مصر التاريخية في أذهان الشعوب العربية والإسلامية ؟ لقد صوروا النظام في مصر بأنه شديد الكراهية للإسلام وليس الإخوان أو حماس وحدهما ؛ ولم يدركوا أن ذلك خطأ فادح لا يسوّغه قصور الكوادر العاملة في الإعلام ، أو حماقة بعضها ، أو غباء البعض الآخر !
ثم إن الفشل الإداري ، وخاصة على معبر رفح ، كان من أسوأ صور الفشل التي ألّبت الشعوب العربية على النظام المصري ، فالوفود القادمة من شتى بقاع الأرض للإغاثة والعلاج والمساعدات والتضامن وكشف الحقيقة للعالم ، وتوثيق جرائم العدو ؛ حين تُمنع وتحتجز على المعبر ، وتبقى أياماً في ظل ظروف صعبة ، ووكالات الأنباء تتحدث عن ذلك ، هو أسوأ الخسائر المعنوية وأبشع صورها ، تفقدها مصر بسبب عدم القدرة على استغلال الظروف الاستثنائية وتحويلها لمصلحة مصر . كان يمكن مثلاً السماح لهذه الوفود بالدخول ، والاستفادة بوجودها في تقديم صورة إنسانية للنظام والشعب معاً ، وتقديم العدو في صورته المتوحشة الحقيقية . أليس غريباً أن تقوم " الجزيرة " التي تهجوها النائحات المستأجرات والردّاحات الفاجرات ، بتقديم وفد أساتذة الجامعات المصرية الذي تم منعه ، في صورة من أجمل الصور التي تعبر عن تضامن شعب مصر وتعاونه مع الشعب الفلسطيني، لدرجة أن يعلن أستاذ في علم اللغة أنه جاء مع وفد الأساتذة ليكون جندياً بسيطاً ينفذ ما يأمره به الوفد لخدمة أهل غزة؟ قارن هذه الصورة بتفتيش عضو حماس وإهانته على المعبر؟
كان من الممكن للنظام – حتى لو كره الإسلام وحماس معاً – أن يوظف المجزرة لتحسين صورته ، والظهور بمظهر إنساني راق ، يؤكد للعالم العربي والإسلامي أن مصر لما تزل عقل الإسلام ، وقائدة العالم الإسلامي ، وليس إيران أو قطر أو تركيا ، وكان يمكنه أن يكسب مودة أهل غزة دون أن يخسر سلطة رام الله ودحلان ؛ لو أنه ترك المصريين يذهبون بتبرعاتهم إلى الشعب البائس ، وفى الوقت نفسه يتحرّر من تسلط الغزاة القتلة ، ولكنه للأسف آثر أن يترك الأمر لروّاد البذاءة ، معتقداً أن الشتائم والسب والردح لأطراف هامشية سيغطى على الفشل السياسي والدبلوماسي والإعلامي والإداري الذي أصاب الأجهزة جميعاً ، وألحق بها هزيمة منكرة .
مجدي أحمد حسين :
دائما تقدم التضحيات الجسام ، دون أن تنتظر جزاء ولا شكورا .. واليوم يصطادونك وحيدا أعزل ، في ظل صمت نقيب الصحفيين ومجلس النقابة ومنظمات حقوق الإنسان ، كان الله في عونك ، وقلبي معك !
........................
*المصريون ـ في 10/2/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:05 AM
يد الإمام الجريحة!

بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود

هذا العنوان مستوحى من عنوان مقال للكاتبة الصهيونية الشهيرة " سيمدار بيراى " ، مراسلة " يديعوت أحرونوت " للشئون العربية ، وهى ذات صلة وثيقة بمصادر صنع القرار والمثقفين الموالين للغرب فى بلادنا ، وقد حللت في مقالها ردود الأفعال العربية على مصافحة الإمام الأكبر للسفاح النازي اليهودي شيمون بريز ، رئيس الكيان الغاصب في فلسطين المحتلة في أثناء مؤتمر الأمم المتحدة لما يُسمى حوار الأديان !
تفسر المراسلة الصهيونية ما سمته بالهجوم الكاسح على شيخ الأزهر بسبب المصافحة ، بأنه يرمى إلى ردع كل من يحاول إظهار ولو ذرة من التطبيع مع العدوّ الصهيوني ! وتربط ذلك بالإعلانات التي تروج لما يُسمى المبادرة العربية للسلام في وسائل الإعلام الصهيونية ، وتتساءل عما يحصل بعد مصافحة واحدة بريئة !
كانت الصحفية الصهيونية قد لفتت الأنظار إلى ما جرى لنجيب محفوظ بسبب تأييده الظاهر للسلام ، والممثل السينمائي عمرو واكد الذي استدعى لنقابة الممثلين ثم استجوابه بسبب ظهور مشترك مع ممثلين صهاينة ! وتعلن المذكورة عن خيبة أملها لأن أحداً في مكتب الرئيس ووزارة الخارجية ، ووزارة الأديان (!) لم يخرج لوقف الهجوم اللاذع الذي يجبر " المجرم " – حسب تعبيرها – على الامتناع عن الظهور في أماكن مكتظة خشية أن يحاول المتشددون الانفعاليون المسّ به .
ظهر مقال المراسلة الصهيونية في 9/12/2008م ، وفى الوقت ذاته تقريبا ، كانت الصحف عندنا تنشر توابع أحاديث الإمام الأكبر للصحف والتلفزة حول المصافحة ، ووصفه لمن انتقدوها بأنهم " مجانين " ، وأن انتقاداتهم " أحقر وأتفه من أن يرد عليها " ، وتكلم عن حصار غزة من جانب العدوّ الصهيوني المحتل بقوله : " حصار إيه وقرف إيه ؟ واحنا مالنا " وأضاف : " لا أعلم أن هناك حصاراً على غزة " ووصف سؤالاً من المذيع وجهه إليه بأنه " سخيف " .. ثم قال فى سياق إجابة حول منع حجاج غزة " هى إسرائيل اللى مانعة الحجاج ؟ وافرض إنها عاملة الحصار واحنا مالنا . الكلام ده سخيف ، انتوا يجب أن تردوا انت بتسألنى . واحد بيسلم على واحد دى فيها إيه ؟ قول لى ، واحد يهودى ، واحد مسيحى ، واحد ملحد فى حفل عام وماشى سلم علىّ " وعندما قيل له إن صحيفة معاريف الصهيونية ذكرت أن فضيلتك هو الذي ذهب وسلم عليه ، ولم يأت هو ليسلم على حضرتك . ردّ فضيلته : " هما كدّابين ولاد ستين كلب ، إيه اللى رحت أنا أسلم عليه ؟ إزاى أنا هروح أسلم عليه " ( المصري اليوم 7/12/2008م ) .
كنت قد أخذت على نفسي عهداً ألا أكتب عن كلام شيخ الأزهر وسلوكياته مهما فعل ، ولكن موضوع المصافحة وما اقترن به ، كان صدمة من نوع غريب ، لأنها لا تتعلق بالشيخ نفسه ، ولكنها تتعلق بنمط من التفكير والممارسة التي يخوضها العرب والمسلمون ، إزاء حالة مفصلية فى تاريخ الأمة ، لا تقبل العبث أو تضييع الوقت ، أو إهدار الجهد ، أو الوقوف على أبواب طغاة العالم انتظارا لعطفهم وحنانهم . وفى الوقت ذاته ، فإن السلطة فى بلادنا ، مهما كانت الأمور يائسة ومذلة ، يجب أن تبقى على منصب شيخ الأزهر ، رمزاً لكيان وعنوانا لكرامة وشارة لثقافة ..
صحيح أن الوضع العربي الإسلامي لا يسرّ ، وأن التشرذم والضعف والأنانية فاقت كل التوقعات وأن العدوّ النازي اليهودي ، مدعوماً بالوحشية الاستعمارية الصليبية حقق أكثر مما كان يتمناه ويتوقعه ، ولكن من قال إن الإجرام النازي اليهودي لا يمكن ردعه وإشعاره بالوجع والألم ؟ إن المقاومة الفلسطينية الباسلة فعلت ذلك ، ولولا التراخي والاستسلام والانهزام لحقق الفلسطينيون كثيراً من المكاسب . لقد دأب اليهود على إذلال ضحاياهم كلما رأوا إرادتهم تنحل ، وعزيمتهم تتقوض ، وإصرارهم يتبدد ، ولكنهم يتراجعون حين يجدون نمطاً آخر من التصميم والعزة والكرامة ، وهذه طبيعة التعامل بين الوحشية والإنسانية .
أما شيخ الأزهر فكان على المعنيين بالأمر أن يربأوا به عن هذا الموقف حتى لا تخسر مصر صورتها فى أذهان العالم الإسلامي ، ودورها القائد فى المجال العلمي والشرعي . وإذا كان البعض لا يعنيه التفريط فى المصالح الاقتصادية والمادية ، فإن المصالح المعنوية والروحية لمصر لا تعوّض ولا تقدر بثمن . لأنها تكونت بالتراكم على مدى ألف عام أو يزيد . لقد كانت المفارقة أن علماء السعودية لم يصافحوا السفاح ، ولم تظهر لهم صور وهم يضعون أيديهم فوق يديه الدمويتين .. فلماذا نكون أقل حصافة منهم ؟ ثم هل فكر من يعنيهم الأمر أن اليهود النازيين الغزاة ، يقدرون كل شيء بثمن ومبلغ وحساب ؟ أفلا خطر على بالهم أن ثمن هذه المصافحة كان يمكن أن يكون كبيراً لو فكروا بلغة اليهود النازيين الغزاة ؟
لا ألوم شيخ الأزهر ، على ما فعل ، فالرجل إمكاناته محدودة ، لا تسمح له بالتفكير أبعد مما يريده أهل السلطة وينفذه بحذافيره ، بدءًا من الفتاوى الحرام ، حتى التصريحات السياسية غير المسئولة . ولا أحد يستطيع أن يضعه فى مكانة المشايخ حسونة النواوي وسليم البشرى ، ومصطفى المراغى ، وعبد الحليم محمود ، فهؤلاء كانت ولاءاتهم للإسلام أكبر من ولاءاتهم للسلطة – أي سلطة ! – واستطاعوا أن يمارسوا شيئاً اسمه " الاستقالة " ، ويحفظوا للإسلام ، كرامته وللأزهر كيانه . كانت قلوبهم معلقة بخدمة الدين وليس خدمة السلطان .. ولهذا سطر التاريخ أعمالهم بحروف من نور ، وهى أعمال تشرف كل مصري وعربي مسلم .
إن ما فعله فضيلة الإمام لا يمكن الدفاع عنه لا من منظور إسلامي ولا قومي ولا وطني . وبالمنطق المادي البارد ، فإن حرمان السفاح من هذه المصافحة ، والمساومة بها فى سوق المفاوضات أو المناورات السياسية كان يمكن أن يحقق مكاسب سياسية للدولة أو للقضية الفلسطينية .. أما الذين يعتقدون من كتاب البلاط أن المصافحة نوع من إبداء حسن النيات وقبول السلام والتفاهم ، ويعتقدون أن الأمم المتحدة منبر مهم لبيان وجهة النظر الإسلامية فهم واهمون ، لأنهم ببساطة لا يعرفون الجغرافيا ولا يفقهون التاريخ ، ولو كانوا كذلك لأدركوا أن الغزاة النازيين اليهود لا علاقة لهم بالسلام من قريب أو بعيد ، حتى لو أقسموا على التوراة ، وتاريخهم القريب والبعيد يؤكد ما أقول ، ثم إنهم لا يؤمنون إلا بالقوة ولا يعترفون إلا بها ، وأنهم ما خضعوا فى يوم ما لقانون أو رأى عام أو شعور إنساني .. إنهم يُملون شروطهم وحسب ، وحين يتفاوضون فإنهم يقصدون الترتيب مع من يفاوضهم لتنفيذ شروطهم بالصورة المثلى ، أو تيئيس الطرف الآخر حتى يستسلم تماماً ويرضخ لما يسمى الأمر الواقع – إن دول الغرب الاستعماري تقاطع إيران وكوريا وزيمبابوي وكوبا وفنزويلا وغيرها حتى ترضخ لشروطها ، وسبق أن قاطعوا الصين الشيوعية عقوداً طويلة ، وحين رأوها قادرة على الاستغناء وإثبات الوجود ، ووجدوا أن الانفتاح عليها يحقق لهم مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية رفعوا المقاطعة . والغزاة النازيون اليهود يفرضون حصارهم المميت على غزة ليتخلصوا من المقاومة الباسلة ، ولم يسمعوا لنداء أصحاب الضمير فى العالم . فلماذا يريد كتاب البلاط أن يتطوع فضيلة الإمام بمصافحة السفاح النازي مجانا ؟
هامش :
صبى من صبيان الكنيسة فى الصحافة الخاصة ، شبه فضيلة المرشد العام بقوله : " مثل الفأر الذي سقط خطأ فى برميل ويسكي فخرج سكرانا (؟) يصرخ فيمن حوله : أنا جدع أنا هبهدل القطط " !!
وصبى آخر قدم تقريراً أمنياً على صفحة كاملة ضد الإخوان والجماعات الإسلامية يبلغ فيه عن إقامة مناطق حكم ذاتي داخل مصر ( وكأن الأمن ينتظر تقريره ! ) ، والأدهى أنه صور المرشد بلباس هتلر على صدره وذراعه الصليب المعقوف ! ما رأى ميثاق الشرف الصحفي ونقابة الصحفيين ؟ وهل يقدر صبيان الكنيسة على انتقاد الأنبا شنودة بنفس هذه الألفاظ البذيئة والتعبيرات النابية التي يستخدمونها ضد فضيلة المرشد ؟
........................
*المصريون ـ في 16/12/2008م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:06 AM
حكم القانون .. وشريعة الانتقام!

بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود

أُصاب بالأسى والألم عندما أتأمل السلوك النازي اليهودي لحماية الغزاة داخل الكيان الغاصب ، وخارجه وأقارنه بما يحدث مع المواطن المصري داخل مصر وخارجها .
العدوّ النازي اليهودي يشنّ الحروب ويسفك الدماء ويقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ ، ويدمّر المساجد والبيوت والمؤسسات ، دون أن يبالى بأية عواقب ، والراية التي يرفعها هي حماية الغزاة ، كما يردّ بقوة ساحقة على من يخدش سكون المغتصبين ، ولو بلعبة البمب التي يلهو بها الأطفال ، وفى سبيل إنقاذ جندي واحد من القتلة ، يشنّ حرباً ضارية بالطائرات والدبّابات ، ويُقايض بمئات الأسرى لافتدائه وتحريره من يد المقاومة !
الوضع على الجانب المصري معكوس ، ومحزن ومؤلم ، لأن المواطن المصري مهما بلغ من علم وارتقت مكانته لا قيمة له في الداخل أو الخارج ، ما لم يكن من رجال السلطة الفاسدة وأعوانها ..
وعندما يُفاجأ الشعب المصري مثلاً أن " مجدي أحمد حسين " قُدم إلى محكمة عسكرية سجنته سنتين وغرّمته بمبلغ كبير؛ لأنه عبر الحدود إلى غزة من الفتحات التي أحدثها العدوّ باستباحته للسيادة المصرية ، في الوقت الذي يتم فيه تهريب صاحب العبّارة الغارقة بأكثر من ألف وثلاثمائة إنسان ، ويُحاكم غيابياً أمام محكمة جنح سفاجا بتهمة بسيطة يُبرّأ بعدها ، ويتم تهريب من استوردوا المبيدات المسرطنة القاتلة ، وتهريب لصوص المال العام الذين يطلق عليهم رجال القروض ، ويتم تبرئة الفاسدين في أكثر من مجال ، فإن الأسى والألم والغضب يخيم على النفوس والقلوب والضمائر الحية ، ليس في مصر وحدها بل في العالم كله ..
إن سرعة المحاكمة مع إصدار الحكم في أقل من أسبوع ضد رجل اسمه " مجدي أحمد حسين " ذهب للتضامن مع شعب غزة مثل آخرين كثيرين ؛ عبروا الفتحات والأسلاك وذهبوا وعادوا دون أن يستوقفهم أحد أو يلومهم أحد ، لأنهم ليسوا مجدي أحمد حسين صاحب الرأي والموقف والفكر ، هذه السرعة تثير في العقول والرؤوس آلاف العلامات المستفهمة ، والمستفسرة حول مصير هذا الوطن الذي ينتقى ويصطفى ويحاسب من يشاء ، ويترك ويتسامح ويتساهل مع من يشاء . !
هل هذا حكم القانون .. أم شريعة الانتقام ؟
ماذا يعنى التمييز العنصري بين المواطنين – أولاد الست وأولاد الجارية - في بلد يزعم أنه يعيش أزهى عصور الديمقراطية ولا يصادر رأيا ولا يكسر قلما ؟
إن آلاف الفاسدين والمجرمين الذين يحتكرون الصناعات والأقوات والبضائع ، وينهبون أموال الدولة وأراضيها ، ويعيثون في الأرض فساداً وإجراماً ، ولا يسائلهم أحد ، ولا يحاكمهم أحد، بل ويمارسون حياتهم المترفة التي تشبه ألف ليلة في قصورهم الفارهة ومرابعهم المثيرة ويستوردون أفخم الأطعمة الساخنة بالطائرات من بلاد الغرب ، ويخرجون ألسنتهم ، بل يرفعون أحذيتهم في وجه الملايين من الفقراء والمحرومين الذين يعيشون في قاع المدن والقرى ، لا يجدون الكفاف ، ولا يحصلون على الرغيف إلا بشق الأنفس ، وهؤلاء هم الذين تطبق عليهم الأحكام العسكرية والمدنية والاستبدادية . !
لقد صار معلوماً أن من يريد المشاركة في خدمة الوطن ، خارج النخب الفاسدة ، لابد أن يدفع ثمناً باهظاً يكلفه شبابه وأسرته ومستقبله ، فضلاً عن أحلامه وآماله بالنسبة لوطن جميل ورائع وقوى ومنتصر ..
لماذا يحاكم الإخوان المسلمون أمام المحاكم العسكرية ، وهم لم يسرقوا ولم ينهبوا ولم يغرقوا أبناء مصر الكادحين في عرض البحر، ولم يستوردوا أسمدة مسرطنة تفرى الأكباد والكلى والمسالك البولية ؟ ولم يبيعوا الدم الفاسد ، ولم ينصبوا على أغنياء زمن الفساد ، ولم يقترضوا الملايين والمليارات ويهربوا بها إلى لندن وباريس وسويسرا وأمريكا وكندا .. ولم يبيعوا امتحانات الثانوية ولم يتسببوا في حوادث القطارات والسيارات والمزلقانات والطرقات ، ولم يبيعوا مصانع البلد خردة ، ولم يُسقّعوا الأراضي المنهوبة ، ولم يتاجروا في المخدرات والأعضاء البشرية .؟!
لماذا يُحاكم أيمن نور ، وتشهر به الصحف الحكومية وتنال من عرضه في إسفاف رخيص وابتذال مشين ، مع أن غيره هو الذي يستحق المحاكمة على الفساد والنهب والإجرام ؟
لماذا يتم الانتقام من عبد الوهاب المسيرى بإلقائه في الصحراء وعدم علاجه على نفقة الدولة ، وهو علم من أعلامها تفاخر به الأجيال والأمم ؟
لماذا ؟ .. لماذا ؟ إلى مالا نهاية من الأسئلة التي يمكن طرحها وتحتاج إلى جواب حقيقي ..
أفهم أن يكون النظام غير راغب في المشاركة الحقيقية ، ولا يريد معارضة ولا مناقشة ، ويقتنع برأيه ورجاله وحدهم ، فلماذا يدعى الديمقراطية ؟ لماذا يطلب من الناس أن يتخلوا عن سلبيتهم ، ويقوموا بواجباتهم تجاه الوطن ، رأيا وشورى وفكرا ؟ هل يريد اصطياد المخالفين ، أو فرز المجتمع ؟
لا أرى أنه يحتاج إلى ذلك فلديه جهاز يعلم دبة النمل وملفات بكل من يشتم منه القدرة على التفكير ، وطالما كان الخيار الوحيد ؛ هوا لاحتكام إلى العصا الغليظة تشهرها السلطة في وجه كل معارض وصاحب رأى ، فمن باب أولى الإعلان بوضوح وصراحة أنه ليس في حاجة إلى مشاركة أو رأى أحد غير رجاله وأعوانه . عندئذ يلزم الناس بيوتهم ، ويغلقون أفواههم ، ويكسرون أقلامهم ، ويمزقون صحفهم .
إن الحياة السياسية الطبيعية تقتضي التوافق بين فرقاء الوطن على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وعناصرهم .. والتوافق يعني توزيع الأدوار ليحصل الوطن على أكبر قدر من الفوائد داخليا وخارجيا ، ولكن لغة العصا كانت أقوى اللغات وأفصحها …! وكان المعارضون الذين يعملون خارج السيطرة الأمنية أول من تطبق عليهم شريعة الانتقام وليس حكم القانون.
في الكيان النازي اليهودي الغاصب على أرض فلسطين المحتلة ، يحاكمون الحكام ، ولا يتعرضون لشريعة الانتقام من جانب السلطة . السفاح النازي اليهودي "إيهود أولمرت" استدعى حتى الآن أربعة عشرة مرة للتحقيق أمام الشرطة قبل الانتخابات وبعدها ، ومع ذلك لم ينتقم – وهو رئيس السلطة – ممن حققوا معه أو يفصلهم أو يشهّر بهم ، ولكنه يُعامل قضائياً مثل أي غاصب في الكيان الاستعماري ؛ بل إنهم يسمحون للأسرى الفلسطينيين أن يستفيدوا بالقواعد القانونية من دفاع وإطلاع على الأوراق وتأجيل وطلب شهود وتدخل منظمات حقوق الإنسان ، وهو مالم يتوفر للمواطنين المصريين المدنيين الذين يحاكمون أمام المحاكم الاستثنائية والعسكرية .
إن شريعة الانتقام التي تعيش مصر تحت رحمتها لن تبنى وطنا قوياً متفوقاً منتصراً ، وهى كفيلة بتدمير البقية الباقية من تماسك الشعب وصلابته ، وتبشر بحزن عظيم ، نسأل الله العافية .
هامش:
صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك يشهّرون بصاحب محلات التوحيد والنور - الذي لا أعرفه – وفي المقابل يشيدون بقادة التمرد الطائفي الذين يستعدون لخلافة زعيم التمرد الحالي بعد رحيله . الذي أعرفه أن صاحب المحلات لم يقترض مليارات أو لم ينصب على اللصوص الكبار .. ولكنه وقع في الإثم الكبير حين أعلن عن إسلامه !!
........................
*المصريون ـ في 17/2/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:08 AM
القمع الثقافي المستنير؟

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

ليسمح لي القارئ أن أتوقف عند بعض الظواهر الثقافية التي تحكم حياتنا المعاصرة في مصر على يد مثقفي الحظيرة وأشياعهم من الباحثين عن الرزق – الحلال أو الحرام لا يهم – حيث غايتهم الأولى والأخيرة التشهير بالإسلام وتلويثه والتحريض عليه سعيا لإقصائه ، وإلغائه واستئصاله .
كنت أحاول الانصراف إلى كشف التمرد الطائفي الذي يسعي إلى ابتزاز الدولة الرخوة والحصول منها على امتيازات فوق الامتيازات التي حصل عليها اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا ، بالإضافة إلى الحصانة التي أتيحت له في ظل سلطة رخوة ، لا تتحرك بحزم إلا مع الإسلام وأتباعه ، تتعامل معهم بلا رحمة ولا شفقة ، وتدخلهم المعتقلات والسجون ، وتقدمهم إلى المحاكمات العسكرية وهم مدنيون قاضيهم الطبيعي هو القاضي المدني ، وتذهب في مكايدتها إلى حد إصدار أوامر اعتقال جديدة لمن تحكم المحاكم الاستثنائية بالإفراج عنهم . السلطة الرخوة مع التمرد الطائفي تستأ سد علي المسلمين لأن الإسلام لا ظهر له مثل الظهر الأميركي الذي يحمى التمرد الطائفي ويمنحه القوة ليتحكم خمسة بالمائة في بقية الشعب المسلم الأسير !
كان أحد رواد الحظيرة الثقافية يحكي قصة الهزيمة التي مني بها الفنان في اليونسكو ، فأرجعها إلى الإسلام الذي وصفه بكل بذيء من الوصف وقبيح ، ويكفي أن تقرأ ما يقوله الرائد الحظائري وهو يبكي هزيمة حبيبه الفنان الذي أخفق في تحقيق أدني تقدم للثقافة في مصر على مدى ربع قرن تقريبا أتيحت له فيها ميزانية عالية وإمكانات هائلة . يشير المذكور إلى ما حدث من قمع باسم الدين‏ ، قام به المتطرفون ولم تحرك الدولة‏(‏ التي تزعم أنها مدنية‏حسب قوله)‏ ساكنا‏ ، وقبل أن تحدث كارثة الحادي عشر من سبتمبر‏،‏ كان تنظيم القاعدة – كما يقول - لا يكف عن نشاطه التدميري الذي عولم الإرهاب الديني في النهاية‏ ،‏ وتحالف مع طالبان التي عادت بأفغانستان قرونا إلي الوراء‏ ،‏ وقبل ذلك أو في موازاة ذلك كان هناك قمع المفكرين الذين جرءوا علي الاجتهاد في الفكر الديني‏(؟)‏ وما حدث مع نصر أبو زيد نموذج لذلك‏ ،‏ فضلا عن محاولة اغتيال نجيب محفوظ وعشرات غيره علي امتداد العالم العربي‏ ، وقد نجحت بعض هذه المحاولات فأودت بحياة رموز عربية أذكر منها في مصر فرج فودة ورفعت المحجوب‏ ،‏ وقد نجم عن جرائم الإرهاب أعداد كبيرة من الضحايا الأبرياء‏ ، يشملون الأطفال‏، فضلا عن جرائم المذابح التي أقيمت للسياح الأجانب‏.‏
وإني أسأل : من هم المتطرفون أولا ؟ وكيف استطاعوا ممارسة هذا القمع ؟ والدولة البوليسية الفاشية تضرب بيد من حديد كل من يعلن ولاءه للإسلام بمفهوم رب العالمين وليس بمفهوم ماما أميركا ،وأولاد العم الصهاينة ؟
ثم كيف يسوغ مثقف الحظيرة المحترم للمؤسسة الاستعمارية الصليبية بقيادة الولايات المتحدة أن تدمر أفغانستان والعراق والصومال ، والباكستان في طريقها إلى اللحاق بهم ،بحجة أن القاعدة ( أين هي ؟ ) تحالفت مع طالبان فأعادت أفغانستان إلى الوراء مئات السنين ، والحظائري الرائد يتناسى أن صاحب الفضل في تخريب البلد المسلم هو الاتحاد السوفيتي التقدمي المستنير الذي كان يقصف القري والمدن الأفغانية بالمطر الأصفر الذي يهلك الحرث والنسل ، ثم جاء الاستعماريون الصليبيون بقيادة الولايات المتحدة ليكملوا المشوار بإبادة كل مظهر للحياة ولو كان متواضعا على أرض الأفغان نظير ذنب لم يثبت حتى الآن أنهم ارتكبوه أو شاركوا فيه ؟ . وبدلا من إدانة الغزاة القتلة يتحامل الحظائري العتيد على الأفغان ويعطي شرعية لقتلهم وسحقهم لأنهم متطرفون وإرهابيون كما يزعم . كان المنطق الإنساني والقومي والوطني يقول له ادعم هؤلاء المجاهدين الذين يقاومون الغزاة القتلة ويضحون بأرواحهم وما تبقي من ممتلكاتهم ضد الإجرام الصليبي غير المسبوق ويكبدونه خسائر ليست بسيطة أو هينة ، ويدفعون عن الأمة بلاء صليبيا مجرما لا يعرف الله ولا المسيح والأخلاق ولا القانون .
سؤل آخر : من هم الذين يجتهدون في الإسلام ؟ هل هم الماركسيون الذين يفهمون الإسلام على أنه دين وضعي ، أو أولئك الذين يفهمونه على أنه منتج تاريخي،؟أو أولئك الذين يزعمون أن الإمام الشافعي رضي الله عنه كان عميلا للدولة الأموية ، مع أنه لم يولد إلا بعد سقوط هذه الدولة ؟ أو أولئك الشيوعيون الذين لا يحسنون قراءة آية واحدة من القرآن الكريم ؟ هؤلاء هم المجتهدون الذين ينبغي أن نرفع لهم الطواقي والعمائم لأننا لا نلبس قبعات ؟
إن جرائم ما يسمى بالإرهاب هي جرائم تخص أصحابها ولا تخص الإسلام ، وقد جاءت في سياق عنف وعنف مضاد كان المجرم الأول فيه بعض الجلادين الذين أشعلوا الوطن يوم اعتقلوا صفوة رجاله من التيارات المختلفة ، ووضعوهم في السجون المظلمة وعذبوهم ، وأفرغوا عقد النقص التي كانت تلاحقهم بسبب وضاعة المنبت ووضاعة السلوك ، وبعضهم لم يتورع عن الإعلان عن الضرب في سويداء القلب وتثقيب الأجساد ..ونفذ ذلك في عرض الطريق العام دون خوف من الله أو الناس . والحمد لله أن الشعب المصري الطيب الأصيل عاد إلى طبيعته المسالمة ،وذهب الجلادون إلى جوف التراب ، وحسابهم على الله ؛ وإن لم يعد العملاء الخونة وخاصة من الأبواق المأجورة المعادية للإسلام إلى الطبيعة الإنسانية السليمة ، وظلوا على ولائهم لمن يمدهم بالمال والجاه والنفوذ والمناصب ، ومازالوا في غيهم يعمهون ويصدون عن سبيل الله ، ويهينون الإسلام ويتهمونه بالظلامية ، أو يسمونه بالإظلام !
والبكاء على الحبيب الفنان يدفع بعض الحظائريين إلى تبرير أخطائه وخطاياه ، وفشله الأكبر في عدم تحقيق أي تقدم في المجال الثقافي داخل مصر ، ويزعمون أن أراد يجعل من وزارة الثقافة حصنا ومنارا للاستنارة‏ويدللون على ذلك بموقفه من قضية "وليمة لأعشاب البحر" وعدم اعتراضه علي قرار المجلس الأعلى للثقافة بمنح الجائزة التقديرية لسيد القمني تقديرا لاجتهاده وليس موافقة علي أفكاره بالضرورة‏، أرأيتم الاستنارة الوزير الفنان الذي يرى أن الدفاع عن رواية رديئة وبذيئة ، ومزور بذيء لا يملك أدوات البحث وشروطه حصنا للاستنارة ومنارا لها ؟
ويقدمون أسباب الفشل الذريع للفنان بالضغوط التي كانت تقع عليه ولا تزال ويرونها أكبر وأقوي من أن يحاربها وحده‏( يا حرام ؟) ‏ فكان يكتفي بالمناورة أحيانا‏،‏ لكي يحقق أهدافا أكبر‏، خصوصا في بلد كما يقولون غزت ثقافته عناصر رجعية متطرفة‏(؟) – يقصدون الثقافة الإسلامية - فالرجعية مثل التطرف والظلامية والأصولية تسميات كودية للإسلام في عرف الحظائريين وأشباههم ممن يكرهون الإسلام ويحاربونه ، ولا يكتفي الحظائر يون بذلك بل يرجعون التمرد الطائفي الخائن المستقوي بالمؤسسة الاستعمارية الصليبية إلى التطرف الديني ( الإسلامي طبعا!) الذي لابد – في مفهومهم السقيم - أن يخلف ما يوازيه في القوة ويناقضه في الاتجاه‏ ، وهو ما يسمى لديهم الاحتقان الطائفي ، ويزعمون أن المتطرفين الذين يرفعون راية الإسلام نجحوا في إثارة من يماثلونهم في التطرف داخل الطوائف المسيحية‏، وكانت النتيجة أن أخذ عدد من الأقباط الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة يتحدثون عن اضطهاد ديني للأقباط‏ ،‏ وتلقفتهم جماعات لا تريد لمصر الخير‏،‏ فأصبح موضوع الاحتقان الطائفي في مصر موضوعا عالميا‏ ، ولولا ذلك ما تحدث أوباما تحت قبة جامعة القاهرة عن ضرورة إنصاف الأقباط وتحرير المرأة‏ .. أرأيتم تفسير التمرد الطائفي الذي بدأ مع ولاية رئيس الكنيسة الحالي ، وتفرع وتمدد وفقا لتخطيط مدروس يرتكز على ضعف الدولة البوليسية الفاشية واعتمادها على الغرب الاستعماري الصليبي، وتماهيها معه ، وسماعها لنصائحه ، وتنفيذها لإرادته ، ومن ثم وجدنا خطاب التمرد يقوم على أساس أن المسلمين غزاة وبدو يجب أن يرحلوا عن مصر ، وأن الثقافة الاستشهادية النصرانية كفيلة بتحقيق هذا الحلم ، وأن اللغة العربية ليست لغة المصريين ، وأن الانتماء العربي عار يجب أن يغسل من وجدان النصارى ، وأن الكنائس يجب أن تزرع في كل أرجاء مصر حتى تعود إلى طبيعتها النصرانية - كما يزعم المتمردون !! -، ولكن الحظائريين يكذبون ويغالطون تقربا إلى المتمردين الطائفيين وتملقا لهم من جهة ، وإلى النظام البوليسي الفاشي من جهة أخرى ، وتعبيرا عن أحقاد دفينة وقبيحة ضد الإسلام وقيمه وتشريعاته .. ألم يشاركوا في إعلان بالصحف تكلف كثيرا ( من أين لهم هذا؟ ) للمطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور ؟
والأعجب من ذلك أن القوم ينادون بما يسمى التسامح والتنوع الثقافي الخلاق والحوار مع الآخر المعادي بالتي هي أحسن ، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يتسامحون مع الإسلام وأهله ، ولا يقبلون بالإسلام ضمن التنوع الثقافي الخلاق ( وهو دين الأغلبية الساحقة ) ، ولا يحاورون أهله بالتي هي أحسن ، مع أن المسلمين هم الذين يطعمونهم ويسقونهم ، ويوفرون لهم الملاذات الآمنة والقصور الفاخرة والشقق الفخمة والسيارات الفارهة والمرتبات العالية .. أليس ذلك مثيرا للتناقض والعجب ؟ لم لا ينظرون إلى الغزاة النازيين القتلة في فلسطين المحتلة وهم يجعلون من التوراة والتلمود والأساطير القديمة أساسا لثقافتهم ولا يتحرجون منها ولا يغيرونها ولا يعدونها منتجا تاريخيا ، ولا يقاطعونها من أجل ما يسمونه استنارة وحداثة وتقدما ؟
أليس في القمع الثقافي المستنير الذي يصنعه الحظائريون برفض التحاور العلمي مع الإسلام قمعا رخيصا وقبيحا ،ودليلا على تهافت الحظيرة وخوائها ؟
.................................................
*المصريون ـ في 3/11/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:10 AM
أمّنا الغولة .. وتزغيط البط!

بقلم:أ. د. حلمى محمد القاعود

أمّنا الغولة ، ليست هذه العجوز الشمطاء ، المنكوشة الشعر ، التى تصادم المجتمع بكلامها وأفكارها وسلوكها ، مع قبح الهيئة وبشاعة المنظر !
أمنا الغولة كيان هلامى يتكون من أشتات فكرية وأخلاط ثقافية ، تشيع فى حياتنا الراهنة ، وتملؤها زيفاً وتدليساً وتضليلاً ، وتصنع مفارقات غريبة ، تصبّ فى حالة الفساد التى تضرب بجذورها فى أعماق المجتمع المقهور البائس ، الذى تكالبت عليه الأكلة ، بعد أن تحول إلى قصعة مستباحة ، يردها كل وارد وشارد !
هزيمة الوطن الداخلية فى شتى المجالات بدءاً من السياسة حتى كرة القدم ، مروراً بقضايا التعليم والتصنيع والزراعة والإدارة وغيرها ، أتاحت الفرصة للطابور الخامس ، كى يلعب أدواره غير المقدسة فى استباحة الأمة وثقافتها وفكرها وعقيدتها ، فى سياق ملفوف بالتدليس والتضليل والصلافة وانتفاخ الذات ، وتمثيل دور الشهداء والأبطال !
عندما تسمع عن وصف الصحابى الجليل أبى هريرة – رضى الله عنه – براوى الأكاذيب ، فماذا تقول عن دين الأمة ؟ هل صار الإسلام قائماً على الأكاذيب والخيالات والاختراعات ؟ وكم يبقى منه ؟
عندما تنشر مجلة تصدرها الدولة بأموال المسلمين فى العقيدة أو الثقافة ، نصوصاً تطعن فى دين المسلمين ونبى المسلمين – صلى الله عليه وسلم – لليهودى الصهيونى " مكسيم رودنسون " ، ويُقال لك إن هذه حرية فكر ، بينما لا تستطيع بحكم القانون الدولى أن تناقش عدد ضحايا ما يُسمى المحرقة الصهيوينة فى ألمانيا النازية ، فماذا معنى هذا ؟
عندما تسمع عن عرض شعرى موسيقى فى دولة خليجية ، ينال من الإسلام وتشريعاته ، ثم يُقال لك إن " المتطرفين " – الاسم الكودى للمسلمين – احتجوا على هذا العرض الرخيص ، وصادروا حرية الإبداع والتفكير .. فماذا تقول رداً على ذلك ؟
عندما تقرأ فى مجلة ، تصدرها السلطة المصرية كلاماً يسميه صاحبه شعراً ، يصور فيه الخالق عز وجل بعبد المأمور ، هو والأنبياء عليهم السلام ، ويستدعيهم المذكور بأسلوب يخلو من الأدب والذوق ، كما يصف الذات الإلهية بعسكرى المرور الذى ينظم السير فى شارع زكريا أحمد ، أو يشبهها بالقروى الذى يزغط البط فى الريف .. ماذا يكون رد فعلك ؟ وماذا تقول لمن يدافعون عن ذلك " الانحطاط " و " الإسفاف " ، ويتهمون الآخرين فى وقاحة ملحوظة بأنهم لا يفهمون قراءة الشعر ، ولا يعرفون اللغة المجازية التى يعتمد عليها الشعراء ؟
ثم ماذا يكون شعورك عندما تقرأ فى جريدة حكومية أسبوعية ينفق عليها فقراء هذا الوطن لمن سمّى نفسه ناقداً سينمائياً عربيا ، ويتحدث عن رحلاته إلى مصر وعمّان وبغداد ، فيُيشير دون حياء إلى ممارسة اللذة مع المثقفات اللاتى يحضرن المؤتمرات ، ولا يعنيه أمر " الأهرامات " المصرية ولا آثار المصريين ، ولكن الذى يعنيه " كاس التكيلا " فى أحد بارات دمشق والقاهرة ، خاصة بار " الباذنجانة " ، ثم ممارسة الحب مع فتاة سمراء نحيلة تشبه الإغريقيات ، وتعجبه ممثلة لبنانية سمراء تشبه الشيكولا ويضعها تحت مجهره ولكنه يكتشف أنها صديقة مخرج العرض ، فيضطر إلى استعادة موقعه لدى صحافية بدينة كانت ترافقه ، ثم يفكر بكتابة رواية عن الحب فى فنادق المهرجانات ، والوسائل التى يستخدمها المثقفون العرب للإطاحة بالنساء ، ويخبرنا أن كاتبة عربية تعرضت لمحاولات إغواء كثيرة فى المهرجانات ، وكان أغرب عرض تلقته من مثقف كبير هو عبارة مبتكرة على هيئة سؤال يعبر عن رغبة يقول فيه : ما رأيك بقيلولة ؟
ماذا تقول لهؤلاء الذين يحرصون على الإساءة إلى أم المؤمنين عائشة والصحابة رضوان الله عليهم من حين لآخر ، ويعدّون ذلك حرية تفكير ، وحرية تعبير ، وحرية إبداع ؟
ماذا يعنى أن تجد فريقاً من الطابور الخامس متخصصاً فى تشويه الإسلام والمسلمين والإفتاء بغير علم ، وبعضهم لم يقرأ القرآن الكريم ، ولا يحسن قراءة حديث شريف ، ولم يطلع على كتاب فقه أو تفسير ؟
هل لذلك علاقة برغبات الدولة الصليبية الاستعمارية الأم فى واشنطن ، بما يُسمى تغيير الخطاب الدينى ، وتعديل المناهج التعليمية ، وعدّ التمسك بالإسلام تطرفاً وتشدّداً وظلامية ؟
لاشك أن " الطابور الخامس " = الذى يضم مثقفى الحظيرة والماسون وكتاب لاظوغلى واليسار المتأمرك والمرتزقة الذين يبحثون عن الرزق الحرام = يقوم بدور مهم مستغّلا الهزيمة الوطنية الداخلية ، وقهر السلطة البوليسية الفاشية للشعب ؛ فى استباحة الإسلام والإغارة عليه ، ومحاولة تغييبه أو استئصاله ، وهو أمر يلقى قبولاً لدى خصوم الإسلام وأعدائه على السواء .
والعدوان على الإسلام من جانب الطابور الخامس أو " أمنا الغولة " – إذا شئنا تعبيراً أدق – يتم تحت مظلة من التدليس والتضليل يتقن صنعها الواقفون فى هذا الطابور . فهم لا يكفون عن الزعيق والصياح بحرية التفكير والتعبير والإبداع ، وهم أول من يصادر هذه الحرية إذا حاول غيرهم أن يمارسها .. لقد هيمنوا على وسائل الإعلام والصحافة ووسائط التعبير الأخرى ، وحرموا على غير أتباعهم والمنتمين إليهم مجرد الاقتراب من هذه الوسائط وتلك الوسائل ، بل وصلت الخسة ببعضهم إلى حدّ حذف الأسماء التى لا تعجبهم من الأخبار الأدبية والثقافية والاجتماعية ، حتى لو جاء ذلك على حساب الأداء المهنى !
وقد راودنى سؤال بسيط للغاية ، ملخصه : هل يستطيع أى دعىّ من هؤلاء الذين يزعمون أنهم مبدعون أن يصف رئيس الجمهورية مثلاً بأنه شرطى ينظم المرور ، أو قروى يزغط البط فى الريف ، أو عبدالمأمور ، أو شخص ... ؟
بلاش رئيس الجمهورية ، هل يمكن وصف وزير الثقافة بالأوصاف السابقة التى وصفت بها الذات الإلهية أو الأنبياء أو الصحابة ؟
بلاش وزير الثقافة ، هل يمكن وصف ماركس أو لينين أو خالد محى الدين أو اللواء مدير هيئة النشر الرسمية أو رئيس تحرير جريدة " طشة الملوخية " بهذه الأوصاف ؟
لقد تطاول " الطابور الخامس " مذ أتاحت لهم السلطة البوليسية الفاشية فرصة الهيمنة على الحياة الفكرية والأدبية ، واستخدمتهم لمحاربة الإسلام تحت راية محاربة الإرهاب ، فتمادوا إلى الدرجة التى طالبوا فيها بتجريد الدولة من إسلامها ، وحذف المادة الثانية من دستورها ، وصفقوا لبوليسية الدولة ، وقمعها المتزايد يوماً بعد يوم ، وكانوا فى كل الأحوال أدوات قمع وقهر فى يد السلطة الفاشية !
ومن المفارقات أن بعض الجهات والمنظمات التى تدعى الدفاع عن حقوق الإنسان ، تملأ الدنيا ضجيجاً ودفاعاً عن الطابور الخامس ، ولا تهتم ، بل تتجاهل القبض على الأبرياء وتحويلهم إلى محاكم عسكرية ، وتعتّم على الممارسات الفاشية ومصادرة الأموال واعتقال الأفراد فى جوف الليل ، لأنهم لا ينتمون إلى مكونات الطابور الخامس : أعنى مثقفى السلطة والماسون واليسار المتأمرك وكتاب لاظوغلى والمرتزقة الذين يأكلون حراماً !
من المؤكد أن مصر المسلمة بالعقيدة أو الثقافة ستهزم الطابور الخامس فى يوم ما ، وإذا كان عمال مطبعة بسطاء يكتشفون إجرام بعض الأدعياء فى حق الذات الإلهية والأنبياء ، فهو دليل على أن مصر المسلمة ما زالت حية ولن تبيع إسلامها ، وعقيدتها .. لأنها عقل الإسلام ومستقبله العظيم المنتظر ؛ إن شاء الله ، ولن تُخيفها أمنا الغولة مهما تورّمت وتجبرت وتوحشت وتشعّبت !
....................................
*المصريون ـ في 17/4/2007م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:14 AM
التفسير الماسونى لتزغيط البط!

بقلم: أ.د. حلمى محمد القاعود

فى أواخر ثمانينيات القرن العشرين كتبت " الورد والهالوك : شعراء السبعينيات فى مصر " ، وأصدرت منه طبعتين ، ورصدت فيه ملامح شعراء الأصالة ، وشعراء الادعاء . يومها كان هناك من يتهمنى بالمغالاة فى الحكم على شعراء الادعاء أو الهالوك . ولكن الأيام أثبتت صحة ما ذهبت إليه وما أيدني فيه يومها ، الناقد الراحل عبد القادر القط – رحمه الله - ، حيث لم يتبق من كتابات هؤلاء شىء يُذكر فى أذهان الناس أو أفئدتهم . لسبب بسيط : أنهم دخلاء على الفن ، فلا موهبة ولا خبرة ولا مضمون ، كانت إمكاناتهم التى سوّغت لهم البقاء على سطح الحياة الثقافية والأدبية هى انتماؤهم للفكر الماركسى الذى تأمرك ، وصار خادماً مأجوراً فى الحرب على الإسلام وعميلاً للنظام البوليسى الفاشى ، ومسوغاً لسلوكياته ، الاستبدادية ، ومصادراً للفكر الإسلامى وعاملاً على استئصاله من الصحافة ووسائط التعبير أو تشويهه والتنديد به عن طريق التدليس والتضليل والأكاذيب المفضوحة .
كانت صداماتهم مع الإسلام ومشاعر المسلمين بشعة ومتوحشة ، أثارت رجل الشارع فى مصر والأمة الإسلامية ، وأساءت لمستخدميهم قبل أن تُسىء إليهم ، وكشفت عوراتهم الفكرية والثقافية ، وجعلتهم أمثولة للخيانة الفكرية والعمالة السياسية ، ولم تغن عنهم مكاسبهم التى أغدقتها عليهم السلطة البوليسية الفاشية شيئاً !
كما كانت مشكلة الكلام عن " تزغيط البط " وتشبيه الذات الإلهية بالقروى أو عسكرى المرور ، دليلاً جديداً يُضاف إلى ما سبق من أدلة على الخواء والسطحية والابتذال التى تصم كتاباتهم الرديئة التى لا تخضع لمعايير فنية أو فكرية ..
ومن المؤسف أن القوم لم يحترموا عقول الناس ، ولم يتوقفوا عن الهرطقات الرخيصة ، والتفسيرات الساذجة لجريمتهم فى حق الذات الإلهية ، وحق الأمة ، ولكنهم راحوا يقنعوننا بمنطق يخلو من المنطق ، وأسلوب ينم عن الفكر الماسونى الخبيث – وبعضهم ينتسب إليه بالفعل – أن ما جرى هو انحياز للجمال وللفن وللحرية .. ويستشهدون بنماذج من التاريخ الأدبى لا صلة بينها وبين جريمتهم واستهتارهم بالذات الإلهية ومشاعر الأمة الإسلامية ، وسفح أموالها دون طائل ( قال اللواء مدير هيئة النشر الرسمية إن عدد المجلة التى نشرت الجريمة بلغت تكاليفه قرابة ستين ألف جنيه مصرى دفعها الفقراء والكادحون ) .
كيف يمكن أن نقارن بين ما يقوله هالوكى أو متمركس متأمرك ، مع ما يقوله أبو نواس أو ابو العلاء المعرى ؟
أين الجمال أو الفن فى كلام الهالوكى ، لنقارنه بالجمال الفنى فى أدب أبى نواس وأبى العلاء المعرى وحسان وعمر بن أبى ربيعة .؟
إن التفسير الماسونى لتزغيط البط ، يدعى أن الجمال هو القيمة التى يجب على المجلة الأدبية أن توفرها لنا ، وأن الحقيقة المؤكدة هى التى تقدمها لنا المجلة العلمية ، كما يدعى أن جماهير الأمة بعلمائها وأدبائها الحقيقيين ونقادها المتخصصين يعيشون طفولة دائمة يفرضها الطغاة !
وهذا السخف الماسونى يتجاهل أن الأدب على مرّ التاريخ ، يقوم على تقاليد وخصائص وقيم ، تتطور بتطور الزمان والمكان ، ولكنها تبقى معياراً للإنتاج الأدبى ، الذى لا يجوز أن ينفلت من كل معيار وكل قيمة ، كما يذهب الأدعياء وخدّام الاستبداد الرسميون . لقد صادرت الولايات المتحدة – معبودهم الجديد وملهمهم العتيد – فى خمسينيات القرن الماضى ، فن الهوى لأوفيد ، مع أنه نشر فى مصر بترجمة ثروت عكاشة ، كما صادرت الديكاميرون لبوكاتشيو ، وفى عام 1948م أعدت الكنيسة قائمة بحظر أربعة آلاف كتاب منها : سقوط الامبراطورية لجيبون ، ومبادئ الاقتصاد السياسى لجون ستيوارت ميل ، وكتب بلزاك ، ودوماس الأب ، ودوماس الابن ، وأناتول فرانس ، وستندال ، وزولا ، ومورافيا ..
إن التفسير الماسونى لتزغيط البط ، لا يسعى إلى الدفاع عن الأدب والفن والجمال ، بقدر ما يسعى إلى الدفاع عن مصالحه فى خدمة النظام البوليسى المستبد ، لأنه أول من يعلم أن نبى الإسلام – صلى الله عليه وسلم – كافأ الأدب والفن والجمال الحقيقى ببردته التى ألقاها على كعب بن زهير حين أنشده " بانت سعاد " ، كما يعلم أن أبا نواس وأبا العلاء وحسانا وعمر بن أبى ربيعة ، كانوا أبناء الأمة وثقافتها الحقيقية ، ومن شذّ لسبب ذاتى ، عاد إلى رشده ، واعتذر عن خروجه ، ولعل استغاثات أبى نواس " إلهى ليس لى إلاك عونا .. " كانت وثيقة توبة صادقة عن بعض إنتاجه المخالف للقيم والأعراف .
أما حكاية أن الجمال هو القيمة التى يجب أن يحتفى بها الأدب ، دون مراعاة للقيم أو اعتبار للأعراف فهى مغالطة لم تعد مقبولة فى زمن توظف فيه الجماعة البشرية على اختلاف أعراقها ومذاهبها وعقائدها ، الفن الأدبى لخدمة أهدافها وأغراضها ومعتقداتها ..ولا أظن أنهم فى الكيان النازى اليهودى الغاصب فى فلسطين المحتلة مثلاً يوافقون على أن يكون أدبهم هجاء للرب الذى خلق الشعب المختار ، أو إهانة للنازية اليهودية التى تقتل الفلسطينيين والعرب والمسلمين على مدار الساعة ، أو شريط " بورنو " يتم تصويره على الورق بحجة حرية التعبير !
لقد كشفت حادثة " تزغيط البط " عن عالم من العفن فى مجتمع " الهالوك " الخادم للاستبداد ، المعادى للإسلام ، فقد عرفنا أن بعضهم يتعامل يوميا مع المخبرين داخل هيئة النشر الرسمية وخارجها ، وعرفنا أن بعضهم سواء كان لينينى الهوى أو تروتسيكيا ، هو من يكتب التقارير الاستخبارية ، ويشى برفاقه إلى من يعنيهم الأمر ، كى يصل إلى مركز مرموق ، أو يحلّ مكان رفاقه ، وعرفنا أن الهدف الأسمى للهالوك فى السبعينيات وما بعدها ، هو الانطلاق بمشروع التنوير ، أي التغريب الذى يُقاوم الظلامية والسلفية ، أي الإسلام ، وعرفنا أن صراعات المصالح داخل المؤسسة = خدمة السلطة ، وداخل لجنة الشعر هى التى تحكم واقع هؤلاء ، وعرفنا أن مناخ التربص والترصد يفرض حضوره على الواقع الثقافى الرسمى الذى يصنعه هؤلاء ، وعرفنا أن بعضهم يرفض تجربة البعض الآخر التى تمثل فى رأيه نموذجا لشعرية عصور الانحطاط والجمود والسكون والافتعال اللغوى والقدرة الموروثة من القديم ، وعرفنا أن العمل الثقافى بالدولة – كما يرى بعضهم – لا ضرورة له إلا لخداع وتزييف وعى الجماعة البشرية بكل طبقاتها وشرائحها الفاعلة ، مما دفع فريقاً منهم إلى عقد صفقات على المستوى العربى والعالمى من خلال علاقاتهم التى وفرتها لهم الدولة ، وعرفنا أن بعضهم فى عصر الانحطاط الثقافى تحول إلى مملوك جديد وأمير حرب ، يتصارع لبسط النفوذ ونهب الثروات ، مع أن الخراب قد شمل كل شىء، ولم يبق إلا الموتى ، وعرفنا أن الضجة التى أثارها الهالوك حول " تزغيط البط " تساوى عند بعضهم القذارة واللغط والتواطؤ والطفح ، وعرفنا أن بعضهم لا يخافت فى إيمانه بضرورة إهانة المقدس الدينى والعدوان عليه ، ولا يرى ذلك نقيصة شعرية أو أدبية ...
وهذا الذى عرفناه ، نشرته جريدة أسبوعية حكومية يوم 22/4/2007م فى مقالات عديدة ونسى ( أصحاب !) الجريدة أننا نعيش في دولة دينها الرسمى الإسلام ، وتمنع ازدراء الأديان والمقدسات .. والعجيب أن أحداً ممن يمثلون صوت الإسلام لم يكن له وجود على صفحات هذه الجريدة ، ولو من باب ذرّ الرماد فى العيون !
المفارقة أن محرر الجريدة المذكورة طالب أجهزة الأمن بالكشف عن التقارير الاستخباراتية أو المباحثية التى كان يكتبها الأدباء والمثقفون ضد بعضهم منذ خمسين عاماً كما تفعل دول أوروبا .. ولو تحقق ذلك فسوف نرى أفلاماً أكثر إثارة من أفلام السينما عن المناضلين الذين صدّعوا رءوسنا بالكلام عن الكفاح ضد الطغمة البرجوازية الحاكمة وفسادها واستبدادها وتبعيتها للإمبريالية العالمية .. وساعتها نهتف :
- ياويلنا من سلالة هنرى كورييل وأساتذتهم الماسون !
ولا عزاء للبط الذى لم يجد أحداً يقوم بتزغيطه !
....................................
*المصريون ـ في 24/4/2007م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:15 AM
فتنة "عمارة" أم فتنة صحافة

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

فى الوقت الذي يسعى فيه العقلاء إلى تطويق الفتنة والإثارة بين الأكثرية العددية ، والأقلية الدينية ، فإن هناك نفراً من أهل الإفك والبهتان ، وخاصة فى المجال الصحفي، لا يريدون بهذا الوطن خيراً ، ويعملون على إشعال النار فى سبيل مكاسبهم التافهة وأرباحهم القليلة ..
اعتذر " محمد عمارة " عن كلمتين نقلهما عن الإمام الغزالي، التقطهما المتربّصون به وبكل صوت يدفع عن الإسلام ويذود ، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، وتقدم عمارة بشجاعة لا يملكها هؤلاء واعتذر عن عدم تحققه من النصّ المنسوب إلى حجة الإسلام الغزالى .
ودعا كثير من العقلاء إلى طيّ صفحة الموضوع ، بعد أن أعلنت الجهة ناشرة الكتاب سحبه من السوق ، وحذف الكلمتين اللتين لم يقصدهما عمارة ، ولكن الفجور الصحفي لدى البعض أبى إلا أن يعيد ويزيد ، ويلت ويعجن ، وتجاوز الأمر الصحف الورقية إلى الصحف الإلكترونية ، وطرح الموضوع على القراء وسؤالهم عن رأيهم فيما كتبه عمارة ، مما فتح المجال أمام تعليقات مثيرة وضارة ، تعمّق التعصب وتزرع الفتنة خاصة لدى الجانب الذي يعتقد أنه معتدى عليه ، أو إنه مضطهد !
إن كتاب عمارة يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية البناء الداخلي للأمة من الشروخ والانقسامات والتوترات من خلال ما يقوم به البعض مذهبياً أو طائفياً من تكفير للبعض الآخر ، وينتقد فى جرأة محمودة ، ما يقوم به بعض الشيعة أو بعض الوهابية أو بعض الصوفية من تكفير لغيرهم أو لمخالفيهم ، وفى إطار هذا الانتقاد يأتي بنصوص يُطلق عليها اسم " الفحش الفكري" ، لأنها تخالف جوهر الإسلام وقواعده وأصوله ؛ وتعبّر عن تعصّب بغيض ، ومراهقة فكرية لا يقبلهما الإسلام ، ولا يُقرّهما . وفى ثنايا كتابه يُصحح كثيراً من الأوهام والضلالات ، فضلاً عن إشارته إلى الدور الخارجي فى تأجيج الفتن وزرع الانقسامات لتحقيق مصالحة وغاياته الاستعمارية .. ويستشهد بكثير من الوقائع والأحداث ، للتدليل على صحة كلامه ، بل إنه يستشهد بكاتب نصراني مصري نشر وثائق فى جريدة " وطني "التي تعبر عن لسان الكنيسة المصرية فى 2/7/2006م تحت عنوان " المخططات الخطيرة " وذكر فيها أن " بونابرت " عندما جاء ليحتل مصر سنة 1798م راهن على الأقباط النصارى فى مصر ، وعلى اليهود فى فلسطين دون أن يكنّ أي احترام لا للأقباط ولا لليهود .. لقد تحدث بونابرت عما سماه " الأمة القبطية " فقال :
" سوف يسعدني أن أحميها .. وأعيد لها الكرامة والحقوق التي لا يمكن فصلها عن الإنسان " أما " الثمن " الذي أراده من الأقباط ، فهو – بنص عبارته – " مطالبة أبناء الأمة القبطية بالكثير من الحماسة ، والإخلاص فى خدمة الجمهورية الفرنسية "!!
ولنتدبر – جميعاً – كلمات بونابرت عن النصارى التي يقول فيها :
" إنهم أناس لئام فى البلاد ، ولكن يجب مراعاتهم لأنهم الوحيدون الذين فى يدهم مجمل الإدارة للبلاد .. لقد حصلت على سجلات هائلة حول قيمة الضرائب المفروضة على مصر " !
ويُعلق " عمارة " على هذا النص بقوله : ألا قاتل الله الطائفية .. واللعب بأوراقها ، ولعن الله الخبثاء الذين يسلكون سبيل المذهبية لخلخلة النسيج الاجتماعى فى مجتمعات الإسلام " ( ص 98 ).
رجل يرفض الطائفية لا يمكن أن يدعو إلى استباحة دماء غير المسلمين ، فضلاً عن المسلمين المخالفين فى المذهب ، بل إن عنوان كتابه يحمل هذا المعنى " فتنة التكفير بين الشيعة .. والوهابية .. والصوفية " .
لقد صدر الكتاب فى ذى الحجة 1427هجرية = ديسمبر 2006م ، أى قبل شهرتقريبا ، ومع ذلك ، فقد علا الضجيج بصورة مريبة ، ولم يتوقف الأمر عند محمد عمارة بل تجاوزه إلى الإسلام والتشريعات الإسلامية ، وتم تقديم الرجل إلى النيابة العامة ، وخضع للتحقيق ، ولم يُغن اعتذاره عنه شيئاً ، فى الوقت الذى لم يُحاكم فيه صاحب عبارة الموت الذى قتل أكثر من ألف شخص قبل عام حتى الآن !!
ومن المفارقات أن أحد المحامين النصارى ممن يُقيمون فى أمريكا أرسل رسائل بالبريد الإليكترونى يسفر فيها عن وجه طائفى كالح وقبيح ، ويُهاجم الإسلام والمسلمين ، ويعدّهم غزاة لمصر يجب أن يرحلوا عنها ، ويُعلن أن النصارى هم أصحاب مصر الحقيقيين ، ولم يمض على هذه الرسائل أيام ، حتى خرج من يوصف بأنه سكرتير الأنبا يدعو إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور المتعلقة بالدين الرسمى للدولة ومصدر التشريع ، انطلاقاً من أن النصارى " هم أصحاب البلد "! فى عبارات صريحة لا تقبل تأويلاً !
وهذا الأمر لم يلفت نظر فريق " الفجور الصحفى " الذى يلعب بالورقة الطائفية ولا يترك فرصة إلا واهتبلها للتشهير بالإسلام والمسلمين ، لدرجة أن كذبوا على أحد قادة الإخوان وزعموا أنه سيُضاعف الجزية على النصارى حين يتولى الحكم ؛ وثبت بعد إذاعة كلامه أنه لم يشر إلى شيء من ذلك . ولكن فريق الفجور الصحفى ، أذاع ونشر ، وتوسع فى الإذاعة والنشر، وصدق الأكذوبة ، اعتقاداً منه أنه ينال من خصوم السلطة ، ولكنه فى الحقيقية ينال من الإسلام وتشريعاته ، ويُشوّه قيمه الرفيعة التى تحمل الرفق والرحمة والمودة والمسالمة !
فريق " الفجور الصحفي "لا يتكلم أبداً عن الذين يؤصّلون للطائفية وللجيتو وينشرون فرية أنهم " أصحاب البلد "، وغيرهم غريبٌ غازِ مستعمرٌ ، يجب معاملته معاملة المحتل الذى تجب مقاومته حتى يرحل ، وتتحرر " الإسكندرية " كما تحررت " جوبا " وفقاً لتعبير أحدهم !
نحن نريد من فريق " الفجور الصحفى " أن يُطالب هؤلاء بالاعتذار عن " اللعب بالنار " ، والاستقواء بعدوّ المصريين جميعاً .. وأعتقد أن فريق " الفجور الصحفى " لن يفعل ، لأن بحثه عن الارتزاق وإرضاء السلطة البوليسية الفاشية ، يمنعانه من العمل الصحفى النزيه ، ففى الوقت الذى تُتاح فيه الفرصة "لأصحاب البلد " للإدلاء بأقوالهم وتصريحاتهم وآرائهم المعادية للمجتمع وللإسلام وللمسلمين ، وللسلطة نفسها ، فإنها لا تُتاح للرد عليهم ومواجهتهم بالتى هى أحسن !
فهل هذا موقف صحيح ، مهنيا على الأقل ؟
بالتأكيد هو موقف مريب ، وغريب ، خاصة إذا ربطناه بتلك الحملة المسعورة على بعض الجماعات الإسلامية التى يُحاربها النظام ويسعى إلى استئصالها ، وهى حملة دفعت ببعضهم إلى وصف الإخوان المسلمين مثلا بأنهم أخطر من تجار المخدرات ! هل هذا معقول ؟
إن الفجور الصحفى الذى يوقف كل أدبياته على تشويه الإسلام ومحاربته تحت مسميات حركية ( التقدم ، التنوير ، حرية التعبير ، المواطنة ...) ، وفى الوقت نفسه يدخل فيما يُسمى " حوارا" مع النظام ، نظير مكاسب سياسية هزيلة ورخيصة ، إنما يطرح ظاهرة غريبة على الصحافة والصحفيين ، الذين اشتهر العديد منهم بالوقوف فى صف الشعب ووحدته ، وتقدمه الحقيقى لا الإنشائى .
هناك شخص اسمه "زكريا بطرس" يطل من إحدى الفضائيات ، يسبّ الإسلام والمسلمين منذ سنوات، ومع ذلك تفرد له بعض الصحف الورقية والمواقع الإليكترونية مساحات عريضة ليتقوّل ويتخرّص ويدّعى ..ولا يتيح لأحد أن يردّ عليه ويكشف ادعاءاته وتخرّصاته وتقوّلاته السفيهة !وهناك من أمثاله كثير!!
وهناك مئات المواقع الإليكترونية التى تُهاجم الإسلام بصراحة ووقاحة وفجاجة ، ويتجاهلها فريق " الفجور الصحفى " الذى يصرّ على ذبح " محمد عمارة " وتقديمه قرباناً " لأصحاب البلد " !
إن الذين يلعبون بالورقة الطائفية فى مصر أو غيرها من بلاد العرب والإسلام ، قد يكسبون بعض المكاسب مؤقتاً ، ولكنهم على المدى المنظور سيخسرون ، بعد أن يخسر الوطن كثيراً من أمنه ووجوده ومستقبله ..
أناشد محرري "الفجور الصحفي" أن يحترموا المهنة والأخلاق ، وأن يوقظوا ضمائرهم ، ويتجهوا إلى العدوّ الحقيقى للأمة ، وهو عدوّ متوحش له أذرع عديدة ، لها أسماء عديدة منها : الاستبداد ، القهر ، التخلف ، الأمية ، الفقر ، الضعف ، الفساد ، التزوير ، الكذب ، النفاق ، الكسل ، الجبن ، السطحية ، الضحالة ، مثقفو الحظيرة ، اليسار المتأمرك ....
.............................................
*المصريون ـ في 30 - 1 - 2007م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:16 AM
مسلسل الدالي .. وتشويه الرجال !

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

يحكى عثمان أحمد عثمان ، فى مذكراته التي نشرها المكتب المصري الحديث عام 1981م تحت عنوان : " صفحات من تجربتي " ، هذه الحكاية :
" اتصل بي ذات يوم فى التليفون الأستاذ أحمد رجب – الصحفي المعروف ، يطلب منى تعيين رجل يعرفه .. وأخفى عنى أن هذا الرجل من ( أصحاب السوابق ) ، وإنه كان متخصصا فى ارتكاب جرائم النشل ، وله تسع وثلاثون سابقة .
وأصدرت قرار تعيينه .. وعندما التقيت بالرجل حكى لي عن كل جوانب حياته .. بما لها وما عليها .. وأحسنت معاملته عندما عرفت ظروفه .. وتاب إلى الله .. وأدى فريضة الحج .. ولم يصبح موظفاً عادياً فى الشركة ، ولكن أصبح يعمل فى قسم خزائن "المقاولون العرب" يمسك بيده عشرات الآلاف من الجنيهات ..
وكان أن اتصل بى أحمد رجب بعد فترة ، لكي يطمئن على الرجل الذي أخفى ظروفه ، وينبهني إلى ماله من سوابق .. فوجئ بأنني عرفت كل تفاصيل حياته ، وأنه كان يرتكب جرائم النشل .. ولكن المفاجأة الكبرى كانت لأحمد رجب عندما عرف أن هذا النشال أصبح أحد الأمناء على خزائن " المقاولون العرب " ..
ويُضيف عثمان معلقاً على هذه الحكاية : " هذا هو الإنسان المصري الأصيل .. رغم انحرافه لأسباب اجتماعية خارجة عن إرادته ، عندما وجد من يتفهم ظروفه ، ويفتح له قلبه ، كشف عن طيب معدنه " ص 555
هذه واحدة من الحكايات الكثيرة التي تضمنها كتاب عثمان أحمد عثمان ، أشهر مقاول فى العالم العربي ، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين . ومن خلال هذه الحكاية وبقية الحكايات يكشف الرجل عن أسلوبه فى مواجهة ما يعترضه من ظواهر تبدو معوقة لحركته ، مصادمة لنشاطه ، بعيدة عن الاستقامة والسلوك ، سواء كانت الظاهرة فردية أو رسمية .
وقد أثار المسلسل الذي تعرضه القنوات الفضائية باسم "الدالي" عاصفة من الغبار والتشويه حول الرجل الذي لا أعرفه ، وخدم بلاده أكثر من أربعين سنة خدمات جليلة ، فى الحياة المدنية أو المجال العسكري ، وكانت قصة حياته نموذجاً للعصامية والكفاح الشريف والتربية الإسلامية المضيئة .
الفكرة الأساسية ، صعود الرجل من صاحب ملاليم إلى صاحب ملايين ، وبدلاً من تقديمها فى صورتها الحقيقية التي تكشف كيف تربى الرجل وتعلم ونجح وصار نائباً لرئيس الوزراء فى مصر ، ونقيباً للمهندسين ، وأشهر رئيس للنادي الإسماعيلي ، فضلاً عن كونه أشهر مقاول ، وصاحب أو مؤسس أكبر شركة مقاولات فى العالم العربي اسمها " المقاولون العرب " تضم خمسة وخمسين ألف عامل يملكون الخبرة والإرادة والإيمان ، فضلا عن عشرات الشركات الأخرى صناعية وزراعية وتجارية .. قدموا لنا رجلاً آخر أقرب إلى زعماء العصابات ، يعتمد على البلطجة والمكر والخداع والرشوة .
وبدلاً من عرض مواقفه السياسية الحقيقية فى العهدين الناصري والساداتي ، قلبوا المواقف وجعلوها بالمعكوس ، وأضافوا إليها ما ليس منها ، لدرجة أننا شاهدنا مسلسلاً بوليسياً ، بدلاً من مسلسل اجتماعي تربوي ، يُقدم نموذجاً واقعيا ، يقتدي به أبناؤنا ، ويُقلّدونه فى شحذ العزيمة والهمة والإرادة ومواجهة الصعاب والعقبات .
ومع أن تجار المسلسل نفوا أن يكون الدالي هو "عثمان أحمد عثمان" ، فكلامهم غير صحيح ، ولا أساس له فى حقيقة الأمر ، فلا يوجد مقاول ذهب مع الرئيس السادات إلى القدس غير عثمان ، ولا يوجد مقاول قاد عملية بناء السد العالي ودشم الصواريخ ، وحظائر الطيران ، ومدن القناة المدمرة ، ومدن القناة الجديدة : فيصل وزايد والصباح ، وقبل ذلك فى أوائل الخمسينيات " كفر عبده " ، فضلاً عن المدارس والمصانع والشركات والمساجد والمستشفيات والكباري العلوية .. غير عثمان ..
وكان الأولى بتجار المسلسل أن يعرضوا التجربة الحقيقية من خلال كتاب عثمان الذي شوّهوه وفبركوا على أساسه عملاً أقرب إلى المسلسلات الأمريكاني منه إلى الواقع المصري الطيب.
إن قصة الرجل كما رواها تحمل كثيراً من المواقف الدرامية الإنسانية التي تشدّ الناس أكثر من تلك المواقف المفتعلة التي تقوم على الحشو والتقليد ..
إن الرجل يحكى ببساطة قصة صبى يتيم عمل ( صبى ميكانيكي ) ، وحرّر شهادة " فقر " ليُعفى من مصروفات كلية الهندسة ، وصنع دراجة بستين قرشاً لينتقل بها طوال دراسته الجامعية من باب الخلق إلى الجيزة ، وتلقى تربيته من أم بسيطة متدينة رفضت الزواج بعد وفاة أبيه لتقوم على شأنه وشأن إخوته ، وعرف دينه على يد الإمام حسن البنا ، الذي درّس له فى مدرسة الإسماعيلية الابتدائية ، وزوج شقيقته العالم الجليل الشيخ على حسب الله .. ثم شق طريقه بعد التخرج من خلال عمل المقاولات ، معتمداً على الله ، ثم الصدق والأمانة والجدية واليقظة مع الفجر ، وسبق العمال إلى مواقع العمل ، والمشاركة بيده والاستماع إلى آراء من يعملون معه ، ولو كانوا عمالاً بسطاء ، وكانت ذراعه اليمنى فى مسيرته شخصية مسيحية هي " رياض أسعد " الذي كان نعم الصديق الوفي ، وتحمّل معه متاعب العمل وصدماته بصبر وقناعة .. داخل البلاد وخارجها ..
ويبدو أن تجار المسلسل ، وهم يسطون على كتاب عثمان وحياته ، ويشوهونهما ، كانوا يطمحون إلى غايتين : الأولى تحقيق المزيد من المكاسب المادية على حساب الرجل الذي لا يستطيع دفاعاً عن نفسه بعد رحيله ، والأخرى تجريده من علاقته بالإسلام ، فلم نره يصلى مرة واحدة ولا يقرأ القرآن الكريم ، ولا يسير وفقاً لمنهج القرآن فى تعاملاته وأعماله ، ولا يحتضن مئات من الإخوان المسلمين الذين حملوا معه عبء البناء والتعمير انطلاقاً من الضمير والأمانة والعفة والشرف .
ليت الحكومة تقدم قصة حياة عثمان بعد اختزالها لطلاب المدارس ، وليت منتجين أصحاب رسالة حقيقية يقدمون مسلسلاً آخر يقوم على أساس هذه القصة ، ليرى أبناؤنا نموذجاً يُحفزهم على العمل والتمسك بالدين والقيم والأخلاق والتسامح .. وغفر الله لتجار مسلسل "الدالي"!
--------------------------
*المصريون ـ 9/١٠/٢٠٠٧م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:18 AM
الوزير .. والمحرقة واليونسكو !

بقلم: أ.د . حلمي محمد القاعود

" أذل الحرص أعناق الرجال " !
رضي الله عنك يا سيدي أبا بكر الصديق ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ؛ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا .
كان الرجال في عهد أبي بكر غير رجالنا ، وكان سلوكهم محسوبا ،وكلامهم موزونا ،ولذا وجه أبوبكر كلامه الموزون بميزان الذهب إلى الرجال ليكونوا على العهد قادة وقدوة ، وسيرة ومسيرة ، تخدم الدين والأوطان والإنسانية ..
لقد روعني ذاك التدليس الذي مارسته جريدة الوزير ، حين صاغت تذلله وتقربه وخضوعه لأولاد الأفاعي في فلسطين المحتلة ؛ من أجل أن يحظي بالصعود على كرسي رياسة"اليونسكو " ، ويترك كرسي وزارة الثقافة الفاسدة المفسدة .
قالت جريدة الوزير في عناوينها بالصفحة الأولى العدد446 الصادر في 31/3/2009م :
[ خلال احتفالية اليونسكو لحوار الثقافة والأديان – فاروق حسني : الإنسانية تتطلع إلى عودة التقارب والسلام ].
في متن الموضوع قالت الجريدة : [ شارك الفنان فاروق حسني وزير الثقافة السبت الماضي في فعاليات الاحتفالية التي ترعاها المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم " اليونسكو " لإطلاق المشروع الثقافي المعروف باسم " علاء الدين " ، والتي تقام حاليا بالعاصمة الفرنسية باريس بمشاركة ممثلي 30 دولة عربية وإسلامية ، والهدف منها هو دعم الحوار بين الثقافات والأديان ، وبشكل خاص بين الديانتين الإسلامية واليهودية .. ].
ونقلت جريدة الوزير كلمته التي ألقاها في الاحتفالية المذكورة ، وأوردت منها قوله : " لا بد أن نخلص من المأساة الإنسانية التي عاشها اليهود إلى واقع جديد يتلافى تكرار هذه المآسي في أي من المجتمعات الإنسانية ، مؤكدا على تطلع الإنسانية إلى عودة التقارب والسلام الذي ساد لقرون عدة في وقت لم يكن فيه دين الفرد سواء يهوديا أو مسيحيا أو مسلما عائقا أمام المشاركة في تطوير حضارة مجتمع ، ودعا حسني إلى الالتزام بنداء اليونسكو لاعتماد ثقافة السلام التي تحث على تغيير الأفكار السائدة حول الصراع والحروب " .
الجريدة دلست ، بل كذبت ، ولم تذكر أن الاحتفالية الغرض منها مكافحة إنكار المحرقة اليهودية المزعومة في العالم الإسلامي العربي من خلال نشر كتب باللغات العربية والفارسية والتركية . ولم تذكر الجريدة الوزير أن " دافيد روتشيلد " رئيس مؤسسة إحياء ذكرى المحرقة ؛ أوضح أن الهدف من المشروع – يقصد مشروع علاء الدين – هو مجابهة إنكار المحرقة في العالم الإسلامي العربي ، وهو ما صرح به لجريدة " الشروق " المصرية . ولم تذكر جريدة الوزير أن " ماري ريفكو ليفييتشي " المندوبة العامة للمؤسسة ؛ قد ذكرت في وقت سابق : " أن المؤسسة اكتشفت تكاثر المواقع التي تنكر المحرقة باللغتين العربية والفارسية إثر تصريحات الرئيس الإيراني " محمود أحمدي نجاد " والرسوم المسيئة للرسول – صلى الله عليه وسلم ، وأن الأمر لا يقتصر على أداة لنزع شرعية دولة إسرائيل " . ولم تذكر جريدة الوزير أن سيادته كان مبعوثا من الرئيس المصري وألقى كلمة باسمه جاء فيها : " أن مؤتمر إطلاق مشروع علاء الدين يتضمن معنيين متضادين حيث يبعث أحدهما ذاكرة القسوة والترهيب ، بينما يبعث الآخر ذاكرة الرحمة والسلم ، وما بينهما منطقة أمل نجتمع فيها اليوم لرفض الأول واستنكاره ،والنظر في تمكين المعنى الثاني وإشاعته " .
جريدة الوزير افترضت أن القارئ ساذج وشبه أمي ولا يطلع على مصادر إخبارية أخرى ، فأخفت عنه أن الاحتفالية للدفاع عن المحرقة ، وقدمت الوزير بوصفه داعية تقارب وسلام ،ولم تقل الجريدة إن الاحتفالية انعقدت بسبب اتهام العرب المسلمين بإنكار المحرقة في مواقع كثيرة .
الوزير إذا ذهب ليغازل اليهود ، ويؤيد ادعاءهم ، ويبكي على المأساة الإنسانية التي عاشها اليهود ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة عن محرقة غزة الأولي أو محرقة غزة الثانية التي أعدمت أربعمائة وألف فلسطيني من المدنيين ، وأصابت وجرحت خمسة آلاف منهم ، معظم الشهداء من المصابين والجرحى من الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، وهدمت أحياء بكاملها بما فيها من مساجد ومستشفيات ومدارس وكليات ومؤسسات ....
الوزير الطامح إلى كرسي لا قيمة له إلا لدى الغرب والصهاينة ، بكى واستبكى في كلمته من أجل اليهود ومأساتهم المفترضة ، ولكنه لم يتعاطف مع أهل فلسطين ومأساتهم الحقيقة الواقعة والموثقة بالأفلام والصور والشهادات الحية التي رآها الناس على شاشات التلفزة وعلى صفحات الصحف في شتى أنحاء العالم .
أيكون "جاك شيراك" رئيس فرنسا السابق ؛ أكثر رحمة وتعاطفا مع الفلسطينيين من الوزير العربي المسلم فاروق حسني ؟
لقد طالب شيراك في كلمته التي ألقاها في الاحتفالية ، وكما نشرت جريدة الوزير في العدد نفسه ، الكيان النازي اليهودي في فلسطين والعالم ، بضرورة إنشاء " دولة فلسطينية مستقلة " قابلة للحياة ، وداعيا الكيان الصهيوني لإدراك أن مصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات لا يساهم في بناء سلام ، وإنما السبيل هو احترام القانون وحقوق الإنسان .
الوزير يقول إن الإنسانية تتطلع إلى التقارب والسلام . وهذا كلام صحيح ، ولكن هل يعتقد معاليه أن الغزاة النازيين اليهود القتلة في فلسطين المحتلة ، يريدون تقاربا وسلاما بحق ؟ هل يعلم الوزير أن هؤلاء القتلة لا يؤمنون بشيء اسمه " السلام " إلا نغمة سخيفة يرددونها بعد أن يرفضوا قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي لم ينفذوا منها قرارا واحدا ، والاتفاقات التي عقدوها في أنا بوليس وشرم الشيخ وكامب دافيد الثانية والرباعية الدولية ؟ هل يعلم الوزير الموقر أن قادة العدو النازي اليهودي في فلسطين المحتلة يطالبون بضرب السد العالي بالقنابل النووية لإغراق الدلتا ، وسبق أن أهانوا رئيسه الذي بعثه إلى المؤتمر ؟
إن معالي الوزير الفاضل يتهافت لإرضاء الغزاة النازيين اليهود القتلة بكل السبل ، وما دار في البرنامج التلفزيوني قبل عدة ليال بينه وبين مجموعة من المذيعين حول استضافة موسيقار نازي يهودي ، ودفاعه المستميت عن استضافته في مصر بحجة أنه رجل سلام ؛ رآه الملايين في كل مكان ،وأدركوا من خلال الحوار أن الوزير على استعداد لعمل أي شيء من أجل أن يحظى برضا الغزاة النازيين اليهود القتلة في فلسطين المحتلة .. ولو كان ذلك ضد مصالح الدولة ومشاعر الأمة ، وهو أمر يصعب وصفه على مثلي !
أما كان يكفي الوزير المبجل مقالات المديح الرخيصة والتملق البائسة التي تنشرها جريدته ، وتتغزل في شخصيته ، وتزعم أن المنصب هو الذي يسعى إليه ، وأنه فنان عالمي (؟؟) وأنه نموذج للتمفصل (؟) بين حضارة الإسلام التاريخية العظمى ، والحضارة الغربية الحديثة ؟ ( حد يفهمني معنى التمفصل أثابكم الله !).
إن الذين يشيدون بالوزير ويرون من محاسنه مهاجمة الحجاب في الشريعة الإسلامية ، ويعدونه ليبراليا أصيلا في دفاعه عمن يسبون دين الأمة وينالون منه على صفحات جريدته وكتب وزارته ومن خلال مجالسه ولجانه ، يمكن أن يحققوا له الاكتفاء الذاتي ، وإشباع أعماقه كي لا يتهافت على استرضاء القتلة النازيين اليهود الذين يحتلون قدسنا ومقدساتنا ، ونبارك المنصب مقدما حتى لا يشكك أحد في محرقة اليهود ، وإن أنكر اليهود محرقة غزة والشعب الفلسطيني!
حاشية :
1 – لم أكن أتوقع أن يكون صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك بمثل هذا التدني ! يأخذون رشاوى بسيطة من الصحفيين المتدربين : عزومة سمك – توصيلة بالسيارة – موضوعات يتم سرقتها ونشرها بأسمائهم - بعض الأجهزة الكهربية .. ويريدون أن يصبحوا أساتذة في الجامعة ! إخص !
2 – صحفي مهمته في الجريدة الحكومية الكبرى التي يكتب بها مهاجمة الإسلام وحزب العدالة والتنمية التركي ، ويدعو للتعري وإباحة الخمور والمجتمع المودرن وفصل الدين عن الدولة ، ويمجد السيد مصطفى كمال أتاتورك ويدعو أن تكون مصر مثل تركيا الكمالية ..! صح النوم يا هذا ..أنسيت أن أتاتورك لم يستطع ولن يستطيع إلا أن يقول : إن تركيا الجديدة قامت على أساس الدين ،هو ما ردده أردوغان مؤخرا في مؤتمر حوار الحضارات الذي انعقد في استانبول !
3 – أسوأ دعاية لحزب السلطة يقوم بها بعض أعضاء لجنة السياسات .. إنهم يؤلبون الناس ضد الحزب دون أن يقصدوا..
................................
* المصريون ـ في 7/4/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:19 AM
«رباعيات» حسين علي محمد

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

الشاعر الشاب حسين علي محمد له تجربة طيبة في عالم الشعر، وقد أخرج أكثر من مجموعة شعرية معظمها بالجهد الشخصي الشاق، وقد أصدرت له هيئة الكتاب منذ فترة مجموعة باسم "شجرة الحلم" نالت إعجاب ناقد كبير، ممّا حدا به إلى الكتابة عنها في مقدمتها.
وتأتي "رباعياته" التي صدرت مؤخراً ضمن مطبوعات جماعة «أصوات مُعاصرة» لتحمل روحاً شفافة تفيض بالعذوبة والأشواق، وتغزو عالماً زاخراً بالألم والأمل، وترتكز على قاعدة من الحلم الجميل بالغد الأفضل والأكرم.
إنها ـ أي المجموعة ـ مناغاة للواقع المرير برؤية صافية، وترصد السلبيات والإيجابيات بلغة الشعر، مع لمسات من الأسى تطفو على السطح بين الحين والحين.
والجديد في هذه "الرباعيات" أن الشاعر قد تخلّى عن الشعر المرسل أو شعر التفعيلة تماماً، وأثيت وجوده ـ ربما لأول مرة ـ في عالم الشعر المُقفّى ذي الشطرين، من خلال أداء راق يؤكِّد أن هذا الشعر يملك إمكانات مذهلة لو وجد الشاعر المُجيد الذي يستطيع امتلاك ناصيته.
قد تبدو بعض الألفاظ غريبة على أذن القارئ أو قاموس الشاعر، مثل "النبيذ" في الرباعية الثانية، أو "عنصريا" في الرباعية الثامنة، ولكن هذا لا يُقلل من هذه المجموعة التي تتألّق بمعانقة الإنسان والانحياز له.
يقول في الرباعية السادسة والثلاثين، والتي تُذكِّرنا بنغمات الشعر الفارسي:
قدْ أهاجتْني دموعُ العاشقينْ في عذابٍ لفـــــراقٍ أوْ لِقاءْ
قدْ قضيْتُ العمْرَ بحثاً عنْ جبينْ تُشرقُ الفرحةُ فيهِ والصَّفـــاءْ !
وفي الرباعية السابعة والعشرين يقول:
لمْ تُحَرِّكْني دفوفُ الأرْضِ يوْما أوْ غِناءُ المُطــرِبِ الموْهوبِ ليْلَهْ
قدْ قَضِيْتُ العمْرَ تسبيحاً وصَوْما في ظـلامِ الليــلِ أشتاقْ الأهِلَّهْ !
ومن خلال هاتين الرباعيتين يستطيع القارئ أن يُدرك مدى سيطرة الشاعر على ناصية الشعر
حلمي محمد القاعود
............................
*مجلة الإذاعة والتليفزيون، العدد (2500)، في 12/2/1982م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:25 AM
أزالوا صلاح الدين .. يا حُزنك يا رفح ؟!

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

- لماذا طاوعتني نفسي ، وذهبت إلى رفح ( المصرية ) ؟
كنت في العريش أحضر مؤتمراً علميّاً . قال بعض الزملاء هيا نذهب إلى رفح . المسافة قصيرة بين أربعين وخمسين كيلو متراً ، لن ترهقني كثيراً ، معرفة الوطن واجبة ، وخاصة لمن عاشوا هزيمة 1967 وعبور رمضان 1973م أمثالي ، كان الحلم يومها أن تتحرر سيناء ، وتخضر بالأمل والزرع والبشر . وقد مضت ثلاثون عاماً على " الصلح الأسود " بين مصر والعدوّ النازي اليهودي ، ازداد العدو قوة وتوحشا ولم يتحقق السلام ، ولم يشعر العرب بالأمان ، ولم ينج من قذائف الطيران والمدفعية والدبابات اليهودية النازية فلسطيني أو لبناني أو سوداني – فإما مات شهيدا ، أو صار جريحا ، أو عانى الرعب والنزوح ودمار البيوت والحصار والموت من الحصار ..
طاوعتني نفسي ، وركبت إلى هناك وهبطت في موقف السيارات مجهداً مكدوداً . البؤس سيّد المناخ . الشوارع أو الشارع الرئيسي الوحيد خرجت أحشاؤه وأعيدت . لماذا ؟ لا أعرف . خزانات الصرف الصحي متفجرة . رائحة " العطر ! " الفواح تزكم الأنوف وتغشى العيون . المدينة / القرية شبه خالية إلا من رجال الأمن الذين يتصدرون مداخل الحارات شاهري السلاح – في اتجاه من ؟ لا أدرى .. العدوّ النازي اليهودي ترك آثاره واضحة وزاعقة على العمائر والمباني التي تعلو في رفح ( الفلسطينية ) ويشاهدها السائر في رفح ( المصرية ) . في موقف السيارات قيل لنا : إن بوابة صلاح الدين أمامنا . سألت : أين هي البوابة ؟ قالوا : في مواجهتنا مباشرة ، خلف الجرافة نهض سدّ عال بني من الحجارة الجهمة الميتة ، لم يستطع أن يحجب الدمار الذي أصاب البيوت الفلسطينية من ورائه . ويقبع فوق السد جندي مراقبة حين رآني أمام الأسلاك الشائكة هتف بي في صوت عال: ممنوع يا أفندي .. تذكرت لأول مرة في رفح أنى " أفندي " وأنى مع زملائي " أفندية" والأفندية كانوا تحت العين الراصدة التي رأت فينا كائناً غريباً، ما كان له أن يخطو فوق هذه البقعة البائسة!
بوابة صلاح الدين ذهبت. رحلت تماما لصالح السد الحجارة العالي . صلاح الدين رمز العزة والنصر في حروبه ضد الغزاة الصليبيين المتوحشين الذين احتلوا فلسطين والقدس والشام، سبعين عاماً، واستوطنوا وغيّروا ملامح البشر والحجر، ورحلوا بفضل الله وذهبوا إلى الأبد، وتحرّرت القدس، وانكسر الغزاة الهمج في حطين. بوابة صلاح الدين تنسب للخليفة العادل الزاهد الشجاع الذي لقبّ بالملك المنصور السلطان يوسف صلاح الدين بن نجم الدين أيوب بن شادي، ولد بمدينة تكريت سنة 522هـ ، 1128م ، وتوفى سنة 589هـ ، 1193م، ودفن بدمشق الفيحاء بعد انتصاره التاريخي على الهمج الهامج واستعادته كرامة الأمة وعزة الإسلام.
بوابة صلاح الدين بداية الطريق إلى حطين ونصرها المؤزر وعبق التاريخ وشرف الجغرافيا .. هل تعجز مصر الكبيرة عن حمايتها رمزاً ودلالة وتاريخا وجغرافيا ؟
صلاح الدين درّة التاريخ الإسلامي ونخوة الجهاد الخالص ، ونشوة النصر المعطر بدماء الشهداء والأبطال والأحرار .. كيف يمحى أثره على الشارع الفاصل بين رفح الغرب ورفح الشرق ؟ أياً كانت الأسباب فإزالة بوابته إزالة لصلاح الدين نفسه ، وإهانة لتاريخه ، بل لتاريخ الأمة وحق الأجيال في المستقبل ، كي تتأسى بصلاح الدين وتقتدي بجهاده وانتصاره وتعلن عزة الإسلام .
كان صوت جندي المراقبة يرن في أذني ، لما يزل ، فانسحبت بعكازي ، وأويت إلى محل للأعشاب ، كان المحل الوحيد المفتوح في الحارة المؤدية لبوابة صلاح الدين ، باستثناء بعض المحلات في أول الحارة من ناحية الشارع الرئيسي . قال الفتى الذي يبيع الأعشاب إنه من أصل شرقاوي ، وراح يعرض بضاعته بدءًا من أعشاب الزكام إلى أعشاب القوة الحيوية ! وكل له ثمن وله مستوى ، بالإضافة إلى البهارات الخاصة بالسمك واللحوم والمحشيات ، والأسعار سياحية في وقت عزّ فيه السيّاح . قال الفتى : إن الحارة كانت تغص بالناس والسيارات قبل مذبحة غزة ، ولكنها خوت على عروشها بعد المذبحة النازية التي سكت عنها من يحاكمون الزعماء العرب أو يعلقونهم على المشانق بعد صلاة العيد !
كانت رفح في الزمن القديم أول محطة استراح فيها تيتوس في طريقه لمحاصرة القدس سنة 70 ب .م ، وكانت الحد الفاصل بين مصر والشام ، وفيها انتصر بطليموس الرابع ملك مصر على أنطيو خوس الكبير ملك سوريا في واقعة كبيرة سنة 217 ق . م ، وانتصر سرجون على سباقون ملك مصر في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد . وصفها المهلبى سنة 575 هـ / 1179م بقوله :
" رفح مدينة عامرة ، فيها سوق وجامع ومنبر وفنادق ، وأهلها من لخم وجذام ، وفيهم لصوصية وإغارة على أمتعة الناس حتى إن كلابهم أضر كلاب الأرض ... " ، وذكرها ياقوت الحموي ، فقال : " رفح منزل في طريق مصر بعد الدارم ، بينه وبين عسقلان يومان لقاصد مصر ... " .
ويصفها "نعوم بك شقير" في كتابه "تاريخ سينا القديم والحديث وجغرافيتها"، الذي ألفه في أوائل القرن العشرين ، بأنها "تزرع شعيراً، وطمرت الرمال معظم آثارها ، وعبث الزمان والسياح والعربان بالباقي ، ومع ذلك فالقليل الظاهر فوق الأرض من خرائبها يدل على ما كانت عليه قديماً من الثروة والعز ، وأشهر آثارها الباقية إلى الآن:
عمد من الجرانيت السود والسماقى ، كسر من حجارة البناء الصلبة ، وكسر آنية الفخار والزجاج على أنواعها ، والفسيفساء ، وهرابات الماء ، وقطع النقود الفضية والنحاسية والزجاجية من عهد الرومان والبيزنتين ( يقصد البيزنطيين) والدول الإسلامية الأولى ، وآبار قديمة وحديثة ، وجبانة قديمة ، وقبور أولياء ...
في القرن الخامس عشر الهجري ، الحادي والعشرين الميلادي ، تغيرت رفح مثلما تغير الزمان ، فيها بعض ملامح الحضارة التي تعرفها مدن الوادي وقراه ، الشرطة ، المدارس ، المقاهي ، الإدارات الحكومية ، الوحدة المحلية ، المباني المتواضعة، لكن البشر قلّة .. سألت عنهم فقيل لي : إنهم يفضلون الحياة في البيوت الصحراوية وسط المزارع، مزارع الزيتون غالباً، وإلى جواره بعض النخيل والخوخ والتين الشوكى وكلها تزرع اعتمادا على المطر . يمتد شريط الزراعة موازياً لساحل البحر حتى العريش .
عدت من رفح حزيناً مكسوراً أستند على عكازي . وقلبي يشتعل حرقة على وطن كان يدفن رءوس الأعداء في رماله ، فصار اليوم مشغولاً بالانتصار على زامبيا أو موزمبيق في كرة القدم ويتهيأ للمعارك الرياضية كأنه ذاهب إلى ميادين الحروب العسكرية، لم يعد يسمع المصطلحات العسكرية إلا من معلقي المباريات الكروية : القذائف ، الضربة الصاروخية، زمام المبادرة، التمريرة، التسلل، الهجمات المرتدة ، الاستحواذ ، الهدف القنبلة ،إصابة الهدف ، الضغط الهجومي ، الدفاع الصخرة، التسديد، المراوغة ...
ثقتي في الله ، ثم شعبي ، تؤكد أن مصر منذ فجر التاريخ ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لن تهون أبداً ولن تسمح للغزاة القتلة أيا كانوا وفى أي عصر ، أن يتمكنوا منها ، ومن وجودها الإنساني الكريم .
حاشية :
ينتفض صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك لأن بعض المحلات الإسلامية لا يوجد بها موظفون من الأقلية ، ونسألهم متى ينتفضون من أجل عدم وجود موظفين من الأغلبية في شركات أوراسكوم وغبور العملاقة ؟ ومتى ينتفضون خوفا على حياة علماء الإسلام ودعاته أمام المحاكم العسكرية مثلما يخافون على قادة التمرد الطائفي أمام تهديدات مفبركة ؟
................................
* المصريون ـ في 31/3/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:51 AM
يمشون على الأرض هونا!

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

ينهض الشعب المصري ، وبالتالي الشعوب العربية ؛ إذا كان ارتباطه بالدين وثيقاً وصحيحاً . إذا ضعف هذا الارتباط ووهن وكان مزيفاً ، فإنه يهبط إلى الحضيض ، ويشرب الهزائم حتى الثمالة ، ويتحول إلى حالة من الرّق لا مثيل لها في العالم . لذا أدرك الغزاة والطامعون – على امتداد الزمان - أهمية تفكيك الدين أو تشويهه في وجدان الشعب والأمة !
والارتباط بالدين ، ليس مجرد أداء الصلوات والعبادات الأخرى أداءً آليا بارداً خاوياً من المعنى والمضمون أو الهتاف بها والتعبير عنها تعبيرا شكلياً لا روح فيه ، فهذا تدين شكلي بعيد عن حقيقة الدين ، والعبادات ، ليست كلها الإسلام ، وإن كانت مظهراً له ، فالعبادات جزء رئيسي من دين شامل تلعب فيه الأخلاق والسلوكيات والمعاملات والعلاقات الأسرية والاجتماعية دوراً أساسياً في تشكيل حياة المجتمع المسلم وصناعة مستقبله ووجوده .
ولا يتسق وضع المجتمع الإسلامي في ظل علاقات تقوم على الاستعباد والنفاق والولاء لغير الله ، فهذا المجتمع لا بد له من الحرية الكاملة التي ترتبط بالشهادتين ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، وهى حرية يتخلص فيها المسلم من العبودية لغير خالقه ، وإلا تحول إلى الشرك ومفارقة الإيمان ، ودخل في دائرة أخرى تختلف عن دائرة الإسلام الحق ..
هزائم الأمة الحضارية والعسكرية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبعد عن الإيمان الحقيقي . قد يقول قائل إن غير المسلمين يتفوقون وينتصرون ، وهذا صحيح ، لسبب بسيط ، وهو استمتاعهم بالحرية أو التوافق عليها ، فلا يعبد بعضهم بعضا ، ولا ينافق أحد منهم الآخر ، ولا يواليه .. أما شعبنا ، فإن انهزامه يأتي نتيجة لفقدانه الحرية التي يصنعها الإيمان ، ثم إنه – وفقاً للعبودية لغير الله – لا يستطيع أن يتوافق عليها ، وهنا تكمن مأساته وأحزانه أيضاً !
في المراحل التي يتحرر فيها الشعب من عبودية البشر ، أو الفراعنة كما يحبون تلقيب أنفسهم ، ينتصر ، ويُحقق أمانيه . تأمل انتصاراته على التتار والصليبيين واليهود ، والظروف التي أحاطت بها ، وأبرزها نهضة الإيمان ، التي وصلت ذروتها في الشهادة أو الرغبة فيها إرضاء للخالق قبل المخلوق .. ثم تأمل الهزائم وملابساتها التي ارتبطت بقوة مع القهر والعبودية للفراعين ، أيا كانوا ، وأيا كانت طبقتهم !
ولم يكن من قبيل البعد عن فكرة " الحرية " التي تعنى العبودية لله وحده في الإسلام ، أن تركز سورة الفرقان في القرآن الكريم على وصف عباد الرحمن بصفات شتى تجعلهم متحررين تماماً من كل متاع الدنيا ومغرياتها وشهواتها وطغاتها أيضاً :
تأمل مثلاً وصفه سبحانه لعباده بالمشي على الأرض هوناً " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " ( الفرقان : 36 – 66 ) .
إن المشي هوناً ، ومسالمة الجاهلين والبعد عن السفهاء ، ثم الحرص على السجود والقيام والدعاء بصرف العذاب ، قيم إسلامية تتسق مع الطبيعة الحرة للمسلم الذي يعبد الخالق وحده ، ولا ينحني لأحد سواه .. وتندرج مع ذلك القيم الأخرى التي وردت في الآيات التالية لوصف عباد الرحمن : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " ( الفرقان : 67 ) ، فالاقتصاد في الإنفاق ، والتوسط فيه تعبير عن موقف حرّ يجعل المسلم لا يبذر ولا يقتر ، ولكنه يتحكم فيما يملك ، ويحافظ على الإرادة التي تحميه من السفه والبخل ، ثم تأتى الآية التي تُذكّر بالعبودية للخالق وحده ، ولا تجعل المسلم يعبد غيره ، مهما كان مستبداً طاغية ، متجبراً مستكبراً ، فهو في كل الأحوال لا يملك الرزق ولا العمر اللذين يملكهما الخالق ، ولا يملكهما أحد سواه ، وفى ذلك تمام الحرية ، حيث يستعيد المسلم وجوده الإنساني ، ويحرم الفرعون من تجاوزه لبشريته وتوهمه أنه إله يملك أقدار الناس ، وفى الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه : " قلت يا رسول الله ؛ أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله نداً ، وهو خلقك ، قلت ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك .. " .
وقد نزلت الآيات التالية تصديقاً للحديث الشريف . قال تعالى :
" وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا " ( الفرقان : 68 – 71 ) .
وترتبط بحرية المسلم حرية الناس وحماية أرواحهم ؛ فلا يجوز لعباد الرحمن أن يقتلوا أحداً إلا بالحق ، لأن قتل النفس محرّم بأمر الله ، وكذلك الزنا ، لأن تحريمه على المسلم يمتد إلى تحريمه على الآخرين فلا يستبيحون حرمته ولا يلوثون عرضه .. ومن يخطئ فله عذاب مضاعف خالد فيه امتهان وإذلال ، وقد فتح الخالق باب التوبة للمخطئين عن جهل أو ضعف ، شريطة ألا يعودوا إلى الخطأ ، وأن يتأكد إيمانهم ويعملوا عملاً صالحاً ، لينالوا العفو والغفران والرحمة .
ثم تتوالى الآيات في بيان صفات عباد الرحمن فتتحدث عن الذين لا يشهدون الزور ، ويمرون باللغو كراما ، ويخرون سجداً حين يذكرهم بآيات ربهم إيماناً واحتساباً وليس صماً وعمياناً كما يفعل المنافقون المشركون . والزور في الآية موضع تفسيرات عديدة ، فهو الشهادة الباطلة ، وهو حضور مواضع الكذب ، وهو حضور كل موضع يجرى فيه مالا ينبغي ، وهو حضور مجامع الشرك والفسق وأهل الشر ، وهو حضور مجالس الزور التي يُقال فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – ومشكلتنا الرئيسية في بلادنا هي الزور بمعنى الكذب والنفاق ، ابتغاء منفعة أو مصلحة من الآلهة البشرية ، كبرت أو صغرت ، مما دفعنا إلى مؤخرة الأمم ، مع أننا خير أمة أخرجت للناس حين تلتزم بصفات عباد الرحمن ، وحين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، بالمفهوم الجامع وليس القاصر المحدود !
" وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " ( الفرقان : 72 – 74 ) .
هذه هي الأمنية النهائية أو الغاية التي يتشوق إليها عباد الرحمن ، أن يكونوا قدوة للمتقين ، يقلدهم الناس ، ويأتمون بهم ، لما يتوفر فيهم من صفات النقاء والنضج والحرية ..
لا يمكن للمنافقين والأفاقين والمرتزقة أن يحسبوا أنفسهم على الإسلام ، وأن يكونوا من المؤمنين الصادقين ، لأنهم ببساطة شديدة يعبدون إلهاً غير من خلقهم ، وينتظرون منه منفعة أو مصلحة أو معيّة ..
المسلم الحقيقي حرّ يعيش في مجتمع أحرار ، يفيض بالطهارة والرقى والعمل الجاد والتراحم والتضامن والمساواة والأمل والقدوة وإمامة المتقين .
حاشية:
صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك يدعون بطولة زائفة لأنهم كانوا – بحسب خيالهم المريض – السبب في إنقاذ البلاد من كوارث محققة ، تتمثل في التهرب الضريبي لأحد المحلات الإسلامية ! بالقطع لا بد أن يكون للدولة موقف حاسم من أي متهرب من الضرائب ، لكن السؤال لماذا لا يجرؤ صبيان الكنيسة على الاقتراب من رجال الأعمال النصارى ؟ أم أن الدعوة لعدم ختان الذكور والدعوة لزواج المسلمات من النصارى وأن يلبس الرجال الذهب والحرير هي منتهى كتابات صبيان الكنيسة ؟ ليت الكنيسة تختار صبيانها بعناية !
................................
* المصريون ـ في 24/3/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:52 AM
اشكروا قطر .. وابكوا على خطاياكم !

بقلم: د. حلمي محمد القاعود

من مأثورات معالي وزير الخارجية المصري " أحمد أبو الغيط " أن جيبوتي وجزر القمر لا تستطيع تقرير مصير الأمة العربية . وكان ذلك بمناسبة الموافقة من جانب الدولتين على انعقاد مؤتمر القمة العربي في الدوحة في أثناء المجزرة التي قام بها الغزاة النازيون اليهود لشعب غزة الأعزل ( ديسمبر 2008/ يناير 2009م ) .
الاستهانة بجيبوتي وجزر القمر ، تنافى أبسط قواعد الدبلوماسية والسياسة ، فضلاً عن مشاعر الأخوة والانتماء الديني والقومي !
وعلى غرار المأثورات التي يُطلقها أبو الغيط ، ومن على شاكلته ، فإن الأبواق المأجورة في النظام المصري كثيراً ما تهجو دولة قطر أو إمارة قطر ، وتصفها بأنها الإمارة التي لا يتجاوز عدد سكانها مواطني شارع شبرا ، وذلك تقليلاً من شأنها وقيمتها ، وأحياناً يسمونها دولة القناة ، نسبة إلى قناة الجزيرة التي تقض مضاجع الأنظمة العربية المستبدة.
دولة قطر هذه قامت مؤخراً بدور عظيم يصب في خدمة الأمن القومي المصري ، لو كان حكامنا يعلمون ، فقد استضافت الفصيل الأقوى من المتمردين في دارفور مع الحكومة السودانية لمحاولة حل المشكلة العرقية التي تهدد بتفتيت السودان ، وتهيئ لتفتيت مصر الكبيرة وتحويلها إلى عصر ما قبل " مينا " موحد القطرين .
استضافت قطر ( الصغيرة ) المحادثات بين الطرفين ، وظلت قرابة أسبوع تتابع من خلال أميرها ورئيس وزرائها وبقية المسئولين ما يجرى ويتم التفاهم عليه ، مع تذليل العقبات ، لدرجة الحرمان من النوم ، كي يتحقق اتفاق يُمهّد للسلام ، وتم توقيع الاتفاق وتبعته زيارة أمير قطر للخرطوم كي يواصل مع الطرفين البحث في الحلّ النهائي ، وتشجيع الفصائل الصغيرة على إلقاء السلاح والمشاركة في بناء وطن سوداني يتمتع بالأمن والسلام ، ويستطيع البناء والتعمير .
وقد أعلن أمير قطر ورئيس وزرائها أن هناك تشاوراً مع ليبيا ، لتدخل تشاد في عملية السلام بحكم علاقتها ببعض القبائل السودانية ..
ما فعلته قطر ، كان يجب على مصر أن تفعله وتبادر إليه ، وتركز عليه من زمان بعيد ، لأن السودان هو البوابة الجنوبية لمصر ، وتأمين هذه البوابة مسألة ضرورية استراتيجياً وأمنياً ، لأن العدوّ النازي اليهودي يعلم جيداً أن نهر النيل هو عصب الحياة في مصر ، والسيطرة عليه تعنى تحكّماً في مقدراتها ومصائرها ، لذا حرص هذا العدوّ منذ زمان بعيد على إشعال النار في جنوب السودان ، ثم غربه وشرقه ، وإمداد المتمردين بالمال والسلاح ومساعدتهم بالتدريب لإغراق البلد الطيب في متاهات الحروب والدماء والفقر والجوع والخلافات ، حتى يتحقق له ولسادته الغربيين والأمريكان الهيمنة على الوطن الذي يخشونه وهو مصر الكبيرة !
وللأسف ، فإن أم الدنيا ، أهملت وتراخت وسكتت عما يجرى في السودان ، لأسباب هامشية حتى قويت شوكة الخونة الطائفيين وأنصارهم الشيوعيين في الجنوب ، وصار لهم جيش وعلم وعاصمة وسفارات ، فضلاً عن المشاركة في حكم السودان وموارده الاقتصادية ، وإبداء الرأي في سياسته مع العالم حتى لو كان هذا الرأي مخالفاً للشعور القومي وجارحاً للكرامة الوطنية ، من قبيل تأييد محاكمة الرئيس السوداني أمام المحكمة الجنائية الدولية ، والتهديد علناً بانفصال الجنوب ، وشنّ الحرب على حكومة الخرطوم !
وكانت زيارة الرئيس المصري لجوبا عاصمة جنوب السودان قبل شهور خطوة في الاتجاه الصحيح ، ولكنها جاءت متأخرة جداً ، بعد أن استأسد الخونة ، وتحدثت الأنباء عن شرائهم لطائرات مقاتلة ، واستيرادهم لدبابات مقاتلة من أوروبا الشرقية ، علم الناس بخبرها مصادفة من خلال عمليات القراصنة الصوماليين !
ولا نظن أن الزيارات القصيرة التي يقوم بها بعض المسئولين المصريين للخرطوم الآن بقصد تأجيل محاكمة الرئيس السوداني دوليا، تصبّ في اتجاه منع تفكيك السودان ، فالدول الاستعمارية الصليبية تصرّ على تأديب البشير ، وجعله عبرة لمن لا يعتبر ، لأنه تجرأ ذات يوم ، وتحدث عن تطبيق الشريعة الإسلامية في بلاده ، وهو ما جرى من قبل حين أعدموا صدام حسين يوم عيد الأضحى ، ويوعدون غيره بالمصير ذاته وخاصة ممن لا يعتمدون على إرادة شعوبهم وتأييدها الحقيقي !
كان السودان يحتاج لاستنفار القوى المصرية على اختلاف مشاربها وتخصصاتها لحمايته من المستقبل الفاجع الذي ينتظره على يد الخونة ومموليهم ، ولكن القوم عندنا لم يبالوا وانشغلوا بحلايب وشلاتين ،ومؤامرة الاغتيال في الحبشة ، وتجاهلوا أن الذي سيضيع هذه المرة أكبر من حلايب وشلاتين .
وإذا كانت قطر ، تحاول أن تحق السلام بين الشمال والغرب في السودان ، فهي خطوة تستحق الشكر من جمهورية مصر العربية ( مملكة مصر والسودان سابقا ) ، ويجب إصدار الأوامر للأبواق المأجورة كي تغلق فمها وتتوقف عن هجاء قطر ، وتنشغل بقضاياها الأخرى من عينة : حكمة الزعيم وقرار الزعيم ، ولفتة الأب الحنون ، والقائد يضع النقط على الحروف ، وضربة المعلم ، والشوق إلى طشة الملوخية ونحو ذلك ...
بالطبع ، لن نقول لهم ابكوا على أنفسكم نتيجة الصفعات النازية اليهودية المتلاحقة ، فهذه الأبواق فقدت الإحساس والشعور بما حولها ، ولم تعلم أن إهانة مصر بملايينها الثمانين تحوّلت إلى فكاهة في فم المجرم النازي اليهودي " إيهود أولمرت " ، وتعرّضت لصفعته القوية يوم أهدر جهودها التفاوضية وأزرى بها وربط اتفاق التهدئة – قبل توقيعه بساعات – بالإفراج عن الجندي الإرهابي " جلعاد شاليط " .. والمفارقة أن السفاح اليهودي " عاموس جلعاد " هو الذي انتفض من أجل كرامة مصرفي سياق دفاعه عن نفسه وكرامته ، وخاطب رئيسه بحدة لم نسمعها من مسئول مصري .
ابكوا خطاياكم ، لأن الغزاة النازيين اليهود ، أزروا بمصر ،ورفضوا مبادرتها لوقف إطلاق النار في آخر لحظة بعد مذبحة غزة ، وأعلنوا وقفاً من جانبهم دون أن يعبأوا بمن سهروا الليالي من أجلهم في القاهرة وعواصم العالم .
ابكوا على خطاياكم ، لأن الغزاة النازيين اليهود ، خرقوا السيادة المصرية عشرات المرات ، وعبرت طائراتهم الحدود المصرية لتقصف الأنفاق في رفح المصرية ، دون أن تقابل باحتجاج بسيط من عينة مأثورات " أحمد أبو الغيط " سنكسر رجل من يعبر الحدود إلى مصر ، ويقصد به الشعب الفلسطيني وحده ، أما الغزاة اليهود ، فلهم " تعظيم سلام " ! ..
ابكوا على خطاياكم لأن مواقفكم تطابقت مع مواقف العدو والغرب والأميركان تجاه حماس والمقاومة ومليونيرات رام الله الذين يحكمون بخطة دايتون اللعينة لاستئصال المقاومة وقهر الشعب الفلسطيني، ثم وهو الأنكى منع الوفود الدولية من توثيق جرائم القتلة النازيين الصهاينة ، وإلقاء المتضامنين مع شعب غزة من المصريين وغيرهم في قاعات مظلمة !
هل في عيونكم دموع أيها السادة ؟ إذا .. ابكوا على خطاياكم ، وعلى السودان ، وعلى فلسطين جميعاً .
................................
* المصريون ـ في 24/2/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:54 AM
«شعراء وقضايا» للدكتور حلمي القاعود

هذا الكتاب الجديد للناقد الكبير د. حلمي القاعود قراءة تكشف جوانب مهمة في الشعر العربي الحديث، من خلال بعض شعرائه وقضاياه، وتحاول أن تكون منصفة لبعض الشعراء الذين ظلمهم الواقع الأدبي بالتجاهل أو الصمت. مع أن بعضهم رائد في مجاله، عملاق في أدائه، لكن اختلال المعايير في الواقع الأدبي قلب الموازين. وأعطى شهرة كبيرة لبعض من لا يستحقونها. وحرم من يستحقون العدل والإنصاف.
يضم الكتاب نماذج لشعراء من بلدان عربية مختلفة، تبدأ من العراق على الخليج، وتنتهي عند المغرب على المحيط. فيرى القارئ روحاً عربية واحدة أو تكاد. تسري بينهم جميعاً، تحمل هما مشتركاً، وعاطفةً مبثوثةً في وجدان العرب جميعاً.
الناشر : دار العلم والإيمان بدسوق، بمصر.
.......................................
*المساء ـ في 16/5/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:55 AM
يا منصف الشعراء والأدباء

بقلم: مؤمن الهباء

رغم أنه صديقي إلا أنه مازال قادراً علي أن يدهشني بين آن وآخر.. قرب المسافات بين الناس يكسر حاجز الدهشة والإبهار.. لكن هذه القاعدة لا تنطبق علي صديقي الدكتور حلمي القاعود المبدع والناقد والاستاذ الجامعي.. يغيب ويحتجب ثم يفاجئني بما هو جديد ومثير.
وقد اعتاد د. القاعود ألا يساير الموجة.. فلا يهتف مع الهتافين.. ولا يصخب في صخب الصاخبين.. وإنما يفكر ويتأمل ويدرس ويقوم.. ثم يخرج بمفاجأة مدوية.. يقلب الموازين.. وينصف المظلومين.. ويجهر بكلمة الحق الثقيلة.. التي ربما تكون سبباً في الإضرار بصاحبها.. وتلحق الظلم به هو شخصياً.
ويعرف كثيرون أن د. القاعود ظلم كثيراً لأنه لم يقف في طابور الهتافين.. المتزاحمين علي المناصب.. المتفننين في التلون والتكيف من أجل الوصول إلي مواقع النفوذ والمال والجاه.. لكنه - فيما أظن - قد استراح إلي الطريق الذي ارتضاه لنفسه فأرضي ضميره.. وكسب أكثر بكثير مما خسر.. فكانت تجارته في المحصلة النهائية رابحة.
ولأنه مطمئن إلي هذه النتيجة فلا تكاد تلمس فيه اضطراباً.. أو اختلالاً في التوازن النفسي.. إنه الهادئ الوقور.. الذي لا يشي مظهره الطيب بما يصدر عنه من آراء وأفكار ومواقف تتسم بالتحدي والصلابة مثلما تتسم بالصدق والإخلاص.
وقد تطرقت مؤلفات الدكتور القاعود إلي العديد من المجالات.. فكتب في الإسلاميات 17 كتاباً.. وفي الدراسات النقدية والأدبية 18 كتاباً.. وكتب في الإعلام عن "الصحافة المهاجرة".. وله مجموعة قصصية بعنوان "رائحة الحبيب" ورواية بعنوان "الحب يأتي مصادفة".. وحصل علي جائزة المجمع اللغوي بالقاهرة عام 1968 وجائزة المجلس الأعلي للثقافة عام ..1974 وعمل استاذاً بكلية المعلمين بالرياض في السعودية لمدة خمس سنوات. من 1989 إلي 1994. ومع ذلك لم يزل يعيش في قرية "المجد" بمحافظة البحيرة.. نفس القرية التي ولد ونشأ بها.
حين قرأت في وقت مبكر كتابه "الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر" أدركت أنني أمام باحث جاد. قادر علي فرز الغث من السمين.. ولديه من الأدوات ومن الطاقات العلمية ما يعصمه من الزلل أو الشطط.. فهو قادر علي أن ينصف من لم تنصفه الأضواء والجوائز والمهرجانات.. وقادر ايضا وبنفس الدرجة علي أن يضع الآخرين في مكانهم الطبيعي.. وفي كل الأحوال يرتكز علي قواعد وحجج مقنعة.
إنه ذلك الفلاح الماهر الذي يستطيع أن يقتلع الهالوك من الحقل حتي لا يغطي علي الورد فيضعفه ويقضي عليه.
ويبدو أن هذا الكتاب الذي كشف براعته قد رسم له طريقاً أثيراً لديه.. لإنصاف من يستحقون الإنصاف من المبدعين الذين لا ينالون شيئاً من أضواء المهرجانات والجوائز في مناخ الشللية الثقافية التي يشكو منها الجميع.. لذلك جاء كتابه الأخير ليكمل المسيرة.. هذا الكتاب يحمل عنوان "شعراء وقضايا" وصادر عن دار العلم والإيمان بكفر الشيخ وليس من أية هيئة ثقافية رسمية.. وهو عبارة عن قراءة تكشف جوانب مهمة في الشعر العربي الحديث من خلال بعض شعرائه وقضاياه.
يقع الكتاب في 204 صفحات.. ويمارس فيه د. حلمي القاعود هوايته الأثيرة.. وهي محاولة إنصاف بعض الشعراء الذين ظلمهم الواقع الأدبي بالتجاهل والصمت.. أو التقليل من قيمة ما قدموه علي مستوي الفن والصياغة لأنهم لم يدخلوا في دائرة المرضي عنهم من القابضين علي زمام الحياة الأدبية والثقافية.
ولا يتحرج د. القاعود من أن يصدع بالحقيقة التي يؤمن بها.. وهي أن بعض هؤلاء الشعراء المظلومين يعد رائداً في مجاله.. عملاقاً في أدائه.. ولكن اختلال المعايير في الواقع الأدبي قلب الموازين.. وأعطي شهرة كبيرة لبعض من لا يستحقونها.. وحرم من يستحقون الإنصاف والعدل.
ولقد رأينا خلال الشهور القليلة الماضية أشهر نموذج لاختلال المعايير.. فالشاعر الذي لا يعرف عن الشعر شيئاً يحتفي به في مجلة حكومية يمولها دافع الضرائب.. لكي يصدم الناس بالغثاء الذي أراد فرضه فرضاً.. وعندما علت صيحات الاحتجاج ضده منح علي الفور جائزة الدولة حتي يبتلع الناس ألسنتهم.
وبناء علي قاعدة "وبضدها تتميز الأشياء" يضم كتاب د. حلمي القاعود "شعراء وقضايا" نماذج مناقضة لهذا اللون الفاسد والمتسلق.. نماذج لشعراء لهم قضايا من بلدان عربية شتي.. تبدأ من العراق إلي الخليج وتنتهي عند المغرب علي المحيط.. فيري القارئ روحاً عربية واحدة تكاد تسري بينهم جميعاً.. تحمل هما مشتركاً.. وعاطفة مبثوثة في وجدان العرب كلهم.
في هذا الإطار يمكن أن تري نازك الملائكة إلي جانب عبده بدوي وحسن عبدالله القرشي ومحجوب موسي وخليفة الوقيان.. كما تجد عصام الغزالي إلي جانب محمد الرباوي وعبدالمنعم عواد يوسف وأحمد بهكلي ونشأت المصري وناجي عبداللطيف وعبدالله شرف.. وغيرهم.
لقد أدهشني د. القاعود فعلاً ب "شعراء وقضايا" مثلما أدهشني من قبل ب "الورد والهالوك" وأخذني معه في طريق الإنصاف لمن لم تنصفه الحياة الأدبية.. وقد وجدت أن أول من يجب علينا إنصافه هو د. حلمي القاعود نفسه.
ليتني أكون قد بدأت أول سطر في كتاب إنصافه.
...........................................
*المساء الأدبي ـ في 8/6/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:56 AM
على عتبة الخائن يعقوب!

بقلم: أ.د . حلمي محمد القاعود

قبل أن ندخل إلى عالم الخائن الطائفي " يعقوب حنا " ( 1745 – 1801 م) ، يحسن أن نرشد السادة الإرهابيين الطائفيين إلى جريمة أخرى اقترفها رجل من القرن الثامن عشر الميلادي اسمه الشيخ عبد الرحمن الجبرتي ( 1754 - 1822 م ) ، صاحب التاريخ المسمى باسمه ، وإن كان عنوانه الأصلي " عجائب الآثار في التراجم والأخبار "ويبلغ ثمانية أجزاء في الطبعة الجديدة ، وأربعة مجلدات في الطبعة القديمة. فقد قامت الهيئة المصرية العامة للكتاب بنشر كتاب الجبرتي الذي يتناول ضمن صفحاته سيرة الخائن الطائفي يعقوب حنا ، ويذكر سلوكه الخياني الإجرامي ضد شعبه وقومه ، وتمرده على الأغلبية الإسلامية والنصرانية في بلاده، وانحيازه إلى الغزاة السفاحين الفرنسيين الذين عبروا المتوسط ليذبحوا الشعب المصري المسالم ، وينهبوا ثرواته ، وينتهكوا حرمة مقدساته ويغتصبوا نساءه ، ويربطوا خيولهم في الجامع الأزهر الشريف!
يستطيع الإرهابيون الطائفيون أن يتقدموا بالبلاغات إلى النائب العام ، ويرفعوا القضايا أمام المحاكم المصرية والأجنبية ضد الهيئة المصرية العامة للكتاب ، لأنها بددت أموال دافع الضرائب الطائفي في نشر كتاب الجبرتي الذي ينال من الخائن يعقوب ، ويفضح سلوكه المشين قبل اكثر من قرنين من الزمان ، ويمكن للإرهابيين الطائفيين أن ينصبوا حلقة ذكر واسعة في مواقعهم الخيانية على الشبكة الضوئية ، وعبر القنوات الطائفية وغير الطائفية ، ويجندوا أنصارهم ممن يستفيدون بالمال الطائفي في صحف السيراميك والتعري وأحزاب الحكومة الورقية ، وأعضاء ما يسمى مؤتمرات المواطنة والتمييز والكتاب الماسون والمارينز واليسار المتأمرك؛ ليقولوا للكونجرس وأوباما وكارتر وهيلاري كلينتون وخافيير سولانا : إن الجبرتي " المتأسلم " نشر كتابه في مشروع حكومي واسع الانتشار اسمه " مكتبة الأسرة " عام 2003م ، بعد أن كان منشورا في طبعات محدودة أومختصرة ؛ أصدرتها دور نشر خاصة أو مؤسسات حكومية مثل " دار الشعب " التي أصدرته في طبعة رخيصة جدا في الستينيات من القرن الماضي ، وكان ثمن الجزء الواحد منها خمسة قروش فقط – هل تعرفون قيمة القرش ؟
بالتأكيد فإن الحكومة المصرية الوهابية المتشددة المتعصبة – وفقا لتسميات متطرفي المهجر – سمحت للإخوان " المتأسلمين " باختراق دار الشعب قديما وهيئة الكتاب حديثا ؛ لينالوا من الخائن القبطي " يعقوب "، الذي يعده متطرفو أقباط المهجر رمزا لاستقلال مصر " القبطية " عن الإسلام في ظل الاستعمار الفرنسي الدموي ، وصاحب أول مشروع في التاريخ ينقل مصر من مستعمرة مملوكية عثمانية إلى دولة ذات سيادة في ظل الدولة الفرنسية الكبرى ، أو دولة إنجلترا العظمى ، وفقا لكلام المدعو" سكالاريس " حبيب يعقوب ، وتوءم روحه ، وعشيقه الذي بكاه بالدم بدل من الدموع !
يستطيع الإرهابيون الطائفيون ؛ بعد أن انتصروا في موقعة " ذاكرة الكتابة " ، وأرغموا رئيس هيئة قصور الثقافة على الاعتراف بذنبه ، والندم على ما فرط منه في نشر كتاب " أحمد حسين الصاوي " – رحمه الله ، وإعلانه أنه لن ينشر مستقبلا أي كتب تسيء إلى الذات النصرانية المصرية ، مثلما أعلن وزيره ندمه واعتذاره لليهود الغزاة القتلة من أجل اليونسكو، أن يقيموا الأفراح والزينات والليالي الملاح ، ويعلنوا انتصارهم على العرب البدو الحفاة الذين يسمون " المسلمين " وأنهم مع أقليتهم الضئيلة ( أقل من 5% من السكان ) ، تمكنوا أن يفرضوا إرادتهم ونفوذهم على الأغلبية الساحقة ، وأن يقطعوا ألسنة من تسول لهم أنفسهم أن يتعرضوا بكلمة حق ضد الخيانة الطائفية ، وأن يحرموا الأغلبية بأسرها من قراءة القرآن الكريم أو تدريسه في المدارس أو الجامعات ، بحجة أنه يزدري النصرانية ويسيء إليها .
وكان من علامات هذا النصر هو التحول العظيم ورجوع زمن البركة إلى مصر ، ورد كل شيء إلى أصله كما تنبأ الكتاب المقدس ؛ حيث يخبرنا بذلك غلاة الإرهابيين الطائفيين في مواقعهم الخيانية على الشبكة الضوئية . إنهم يرون الإسلام قد طمس هويتهم وغزا بلادهم بالسيف ( لم تعد بلادنا نحن المسلمين ؟!) ، وسرق الهندسة المعمارية للكنائس ، ونقلها إلى المساجد ، وزيف التاريخ ، وسرق الكنيسة المعلقة ، حتى الزرع والدواب .
لقد انتصروا – كما يقولون - على المخطط الشيطاني الذي بدأه عمروبن العاص ، وختمه القادة الانقلابيون بزعامة عبد الناصر ، وآن الأوان لنسف الإسلام واللغة العربية والشريعة والمادة الثانية من الدستور !!
عملية بعث يعقوب بطلا للاستقلال ومصر للمصريين ، ترتبط برباط وثيق مع خيانة المتمردين الطائفيين المعاصرين ، وتمثل قاعدة يبنون عليها مخططهم الانفصالي المدعوم والمستقوي بالغرب الصليبي وفي مقدمته الولايات المتحدة ، وهو استقواء ودعم جعل من بعض النكرات من متطرفي المهجر يرفضون مؤخرا مقابلة وفد الخارجية المصرية في أوربة ، وقد ذهب الوفد للتفاوض معهم حول مطالبهم (؟!)واسترضائهم ، انطلاقا من انبطاح النظام أمام الغرب الاستعماري ، وضعفه أمام الإرادة الصليبية في الوقت الذي لا يسترضي ولا يتفاوض مع الأغلبية الكاسحة ، بل يمارس هواية محبيه إلى نفسه بالاعتقال اليومي لعشرات الإسلاميين , وتقديمهم للمحاكمات العسكرية ومحاكم أمن الدولة !
إن خونة المهجر يدعون أن يعقوب ، هو صاحب أول جيش قبطي يحمي الأقباط من الرعاع المسلمين ، ويبدو أن ذاكرة الخونة ضعيفة ، فقد سبق يعقوب الخائن خونة كثيرون أبرزهم الخونة البشموريون في براري الدلتا ، وقد صفاهم الخليفة المأمون حيث حضر بنفسه إلى مصر ، وقاد المعارك بنفسه حتى قضى على التعصب والتمرد !
الخائن يعقوب ليس محل خلاف بين المصريين ، وأعني بهم المسلمين والنصارى – دون المتمردين –فهو خائن خسيس باع نفسه للشيطان الفرنسي الدموي ، واستقوى به ، وكون فيلقا من متعصبي النصارى ، كرنك في الرويعي ، وأطلق من معسكره القذائف ضد اشقائه المسلمين الآمنين ، وظل يوالي الحملة الفرنسية الدموية وجنرالاتها الأشرار ، حتى انهزمت الحملة ، ورحلت عن مصر ، فرحل معها ، وهلك قبل أن تصل السفينة التي تحمله مع الغزاة إلى الشاطئ، فوضعوا جثته في برميل من الخمر حتى لا تتعفن ، ودفن في مارسيليا ، ولم يعد أبدا إلى مصر المستقلة ، إلا من خلال الخونة المعاصرين .
حاشية :
إلى فضيلة الدكتور يحيى إسماعيل – جمعية علماء الأزهر :لك التحية والمودة مضاعفة ، ثم إن مواجهة تجار السينما الحرام تقتضي إدراكا لطبيعة هؤلاء التجار في قلب الحقائق والترويج لبضاعتهم الفاسدة ، وكنت أتمنى من فضيلة الدكتور البري ألا يشارك في برنامج على الهواء وهو لم ير الفيلم الرديء ، فيظهره المخرج الشيوعي في صورة لا أحبها له..مع انحياز واضح من مذيع القناة .. وأتصور أن رد الفعل الحقيقي يتمثل في صناعة سينما حقيقية تعبر عن المجتمع المصري الكادح حقا ومن خلال تصور إسلامي ناضج ، بعيدا عن المجتمع المختلق الذي يصنعة تجار اللحم الأبيض والمخرجون الشيوعيون في أحط صور الواقعية السوفياتية المقبورة ،ويغذيه العنف والشر والجنس والدم والبذاءة وانتهاك المحرمات فضلا عن تصوير الإسلام تصويرا دمويا قبيحا " دون مسوغات فنية أو أسباب موضوعية . ولجبهة علماء الأزهر تمنياتي بالتوفيق في خدمة الإسلام .
.........................................
*المصريون ـ في 16/6/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 12:57 AM
جابر عصفور وخالتي دميانة !

بقلم: أ.د . حلمي محمد القاعود

صديقي اللدود جابر عصفور – شفاه الله وعافاه – يحرص في مجال هجائه للإسلاميين على إدانتهم في موضوع التمرد الطائفي الذي تقوده الكنيسة ، ويذكر دائما قصة العلاقة التي كانت تربط بين أسرته وأسرة نصرانية في مسقط رأسه بالمحلة الكبرى ، ويشير إلى الخالة دميانة التي أرضعته صغيرا ، وعلاقته بأقرانه من النصارى ، وترددهم بين مسجد أبى الفضل الوزيري ،والكنيسة المقابلة له .. والحق أن صديقي اللدود يتجاهل أن الأنبا شنودة ، أرضعته امرأة مسلمة ، وكان له أخوة مسلمون من الرضاع ، والقصص كثيرة عن العلاقة الطيبة بين المسلمين والنصارى ، والمشاركة الدائمة فيما بينهم في المناسبات السارة والأخرى الحزينة ..حتى بدا عصر التمرد الطائفي بقيادة في مطلع السبعينيات ، فأشعل النار في الوطن المهزوم الذي فجعته هزيمة 1967 وحولته إلى معرة الأمم ، وأتاحت للمتمردين الطائفيين أن يستعيدوا سيرة البشموريين الخونة ، من خلال ما يقال عن استقلال مصر القبطية عن الغزاة العرب ، وبعث ما يسمى اللغة القبطية وإلغاء اللغة العربية ( لغة الغزاة !) ، وقد بدأ التمرد بمسيرة الكهنة في أوائل السبعينيات في الخانكة شمال القاهرة تضامنا مع كنيسة المنطقة ، وتحركهم بما يسمي الروح الاستشهادية ، فقد كان الأنبا يودع الكهنة إلى المظاهرة ، مطالبا أن يعودوا سبعين ومائة راهب ، بدلا من سبعمائة وألف راهب !
لقد بدأ عصر المواجهة الدموية الذي صنعته الكنيسة ، ولم تصنعه التيارات الإسلامية على اختلاف تكويناتها وأفكارها ، وبدأ عصر الجيتو الذي حول النصارى إلى شعب الكنيسة بدلا من شعب مصر الطيب الذي يواجه المحن بالصبر والسلوان ..
ولأن صديقي اللدود يمثل الواجهة الثقافية للدولة البوليسية الفاشية وعتبتها ، فإن كلامه يجب أن يؤخذ في الحسبان بوصفه توجه سلطة تجاه شعبها ومعتقداته ، خاصة أنها ترى الإسلام خطرا ماثلا ينبغي التصدي له ، وأعلن أكثر من كاتب سلطة ومسئول بأن التيارات الإسلامية أخطر من الغزاة النازيين اليهود !
ومذ تولى صديقي اللدود إدارة تحرير مجلة فصول تحت رئاسة الراحل عز الدين إسماعيل ، ثم تعرفه على الوزير الفنان ، وصعوده الصاروخي لينتزع رئاسة تحرير فصول من أستاذه ، ثم ولايته المجلس الأعلى للثقافة ، والمركز القومي للترجمة ، وأخيرا بعد المعاش ولاية هذا المركز بدرجة وزير ، ثم إثبات ولائه للوزير الفنان إلى درجة أن صار ذراعه اليمين والشمال أيضا ..
ولأن الحملة في الصحف والمجلات التي تهيمن عليها السلطة البوليسية قد اشتعلت ضد الإسلاميين ، وخاصة بعد منح جوائز الدولة لليساريين الذين يرون الإسلام دينا مزورا مكافأة لهم وتكريما ، فالواجب الوقوف عند بعض ملامح التمرد الطائفي الذي يرى الإسلام دينا مزورا أيضا ، والمسلمين غزاة بدوا جاءوا من الجزيرة العربية بقيادة سفاح اسمه عمرو بن العاص ! ؛ ليقتنع الصديق اللدود أو يعلم على الأقل ، وآخرين ممن يتبنون التحامل على الإسلاميين وهجائهم بلا هوادة ؛ أن المسألة ليست بناء كنيسة أو الصلاة داخل أحد البيوت أوعدم صدور قانون بناء موحد لدور العبادة ، وهو القانون الذي يظنون أنه سيوقف تمرد قيادة الطائفة ، ويمنع إصرارها على حرمان الأغلبية الساحقة من التعبير عن إسلامها وتطبيق شريعتها وتعلميها في المدارس والأزهر .
سوف أكتفي بمثالين قريبين ليدرك صديقي اللدود أن المسألة أكبر من بناء كنيسة أو التعيين في وظيفة ..
المثال الأول كتبه القمص مرقص عزيز خليل – عفو الأب يوتا الذي أهان نبي الإسلام – صلى الله عليه وسلم – ونقلوه إلى الخدمة الخارجية في الولايات المتحدة ربما هربا من مؤاخذته على إجرامه في حق الإسلام والمسلمين . مقاله منشور بأحد المواقع الطائفية ونشره في 17/7/2009م ، ويتحدث فيه عن ضرورة إسقاط المادة الثانية من الدستور المصري حتى لا تكون هناك تفرقة بين المسلمين وغيرهم . لقد شبه المادة الثانية التي تنص على إسلامية الدولة بجدار الفصل العنصري الذي أقامه الغزاة النازيون اليهود في فلسطين المحتلة ، بل عد المادة الثانية أخطر من هذا الجدار ؛ لأن الجدار مادي يمكن أن يزول في يوم ما ، أما المادة الثانية فخطرها معنوي لا يزول بتقادم الأيام ، وأنبأنا القمص المتعصب الحاقد على الإسلام وأهله أن الأمم الراقية لا تنص في دستورها على دين الدولة !
وإني أسأل هذا القمص المتمرد ما شأنه بالمادة الثانية ؟ وهل النصرانية تأمره أن يكون رجل دولة وسياسة ؟ ثم من أخبره بأن الدول الراقية لا تنص في دساتيرها على دينها ؟ وإني أحيله إلى دساتير بريطانيا العظمي واليونان وصربيا وألمانيا ،إسبانيا وإيطاليا، وهي لا تكتفي بالنص على دين الدولة بل على مذهب الدولة بين المذاهب النصرانية ، ودين رئيس الدولة أيضا .. ثم أليس من حق الأغلبية الساحقة أن تتبنى الدستور الذي تريد وفقا للقاعدة الديمقراطية التي تحافظ على حقوق الأقليات ؟
وإذا كان مرقص أو يوتا يكذب ويعلن عن تعصبه وتمرده بلا حياء ، فهناك الخسيس الذي يعيش بالأموال الأميركية في وكره بواشنطن ، ليعلن في مقال بعنوان لماذا الدعوة إلى دولة قبطية ؟ 18/7/2009م ؛ تهنئته في بداية المقال لدولة الغزو النازي اليهودي بمحو كلمة القدس ، وعودتها إلى أورشليم بعد تحريرها من الغزاة العرب ويبارك عودة أورشليم إلى العالم ، بعد 1400عام ، ويتمنى عودة بيت لحم اليهودية أيضا ..ويطالب الطائفي الخائن الخسيس بدولة طائفية عاصمتها الإسكندرية لأن ألنظام يضطهد النصارى ويحرمهم من حقوق المواطنة !
بالتأكيد فمثل هذه النوعية من الأفكار الإجرامية الطائفية لا تصدر عبثا عن يوتا والخائن وغيرهما من عملاء المؤسسة الاستعمارية الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة، كما أنها ليست بعيدة عن علم الأنبا شنودة ووعيه وهيمنته .
إن تمزيق مصر ليس عملا هينا يمكن اختزاله في الخالة دميانة وبناء الكنائس التي لا يحتاجها النصارى أصلا ، وهو ما يلح عليه نفر من الماركسيين السابقين وكثير من اليساريين بصفة عامة ويرونه علامة على اضطهاد مزعوم للأقلية الطائفية في مصر، ويرتبون عليه ضرورة إلغاء الإسلام وإقصائه بل استئصاله من المدارس والجامعات وأجهزة الدعاية ومؤسسات الثقافة ، بل مكافأة من يهينونه ويشوهونه بالجوائز والمناصب والمنافع والشهرة..
إني أسأل صديقي اللدود : هل توافق على تقسيم مصر ؟ هل ترضى باستئصال الإسلام ؟ أليس من حق المسلمين أن يعبدوا الله وفق شريعتهم ؟ ألا يتساوى الإخوان المسلمون بالبهائيين والماسون وعباد الشيطان ؟
إني أتمنى أن أسمع من صديقي اللدود – شفاه الله وعافاه- رأيا واضحا في هذا الأمر ، لأنه وهو يقود مثقفي الحظيرة في وصفهم للإسلام بالإظلام والظلامية والأصولية والرجعية والتخلف والبداوة والإرهاب والعنف والتطرف والجمود لا يمثل نفسه بقدر ما يمثل واجهة دولة بوليسية فاشية مستبدة وعتبتها .. وهو ما يجعل الناس يتساءلون : هل الدولة ضد الإسلام ؟
.................................................. ........
*المصريون ـ في 21 - 7 - 2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 01:01 AM
نثرنا العربي في العصر الحديث‏..‏ إلي أين؟

بقلم:‏ سامي فريد

حظي النثر العربي في النهضة الأدبية الحديثة بدراسات كثيرة كان لمؤلف هذا الكتاب تطور النثر العربي في العصر الحديث جهد ملموس في دراسة بعض ملامحه في مدرسة البيان أو القصة القصيرة أو الرواية أو المسرح جمعها في خمسة فصول يتضمنها الكتاب‏,‏ يناقش في الفصل الأول العوامل التي أدت إلي النهضة الأدبية الحديثة في بلادنا متناولا بعض القضايا المهمة من خلال منظور مختلف يضعها في سياقها السليم‏,‏ ويكشف عن بعض الجهود التي أهمل الباحثون الحديث عنها أو لم يعطوا دورها حقه الواجب من الاهتمام‏.‏ ويعرف الأستاذ الدكتور حلمي محمد القاعود مؤلف الكتاب في فصله الثاني المقال وتطوره فنيا‏,‏
والعلاقة بينه وبين غيره من الفنون كالخطبة والمقامة والأحاديث والفصول والرسالة متوقفا عند مقوماته الفنية من خلال رؤية غربية وعربية مع تطبيقات علي أبرز أعلامه في الوطن العربي‏,‏ وتقديم نماذج لمقالات بعضها تظهر اتجاهاتهم وأساليبهم‏.‏ ثم يتناول الدكتور حلمي القاعود في الفصل الثالث فن القصة القصيرة شارحا تطور المقامة الحديثة في اتجاه القصة القصيرة‏,‏ راصدا التجارب الأولية لها من خلال المدرسة الحديثة التي كان أبرز أعلامها محمد تيمور ومحمود تيمور وعيسي عبيد وشحاتة عبيد ومحمود طاهر لاشين وأحمد خيري سعيد ويحيي حقي‏,‏ متوقفا عند أبرز أعلامهم ومقدما نماذج لبعض كتاباتهم‏,‏ مناقشا فنون القصص العربي القديم
وعلاقته بالنص الحديث‏,‏ ثم يعمد الدكتور القاعود بعد القصة القصيرة إلي دراسة فن الرواية في الفصل الرابع لنقرأ نشأتها وتطورها‏,‏ ونتعرف علي أهم أنواعها ثم مقوماتها والفارق بينها وبين القصة القصيرة مع وقفة مع بعض أعلام الرواية متناولا بعض النماذج من أعمالهم‏,‏ ويخصص المؤلف فصله الأخير للمسرحية من حيث نشأتها وتطورها وبيان مقوماتها وتحليلها وتأثير المذاهب الفنية المختلفة علي تقاليدها‏,‏ ثم الوقوف عند أهم أعلامها مع مناقشة بعض نماذج من أعمالهم خاصة توفيق الحكيم في مسرحيتيه شهر زاد وبيجماليون‏.‏
وفي الكتاب لا يفوت الدكتور حلمي القاعود أن يشير إلي التراجع الذي حدث علي النهضة الأدبية العربية الحديثة دون التطرق إلي أسباب هذا التراجع مكتفيا بالتنبيه إليه بعد كل ما كتب في الصحف وعرض في أجهزة الإعلام المختلفة عن المحنة التي يتعرض لها الأدب المعاصر واللغة العربية في مواجهة التيار الشرس المضاد لهوية الأمة وثقافتها والذي يحتاج منا إلي التكاتف وتوحيد الجهود لدحره انتصارا لأدبنا ولغتنا‏,‏ ويورد المؤلف آراء ثلاثة عن القصص العربي القديم وعلاقته بالقص الحديث يقطع أولها الصلة تماما بين القصص العربي القديم والقصص الأوروبي الحديث بل يذهب إلي أن الطبيعة العربية ضد الفن القصصي أساسا‏.‏
أما الرأي الثاني فيؤكد وجود هذه الصلة قائلا بأن القصص الحديث ما هو إلا صورة متطورة لفن القص العربي القديم‏,‏ في حين يقول الرأي الثالث إن لدينا قصصا عربيا قديما ولكن القصص الحديث لا علاقة له به‏.‏ ومن نشأة الرواية وتطورها يستشهد المؤلف بما قاله يحيي حقي عن أول رواية فنية في كلامه عن رواية زينب للدكتور محمد حسين هيكل عندما يقول‏:‏ من حسن الحظ أن القصة الأولي في أدبنا الحديث قد ولدت علي هيئة ناضجة جميلة فأثبتت لنفسها أولا حقها في الوجود والبقاء واستحقت ثانيا شرف مكانة الأم في المدد منها والانتساب إليها‏.‏
........................................
*الأهرام ـ في 17/9/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 01:03 AM
القمع الثقافي المستنير؟

بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

ليسمح لي القارئ أن أتوقف عند بعض الظواهر الثقافية التي تحكم حياتنا المعاصرة في مصر على يد مثقفي الحظيرة وأشياعهم من الباحثين عن الرزق – الحلال أو الحرام لا يهم – حيث غايتهم الأولى والأخيرة التشهير بالإسلام وتلويثه والتحريض عليه سعيا لإقصائه ، وإلغائه واستئصاله .
كنت أحاول الانصراف إلى كشف التمرد الطائفي الذي يسعي إلى ابتزاز الدولة الرخوة والحصول منها على امتيازات فوق الامتيازات التي حصل عليها اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا ، بالإضافة إلى الحصانة التي أتيحت له في ظل سلطة رخوة ، لا تتحرك بحزم إلا مع الإسلام وأتباعه ، تتعامل معهم بلا رحمة ولا شفقة ، وتدخلهم المعتقلات والسجون ، وتقدمهم إلى المحاكمات العسكرية وهم مدنيون قاضيهم الطبيعي هو القاضي المدني ، وتذهب في مكايدتها إلى حد إصدار أوامر اعتقال جديدة لمن تحكم المحاكم الاستثنائية بالإفراج عنهم . السلطة الرخوة مع التمرد الطائفي تستأ سد علي المسلمين لأن الإسلام لا ظهر له مثل الظهر الأميركي الذي يحمى التمرد الطائفي ويمنحه القوة ليتحكم خمسة بالمائة في بقية الشعب المسلم الأسير !
كان أحد رواد الحظيرة الثقافية يحكي قصة الهزيمة التي مني بها الفنان في اليونسكو ، فأرجعها إلى الإسلام الذي وصفه بكل بذيء من الوصف وقبيح ، ويكفي أن تقرأ ما يقوله الرائد الحظائري وهو يبكي هزيمة حبيبه الفنان الذي أخفق في تحقيق أدني تقدم للثقافة في مصر على مدى ربع قرن تقريبا أتيحت له فيها ميزانية عالية وإمكانات هائلة . يشير المذكور إلى ما حدث من قمع باسم الدين‏ ، قام به المتطرفون ولم تحرك الدولة‏(‏ التي تزعم أنها مدنية‏حسب قوله)‏ ساكنا‏ ، وقبل أن تحدث كارثة الحادي عشر من سبتمبر‏،‏ كان تنظيم القاعدة – كما يقول - لا يكف عن نشاطه التدميري الذي عولم الإرهاب الديني في النهاية‏ ،‏ وتحالف مع طالبان التي عادت بأفغانستان قرونا إلي الوراء‏ ،‏ وقبل ذلك أو في موازاة ذلك كان هناك قمع المفكرين الذين جرءوا علي الاجتهاد في الفكر الديني‏(؟)‏ وما حدث مع نصر أبو زيد نموذج لذلك‏ ،‏ فضلا عن محاولة اغتيال نجيب محفوظ وعشرات غيره علي امتداد العالم العربي‏ ، وقد نجحت بعض هذه المحاولات فأودت بحياة رموز عربية أذكر منها في مصر فرج فودة ورفعت المحجوب‏ ،‏ وقد نجم عن جرائم الإرهاب أعداد كبيرة من الضحايا الأبرياء‏ ، يشملون الأطفال‏، فضلا عن جرائم المذابح التي أقيمت للسياح الأجانب‏.‏
وإني أسأل : من هم المتطرفون أولا ؟ وكيف استطاعوا ممارسة هذا القمع ؟ والدولة البوليسية الفاشية تضرب بيد من حديد كل من يعلن ولاءه للإسلام بمفهوم رب العالمين وليس بمفهوم ماما أميركا ،وأولاد العم الصهاينة ؟
ثم كيف يسوغ مثقف الحظيرة المحترم للمؤسسة الاستعمارية الصليبية بقيادة الولايات المتحدة أن تدمر أفغانستان والعراق والصومال ، والباكستان في طريقها إلى اللحاق بهم ،بحجة أن القاعدة ( أين هي ؟ ) تحالفت مع طالبان فأعادت أفغانستان إلى الوراء مئات السنين ، والحظائري الرائد يتناسى أن صاحب الفضل في تخريب البلد المسلم هو الاتحاد السوفيتي التقدمي المستنير الذي كان يقصف القري والمدن الأفغانية بالمطر الأصفر الذي يهلك الحرث والنسل ، ثم جاء الاستعماريون الصليبيون بقيادة الولايات المتحدة ليكملوا المشوار بإبادة كل مظهر للحياة ولو كان متواضعا على أرض الأفغان نظير ذنب لم يثبت حتى الآن أنهم ارتكبوه أو شاركوا فيه ؟ . وبدلا من إدانة الغزاة القتلة يتحامل الحظائري العتيد على الأفغان ويعطي شرعية لقتلهم وسحقهم لأنهم متطرفون وإرهابيون كما يزعم . كان المنطق الإنساني والقومي والوطني يقول له ادعم هؤلاء المجاهدين الذين يقاومون الغزاة القتلة ويضحون بأرواحهم وما تبقي من ممتلكاتهم ضد الإجرام الصليبي غير المسبوق ويكبدونه خسائر ليست بسيطة أو هينة ، ويدفعون عن الأمة بلاء صليبيا مجرما لا يعرف الله ولا المسيح والأخلاق ولا القانون .
سؤل آخر : من هم الذين يجتهدون في الإسلام ؟ هل هم الماركسيون الذين يفهمون الإسلام على أنه دين وضعي ، أو أولئك الذين يفهمونه على أنه منتج تاريخي،؟أو أولئك الذين يزعمون أن الإمام الشافعي رضي الله عنه كان عميلا للدولة الأموية ، مع أنه لم يولد إلا بعد سقوط هذه الدولة ؟ أو أولئك الشيوعيون الذين لا يحسنون قراءة آية واحدة من القرآن الكريم ؟ هؤلاء هم المجتهدون الذين ينبغي أن نرفع لهم الطواقي والعمائم لأننا لا نلبس قبعات ؟
إن جرائم ما يسمى بالإرهاب هي جرائم تخص أصحابها ولا تخص الإسلام ، وقد جاءت في سياق عنف وعنف مضاد كان المجرم الأول فيه بعض الجلادين الذين أشعلوا الوطن يوم اعتقلوا صفوة رجاله من التيارات المختلفة ، ووضعوهم في السجون المظلمة وعذبوهم ، وأفرغوا عقد النقص التي كانت تلاحقهم بسبب وضاعة المنبت ووضاعة السلوك ، وبعضهم لم يتورع عن الإعلان عن الضرب في سويداء القلب وتثقيب الأجساد ..ونفذ ذلك في عرض الطريق العام دون خوف من الله أو الناس . والحمد لله أن الشعب المصري الطيب الأصيل عاد إلى طبيعته المسالمة ،وذهب الجلادون إلى جوف التراب ، وحسابهم على الله ؛ وإن لم يعد العملاء الخونة وخاصة من الأبواق المأجورة المعادية للإسلام إلى الطبيعة الإنسانية السليمة ، وظلوا على ولائهم لمن يمدهم بالمال والجاه والنفوذ والمناصب ، ومازالوا في غيهم يعمهون ويصدون عن سبيل الله ، ويهينون الإسلام ويتهمونه بالظلامية ، أو يسمونه بالإظلام !
والبكاء على الحبيب الفنان يدفع بعض الحظائريين إلى تبرير أخطائه وخطاياه ، وفشله الأكبر في عدم تحقيق أي تقدم في المجال الثقافي داخل مصر ، ويزعمون أن أراد يجعل من وزارة الثقافة حصنا ومنارا للاستنارة‏ويدللون على ذلك بموقفه من قضية "وليمة لأعشاب البحر" وعدم اعتراضه علي قرار المجلس الأعلى للثقافة بمنح الجائزة التقديرية لسيد القمني تقديرا لاجتهاده وليس موافقة علي أفكاره بالضرورة‏، أرأيتم الاستنارة الوزير الفنان الذي يرى أن الدفاع عن رواية رديئة وبذيئة ، ومزور بذيء لا يملك أدوات البحث وشروطه حصنا للاستنارة ومنارا لها ؟
ويقدمون أسباب الفشل الذريع للفنان بالضغوط التي كانت تقع عليه ولا تزال ويرونها أكبر وأقوي من أن يحاربها وحده‏( يا حرام ؟) ‏ فكان يكتفي بالمناورة أحيانا‏،‏ لكي يحقق أهدافا أكبر‏، خصوصا في بلد كما يقولون غزت ثقافته عناصر رجعية متطرفة‏(؟) – يقصدون الثقافة الإسلامية - فالرجعية مثل التطرف والظلامية والأصولية تسميات كودية للإسلام في عرف الحظائريين وأشباههم ممن يكرهون الإسلام ويحاربونه ، ولا يكتفي الحظائر يون بذلك بل يرجعون التمرد الطائفي الخائن المستقوي بالمؤسسة الاستعمارية الصليبية إلى التطرف الديني ( الإسلامي طبعا!) الذي لابد – في مفهومهم السقيم - أن يخلف ما يوازيه في القوة ويناقضه في الاتجاه‏ ، وهو ما يسمى لديهم الاحتقان الطائفي ، ويزعمون أن المتطرفين الذين يرفعون راية الإسلام نجحوا في إثارة من يماثلونهم في التطرف داخل الطوائف المسيحية‏، وكانت النتيجة أن أخذ عدد من الأقباط الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة يتحدثون عن اضطهاد ديني للأقباط‏ ،‏ وتلقفتهم جماعات لا تريد لمصر الخير‏،‏ فأصبح موضوع الاحتقان الطائفي في مصر موضوعا عالميا‏ ، ولولا ذلك ما تحدث أوباما تحت قبة جامعة القاهرة عن ضرورة إنصاف الأقباط وتحرير المرأة‏ .. أرأيتم تفسير التمرد الطائفي الذي بدأ مع ولاية رئيس الكنيسة الحالي ، وتفرع وتمدد وفقا لتخطيط مدروس يرتكز على ضعف الدولة البوليسية الفاشية واعتمادها على الغرب الاستعماري الصليبي، وتماهيها معه ، وسماعها لنصائحه ، وتنفيذها لإرادته ، ومن ثم وجدنا خطاب التمرد يقوم على أساس أن المسلمين غزاة وبدو يجب أن يرحلوا عن مصر ، وأن الثقافة الاستشهادية النصرانية كفيلة بتحقيق هذا الحلم ، وأن اللغة العربية ليست لغة المصريين ، وأن الانتماء العربي عار يجب أن يغسل من وجدان النصارى ، وأن الكنائس يجب أن تزرع في كل أرجاء مصر حتى تعود إلى طبيعتها النصرانية - كما يزعم المتمردون !! -، ولكن الحظائريين يكذبون ويغالطون تقربا إلى المتمردين الطائفيين وتملقا لهم من جهة ، وإلى النظام البوليسي الفاشي من جهة أخرى ، وتعبيرا عن أحقاد دفينة وقبيحة ضد الإسلام وقيمه وتشريعاته .. ألم يشاركوا في إعلان بالصحف تكلف كثيرا ( من أين لهم هذا؟ ) للمطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور ؟
والأعجب من ذلك أن القوم ينادون بما يسمى التسامح والتنوع الثقافي الخلاق والحوار مع الآخر المعادي بالتي هي أحسن ، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يتسامحون مع الإسلام وأهله ، ولا يقبلون بالإسلام ضمن التنوع الثقافي الخلاق ( وهو دين الأغلبية الساحقة ) ، ولا يحاورون أهله بالتي هي أحسن ، مع أن المسلمين هم الذين يطعمونهم ويسقونهم ، ويوفرون لهم الملاذات الآمنة والقصور الفاخرة والشقق الفخمة والسيارات الفارهة والمرتبات العالية .. أليس ذلك مثيرا للتناقض والعجب ؟ لم لا ينظرون إلى الغزاة النازيين القتلة في فلسطين المحتلة وهم يجعلون من التوراة والتلمود والأساطير القديمة أساسا لثقافتهم ولا يتحرجون منها ولا يغيرونها ولا يعدونها منتجا تاريخيا ، ولا يقاطعونها من أجل ما يسمونه استنارة وحداثة وتقدما ؟
أليس في القمع الثقافي المستنير الذي يصنعه الحظائريون برفض التحاور العلمي مع الإسلام قمعا رخيصا وقبيحا ،ودليلا على تهافت الحظيرة وخوائها ؟
.................................................
*المصريون ـ في 3/11/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 01:04 AM
حزب فرنسا وحزب الكاتدرائية !

بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

جلست المذيعة المشاغبة مثل القطة الأليفة تبتسم وتفتعل الابتسام أمام محدثها ، وتحاول بقدر الإمكان أن تختلق المواقف التي تثير الابتسام أو الضحك ، وهو يساعدها بما يقرب من التنكيت والتبكيت للنظام والمجتمع ، ويعرض رؤاه التي تتحدث عن الظلم الذي يلاقيه نفر من الشعب المصري يمثلون طائفة قليلة العدد ، ولكنها تظفر بامتيازات الأسد في الاقتصاد والسياسة والحماية والحصانة . كان زعيم التمرد الطائفي يؤكد ويحرص على التأكيد أن الطائفة يبلغ عدد أفرادها اثنا عشر مليونا ، والمذيعة المشاغبة تؤمن عليه وتستمع إلى مسوغاته ولا تشير من قريب أو بعيد إلى التعداد الذي أذاعته مؤسسة إيبو الأميركية وهي مؤسسة ليست منحازة إلى المسلمين (المتوحشين ) بسبب! وهو تعداد يقول إن غير المسلمين في مصر يبلغ عددهم أربعة ملايين ونصف مليون بكل أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم ، مما يعني أن مطالبهم بالكوتة افتئات على الأغلبية وتحد لها بل إهانة لها وإذلال لا يقبله المنطق ولا العقل ولا الكرامة التي تحرص عليها السلطة .. ولكن رئيس التمرد الطائفي استمر في عرض مظلوميته المفتعلة ، مبايعا للوريث ، مؤكدا على أن قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين بلغ أرذل العمر ، ولم يدخل إلى حيز التنفيذ، لأن السلطة – بالبلدي الفصيح – تضطهد الأقلية الغلبانة الضعيفة ! وكانت المذيعة المشاغبة تؤمن على كلامه وتفتعل الابتسامات والمباسطات والمفاكهات لتحظى بالرضا الطائفي غير السامي في حضرة الزعيم !
ترتب على الحوار التلفزيوني أن قام أحد الوزراء على الفور وذهب إلى الكاتدرائية ، وبدأ الإجراءات العملية في تقديم القانون إلى القنوات الرسمية لإقراره وفقا لرؤية التمرد الطائفي ، وليس وفقا لرؤية بقية الطوائف والاتجاهات التي تتكون منها الطائفة نفسها !
المفارقة أن المذيعة المشاغبة نفسها كانت في رمضان قبل الماضي تستضيف عالما أزهريا من إدارة الأزهر ، وتتناول معه قضايا مصادرة الكتب الإلحادية والإباحية ، وكانت تنهر الرجل الطيب وتزجره كلما حاول التعبير عن رأيه ، لدرجة أنني تمنيت لو كنت مكانه أن أترك لها المكان وأمضى إلى حال سبيلي احتراما لنفسي وحفاظا على كرامتها .. ولكن الرجل الطيب ظل مذهولا مما تفعله المذيعة الشرسة ، لا يدري ماذا يفعل ؟
الفكرة الأساسية في المفارقة أن هناك نفرا في الإعلام والصحافة والسلطة والمجالات الأخرى متأكدون أن التمرد الطائفي في الدولة يملك مفاتيح المنح والمنع ، والغفران والحرمان ، وهذه المفاتيح مرتبطة جيدا بالموقف من الإسلام ، فالارتباط بالإسلام والدفاع عنه يخرج صاحبه من رحمة التمرد الطائفي إلى جحيم الفقر والفاقة والإقصاء والموت الفكري والمعنوي والعملي ، أما إهانة الإسلام والانتقاص منه ومن أعلامه وعلمائه فهو الباب الملكي إلى الدخول إلى جنة السلطة والمال والشهرة والمكانة الاجتماعية .. قارن مثلا بين أعضاء الروتاري والليونز والأونرهويل والأحزاب الشيوعية والعلمانية والماسونية ؛ وبين أعضاء العشيرة المحمدية وأنصار السنة والجمعية الشرعية .. ولا أقول الإخوان أو الجماعات الإسلامية أو حتى الشبان المسلمين ؟
انظر مثلا إلى الملياردير الطائفي الذي استطاع – بأموال المسلمين التي يقترضها بمئات الملايين من الجنيهات والدولارات- أن يشترى معظم الكتاب والمذيعين والصحفيين والإعلاميين في قنواته وصحفه وشركاته ، وفي الوقت نفسه يتبرع للتمرد الطائفي كي يتمدد وينتشر ، ويبني قلاعا على هيئة كنائس ضخمة تؤكد أن مصر نصرانية ..وأن النصارى هم أصل البلد ، حتى لو كانت السيدة هاجر المصرية هي أم العرب ؟
الإسلام يبدو عبئا على صاحبه وخاصة إذا أعلن عن إيمانه بالتصور الإسلامي طريقا إلى العمل والإبداع والإنتاج والسلوك والفكر والحياة انطلاقا من قوله تعالى " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " ( الأنعام : ،163،162 ).. أما إذا تهاون المسلم في إسلامه ، واتبع طريق التصور الطائفي عن الإسلام فهو رجل مستنير وتقدمي وغير متعصب وغير متطرف وغير إرهابي .. وترضى عنه الجهات التي تملك الحل والعقد ، ويتم تصعيده إلى أعلى المناصب ودرجات الشهرة والمنفعة ..
هؤلاء الذين يرفضون الإسلام ممن يحملون أسماء إسلامية ويتحركون وفقا للرؤية الطائفية ، هم كيان حزبي غير رسمي ، ولكنه متماسك عمليا وموجود في الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري ، وهؤلاء يمكن تسميتهم بحزب الكاتدرائية ، لأنهم لا يتركون مناسبة لهجاء الإسلام وتشريعاته ووجوده إلا اهتبلوها وراحوا ينتقدون كل صغيرة وكبيرة بدءا من النقاب والحجاب إلى إقامة الصلاة في مواعيدها ورفع اليدين بالدعاء إلى الله مرورا بتطبيق الشريعة ومنع الربا وتحريم الخمور وعدم الفصل بين الدين والدنيا ورفض الإباحية والخلاعة ..
إن حزب الكاتدرائية الذي يحمل أعضاؤه أسماء إسلامية يصر على رفض المادة الثانية من الدستور ، ويطالب بتعديل الدستور لحذفها وليس إلغاء المواد المقيدة للحريات أو تلك التي تمنع الشعب من المشاركة في تقرير مصيره وبناء مستقبله وتحقيق استقلاله ومحاسبة المفسدين والطغاة والخونة .. كما يسعى إلى استئصال كل أثر للإسلام في التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والمجتمع والسياسة والمؤسسات.. بل إن هذا الحزب يعمل بلا كلل ولا ملل لزرع الفكرة الفرعونية في وجدان الناس وعقولهم مع أن الفرعونية عار يجب أن يتخلص منه المصريون ، لأن الفرعونية تعني التجبر والطغيان وعبودية الشعب المصري وخضوعه للطغاة . يقول تعالى ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) " القصص : 4 "، و يقول تعالى : " فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين " ( الزخرف : 54 ) ، ويقول تعالى : " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " ( القصص : 8 ) .
ومع ذلك يخرج أحد الأبواق المزمنة في الصحافة المصرية ليقول : نعم نطلق على منتخب الكرة " الفراعنة " لأننا بالفعل فراعنة أولاد الفراعنة العظام الذين قال عنهم أفلاطون " إنهم أساتذتي في الفكر والفلسفة " وهو يوم فخر عظيم عندما نحيي الدولة الفرعونية أول دولة في العالم قادت الإنسانية إلى الحضارة والتوحيد ، وسوف يصبح العيد الأكبر عندما يمسك المصري المسيحي والمصري المسلم بجواز سفر مكتوب عليه : جمهورية مصر الفرعونية . أ . هـ
والبوق المزمن يخلط بين المصرية والفرعونية . نحن مصريون عرب ولسنا فراعنة طغاة . ومصر لن تكون فرعونية ، بل مصر إسلامية وستظل كذلك إلى ما شاء الله . الإسلام عقيدة المسلم وثقافة غير المسلم وحضارته .. إن مصر المسلمة ستبقى على مر الزمان رمزا للعدل والرحمة والحرية .. وسيذهب الفراعنة المعاصرون إلى حيث ذهب الفراعنة القدامي ، ويا لبؤس مصيرهم ونهايتهم !
إن حزب الكاتدرائية هو حزب فرنسا الذي حارب الإسلام في الجزائر ، وسرق أموالها وثرواتها ، وأزرى بلغتها العربية وشخصيتها القومية ، وسرقها حين وجدها فريسة بلا صاحب ولا مالك ، ولكنه سيلقى مصير الفراعنة القدامي أيضا ، وهو مصير مظلم ومؤلم بمشيئة الله .
حزب الكاتدرائية لا يخجل من تسمية المنتخب القومي بالفراعنة ، ولكنه يخجل أن يسمي بمنتخب الساجدين . لأن السجود ملمح من ملامح الصلاة في الإسلام ، وأي ملمح من الملامح الإسلام مرفوض لدى حزب الكاتدرائية بيتنا .
كنت أتمنى أن تكون المذيعة الشرسة المشاغبة في حضرة عالم الأزهر الطيب أليفة مستأنسة مثلما كانت في حضرة زعيم التمرد الطائفي ، مع أنها تنسب إلى أب طيب كان أستاذا في اللغة العربية ، ويعد واحدا من الرواد في تخصصه الدقيق ، وكان في تخصصه منتميا إلى الإسلام ووفيا له ، ولكنها للأسف الشديد انحازت لحزب الكاتدرائية بيتنا من أجل مصالح صغيرة ، وهو حزب مصيره إلى الزوال إن شاء الله لأنه حزب غير طبيعي ، وغير إنساني ، ويتمسك بأهداب الفراعنة الطغاة الذين أغرقهم الله في عز سطوتهم وقوتهم جزاء وفاقا، وكانوا عبرة لمن يعتبر !
.......................................
*المصريون ـ في 1/12/2009م.

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 01:05 AM
فتاوى كبار الكتاب والأدباء: كتاب جديد

اسم الكتاب : فتاوى كبار الكتاب والأدباء
تحقيق : أ . د .حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر : 1430 هــ = 2009م
الناشر : دار الفضيلة القاهرة
عدد الصفحات : 176، 24 سم.
الغلاف : كرتون سميك بخط اليد .

قبل قرن من الزمان تقريبا ؛ طرحت مجلة الهلال مجموعتين من الأسئلة على عدد من كبار الكتاب والأدباء في مصر والبلاد العربية حول مسألتين مهمتين ، الأولى : مستقبل اللغة العربية ، والأخرى نهضة الشرق العربي وموقفه إزاء المدنية الغربية . ويعجب المرء لمرور الزمان والمسألتان مازالتا تشغلان الناس في العالم العربي حتى اليوم ، ويجيب الكتاب والأدباء في هذا الكتاب عن أسئلة الهلال من وجهات نظر مختلفة تجمع بين المستشرق الأوربي والأميركي ، والكاتب لعربي .. وتتفاوت النظرات والتصورات بين المستفتين أو المجيبين على أسئلة الهلال ، ولكنها جميعا مع تطرف بعضها تسعى لنهضة البلاد العربية ولغتها العربية الفصحى .
ويعد هذا الكتاب حلقة في النهضة العربية ذاتها ، بدليل أن قراءته بعد حوالي قرن من الزمان تكشف عن قيمته في معالجة قضايا اللغة والنهضة جميعا ، فضلا عن كون الأسئلة التي طرحتها الهلال مازالت قائمة وصالحة لمعالجة قضايا اللغة والنهضة .
هذا الكتاب فرصة لإثارة ما يحمله من مضمون يعنينا على المستوى الإنساني والحضاري ، ويشتبك مع واقعنا الذي يغالب أمواجا عاتية ، تقذف به يمينا ويسارا ، ولا يقر له قرر في اتجاه يراكم العمل والإنتاج والإبداع ، في سياق الحرية والأمل وخدمة الدين والحضارة الإنسانية .
لقد بذل الدكتور حلمي القاعود جهدا كبيرا في إخراج هذا الكتاب وقراءته وضبطه والتعليق عليه والتقديم له وترجمة أعلامه بما يعطي صورة عن المستفتى وطبيعة آرائه وأفكاره .
ولا شك أن هذا الكتاب يشدنا إلى ضرورة قراءة تراثنا الحديث وكشف ما فيه من جهود وكنوز لخدمة الأمة في سعيها الحثيث نحو بناء مستقبلها بعد تجاوز العقبات والصعاب .

د. حسين علي محمد
06-12-2009, 01:07 AM
مباراة رياضية .. وخيبات حضارية !

بقلم: أ. د . حلمي محمد القاعود

عندما كان النيل بطعم الجوافة ، وكان الطمي ينتج أعذب الخضروات والبقول والمحاصيل والثمار ، كانت وسيلة المواصلات الرئيسية وربما الوحيدة هي المراكب أو القوارب الشراعية ، وكنا قبل خمسين عاما تقريبا ، نسعد حين يسبق القارب الذي نستقله القارب الآخر الذي يبدو أقل استعدادا وإمكانات فشراعه صغير وجسمه ثقيل ، وقائده محدود الخبرة والتجربة ..
تذكرت ذلك بعد نصف قرن من الزمان بسبب المباراة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بين مصر والجزائر ، فحسبت أن القيامة قد قامت، وانطبقت السماء على الأرض ، وأن يوم الحساب قد أزف .. ولا غالب إلا الله!
الفوز والسبق طبيعة بشرية ، يسعد الفائز أو السابق بفوزه أو سبقه ، ويغضب الخاسر أو المتأخر ، ولذا يقتل بعض الناس أنفسهم بحثا عن الشهرة بأي ثمن ، بوصفها نوعا من السبق أو الفوز على الآخرين ، وكثيرا ما يسعى بعضهم إلى الفوز السطحي أو الهامشي أو الدعائي ، لإشباع رغبته أو غريزته في السبق والتميز ، ولكنه في النهاية لا يحصد إلا الحصرم المسموم ، لأن الدعاية لا تحقق لصاحبها كسبا حقيقيا ملم يكن الكسب قائما على تميز أساسي أو جهد عميق يحسب لصاحبه على مر الأيام والأزمان .
تذكرت النيل بطعم الجوافة بعد انحسار الفيضان كل عام ، حيث كنا ونحن أطفال نسعى إلى أشجار الجوافة على حافة النهر لنشتري منها بالقروش القليلة بعض الثمرات ، فكان طعمها يومئذ من ألذ ما ذاق الأطفال ، وكنا نسعد بالقوارب في تنافسها البريء الذي يثير من الضحك أو الفرح الحقيقي ما نفتقده في هذا الزمان .. تذكرت ذلك والقوم يشحنون شعوب الأمة كلها حتى العرب في المهاجر ، من أجل مباراة كرة قدم بين الجزائر ومصر للصعود إلى كأس العالم واللعب ضمن الفرق المتنافسة والحصول عليه . وصل الشحن إلى درجات من العار والأسى ، حتى قالت بعض الوكالات الأجنبية إنه لقاء الكراهية ! وماهو بذلك .. ونقلت الصحف أخبارا عن خلافات نشبت بين أزواج مصريين وزوجاتهم الجزائريات أو أزواج جزائريين وزوجاتهم المصريات ، وتمزق الأطفال بين الطرفين .. وتدخلت قيادات على المستوى السياسي والشعبي لتهدئة الأمور.. وأعلنت دولة الغزو النازي اليهودي شماتتها السافرة في الشقاق الذي تعمق بين الشقيقين العربيين الكبيرين .. وعاث المرتزقة فسادا في القنوات الفضائية والصحف التي تحولت إلى صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين .. وصار الباحثون عن سبوبة يجدون في المباراة الغريبة مجالا خصبا للحصول على المزيد من الأموال المنهوبة والنقود الحرام ،وهبطت لغتهم وأسفت وتدنت إلى درجة غير مسبوقة .. وكل ذلك من أجل صراع على العهن المنفوش والعصف المأكول !
السعيد في هذه المأساة العجيبة كان الحكومات والأنظمة العربية على امتداد العالم العربي من المحيط إلى الخليج ، كانت الشعوب البائسة مشغولة بالمباراة من يفوز ومن يخسر ، وما يتعلق بالخسارة والفوز ، وخاصة أن الناس عاشوا مرحلة من اللهو غير مسبوقة في التاريخ نسوا فيها خيباتهم الحضارية الثقيلة في الحريات والعمل والفكر والثقافة والتعليم والصناعة والزراعة والإدارة وحقوق الإنسان ,, .. و .. , و... نسوا كل ذلك وانشغلوا بالمباراة ، بينما الحكومات والأنظمة – حماها الله – تضحك في كمها وتزغرد ؛ لنجاح خططها في إلهاء الناس وإشغالهم بتوافه الأمور ، فلا هي الرياضة التي علمت الناس الأخلاق الرياضية ، ولا هي الرياضة التي أفادت الشباب وحسنت قدراتهم الجسمية والعقلية .. إنها التعصب والصراخ والهتاف المجنون في سباق غير مفهوم ولا طائل من ورائه إلا تبذير أموال الشعوب البائسة لحساب عصابات بلا ضمير ولا أخلاق ولا قيم ، وإبقاء الناس في حالات التخلف المزري وشرب المياه الملوثة وانتشار البطالة والأمراض الفتاكة والجهل الأعمى .. ومع كثرة القنوات الفضائية والصحف الورقية والضوئية ، رأينا محللين استراتيجيين يخططون للمعركة الفاصلة ، ويقررون النتائج المحتملة ، وماذا سيفعل الخصوم في حالتي الفوز والخسارة ، ورافق ذلك إذاعة أغاني وأناشيد معركة حرب رمضان والعبور إلى سيناء ، وكأن المباراة قتال بين جيشين لدودين يستعد كل منهما لتمزيق الآخر وتدميره والقضاء على قواته وإسكاته إلى الأبد ، بينما العدو الحقيقي رابض في فلسطين يهين الأمة كلها ويركلها ، ويضربها على قفاها في الصباح والمساء ، ويجاهر بنيته في تدمير المسجد الأقصى ، أو تقسيمه بين المسلمين واليهود في أفضل الأحوال ، والعرب والمسلمون لا يستطيعون أن يجيشوا المشاعر والحناجر من أجل الأقصى أو فلسطين أو كرامتهم مثلما جيشوها لحرب المباراة الهازلة !
كان الحديث يتردد عن البحث عن فرحة بعد استبداد الأحزان والآلام بالناس ، ولكن أية فرحة يبحث عنها الناس وتتم في لحظات ما يلبث بعدها الواقع المر يفجع الناس بالخزي والذل والاستعباد ؟
في مصر يفتقد الناس الحرية الحقيقية وحقهم في التعبير عن عقيدتهم وإسلامهم ، فالملاحقات مستمرة والاعتقالات لا تتوقف ، واللصوص الكبار يسرقون بالقانون ويتلاعبون في أقوات الشعب والسلع الرئيسية التي يحتكرونها ، ويحرمون الشعب منها ، ولا رقيب ولا حسيب ، والقنوات مسدودة بين الحكام والمواطنين ، لا أمل في حوار أو تفاهم أو وفاق .. السلطة البوليسية تحسم كل لأمور في الجامعات والمدارس والمجالس النيابية الشكلية والمحليات والمرور والحاضر والمستقبل والأحزاب الورقية والصحف الشمولية والثقافة المزيفة والإعلام الكذاب .. لا أمل في شيء مما يدفع الشباب إلى إلقاء نفسه في البحر بحثا عن فرصة عمل في بلاد الفرنجة ، لا تتحقق أبدا لأن الباحث عنها يغرق فطيسا دون أن يبكي عليه أحد ، بل يحرمه المفتي من شرف الشهادة ؟
والحال نفسها في الجزائر التي ضحت بمئات الألوف من أجل الاستقلال . تسلط عليها لصوص من نوع شرس وبشع ، حرموها من الحرية والعقيدة واللغة العربية ، ونزحوا أموالها إلى باريس ومدريد وجنيف ،وجعلوها مدينة بأكثر من خمسين مليارا من الدولارات وهي الدولة البترولية المهمة في العالم العربي ، وأقاموا المذابح لأكثر من مائتي ألف جزائري يبحثون عن إسلامهم وحريتهم ، وأقاموا المعتقلات للأبرياء في جنوب الصحراء الحارقة القاتلة دون ذنب أو جريرة اللهم إلا أن يقولوا ربنا الله ، ولا يتورعون عن الإتيان بحاكم صوري يحركونه كما يحبون و يتحول في أيديهم إلى لعبة ، و يقتلونه في يوم عزته إذا لم ينسجم مع إرادتهم ومشيئتهم ؟
المباراة الرياضية تمثل خيبة حضارية للشعوب التي استسلمت للقهروالعسف ولم تقاوم أو تحتج أو ترفض ، فعز عليها الحصول على الرغيف ، وصار الوقوف في طوابير الخبز من الفجر حتى الظهيرة طقسا يوميا يستغرق معظم النشاط والجهد اليومي ، فلا فرصة لإنتاج ، ولا مجال لتفكير ، وتخرج أبواق الأنظمة المستبدة تسفه الناس وتتهمهم بالتقصير لأنهم لم يعملوا ولم ينتجوا ، في حين أن هذه الأبواق لم تتحدث أبدا عن السبب الحقيقي في التخلف والهوان وهو الحرمان من الحرية الحقيقية على أيدي الجلادين والطغاة الذي يستخدمونهم لتزوير إرادة الأمة ورغبتها .
سهر الناس حتى اليوم التالي بعد فوز مصر بهدفين نظيفين على الجزائر ، وبدأت عملية جديدة لشحن جديدة من أجل المباراة الفاصلة في السودان الشقيق الذي يخطط الأعداء والخونة لتمزيقه وإذلال مصر،ولم يتعظ أحد مما جرى ، ولن يتعظ .. لأن تسطيح الوعي صار الإنجاز الوحيد لفراعنة القرن الحادي والعشرين ، ولا ندري ماذا سيحدث غدا ؟ فا للهم نسألك الرحمة وأنت أرحم الراحمين !
هامش :
بعض القراء الأعزاء يسألونني عن أسماء بعض الأشخاص الذين يرد ذكر كلامهم أو آرائهم في بعض ما أكتب دون تسميتهم . والمسألة التي تعنيني هي الآراء والأفكار لا الأشخاص والأسماء ، فليس بيني وبين أحد عداء شخصي أونزاع عائلي أو خصومة وظيفية أو منافسة مهنية .. يعنيني أن أناقش ما أراه مختلفا مع فكري وتصوري ، ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ ،ورأيي خطأ يحتمل الصواب ، والثابت هو قول ربنا سبحانه وصحيح كلام نبينا صلى الله عليه وسلم .
.........................................
*المصريون ـ في 17/11/2009م.

د. حسين علي محمد
13-03-2010, 01:38 AM
الأدب والتحولات الاجتماعية والثقافة الرقمية

الأدب والتحولات الاجتماعية والثقافة الرقمية ؛ عنوان مؤتمر اليوم الواحد الذي تقيمه كلية الآداب – جامعة طنطا يوم الأربعاء 18/3/2010م ، ويلقي الدكتور حلمي محمد القاعود البحث النظري للمؤتمر . يشارك بالأبحاث عدد من أساتذة الجامعات والنقاد، ويحضر المؤتمر أدباء الغربية والمحافظات المجاورة .
يخصص المؤتمر جانبا من نشاطه لتأبين الأديب الراحل فريد معوض الذي توفي قبل أسبوعين ولم تشر إلي وفاته الصحف أو وسائل الإعلام ، ويصدر عنه كتاب تذكاري يضم سيرة حياته وما كتب عن أدبه يوزع في أثناء المؤتمر .