قلب أمين بصره في البريد الذي سوف يوزعه اليوم...طبعا نظاراته الجديدة أسعفته كثيرا في قراءة العناوين...بعض الناس يكتب العنوان بخط تعجز النملة عن فك رموزه. يبتسم الرجل عند هذه النتيجة المضحكة. في الماضي كان بصره ثاقبا ، لكن تقادم السنين و تعاقب الأيام أنهك عينيه...حقيبته الجلدية تزدحم بشتى الرسائل. لقد كان يفتخر دائما أمام صحبه أن تلك الحقيبة حيكت من جلد الغزال الخالص..و للتو رسم في مخيلته المسار الذي سيسلكه اليوم. هو يعرف القرية دارا بدار و شارعا بشارع و شبرا بشبر...
صبية القرية يدعونه ( عم أمين ) . يروقه هذا اللقب و يبعث في نفسه نشوة تحلق به عاليا في الأجواء. لطالما أدخل البهجة و الغبطة على الأسر .. و لطالما أدخل أيضا الكآبة و الحزن على قلوبهم. و كان الاقتناع السائد دوما أن تلك سنة الحياة و ليس هناك بد من الإذعان لها .
ودع صاحبنا زوجه في حنو . اعتلى دراجته و سار في أزقة القرية و أنهجها . تمتم ساخطا- أوه يا لهذه الغشاوة البغيضة – اقتلع نظاراته السميكة و مسحها بطرف المنديل. كان يتقبل مذعنا و مستسلما أن هذا الزجاج هو نافذته الوحيدة على هذا الكون الوسيع...ابتسم أخيرا فقد استعادت النظارات نقاوتها و جلاءها.
كان شتاء تلك الصبيحة متوحشا جدا. شهر ديسمبر هو أقسى الشهور ضراوة على جلود البشر و عظامهم...ألحت على أمين في هذه اللحظة أمنية بعيدة المنال ( ماذا لو كنت قابعا الآن أمام الموقد أحتسي الشاي رفقة أسرتي و ننسف سويا حيطان البرد التي توشك أن تطبق علينا) .أطربته هذه الفكرة اللذيذة و راح يترنح على وقع إلحاحها - عم أمين. عم أمين . عم أمين – زمجر أحدهم و قد قطع عليه لذة تلك الوجبة الشتائية الدافئة و التي أوشكت أن تسوق الدفء إلى أوصاله التي هزمها الصقيع.
- هل من رسالة من و لدي هناك في جبهة القتال ؟- واصل السائل سؤاله .
-لا جديد يا عامر فالبريد القادم من هناك شحيح و ضنين هذه الأيام –
انطلق أمين في أزقة البلدة و دروبها كالفراشة . يوزع البريد هنا و هناك...هو لا يحفل بهذا الجو المطير المشرب بالبرد. استنفذ ما في حقيبته من الرسائل. ياااااااه أفلتها دون أن يشعر حين لمح رسالة في قعر الحقيبة و تمتم – كيف فاتني أن أنتبه لهذه الرسالة – و واصل – لا شك أن تلك النظارات البغيضة كانت حائلا بيني و بين هذه الرسالة- لقد اعتاد أن يلقي باللائمة على نظاراته إذا نسي شيئا ما أو تذكره.
أمسك الرسالة برفق كأنه يحمل وليدا حديث الولادة. صاح - أووووه إنها رسالة موجهة إلي أنا ،خير إنشاء الله – خفق قلبه لهذه المفاجأة واضطربت تلك النظارات السميكة فوق أنفه المعقوف... قطع العزم أخيرا ألا يفتحها إلا حين يصل إلى البيت . ارتقى دراجته المهترئة و يمم شطر داره دونما التفاتة ...كان فحوى الرسالة كلما يشغل تفكيره. استعرض جميع التوقعات...كل ذلك لم يشف غليله فقد كان القلق و الترقب يسيطران على جوانحه . دخل الدار أخيرا و التحق بمخدعه هناك في الطابق العلوي...فض الرسالة بأنامل مرتعشة. ارتسم الاستياء على محياه و كظم آهة كادت أن تفلت من بين شفتيه. و دون أن يشعر أفلتت نظاراته السميكة من فوق أنفه الشامخ...سقطت أرضا و تهشمت إلى الأبد. قرأ الرجل بصوت متهدج ( من السيد رئيس مركز البريد إلى السيد أمين ، لقد تم إحالتك على التقاعد .شكرا على....)
