الحاجز

طباعة

الجريدة الصباحية تضج بالعناوين الصارخة و المثيرة. ذلك دأبها دائما، لكن شهيتي للقراءة اليوم صفر..تلك سيرتي حينما أكون على موعد مع السفر و أي سفر؟ انه عناق الأحبة و لقاء الوطن و احتضان تربته الطاهرة و العطرة مثل الحناء.

المهجر قاتل على ما فيه من هدوء و رغيف طازج و عيش رغيد..لقد نسيت لهجتي العراقية

و نسيتني...العيش بعيدا عن ثرى بلاد الرافدين انتحار بطيء و شديد الإيلام...هنا الصمت أكاد أن أتلمسه بأصابعي. و الشغل و الدرس يوقعان يومياتي الشاحبة في هذه الأصقاع التي لم تألفها نفسي قط..كل شيء هنا باهت و لا مساغ له مثل الأزهار التي تستنبت في البيوت البلاستيكية وقت الشتاء حينما يكشر الصقيع عن أنيابه البغيضة...الجدران شاحبة  و الشوارع مرتع خصب لتك الدمى البشرية التي لا تكف عن مقارعة تلك الحياة الضارية  في اذعان..و الأشجار تحتضن القتامة بين أفنانها الهزيلة. و الشمس؟..حتى شمس هذه البلاد أمرها غريب يدعو للرثاء...الشيخوخة تترنح في اشراقتها و كأننا أمام فتاة عانس تبتسم في يأس هو أقرب إلى التجهم، وقد أبطأ الخاطبون عن طرق بابها.

(الاغتراب ينقص من الأعمار يا بني ) هكذا كان يذكرني والدي في رسائله الضئيلة و النادرة مثل غيوم الصيف...تهالكت على مقعد الحافلة بعد أن حشرت متاعي هناك في قعر المركبة. انطلقت الحافلة تلتهم الطرق و الفيافي في متعة بالغة ...بسطت تلك الجريدة أمامي و قد استعدت شهية القراءة.أو استعادتني شهية القراءة.. رحت أطرق العناوين في شغف. ألم أخذ يعتصر قلبي المجهد...كل الأخبار القادمة من هناك حيث النخيل و الحضارة و الرافدين هي أخبار مفجعة للجدب و التخلف و البدائية...شدني طفل في المقعد الأمامي ،لما يطفئ بعد شمعته الثالثة. براءة كل براعم الوطن تتدفق من مقلتيه .حدق في وجهي طويلا ،ابتسم و راح يسأل والده- ألا تزال بغداد بعيدة يا أبت ؟ - قال الأب العطوف – إنها أقرب مما تتصور يا بني. قليلا من الصبر فقط –

حسدت هذا الطفل في ألم..انه محظوظ جدا. سيتاح له أن يشب فوق ثرى بلاده و يرتوي من مياه أنهارها المضيافة و يعتلي نخيلها الباسقة في جو السماء...أما أنا فقد نهشت الغربة الضارية سنوات شبابي في صمت دون أن أحتج أو أقاتل من أجلي على الأقل.

شيء ما أخذ يبعث السكينة و الاطمئنان بين أضلعي النخرة. هواء الوطن ، رائحته الرطبة تحتضن حاسة الشم عندي و تعيد إليها  النضارة و الشباب. تلك الحاسة المهترئة التي تلاشت تحت ضربات البرد و الوحدة و الصقيع و الكآبة لسنوات موغلة في الطول...أووووووه...طويلة جدا أرسلها الركاب حين توقفت الحافلة أمام طابور طويل من السيارات و الناس و البهائم. أرض الوطن هناك تتألق كالعروس لاستقبالي..إنني أشتم رائحتها الزكية  .حاجز الحدود يفصلني عنها...شدني ذلك الطفل مجددا . انه مبتهج و يحتفي بهذه اللحظة المشربة بالحنين ..كان الطفل يضطرب في أدب على كتف والده. لعبة كبيرة تتهادى بين يديه الصغيرة..كلمة واحدة لا يمل من تكرارها أبدا ( وصلنا ).

- سحقا للانتظار – أفرجت عنها بين أسناني متبرما...ألا تكفي سنوات الانتظار تلك في المهجر حتى أجد الانتظار ينتظرني  هنا مجددا أمام هذا الحاجز اللعين. إن الشمس توشك أن تحط فوق جماجم الناس...الطابور يزحف في تؤدة خانقة...أووووف ها قد وصلت أخيرا. جنديان أمريكيان هناك يستمتعان بالتهام السجائر. لا يحفلان لألم هذه الجماهير المتعبة. انتصب أمامي كالطود الشامخ. أمريكي في بزته العسكرية ، جلده الأسود يوحي بجذوره الإفريقية..تطلع في وجهي كأنه يريد أن يختبر خلاياي. قال في لهجة عراقية ركيكة و مصطنعة – مرحبا بك في عراق النور و الحرية. أوراقك الثبوتية لو سمحت ؟؟-

تملكني غيظ يكفي لنسف القطب الشمالي من مكانه ..كانت أمنيتي في هذه اللحظة المترعة بالاهانة  أن أستعير دماء الدون كيشوت و عناده لأطيح بكل الطواحين العاتية و أولها هذا الجندي المتعجرف.

- ها هي الأوراق .خذ –

عملية مسح مدققة لأوراقي قام بها الجنود في كسل قاتل. مثلما يمسح الطوبوغرافيون الأراضي العذراء من أجل تعميرها...هنا فقط أدركت سبب بطء هذا الطابور اللعين و سبب ضجر الناس.

- هاهي أوراقك سيدي كل شيء تمام.. أتمنى ألا تهرب من بلادك مستقبلا. إن عراق النور ينتظركم لبنائه من جديد –

أجبته متهكما – طبعا أنتم من يهدم و نحن من يبني –

ابتسم ذلك الزنجي باستخفاف و سيجارته تتدلى بين شفتيه. ابتسامة فاقمت من بغضي له و لصحبه...دخلت بغداد .آهة أليمة أرسلتها من أعماقي..بغداد تلك المرأة التي اغتصبوا أنوثتها يوما أمام أعين رجال العشيرة. إنها تنتظر الفارس الذي ينتصر لها في يوم من الأيام...قبعت في بيتي أو بقايا بيتي يومين أتجرع مذاق الهزيمة المرير...في صباح اليوم الموالي كنت على موعد مع الشيخ (أسد الكاظمي ) أحد ليوث المقاومة البواسل.     

 

Tweet
Facebook Social Comments