هشت السيدة العجوز للقائي ...خطت الشيخوخة تضاريسها بضراوة على جبينها الوضيء لتحيل سحنة تلك المرأة إلى ملحمة من الأخاديد المتقاطعة في إصرار. رمت إلي بالمفاتيح و هي تتفرسني بعينها الثاقبة مثل عين الصقر. قالت أخيرا- بيت مناسب في المكان المناسب. أتمنى أن تروقك الإقامة هنا – أجبت و أنا أقلب بصري المجهد في أرجاء البيت – لم نتفق بعد على مبلغ الكراء يا سيدتي –
ردت العجوز مقاطعة و هي تبتسم بخبث – سأدع لك مهمة تحديد
المبلغ. أنا طوع أمرك-
- اتفقنا إذن ، انك سيدة طيبة –
- يقول الشاعر، قم للمعلم وفه التبجيلا..كاد المعلم أن يكون رسولا. و نحن في بلدتنا نوقر العلم و المعلمين-
استهوتني ثقافة العجوز و أدبها الجم. ثم ودعتها شاكرا...لطالما عشقت الريف و أهله ،لقد جئت من مدينتي الصاخبة أبدا. هناك حيث الناس و الجلبة و الضجر و الزحام جميعا تصنع يوميات تلك المدينة..يوميات متقلبة كما الطقس لا يكاد يصفو و يستقيم حتى تساوره الغيوم المتلبدة و يكسر صمته قصف الرعود و هطول المطر.
شاء القدر إذن أن يقذف بي إلى هذه البلدة الموغلة في البعد عن مسقط رأسي التماسا للقمة العيش...الدعة و السكينة هما رأسمال هذه البلدة. لا صخب و لا أدخنة و لا غبار...بل طبيعة أسرة و خضرة ناضرة و شمس متألقة أبدا.. و بلابل على أفنانها ينطلق بك شدوها الصداح إلى عوالم حفت بالهيام و التأمل. تلك هي ميزة الريف السعيد.
(طق.طق.طق)هرعت فورا إلى فتح باب مسكني الجديد...أطلت العجوز مجددا ،ربما نسيت أن تقول شيئا...خلف جسدها الناحل استهواني مشهد عمود من الدخان الأبيض ينطلق في شموخ و إباء من البيت المقابل. أحسست بدفء يتسلل بين عروقي المتجمدة لمنظر ذلك الدخان المتصاعد في هدوء..قطعت علي المرأة نشوتي قائلة – نسيت أن أدعوك للعشاء . أنت ضيفنا الليلة –
- أشكر لك هذا السخاء. سأكون في الموعد –
عند الظهيرة أسلمت بقاياي إلى السرير..كان المسكن متواضع البناء و متواضع الأثاث ،النافذة الوحيدة مشرعة...و عمود الدخان الأبيض هناك لا يزال في عناقه الأزلي لزرقة السماء. كان ناصع البياض مثل ذلك الدخان الذي يرسله الرهبان في كنيسة الفاتيكان عندما ينتخبون البابا الجديد...و سرعان ما تطرق النوم إلى جفني المنهكين...كانت إغفاءة مطولة تلاشى معها ما ترسب حول أعظمي من الإرهاق.
استفقت عصرا ،ألقيت نظرات خاطفة إلى درس الغد. انه اللقاء الأول مع التلاميذ...مهمة شاقة تتربص بي إنها تجربة يحفها الشوك و تحدق بها مجاهل مخيفة...رميت ببصري خارج هذه الجدران المتهالكة. يا له من مشهد غريب و مختلف...كانت مدخنة ذلك البيت تلفظ دخانا أحمرا هذه المرة..البيت نفسه يدعو إلى التأمل . حجارته عتيقة كأنها استمدت من القرون الوسطى..و نوافذه موصدة أبدا.
راقني عشاء العجوز – أكيد أنك لم تتذوق طبق الباذنجان هذا من قبل صحيح؟؟- قالت و هي تجمع أطباق العشاء.
أجبت و أنا أوقد سيجارة لزوجها – ممتن لك سيدتي . انه طبق فاخر-
قاطعني الزوج قائلا – لقد غرسته بيدها ،و تعهدته بالسقي و الرعاية لفترة طويلة-
و دعت تلك الأسرة و هرعت إلى مسكني و آويت في الحين إلى مخدعي...درس الغد سيكون حاسما في مساري المهني. إما النجاح و التسديد و أما الفشل الذريع .
(سيو..سيو..سيو) أيقظني تغريد تلك البلابل و انتشلني بصعوبة من بحر مخملي من الأحلام الرقيقة..أصلحت هندامي و أغلقت باب المسكن...شدتني تلك المدخنة مرة أخرى. دخان كثيف يعانق تلك الغيوم التي أخذت تتوالد في كبد السماء. غريب أمر هذا الدخان ...كان لونه أخضرا هذه المرة. لم أكترث مطولا للأمر. و مضت الأيام متثاقلة ،لقد صرت لا أحتاج إلى حمل ساعتي اليدوية ..كانت ألوان الدخان هي الساعة التي أضبط بها مواعيدي. دخان أخضر في الصبيحة و دخان أبيض عند الظهيرة و دخان أحمر بعد العصر...و مع برودة الشتاء التي تنهش الجلود في صمت صرت أجد لذة في ترقب تلك الأدخنة المنبثقة من المدخنة. شيء ما يشعرني بالدفء و الأمان.
استيقظت هذا الصباح ...مثل العادة فتحت نافذتي لأشتم هذا النسيم الصباحي الذي تغرد له رئتاي ترحيبا و احتفاءا ...رمقت تلك المدخنة..لا أصدق؟؟ لقد أمسكت اليوم عن لفظ الأدخنة بألوانها الثلاثة. لم أحفل بالأمر كثيرا فربما أصحاب البيت غائبون لبعض شأنهم...استمر إضراب المدخنة أياما متوالية...لقد أصبحت عاقرا. و حزنت لأمرها كثيرا...سألت العجوز يوما و قد رأيت نفرا من الناس يتسورون ذلك البيت – من هؤلاء ؟-
- إنها الحكومة جاءت لتزيل ذلك البيت من أجل توسعة الطريق العام-
نطقت ذاهلا- و لكن...أين سيقيم سكان ذلك البيت ؟-
قالت العجوز في تأثر – انه مسكن سي فارس. بيت مهجور منذ سنوات طويلة..يومئذ وجدوا الشيخ و قد مات اختناقا أمام الموقد-
