"السادة المستمعين. أصدقائي الأعزاء. تحية مسائية خالصة " هطل بصوته الجهوري و الرخيم على آذان المستمعين ،كما يهطل المطر بتؤدة و سخاء فوق الأصقاع القاحلة التي سئمت الجدب و العطش. كان صوته دافئا و أليفا تطمئن إليه الأنفس و تلذ له الأسماع و تألفه القلوب..."السادة المستمعين" نداء كثيرا ما يذيعه المذيعون في برامجهم و قليلا ما يتجاوز حناجرهم إلى أفهام الناس و قلوبهم . لكن مذيعنا الحاذق هذا يجيد استعمال هاتين الكلمتين و يستحوذ بهما على أسماع المستمعين و يظفر بإعجابهم و وفائهم و تقديرهم ...إنهم يتوقون شوقا إلى برنامجه الإذاعي مطلع كل أسبوع كما يتلهف
العاشق الولهان للقاء حبيبته.
تابع صاحبنا حديثه و قد قرب شفتيه من الميكروفون كثيرا و قال في تأثر – أصدقاء البرنامج ها نحن نلتقي بعد أسبوع كامل لنتقاسم لحظات هذا اللقاء الأخير – هنا تهدج صوت كمال...اختنقت العبرات في مآقيه، وأكمل برنامجه مجتهدا في إخفاء الحزن الذي يطبق على صدره منذ أيام...انه الموعد الإذاعي الأخير مع جمهوره و محبيه و مريديه. تأمل كمال الميكروفون الماثل أمام بصره كأنه خادم ينتظر إشارة منه ...كمال يعتبر هذا الميكروفون مثل واحد من بنيه .انه يعتز به و يعترف له بالجميل، بفضله غدا مذيعا لامعا لا يشق له غبار. و بفضله أيضا غزا قلوب الناس و استحق تقديرهم...ابتسم كمال و هو يجتهد أن يدفع عن صدره سحابة الأسى التي تحدق به .قال مخاطبا الميكروفون هامسا – ايه أيها الصديق الوفي سوف تفارقك شفتاي قريبا. أين أنت من أول ميكروفون عانق صوتي و احتضنه. مضت ثلاثة عقود كاملة عن ذلك اللقاء. كنت لا أزال حينها شابا يشق طريقه وسط كوكبة من المذيعين المرموقين. كان ميكروفون ذلك العصر عملاقا و ضخما يشبه قطعة من الآجر – ضحك صاحبنا عند تذكره لشكل ذلك الميكروفون المبارك...صمت فجأة و عاودت مسحة الحزن تلك غزو ملامحه مجددا. جمع أوراقه و تذكر أنه سيفارق هذه القاعة و هذا المبنى الشاهق إلى غير رجعة..هذا الاستيديو المرتب و الأنيق شهد ولادة كل برامجه الناجحة. استحضر على الفور لحظات الفشل و النجاح...كان إيمانه لا يتزعزع قط بهذا المثل الخالد "خطوات الفشل هي التي تصنع لذة النجاح" كانت هذه أول الكلمات التي زودته بها والدته يوم أن دفعت به إلى كتاب البلدة...أرسل كمال بصره على جدران الاستيديو و أثاثه، لم يتغير شيء ما عدا التجديد الذي كان يطال أجهزة التسجيل من حين لآخر.تأهب للمغادرة لكن مخرج البرنامج يصدمه بهذه الكلمات- لقد كان البرنامج الأخير ناجحا و مؤثرا. أتمنى لك تقاعدا طيبا يا عم كمال –
اهتزت أذنا الرجل لذلك الحديث .كأنه يسمعه للوهلة الأولى...راعته هذه الحقيقة المؤلمة. لم يسغ بعد أن ذلك البرنامج كان الأخير في مسيرته الإذاعية...توقف مشدوها و ازدحمت المشاهد في شريطه الدماغي المطول و المترع بالأحداث. باغته فجأة مشهد قديم مسرف في القدم...يومئذ تقدم للمسابقة للظفر بمنصب مذيع في هذه الإذاعة العريقة. كان حينها قد تخرج للتو من الجامعة...أمام لجنة المسابقة وقف هو و نفر من الشباب أمثاله. تمتم كمال مخاطبا نفسه – كنا أربعة أنا و سالم و حميد العوام و سمير الغضبان- ابتسم عند ذكر هذين الشابين. حميد كان سباح الجامعة بال منازع و بفضله توجت الجامعة بالجوائز و الكؤوس ...و أما سمير فقد كان أغضب إنسان عرفته أسوار الجامعة .. كان يغضب لأتفه استفزاز.
كان أمل كل واحد منا أن يفوز بالمسابقة و يظفر بهذا المنصب الذي يستهوي أغلبية الشباب . كان سؤال اللجنة مفاجئا و غير متوقع قط "من هو بطل موقعة عين جالوت ؟ " صعق الشباب لهذا السؤال اللغز. فغرت أفواههم و جف الريق في حناجرهم و استسلموا لصمت و يأس قاتلين ...لكن كمال ينهي المعركة بالضربة القاضية و الإجابة الحاسمة قائلا – انه البطل سيف الدين قطز يا سيدي – صفق الجميع للشاب و هنئوه على النجاح...اغتبط عم كمال لهذه الومضة المشرقة من حياته. ودع رفاق الدرب في الإذاعة و غادر ذلك المبنى و قد تراكم بين أضلعه زخم عظيم من التفاؤل و الرضا.
