الأستاذ حسن

طباعة

كان الطريق ترابياً خالياً إلا من حجارة متناثرة غائصة بين الأعشاب والأشواك البرية الصفراء. لم يكن أي شيء ينبئ عن حياة أوحركة إلا خطوات شبح متداعي الأركان يحمل في كفه مجموعة من الأوراق التي لم تعد مرتبه .  خطا بضع خطوات ثم جلس على صخرة محاذية للطريق وغاب في نحيب متوتر واضعاً كفيه المتيبستين على وجهه .

 

ما الذي قاد قدمي إلى الهرب !!!؟. ما الذي قيد يداي،  وأخرس لساني!!!؟. ما الذي دفعني كي أصل إلى هنا...؟ .

شهق . تزاحم الهواء متقطعاً في صدره . زفر ثم مسح وجهه بكفيه ثم أجهش بالبكاء من جديد "  أنا السبب ، أنا المذنب في هذا العالم ، الله يلعن الحياة والدنيا كلها " .

 

 نظر خلفه ليجد القرية تستحم بشمس الظهيرة غافية على التلة الرمادية .  دس وجهه بين ركبتيه "إلى أين يمكنني أن أذهب ؟ " .

 

كان يقف متأبطاً أوراق الامتحان عندما سأله أحد تلامذته :

-         أستاذ بكم تريد .

 أجاب بأنفة وابتسامة متفهمة :

-         شكراً يا سامر . سأجلب بنفسي .

 

بدل بين قدميه ، هز كتفه الأيمن،  بقي في الدور، وأخيراً بعد نصف ساعة وصل إلى " الطاقة " :

-         زكاتك خمس كيلوات بسرعة .

علت همهمة خلفه، لم يتبين أسبابها ، التفت متفاجئاً . وإذ بشخص يخترق الصفوف ، ليصل محاذاته ثم حشره بكتفه ، و بنبرة آمرة :

-         عشرة كيلو بسرعة .

بدل الأستاذ حسن بين قدميه بعصبية، هازاً كتفه، ماطاً رقبته :

-         لوين يا أخ مالك محترم هالخلق .

أجاب دون أن يلتفت بعيون باردة وصوت هادئ :

-         إي شايفهم ، بسرعة خالي .

 

لم ينتبه الأستاذ حسن للتمتمات والتحذيرات خلفه ولم يسمع سهران وهو يهمس

-  لفها .... هذا مخ .. .

هز جذعه ، واحتضن أوراقه بقوة :

-         الكل يقفون على الدور .... ما هذا المنطق .

 

التفت حسان هائجاً.  رفع كتفيه وأرخى رأسه أمام صدره . حدجه بنظرة متحدية  :

-         عيرنا سكوتك ، وحاجي فلسفة .

 

شد جسده وبدل بين قدميه :

-         هذه ليست فلسفة ، إنه أمر واقع ، انظر يا أخي لنا  من الصبح هنا ... لتأتي ... دون .. هكذا .... ليس معقول ...  .

 

حملق وبأعلى صوته :

-       كول .............

 

تيبس وجهه مذهولاً و ...

-         مـــــــــــــــاذا أنا ... كول  ...........

 

-         نعم أنت كــــــــــــــــول ........ ، واسكت .

 

 

مط رقبته ، زم فمه  هازاً كتفيه :

-         أنت غير مؤدب .

 

ما إن سمع حسان هذه الجملة حتى انفلت كالثور الهائج :

-         أنت إبن .......... و .........أختك  يا أخو ............. أنا غير مؤدب ، لك أنا بدي علمك الأدب ، و ..  طرااااااخ .

 

لم ينبس ، لم يتحرك ، تجمد أمام عيون ترمقه مترقبة ، لم يعد يسمع أي شيء حوله ما خلا صوتاً قادماً من أذنه اليسرى الملتهبة وزززززززززززز .

استدار ، وغادر . لم تحتفظ عيناه إلا بوجه تغلفه سحب الدهشة والتبلد .

  لطالبه الكسول حسان الذي فُصل من المدرسة منذ خمس سنوات  .

 

Tweet
Facebook Social Comments