حقول العنب تنزلق برفق أسفل نافذتي،إنها مسافرة في إصرار إلى ذالك الوراء الذي لا ينتهي...الطبيعة خارج هذا الثعبان الحديدي تترنح تحت معاول الشمس الغاضبة أبدا . لا يفصلني عن أذاها سوى هذا الزجاج الأسيل .بصري الظمآن ينهل منه زخات متواصلة من اللوحات الطبيعية المترعة بالألوان الباذخة و المشربة بالعطور الصارخة...الجميع داخل القطار أسلموا أبدانهم لإغراء القيلولة . النوم حط رحاله على الأعين المجهدة ،غازلها طويلا و سرعان ما أطبق عليها بشراسة فأسلمت له القياد طائعة أو كارهة...السكينة أرخت أستارها الثقيلة على المكان .شيء واحد كان يخترق أسوارها دون استئذان هو هدير المحركات و كذا صوت الصافرة
المنكر الذي يشتت النعاس الذي أوشك أن يحضن عيون الصغار.
القطار لا يزال يسلخ الأميال الموغلة في الطول، فوق سكة الحديد التي نهشها الصدأ و النسيان و صقيع الظلام .و يبتلع أيضا سطوة الريح الذي يثور و يغضب من حين لآخر في محاولة لكبح جماح هذا القطار الأرعن ...شعرت بالغيرة و الضجر لأن النعاس أبى أن يفترش مقلتي مثل بقية الخلق المكومين وسط هذه القوقعة المعدنية التي تسمى القطار. تململت في مكاني دون أن أثير الانتباه. التهمت كل الجرائد التي أمامي و طالعت مجبرا حتى صفحة الرياضة التي أتبرم منها و أبغضها...أخرجت هاتفي المحمول و أطلقت العنان لأصابعي تداعب أزراره في محاولة مني لامتصاص السآمة ...قرأت أرشيف الرسائل القصيرة. كان مزدحما بعشرات الرسائل من –سوسن- أحلام – كوثر – سعاد – انتعشت ذاكرتي بحمام بارد من الذكريات اللذيذة...لم يكن حماما طويلا ،فجأة استرعت تركيزي تلك الذبابة . لا أعلم كيف اقتحمت صمت المكان و لا كيف غزت انتباهي.. حطت على جبين عريض هو مزيج من العروق و التجاعيد و رائحة الريف..جبهة لرجل أنضجتها خطوب الحياة و أهوالها لكنها من المؤكد لن تكون مثل تلك الجبهة المنفى التي كنا نطارد فيها فلول الإرهاب في تلك الصحاري القاحلة المترعة بالأشواك و نبات الصبار و رائحة الموت التي تلف أثوابنا و أغطيتنا.. . الشيخ كان مستغرقا في نوم ثقيل و لم يشعر بهذا الزائر العنيد الذي يدب فوق جبهته القاحلة إلا من بعض الزغب الذي ما زال يصارع من أجل البقاء.
تسمرت الذبابة فوق صلعته و هي تفرك جناحيها مطمئنة كأنها غادة تستعرض جسدها الآسر تحت دفء الشمس السخية...تسللت مسرعة صوب أهداب الشيخ الغافل. كنت أستشعر و خز أرجلها فوق الجلد المتغضن.. تململ صاحبنا قليلا و طارت الحشرة بعيدا لأن الحذر مطلوب أمام هذا الآدمي الشرس الذي يغط في السبات.. ولكن الذبابة كانت عنيدة و سرعان ما حطت ثانية على ثغر الشيخ و سارت في أناة تستكشف هذه الجغرافيا البشرية التي أنهكتها السنون المتعاقبة . تغلغلت في لحية الرجل ، كانت كثة قد عبث بها المشيب...تملكني إحساس صادق أن تلك الذبابة تتحرك في دعة و ثبات و كأنها في مملكتها الخاصة حيث لا أحد ينازعها الملك أو يكدر صفوها.
و تحركت يد صاحبنا فجأة نحو الذبابة لإبعادها، و برشاقة تمكنت الحشرة من تلافي هذه الكتلة الضخمة التي تسعى إلى سحقها و إبادتها..حلقت بعيدا طلبا للنجاة و ما لبثت أن عادت مجددا حينما تلاشى الخطر. اختارت هذه المرة أن تتخذ من الأذن محطة جديدة...هذه القطعة المهترئة من اللحم لم تكن لتستهوي كثيرا تلك الذبابة و سرعان ما غادرت هذه البقعة المجدبة التي خيم عليها الهرم و الوقار، لتستقر على أصابع الشيخ. لقد كان اختيارا قاتلا ارتكبته الحشرة دون تخطيط...إنها أخطأت المكان الصحيح الذي تتموقع فيه. ربما لأن حاسة اللمس قوية في الأصابع.. فتح صاحبنا إحدى عينيه في خبث. رمق الذبابة الغافلة و بحركة كأنها البرق- صاف..صاف- كانت الحشرة قد وقعت في الكمين القاتل.
