قال القدماء إن النار فاكهة الشتاء ..البرد كشر عن أنيابه . انه يقضم عظام البشر و ينهش جلودهم...يتلذذ صامتا بضجرهم . إنهم يتبرمون من هذا الفصل الشاحب الكئيب و الذي أحال المنازل و الشوارع و الحقول و الجداول إلى لوحة زيتية باهتة الألوان كأنها قدت من الصقيع.
وحدها النار كفيلة بإبادة غيوم البرد و دحر أجناده. و وحده موقد الجمر ضمين بردع هذه الغلالة الشتائية التي يرزح
تحت وطأتها هذا العالم الوسيع.
تكومت قرب ذلك الموقد الدافئ تصطلي بناره التي تتراقص وادعة فتتدفأ بها مقلتاها قبل جسدها الناحل..و تغفو العجوز قليلا فتخفت ألسنة اللهب و تشعرالمرأة بالنسيم البارد يتسلل خلسة إلى أعظمها الواهنة .وسرعان ما تقذف بيدها المرتعشة عيدان القش إلى الموقد لتتوهج تلك النار مرة أخرى و ينتشر الدفء و تتلاشى جحافل البرد متقهقرة من جديد..الصمت يطبق على المكان بجناحيه .صمت يوشك أن يكون كما الظل لتلك الحيطان المترعة بقتامه رمادية ،و بمذاق جنائزي .
تقدم الليل و أوشك أن ينتصف..العجوز لا تزال متقوقعة قرب موقدها ذاك. إنها تنتظر عودة ولدها ..منذ سنين مديدة و هي تنتظر و تترقب، حتى مل منها الانتظار و ضجر منها الترقب. تيك ...تاك ..تراك...كانت عيدان القش و الحطب تنتحر متوهجة وسط أتون هذا الموقد...انه عزف يمنح الدفء و الأمان لأذني تلك العجوز. تصيخ في لذة إلى هذا المهرجان الشتوي الذي يضطرب وسط هذا الموقد الطيني.
إنها هنا تنتظر ذلك الغائب الذي أطال المكث بين براثن الغربة...تبتسم متمتمة - ولدي نادر سيعود هذه الليلة من المهجر .رجاءا أيتها النار لا تخذليني. توهجي أكثر و أكثر و أكثر. لا أريد أن يشعر نادر بلسع البرد حين يدخل-
سرعان ما تغفو العجوز البائسة...استبد بها نعاس شديد و صافح النوم أخيرا جفنيها المنهكين.. تخبوا ألسنة اللهب و تتضاءل إلى أن تخمد . العجوز في مكانها سابحة في سبات عميق لا يمكن أن تخرقه كل مدافع الحلف الأطلسي. و لكن ولدها المهاجر لما يصل بعد.
العتمة لملمت بقاياها والفجر آذن بالوصول .كو...كو...تقتلع الديكة تلك المرأة من نومها السرمدي اقتلاعا. و ما تلبث أن تلتهمها الحياة اليومية و ما تشتمله من كدح و نشاط بين الدار و الحقل و السوق...و إذا أقبل الليل هرعت العجوز إلى موقدها ذاك و أوقدت تلك النار الدافئة و قبعت إلى جانبها تترقب عودة ذلك الغائب من وراء البحار..كان ذلك دأبها و كانت تلك سيرتها ..لم تكن تحفل بتعاقب الليل و النهار و لا تكترث لمضي الفصول و الأعوام...المهم هو انتظار لا يكل و لا يمل و ترقب مستمر لعودة ذلك الولد الحبيب.
انتظار بغيض لا يريد قط أن يغادر شواطئ قلبها المرهف. و صباح أحد أيام يناير الجليدي يتنبه الجيران إلى أن العجوز لم تغشى حقلها كما تعودت أن تصنع فجر كل يوم ...ثلاثة أيام دامت غيبتها. يساور الجيران هلع شديد ..سرعان ما يقتحم أحدهم دارها بعد أن أعيتهم الحيلة في البحث عنها في كل شبر من القرية..رباه..رباه..يا للهول..العجوز كانت ممددة جثة هامدة قرب ذلك الموقد...كانت تضم بين ذراعيها الناحلين صورة ولدها نادر.
عشية ذلك اليوم الكئيب شيعت المرأة البائسة إلى مثواها الأخير في جنازة مهيبة اهتزت لها كل القرية.. و دفنوها إلى جوار قبر قد اعتلته الحشائش و الأزهار. و قد كتب على شاهدته بخط كوفي مرتبك ( هنا يرقد المرحوم نادر توفي غرقا في البحر سنة 1999).
