الجهاد الاقتصادي

طباعة

 

أقصد بجهاد الاقتصاد؛ بذل الجهد لتحقيق القوة الاقتصادية وإنعاش الاقتصاد، وتحقيق الكفاية المادية للأمة الإسلامية، حتى لا تستنجد الأمة المسلمة بغيرها، وحتى لا تبقى عالة على الأمم، تأكل من فتات موائدها، وتستهلك ما ينتجه غيرها. وهذا من النفرة التي أُمِرنا بإعدادها -كما جاء في القرآن الكريم-، لنشر الدعوة

وحمايتها، ولمواجهة المعتدين والطواغيت.

يقول الإمام عبد السلام ياسين:"فجهاد المؤمنين لبناء الاقتصاد ولإعداد القوة كجهادهم لتبليغ الرسالة لن يكون جهاد منفردا مخذولا بل يكون جهادا يزكيه الله ويعينه الله رب الإنسان ورب السماء والأرض ورب النواميس الطبيعية التي جعلها لنا فتنة، فإذا آمنا به وعبدناه وقصدنا وجهه سخرها لنا وسخر لنا كل شيء"([1]).

وعلى هذا فبعد النصر والظهور والتمكين، ترث الأمة من يد المستكبرين والمترفين، اقتصاد جاهلي يعمل لصالح الاستكبار العالمي والمحلي، وترث قسمة ضيزى في الأرزاق، وترث الفقر والكفر، وترث البطالة، وترث عادات استهلاكية جاهلية، وترث الخراب الاقتصادي...

هذا الاقتصاد العفن المريض يطلب علاجا طويلا، وتحملا كبيرا، لكن إن تجندت الأمة كلها، وقامت قومة رجل واحد، وجاهدت، وبذلت قصارى جهدها، فلا شك أن اقتصادها سيشفى بإذن الله مما عَلِق به من أدران الجاهلية وأوساخها.

ولهذا فإن القوة الاقتصادية ووصول الأموال إلى قبضة المسلمين ستكون عاملاً من عوامل قوة الدعوة الإسلامية وستتحكم المنظومة الإسلامية على الاقتصاد العالمي وستعرض على العالم سوقا ومنظومة شركات إسلامية.

وسترتفع رايات المسلمين ومعنوياتهم عندما يرون رجال المال المسلمين الذين ينفقون أموالهم سرًا وعلانية ابتغاء مرضاة الله وينطلق الدعاة في كل مكان مبشرين ومنذرين وخلفهم مؤسسات وشركات تدعمهم وتقف بجانبهم، كل على ثغر، وكل يسعى لتمكين دين الله في الأرض.

إن الإعداد المالي والقوة الاقتصادية ستكون في خدمة الأمة والدعوة والسياسة والفكر. وسيسند حركة التغيير الشاملة من أجل التمكين لدين الله في الأرض ([2]).

ومجتمعاتنا اليوم  لا يمكن أن تنهض إلا إذا كان لها نظام اقتصادي صلب، يسمح للإنسان بأن يحقق ذاته وكرامته، وأن لا يقع فريسة الفقر بأي حال من الأحوال. ويجب أن يكون هذا هدفا اجتماعيا كبيرا ([3]).

فالاقتصاد هو عصب الحياة، وقوام العمران الأخوي، والعمود الفقري للدعوة، فكيف تستطيع أمة اقتصادها منهار وفاشل، وثرواتها يستحوذ عليها شرذمة قليلة من الجاثمين على صدرها، وقاعدتها الشعبية مجمدة بمثبطات الفقر المدقع  والمرض والخمول والركون إلى الراحة والكسل والجهل، وعصا الطبقية تلهب ظهرها، والظلم متربع على عرشها، والثراء الفاحش يضرب بخيله ورجله في أرضها،... من أن تحقق لها هدفا في الحياة، ببناء مجتمع ونشر دعوة؟!

يقول الحق جل ذكره: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}([4])، كلمات وردت في الآية الكريمة من الأهمية بما كان أن نشير إلى ما تحملها من دعوة صريحة إلى القوة الاقتصادية، وأهميتها في إرهاب العدو، ومواجهة الطواغيت الأرضية:

إعداد القوة:{من قوة}: القوة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من إعداد القوة،  فلا يمكن أن نتصور جهاد الأعداء بلا إعداد القوة المادية، ومن يتصور ذلك فإنما يسيء إلى الجهاد وإلى الدعوة، ويعرض عن سنن الله في هذا الكون.

 {رباط الخيل}: هاتان الكلمتان تشيران إشارة واضحة إلى العامل الاقتصادي؛ فالزراعة، والعلف، وتربية المواشي، والسلام... كل هذا يدخل في إنتاج الخيل ورباطها.

لهذا نبَّهنا ربنا الكريم U وأَلْفَت أنظارنا إلى ضرورة اتخاذ الأسباب المادية، لنجعلها وسائل، لتحقيق أهداف الجهاد، ونتخذها سُلما إلى تحقيق العزة والكرامة، والعدل والمساواة، والتمكين لدين الله في الأرض.

وفي باب الحض على الجهاد الاقتصادي أحاديث كثيرة منها الحديث الذي رواه سيدنا أنس بن مالك t  عن النبي r قال : p إِنْ قَامَتْ السَّاعَة وفي يد أحَدِكُم فَسِيلَةٌ فإن اسْتَطَاعَ أن لا تقوم حتى يغْرِسها فَلْيَغْرِسْهَا i ([5]).

وبناء عليه؛ فالجهاد الاقتصادي له علاقة وثيقة ووطيدة بأبواب الجهاد الأخرى، فجهاد الدعوة  يحتاج إلى قوة اقتصادية، وجهاد البناء والتعليم والجهاد السياسي والقتالي كذلك، أما جهاد التَّوَحُد فلا يمكن أن تتوحد الأمة وهي تعاني من تحديات كثيرة؛ تحدي الفرقة والشتات والتمزق بين مقلدي أمرها، تحدي الفقر شقيق الكفر، تحدي الأمن الغذائي،  تحدي كفاية السلاح، تحدي أراضيها المحتلة والمغتصبة، تحدي اقتصادها الذي تتحكم فيه الصهيونية العالمية والقارونية الدولية، تحدي ثرواتها التي يعبث بها حكامها، تحدي الكفاءة الاقتصادية، تحدي النفط شريان الاقتصاد العالمي...

 


 


 ([1]) الإسلام غدا، الإمام عبد السلام ياسين، ص591.

 ([2]) فقه النصر والتمكين، د.محمد علي الصلابي، ص312.

 ([3]) القواعد الإستراتيجية في الصراع الحضاري، د.جاسم محمد سلطان، ص235.

 ([4]) سورة الأنفال:60.

 ([5]) الأدب المفرد، للإمام البخاري، باب اصطناع المال، ح482، ص129.

 

Tweet
Facebook Social Comments