من أحزن العصفور؟

طباعة

شامخ شموخ برج إيفل . كان واقفا في قلب باريس النابض بالجن و الملائكة و النور...يمسك بكمان أبيض و يسند ظهره إلى تلك الشجرة العطوف...انه في خريف العمر،تجاعيد عنيدة تفترس جبينه الأسمر. و الشيب يشرق خجلانا  في مفرقيه...منذ النظرة الأولى شدتني ملامحه الشرقية.هنا في بلاد الإفرنج يسهل على المرء أن يرصد بني جلدته دونما عناء. لا زال متسمرا إلى جذع الشجرة ،يحضن الكمان إلى صدره كما تحضن المرأة و ليدها لتذود عنه سطوة البرد و تحميه من عضة الصقيع...ضبط الأوتار بأصابعه

 الطويلة. سوف يستعد الهدوء الممل للرحيل من هذا المكان بعد قليل...جميل أن يفطر الجهاز السمعي على وجبة نغمية في هذا الصباح الباريسي المتشح بالغيم و السآمة.

التمست مقعدا خشبيا . تهالكت عليه و ضبطت موجة أذناي على أوتار ذلك الكمان ...الشيخ لا يحفل بضراوة الشتاء المتكالب حوله . وحدها الموسيقى يمكن أن تسوق الشمس و الحياة و الربيع إلى الشرايين المتجمدة...انطلق الكمان يغازل أسماعي و أصابع الفنان تداعبه حينا و تشد جماحه حينا آخر .لم أصدق بعد ، أوركسترا محترفة يقودها موسيقار لامع...تقاطر الناس حول الشيخ مثلما يتقاطر النمل على بقعة عسل. حلق الصمت فوق رؤوس الجميع و أخذ الكمان يمطرهم بزخات من أروع الألحان ،و انسابت الموسيقى من بين أوتار الكمان و أصابع الفنان كما الماء الزلال يتدفق من رؤوس الجبال...شدتني تلك الموسيقى ، نسيت كل مواعيدي و ملكني ذلك الكمان السحري. في هذه اللحظة أخذت نقود المستمعين تتساقط كالمطر المنهمر في قبعة الشيخ...ابتسامات من الأعماق أرسلها صاحبنا و أصابعه الرشيقة تستنفر الكمان ليفرغ ما في جعبته من الفن و اللذة و الجمال. لم يكن الشيخ يتكلم...كان صموتا حتى سئم منه الصمت، ربما هو أبكم من يدري؟ فقط الكمان هو من كان يملأ الأجواء صدحا و تغريدا ...أحس الآن بكل الانفعالات الإنسانية المتغيرة  . الكمان يزمجر حينا كالرعد و يرق حينا آخر كالنسيم في هاجرة الصيف و سرعان ما يثور و يغضب مثل العواصف و ما يلبث أن يترفق و يطمئن مثل الجدول الرقراق . كل ذلك أستمتع به و أنا قابع في مقعدي ألتهم السجائر في نهم بالغ. و أسبح في نشوة طويلة لا يوقظني منها إلا صياح المستمعين و ضجيجهم (برافو...برافو...برافو...) ثم تلتهب أيديهم بالتصفيق الحاد...يجري كل هذا و صاحبنا غارق في ملكوته المخملي، لا يكاد يحفل برنين النقود و لا بصياح الجمهور ما عدا لحظات خاطفة كان يزدرد فيها بعض الرغيف و الشاي في صمت أزلي ...و سرعان ما يتوشح آلته و يسبح في موسيقاه الرقيقة كأنه من المتصوفين الكبار.

فجأة تمسك أصابع الفنان عن مداعبة الأوتار كأن شللا ساورها...يحدق بعيدا بعينين زائغتين. يطيل التأمل مثل الربان حين يلمح اليابسة بعد طول يأس...ارتسم الاستياء على محياه. ينطق، يا لها من مفجأة...بلى انه ينطق أخيرا و لكن في همس – من أحزن العصفور ؟ - يااااااااااااه لقد تكلم أخيرا لم أصدق...أحدهم يتمتم بجانبي – إنها أول مرة أشاهد فيها الشيخ ينطق و الكمان يصمت – أفلت الرجل الكمان من بين أصابعه بصعوبة...صاح هذه المرة..ارتاع الحاضرون – من أبكى العصفور ؟ -التفت الناس مأخوذين و أنا معهم إلى هناك حيث حدق الشيخ.. على قارعة الطريق افترش صبي الرصيف و راح يذرف الدموع . تقدم منه صاحبنا متأثرا و مسح على رأسه قائلا – ما يحزنك أيها العصفور الصغير ؟-

- الجوع ينهش أمعائي يا سيدي مذ طردتني زوجة أبي من البيت –

جمع الشيخ ما بحوزته من النقود مع رغيف خبز و دفعها إلى ذلك الصبي المكلوم ،أشرق وجهه الملائكي بالفرح  . و التحق الفنان مجددا بآلته السخية يستفز أوتارها الحبلى بالألحان وسط ذهول الناس و اعجابهم.  

Tweet
Facebook Social Comments