أدار المحرك بحركة رشيقة....صك.صك.صك.. ارتجت السيارة قليلا ثم انطفأت. صقيع الصباح و برودته يطبقان عليها...إنهما كفيلان أن يشلا فيلا بالغ الضخامة. هنا ارتسمت في ذهن سعيد مقولة جدته قديما حينما كان ينهض صباحا أيام الشتاء للذهاب إلى المدرسة " يا بني استعد للبرد كما تستعد للحرب".
أرسل يدا مرتعشة مرة أخرى و أدار المحرك...لا حياة لمن تنادي. طاش عقل سعيد و تملكه غيظ جارف و تمنى لو بإمكانه أن يسحق هذه السيارة بين أصابعه و يقذف بها هناك في جوف ذلك النهر المتجمد...تصبب من جبينه العريض عرق رغم سطوة الصقيع الذي يلف المكان...رفع غطاءها و أرسل بصره بين زوايا المحرك عسى أن يهتدي إلى موطن الخلل...لم يكن صاحبنا ضليعا في ميكانيكا السيارات. أغلق الغطاء بحركة عصبية و جلس خلف المقود و أدار المحرك في محاولة يائسة. دمدمدمدمدمدمدم...انتفض
المحرك أخيرا معلنا نهاية الأزمة. صفق سعيد محتفيا لنجاح المحاولة...و في لحظات كانت السيارة تجوب شوارع المدينة و تلتهم طرقاتها الوسيعة في تؤدة...البرد خارج السيارة كان ينهش أجسام الناس و الجدران و الأشياء . أما الشمس فلم يكن لها أثر يذكر...كانت متخفية وراء رداء شفاف من الضباب كما تصنع العذراء. فجأة تبدت في الأفق القاتم أمواج متلاطمة من البشر...جلبة كبيرة توشك أن تخرق الأسماع "سيارة أمريكية من آخر طراز".."هنا لدينا فخر الصناعة الفرنسية رينو "..هنا سيارة فيات فخر ايطاليا " السوق يضج بشتى أصناف السيارات قديمها و جديدها...حتى سيارة ماروتي الهندية وجدت لها مكانا هنا. ابتسم سعيد لمنظر هذه السيارة الذي يدعو إلى التندر و المزاح...ركن سعيد سيارته الفرنسية في زاوية من زوايا السوق. تأمل غيمة ناصعة البياض تزين خاصرة السماء...سبح به خياله بعيدا عند سفوح ذكرياته. كان أول عهده بالسياقة حين أمسك بمقود السيارة...بلى كانت هذه السيارة نفسها. يومها كان مرتبكا أشد الارتباك ...و ما كاد يسير عشرة أمتار حتى ارتطم بعربة بيض يقودها بائع سليط اللسان. كان المشهد مقززا ...لقد سبحت سيارته في نهر دافق من البيض وسط سيمفونية مطولة من سباب البائع و شتائمه ...ضحك سعيد حين تذكر الأيام الثلاثة التي أنفقها و هو ينظف سيارته من بقايا البيض و رائحته المنتنة...طبعا اليوم سعيد أضحى ممن يجيدون السياقة مهما كان نوع السيارة...أمسك منديله الأبيض و راح يلمع زجاج السيارة و سطحها....أحم.أحم.أحم...- هل السيارة للبيع سيدي؟- سأله أحدهم و هو يلتهم البضاعة بعينين غائرتين.
-أجل سيدي- أجاب صاحبنا في مرارة بالغة و هو يعاتب نفسه لأنه تورط في الديون. و هاهو اليوم مجبر على بيع سيارته. و أسرف سعيد في جلد الذات كما يقول الفلاسفة...قلب صاحبنا بصره في السائل المنتصب أمامه في إلحاح . اشتم منه رائحة السماسرة. انه يبغض بالفطرة هذا اللون من البشر و لا يستسيغ التعامل معهم قط...انصرف السمسار بعد أن لمس صدودا من سعيد. مضى شطر النهار...بدأ الدفء يستعيد الأمكنة من بين أنياب البرودة الشديدة. قرص الشمس أضحى أكثر توهجا و بهاء و هو يتألق في كبد السماء...بيب.بيب.بيب.بيب...
- هنيئا لك ثمنها يا سيدي – قال الرجل و هو يدفع المال نقدا إلى سعيد.
-أوصيك خيرا بالسيارة يا هذا فهي لن تخذلك أبدا ما اعتنيت بها-
- السيارة ستبقى ملكا لك يا سعيد. أنا لست بحاجة إليها -
جحظت عينا سعيد و قال مرتبكا – ماذا ؟ لقد دفعت إلي المال للتو أم انك من اللاعبين ؟ ثم من أين عرفت اسمي ؟؟-
قال الرجل الغريب و قد أشرقت سحنته بابتسامة مضيئة – لقد كان لك و لسيارتك في يوم من الأيام الفضل في نجاة زوجتي من ميتة محققة-
انتصب الكهل واقفا و هو يكمل حديثه وسط ذهول سعيد و استغرابه – كانت ليلة حالكة حين أوشكت زوجي على الولادة و لم أجد من ينقلها إلى المشفى غيرك. و لقد كنت شهما حينها عندما رفضت قبول أجرة السيارة -
