محمود الحروب
15-08-2005, 02:16 PM
حـطـام
صبيحة يوم الأحد من ذات أيلول، شمس خريفية ترخي جدائلها على الأرض ، بينما المدينة ساكنة، كمن يغط في سبات عميق . أزاح الأب سابا الستارة المسدلة من على نافذة بيته الشرقية، يعتمر كيانه بغبطة نادرة ، لا يشعر بها إلا في الخريف، وتزداد حينما يرى الأشجار عارية من أوراقها..غبطة موسمية! اعتمر قفطانه الأسود،وأعدل طربوشه على رأسه..خرج من بيته ،متوجها إلى الكنيسة سيرا على قدميه، حبذ أن يترك سيارته دون أن يدرك ما سر هذه الرغبة التي لم يعلن بها حتى لزوجته، إنه لم يفعل ذلك عادة . كان يتطلع في الأبنية التي تواجهه، كأنه يراها للمرة الأولى ، حتى الشوارع التي يسير فيها ، كأن قدماه تطأها للمرة الأولى. بدت الكنيسة عجوز شامخة أمامه، حث خطاه على ساحتها الرخامية بتؤدة ، انحنى والجا الباب القصير ، تلاقيه رائحة البخور التي يعبق بها الرواق ، كانت مريم العذراء في إطارها الذهبي جاثمة على الحائط المقابل، لم ينظر إليها كأنها لم تعني له شيئا ، بينما انعطف يمينا ، يطأطئ رأسه لمن يلاقيه من الرهبان وزوار الصباح الكسالى ،ثم أخذ يسارا إلى المغارة، هبط السلم ألمرمري إلى الردهة الغارقة في ضوء الشموع ، أبطأ من خطاه ، حيث كادت قدماه لا تلامس الأرض حتى وقف أمام أيقونة معلقة على حائط الردهة الأيسر . وقف وقفة الراهب.. وقفة يمارسها في كل الأصباح التي يأتي بها للكنيسة، مد يده اليمنى ملامسا بأنامله وجه قديسة تجلت له كملاك يطغى على المكان ، مارس معها طقوس اعتيادية ، وكان في كل مرة كأنه يمارسها للمرة الأولى.لم يكن ليشعر بالزوار الذين يدخلون المغارة ، ولم يأبه بتحياتهم الهامسة ، تاركا نفسه مأسورا بعالمه الذي لا يدرك كنهه أحدا . كانت هذه الطقوس تستغرق منه ما يقارب الساعة، يمارسها بمشاعر راهب لا حدود لها، مخلفا وراءه كل ما تحتويه الحياة من حوله ، ثم ينصرف بهدوء إلى أشغاله تاركا وراءه الأيقونة بسرها الذي لا يدركه سواه. بدا في هذا الصباح على عجلة لأنه أدرك أن وراءه من ينتظر لعماد قادم جديد لهذه الحياة ، ذهب إلى حيث الناس ينتظرون ، وكان المعمد جاهزا للطقوس التي ستبارك بيديه اللتين ما زالت بهما آثار ملامس قديسة . وقف أمام المعمد ، مغمض العينين ،حيث تلاقت كفاه المبسوطة تحت لحيته ، مرتلا بخشوع تراتيل العماد .. في هذه اللحظة القدسية شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، فتح عينيه ولم ير أي تغير يبدو على ملامح الواقفين، كأن الذي حدث لم يشعر به سواه ، عاد لخشوعه، دون أن يفارقه الإحساس بأن شيئا ما يحدث ، وما أن بدأ بتراتيله حتى تناهى لمسمعيه صوت زجاج يتكسر. انتفض جسده ، ترك المعمد والناس، وذهب مسرعا للمغارة .. ما أن وصل المكان حتى خر ساجدا على الأرض .. خر باكيا ، تجمهر الناس عليه ، دون أن يعرفوا سر ما يحدث ، دون أن يعرفوا أن الحطام الذي صار يلمه بيدين داميتين ، هو حطام الأيقونة الذي كان يستمد قوته منها كل صباح.
صبيحة يوم الأحد من ذات أيلول، شمس خريفية ترخي جدائلها على الأرض ، بينما المدينة ساكنة، كمن يغط في سبات عميق . أزاح الأب سابا الستارة المسدلة من على نافذة بيته الشرقية، يعتمر كيانه بغبطة نادرة ، لا يشعر بها إلا في الخريف، وتزداد حينما يرى الأشجار عارية من أوراقها..غبطة موسمية! اعتمر قفطانه الأسود،وأعدل طربوشه على رأسه..خرج من بيته ،متوجها إلى الكنيسة سيرا على قدميه، حبذ أن يترك سيارته دون أن يدرك ما سر هذه الرغبة التي لم يعلن بها حتى لزوجته، إنه لم يفعل ذلك عادة . كان يتطلع في الأبنية التي تواجهه، كأنه يراها للمرة الأولى ، حتى الشوارع التي يسير فيها ، كأن قدماه تطأها للمرة الأولى. بدت الكنيسة عجوز شامخة أمامه، حث خطاه على ساحتها الرخامية بتؤدة ، انحنى والجا الباب القصير ، تلاقيه رائحة البخور التي يعبق بها الرواق ، كانت مريم العذراء في إطارها الذهبي جاثمة على الحائط المقابل، لم ينظر إليها كأنها لم تعني له شيئا ، بينما انعطف يمينا ، يطأطئ رأسه لمن يلاقيه من الرهبان وزوار الصباح الكسالى ،ثم أخذ يسارا إلى المغارة، هبط السلم ألمرمري إلى الردهة الغارقة في ضوء الشموع ، أبطأ من خطاه ، حيث كادت قدماه لا تلامس الأرض حتى وقف أمام أيقونة معلقة على حائط الردهة الأيسر . وقف وقفة الراهب.. وقفة يمارسها في كل الأصباح التي يأتي بها للكنيسة، مد يده اليمنى ملامسا بأنامله وجه قديسة تجلت له كملاك يطغى على المكان ، مارس معها طقوس اعتيادية ، وكان في كل مرة كأنه يمارسها للمرة الأولى.لم يكن ليشعر بالزوار الذين يدخلون المغارة ، ولم يأبه بتحياتهم الهامسة ، تاركا نفسه مأسورا بعالمه الذي لا يدرك كنهه أحدا . كانت هذه الطقوس تستغرق منه ما يقارب الساعة، يمارسها بمشاعر راهب لا حدود لها، مخلفا وراءه كل ما تحتويه الحياة من حوله ، ثم ينصرف بهدوء إلى أشغاله تاركا وراءه الأيقونة بسرها الذي لا يدركه سواه. بدا في هذا الصباح على عجلة لأنه أدرك أن وراءه من ينتظر لعماد قادم جديد لهذه الحياة ، ذهب إلى حيث الناس ينتظرون ، وكان المعمد جاهزا للطقوس التي ستبارك بيديه اللتين ما زالت بهما آثار ملامس قديسة . وقف أمام المعمد ، مغمض العينين ،حيث تلاقت كفاه المبسوطة تحت لحيته ، مرتلا بخشوع تراتيل العماد .. في هذه اللحظة القدسية شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، فتح عينيه ولم ير أي تغير يبدو على ملامح الواقفين، كأن الذي حدث لم يشعر به سواه ، عاد لخشوعه، دون أن يفارقه الإحساس بأن شيئا ما يحدث ، وما أن بدأ بتراتيله حتى تناهى لمسمعيه صوت زجاج يتكسر. انتفض جسده ، ترك المعمد والناس، وذهب مسرعا للمغارة .. ما أن وصل المكان حتى خر ساجدا على الأرض .. خر باكيا ، تجمهر الناس عليه ، دون أن يعرفوا سر ما يحدث ، دون أن يعرفوا أن الحطام الذي صار يلمه بيدين داميتين ، هو حطام الأيقونة الذي كان يستمد قوته منها كل صباح.