تأمل سالم ساعته في حزم...لا زالت هناك بضع دقائق عن موعد الانطلاق . كانت ساعة يد فاخرة تلك التي تزين معصمه الناحل. أهداه إياها أحد أصدقاءه الأوفياء يوم ذكرى زواجه المنصرم...سالم دائما يتمثل هذه المقولة المأثورة في حق هذا الضرب من الأصدقاء "الأصدقاء كالنجوم يختفون إذا طلعت الشمس لكنهم دائما حاضرون"....
تحرك القطار في روية على سكته المهترئة وسط صرير العجلات المقزز
و جلبة المحركات و العربات التي تجرها القاطرة العتيقة...ابتهجت ملامح سالم لبدء الرحلة في موعدها كما العادة. تعلم صاحبنا من حياته الحافلة بالنجاح و الظفر في شركة السكة الحديد أن الإقلاع في الوقت المضبوط صباحا يبشر بيوم ناجح و قليل المشاكل...لقد التحق بالشركة مذ كان صبيا يافعا. كان عليه وقتئذ أن يعول أمه و أخواته بعد أن أقعد الشلل أباه...تقلب الفتى بين قطارات الشركة . حينا كان يشتغل في مرآب الشركة و حينا يقوم بصيانة السكك و حينا آخر كان يجمع التذاكر و هاهو اليوم في عقده الخامس و قد غدا سائقا مرموقا لا يشق له غبار...طلاب المدارس و المعاهد و العمال و الفلاحون هم أغلب من يغشى قطاره لما يلمسون فيه من دقة المواعيد. انطلق ذلك الثعبان المعدني يلتهم السكة و يطوي الفيافي و صافرته المشاكسة تخرق صمت الفلوات و هدوءها المطبق...في هذه اللحظة كانت أشجار السرو و البلوط و السنديان تنساب في رشاقة إلى خلف النوافذ. في كبد الأفق كانت حقول القمح مسترخية في كسل لتعانق أشعة الشمس الوهاجة ...السنابل المثقلة بالقمح الطازج قد استسلمت للنسيم الرطيب يشاكسها و يداعبها و يراقصها في خيلاء . ينساب القطار على سكته في إباء و كبرياء كما الماء الزلال تحت قيادة العم سالم و مساعده أيمن الذي كان جاثما حذوه...أيمن شاب فتي و خدوم لا يلبث أن يذيع بين صحبه دائما ( أنا إنسان محظوظ فأنا المساعد المقرب لأعظم سائق أنجبته البلدة...عم سالم) طبعا كان سالم يرفرف عاليا بأجنحة السعادة حين يتناهى إلى سمعه ذلك الثناء...لقد كان يتوسم في ذلك الشاب خليفته على مقود القطار . انه يقول أحيانا (أيمن هذا هو ساعدي الأيمن).
فجأة بدا في الأفق دخان أسود كثيف...بوووووووووووم. انفجار صاخب يزعزع سكون المكان و يفتك بالسكة و يحيلها إلى كومة من الحديد. ارتاع سالم و هرع و مساعده إلى كبح جماح القطار..توقف القطار بعد عناء. في لمح البصر ظهرت بين سحب الدخان كوكبة من الأشباح...وجوههم ملثمة و بعضهم مدجج بالأسلحة. أدرك سالم على الفور أن القطار وقع في كمين هؤلاء الرعاع المجرمون...في طرفة عين تسور البغاة القطار وسط التياع المسافرين و ضجيجهم. تقدم رئيس العصابة من سالم و أمر أيمن قائلا- أيمن شد وثاق السائق جيدا- يا لها من صدمة موجعة حين تقدم أيمن و هو يتوشح خنجرا صوب سالم قائلا – حركة واحدة و سأمزقك إربا أيها الكهل الخرف-
تعاون أيمن مع رئيس العصابة في تكبيل سالم بسلك ...و استبسل الكهل المغدور في الدفاع عن نفسه .لكن ضربة قاسية على أم رأسه كانت كفيلة بأن تجعله يخر مغشيا عليه. سيق الركاب جميعا إلى خارج القطار .كبلوهم جميعا بشتى ألوان الحبال و الأسلاك...وفي لحظات بدأ الغوغاء و أيمن معهم في نهب الأموال و سلب المتاع و سرقة الحلي ثم لاذوا بالفرار جميعا وسط ذهول المسافرين و حيرتهم
