يعرف عني القريب مني أني متعصب للأزهر.
نعم يا قارئي الكلمة التي قرأتها صحيحة وهي كلمة متعصب. فهناك أمور لا يسعني إلا أن أكون فيها مؤمنا كامل الإيمان ومنافحا عنها أشد ما يكون الدفاع وهي أولاً العقيدة الإسلامية وثانياً اليد التي مدت إلي بالخير والتي نما لحم كتفي من خيرها مثل الأزهر الشريف وشيوخي وأساتذتي في كل مكان وزمان الأحياء منهم والأموات. ولو كان هذا المقال نوعاً آخر من الكتابة لكان ولا شك قصيدة شاعرية جميلة كلها غزل وحب للأزهر الشريف سواد عيني فحبه يجري في دمي من نفس الشريان الذي ينطلق منه حب الإسلام.
الأزهر الشريف قلعة الإسلام المجيدة التي نافحت عن الإسلام ورفعت رايته وعلمت أبناءه لأكثر من ألف عام بينما تعرضت مصر للكثير من المحن والشدائد في كل شيء تقريبا. الأزهر الرمز والتاريخ هو الحصن المنيع الذي حافظ على هويتنا وصد عنها التغريب الذي حاول تشويهنا حتى وصل الحال بأكبر المغربين في عصورنا إلى الدعوة إلى العامية من مثل ما قاله من يسمونه زوراً بأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد وغيره. كلنا يعرف تاريخ الأزهر ولا حاجة بنا لتفصيل القول في أن الفاطميين أنشأوه بأمر من قائدهم جوهر الصقلي وفتح للصلاة في شهر رمضان عام 361هـ 972م .
يمر التاريخ وتشتد المحن ليثبت لنا الأزهر الشريف أنه الملاذ والحصن لأبناء الإسلام وخير مثال على هذا مما تسعفني ذاكرتي الآن هو ثورة آبائي مشايخ الأزهر ضد نابليون بونابرت عندما داست خيوله الأزهر وألقت بالمصاحف وعاثت فيه فسادا بينما نجد من يحتفي بالحملة الفرنسية على المستوى الرسمي لبلادنا ويصفها بأنها من أكبر المؤثرات التي علمت مصر وأنارتها ههههههههههههههههههه نعم يا قارئي هي ضحكة لكنها مخنوقة بالدموع حينما تشعر أن أخاك ابن وطنك الذي يشاركك نفس الهواء والماء والهموم غريب عنك يزور تاريخك ويسرق منك بطولات آبائك وحسبي الله ونعم الوكيل. كلنا يعلم أن الأزهر بدأ بتدريس المذهب الشيعي بدعم من الفاطميين إلى أن جاء العصر الأيوبي وأدخل بدلا من الفقه الشيعي المذهب السني وزدادت قوة الأزهر الشريف بعد ذلك في العصر المملوكي بعد زيادة عدد مدارس الحديث والفقه بل وعلم الهيئة والرياضيات والهندسة والجبر والفلك وغيرها من العلوم الأخرى مثل المنطق وعلم الكلام (قريب من الفلسفة في شكله وهو برأيي من أكثر ما جر الوبال على أمة الإسلام وعلمها الجدل والسفسطة).
ولن ينسى أحد أن عبد الناصر قد أعلن القتال ضد العدوان الثلاثي من فوق منبر الأزهر وفي هذا دلالة على قوة الأزهر وتاريخه الذي يشهد بأنه القلعة الشامخة التي تقطر شرفاً وعلماً وإخلاصا وحباً للإسلام. "وقد صدر القانون رقم 103 لسنة 1961م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التابعة له. فنص على أن: "الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وآثاره في تقدم البشر ورقي الحضارة، وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا والآخرة. كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية وإظهار أثر العرب في تطور الإنسانية وتقدمها، وتعمل على رقي الآداب وتقدم العلوم والفنون وخدمة المجتمع والأهداف القومية والإنسانية والقيم الروحية، وتزويد العالم الإسلامي والوطن العربي بالمختصين وأصحاب الرأي فيما يتصل بالشريعة الإسلامية والثقافية الدينية والعربية ولغة القرآن. وتخريج علماء عاملين متفقهين في الدين، يجمعون إلى الإيمان بالله والثقة بالنفس وقوة الروح، كفاية علمية وعملية ومهنية لتأكيد الصلة بين الدين والحياة، والربط بين العقيدة والسلوك. وتأهيل عالم الدين للمشاركة في كل أسباب النشاط والإنتاج والريادة والقدوة الطيبة، وعالم الدنيا للمشاركة في الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. كما تهتم بتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات والهيئات الإسلامية والعربية والأجنبية. ومقره القاهرة، ويتبع رياسة الجمهورية" نقلت ما سبق من ويكيبيديا وهو كلام ما أروعه ويكفي أن يكون تعريفا للأزهر.
والآن دعني أتحدث عن تجربتي الشخصية لأني أزهري قح بدءً من الكتّاب "بتشديد التاء" وحتى مرحلة الماجستير الآن. أقول يا قارئي إن دراستنا للتراث عمل عظيم بيد أنه يحتاج إلى تقنين وتنظيم لأن بعض الكتب التي درستها (على سبيل المثال الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع في الفقه الشافعي للخطيب الشربيني "نسبة لبلدة شربين عندنا في الدقهلية" الشافعي لم يدخل عليه أي تعليق أو إضافة أو شرح منذ أن كتبه مؤلفه من مئات السنين) تحتاج إلى وسيط بيننا وبين المؤلف الذي يكتب بلغة عصره وهناك أمثلة لا تحصى على صعوبة الاصطلاح الفقهي الذي يرجع في شرحه لا إلى معاجم اللغة وإنما إلى معاجم اصطلاح الفقهاء من مثل طلبة "بكسر الطاء وفتح الباء" الطلبة في الاصطلاحات الفقهية للإمام النسفي الذي كنا ندرس تفسيره للقرآن في المرحلة الثانوية وهو تفسير عظيم كان يصب جل اهتمامه على اللغة عامة والقراءات خاصة والإمام النسفي بالذات له عندي مكانة كبيرة وحب بالرغم من بعض أخطائه التي يمكن أن نعفو عنه فيها.
وأمر ثانٍ مهم من عيوب الدراسة عندنا هو أننا مثل وزارة التربية والتعليم نعاني من كثير من المعلمين الجهلة الذين لم يتلقوا تدريبا كافيا كما أنهم يكرهون القراءة والاطلاع لكن الحق يقال إن القوي فيهم كان عملاقا لأنه كان يجيد القراءة الجيدة والبحث العلمي الدؤوب والعيش مع كتب التراث العظيمة التي تتسم بطابع موسوعي خلاق. أذكر وأقسم بالله غير حانث أن مدرس مادة الحديث عندنا في المرحلة الثانوية وكان مدرسا أول لمادة الحديث ويحصل على امتياز في تقرير المفتشين أذكر أنه كان مذهولا لما علم مني أن المرأة في حالة الحيض يحرم عليها الصيام والصلاة وقال لي : معقول؟!
وهنا يا قارئي أشد على يديك لأؤكد لك أن هذا ذنبه هو لا ذنب الأزهر فالذي لا يرى الشمس مؤكد أن العيب فيه لا في الشمس كما أني أؤمن أنه لكي نتقدم لا بد أن نمارس الصراحة والمكاشفة من دون تجريح ولنعترف بأن لدينا معلمين ضعفاء ثقافتهم ضحلة وفهمهم سقيم كما أن لدينا عمالقة يستحقون منا التقدير والإشادة لكنهم على كل حال قليلون فاللهم اجعلنا من القليلين يا رب. على كل حال يا قارئي لقد ضيع الإمام الأكبر شيخ الأزهر من قيمة تراثنا عندما استبدله بكتب حديثة قليلة القيمة لا تسمن ولا تغني من جوع فلا هو أحسن الاستفادة من التراث ولا هو استعاض عنه بكتاب عصري قوي يجمع بين لغة عصرية مفهومة ومعلومات دينية قوية موثقة باجتهادات السابقين التي لا بد أن يعرفها المفتي ليبني عليها ما يصدر منه من فتاوى وأحكام. ومقالي هذا يا قارئي الكريم هو دعوة ورجاء لك أقوله من أعماق قلبي أن ندفع عن الأزهر أي هجوم عليه فالتاريخ يؤكد أن هجوم أعداء الإسلام على الإسلام إنما جاء من هجومهم على الثغر الذي يقف عليه الأزهر ورجال الأزهر فأرجوك لا تكن عونا للأعداء والشيطان على أزهرنا الشريف.
وثمة أمر مهم جدا في عيوب الأزهر وهو أن الكليات الدينية مثل أصول الدين واللغة العربية والشريعة والدراسات الإسلامية التي يفترض أن تخرج لنا علماء الدين والدعاة تقبل أضعف الدرجات من حملة الثانوية الأزهرية بل ومن يحملون دورا ثانياً ويخرجون بمواد ويقل مجموع درجاتهم عن 50% وهو ما يفسر لك هذا القدر القميء من المستوى الهابط والمخجل لكثير من خريجي الأزهر فقل لي بربك يا قارئي ما معنى أن تكون الطب هي القمة بينما أصول الدين هي القاع. هذا موجود في عقل وفكر المتخلفين فليس هناك قمة وقاع في العلوم وإنما هناك قمة وقاع في العقول. لكن عزائي هو أن هذه الكليات الشرعية التي ذكرتها تمتليء بأحبارٍ في العلم في أعضاء هيئة التدريس وهو ما يخفف من غيظي لأن المتفوق في هذه الكليات يخرج عالما قويا وضليعا في علوم اللغة والشريعة لكن ما يعيد إلي الغيظ أن العدد كبير في هذه الكليات مما يضر بالعملية التعليمية ويرهق أعضاء هيئة التدريس. وعليه فضعف الأزهر المؤسسة التعليمية مثله مثل ضعف كل مؤسساتنا فلا داعي لأن يعايرنا أحد فكلنا في الهم شرقي ومطلوب منك ومني أن نوقد شمعة بدلا من أن نلعن الظلام. الكلمة الأخيرة التي أوجهها لكل منصف: شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي لا يمثل الأزهر فالأزهر شيء وفضيلة الدكتور طنطاوي شيء آخر هذا تاريخ عظيم شريف وقلعة شامخة وذاك بشر غير معصوم وتابع لنظام الحكم يصيب بصوابه ويتحمل أخطاءه شاء أم أبى فلا داعي لتحميل الأزهر التاريخ أخطاء ومصائب الأزهر البشر.
