استقبلني ـــ كماعودني ــ بحفاوة يبالغ فيها ، وعلى الرغم من أنَّ زيارتي له لا تزدوج في العام الواحد فإنه يعتقد أني ابن من أبناء تجارته .
قالها ونظر إلى أصابع قدميه في توسل .
" طبعا برباطيا عم إسكندر "
قلتها بصوت جذب خيوطانتباه كل من حولي ، فطبلة أذنيه ــ كما كان يروي لنا ـــ أضعفتها أصوات طبول حروب خاضها .
" لأ يا بابا ،مش عايزها برباط " .
في نفس المكان وبنفس النظرة المتوسلة حدثت أبي منذ ثلاثين عاما بنفس الكلمات التي أطلقها صغيري نحوي....
" الرباط هي خليها زي رجلك مبتنخلعش "
عندما جاءني ردَّ أبي على هذا النحو صرخت بتأدب :
" لأ يا بابا بتنخلع ، وأول حاجة بتنخلع هي الرباط "
فيالنهاية أرتديها بالرباط وافرح ، فقط لأنها جديدة .
حوش المدرسة كان عالماً ينفرد بتفاصيل تختلف عما تبقَّى من عالمي ، لم يكن في كل الأحوال مبعثا للفرحة في نفسي .
" تحيا جمهورية مصر العربية " .
أهتف بها ثلاثا كل صباح ، الكلمات لم تتعد يوما كونها فصلا جديدا من كآبة الدراسة ، فلم ألمح يوما حروفا أكررها ، أجلس على مقعدي في الصف الخلفي ، أطرق باب كراستي ، أشجع قلمي أن يهرب بعقلي متسللا راسما ذلك القابع في سماء ركن من أركان الحوش.
أنقش يداً تمسك بيد من حديد تصفع ناقوساً تفترق من محيطه خطوط تنبعث صوب الأسماع .... أتجاهل كل محيطي ،وأتفرغ في مغازلة لو حتى أملا في أن تتحول الخطوط إلى حقيقة تشتاق إليها أذني .
صاحت دعاء:
" أبلة سلوى بتقول حصة الألعاب النهاردة هتكون في الحوش ومش هنلم الورق ".
هرولت مع نزلاء الفصل والشكوك تراودني في صدق ما قيل رصتنا الأبلة سلوى كعيدان القصب في حزمتين إحداهما لنا والأخرى للبنات ، وأمرتنا بتفاصيل اللعبة :
"اللي هيوصل الأول للجرس ويضربه هيفوز ".
كنت العود الأول فيحزمتي ، وكذلك كانت دعاء في حزمتها .
طبيعي أن أنتصر ،كيف للبنات أن يسبقن الأولاد ؟
البنات يبتكرن حالة من الهياج والمرح رأيتها ليست ضرورية فأنا لم أفز بعد.
وجدتني في المشهد التالي أتوسل إلى الأبلة سلوى مدرسة الألعاب والموسيقى والرسم والتدبير المنزلي وأي حصة فاضية أن تعيد السباق ، فحذائي خانني متخليا عن قدمي!
البنات يتراقصن ابتهاجاً بالنصر ، يلعبن لعبة نط الحبل بلا حبال ،ودعاء تجمع بين ساعديها في ثبات المنتصرناظرة إلى عيني في شماتة الصعاليك .
مُدرِّسة كل شيء ترفض كل توسلاتي .المح في عينيها دائرتان تتمايلان مع احتفال البنات بالنصر ، نصحتني دون وقار أن أعتني برباط حذائي .
نظرت بتوسل إلى أصابع قدمي العارية ، ربما طالباً منها أنْ تنبت حذاء من عدم .
تنبهت لحظتها إلى أن قاهرتي لا ترتدي حذاء ، عرفت أنها تخلت عنه خوفا من أن يتخلى عنها ، كان هو الآخر برباط .
اختفت كل الوجوه أمام عنه وتقلص عالمي الفسيح مختبئا في قبعة من حديد أستجديها كي تلد خطوطا متخاصمة على أذني أملا في أن تنهي توابع خيبتي .
******
" يا بابا أنا بنوتة ، ألبسها برباط برضه زي رامي إزاي بس ؟ " .
تولى لسان صغير تيصفع القبعة المعلقة في السماء فانتبهت إليها ورامي وعم إسكندر ينتظرون قراري:
" يا حبيبتي برباط ، ولما تجري ابقي اقلعيها ".
