في ذلكم العصر الموازى وفي أحد تلكم الأقطار,وذاك قطر (مرستان), جلس شيخ كهل على عرش الديوان, وتأمل لفيف من المتملقون أمامه, وهو يخّفى عليه شرذمة منهم, لا يصدقونه قولاَ ولا نصحاَ, فتنهد قائلاَ: قد لبثت فيكم عمراَ كبيراَ, فلا سمعت منكم مظلمة ولا سألتموني عطية ولا رجوتم مني هبة؟؟
وحينما بدر من المتملقون انفراج الفاه لنطق الكلام, بادرهم أحد الشرذمة قائلا: قد مننت علينا بطول صبرك وسعة صدرك وبعد بصيرتك, وأشار على المتملقين قائلا: ثم هؤلاء قد جاهدوا بأنفسهم وأعطوا قدر استطاعتهم. فتنهد الشيخ ارتياحاَ وتنفس المتملقون غيظ كتمان الحق.
فودوا لو أعلنوا اليأس واليد القصيرة وأن يطالبوا بمزيد العون علهم بالمزيد يقومون.
ثم سأل الشيخ المتملقين: مالكم كأن على رؤوسكم الطير؟
أجاب أحدهم: حُمّلنا يا شيخنا أوزار رجال رحلوا, وعلى عاتقنا جبال الأنات وصفير اللعنات في بيداء الفقراء وخيام الشرفاء, فمنا من ارتاع وهرب, ومنا من اعتاد ذاك اللهب.
فأحمر احد الشراذم غضبا وتبسم قائلاً: لكن الرعية تعي ما بشيخنا من نقصان, وانه على راحتهم سهران, وان الموت الزؤام (ناظرا للمتملقين) للكسلان.
فأراد الشيخ أن يأتي بحَكم من رعيته, وأمرهم بإتيانه باكراً عند الصباح, فصمت المتملقون خشية الإفصاح, وان الخيبة ستظهر في الصباح, وأنقذهم رجل من الشرذمة قائلاً: أمرك مطاع وفي الصباح يأتيك من الرعايا للحقيقة مصباح .. فتولوا من مجلسهم, يريد الشيخ اليقين, والمتملقون من الحقيقة خاشعين..خائفين والشرذمة للكل ماكرين.
ودخل مصباح غرفة الشيخ فرآه في الريعان, باسم الوجه مرتاح الوجدان فألقى عليه الشيخ السؤال, فانبرى مصباح في الكلام:
شيخنا وسيدنا ومولانا, من في الوجود شيخ سواك نرجو. ومن بسوى جودك و كرمك ندعو, فلقد مننت علينا بكثرة الآلاء, ورفعت عنا البلاء, وأذقتنا حلاوة البقاء, ومنعت عنا الشقاء وطول العناء وأجزلت لنا العطاء .فما سهرت عين تشكو, ومنذ كنت أحبو, وأنا لك على الأنداد أختار, ولي فكر وقلم ودار. فما غير ذلك أريد, وأنا لك مريد. فعلمني القناعة بالقليل, فإدمان الترف, شيخنا, خطب جليل.
فأمر الشيخ سعيدا لمصباح بالانصراف, وقبل ذلك عليه الذهاب للصراف, فأخذ بيده أحد الشراذم الذي تولى جلبه وأملاه البهتان مما ألقاه , فأوصله للصراف, فأخذ منه مصباح العطية ونهب منه الشرذمة سمسرة الهدية.
أطلق الشرذمة النكات عن ترف الشعب, وخيبة أمل أصحاب الشغب, وتنفس المتملقون الصعداء, بعدما مر الابتلاء وتيقنوا الهلاك وانه لا بقاء بعدما أكل منهم الجو مرتادو البغاء.
أما مصباح. فبالهدية اغتبط وارتاح. فذهب يشرى بها قوت يومه, فما كفت غير خبزه, فكشر عن أنيابه: غدا لأذهبن وأرجو من الشيخ السلامة وعدم الملامة, فلأقولن رأس الرواية, فسمسرة الهدية كانت جباية. وبينما تستمع الزوجة للهمهمة , فأبلغت عنه بالنمنمة, فأتاه في الفجر ثقيل الزوار, وأجزلوا للزوجة تعويض الوفاة, وتم خصم الكثير للسماسرة الجباة.
وللقصة بقية...
