قوام المجتمع العمراني الأخوي

طباعة

  

إن الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية هي قوام مشروع العمران الأخوي الذي يبشر به الإمام عبد السلام ياسين -عليه من الله الرضوان-، مشروع يستهدف الإنسان، ليحقق معنى لوجوده، اقتحاما للعقبة إلى الله،(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ،فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد:11-16). و"عبارة "اقتحام العقبة إلى الله" «دليل على طريق السعي الجهادي المتقدم بالإنسان، الرافِعِ له، من دركات الكفر إلى صعيد الإسلام فمقاماتِ الإيمانِ فمعارج الإحسان. سلوكُ الفرد العابدِ لربه، المتقرب إليه،

المكلَّفِ من قِبله، المؤتمِر بأمرِه، المنتهي عندَ نَهيه، هو الضمانةُ لتكوين المجتمع الجهادي الأخوي القائم بالحق في الأرض. من انتظام ذلك السلوك الفرديِّ في وَلاَيةٍ رابطة بين المومنين، أمرُهم شورى بينهم، يتألف جند الله القائمون بأمر الله».([1])

كما يستهدف الأمة في مسيرتها التاريخية من أجل استعادة خيريتها وشهادتها بين الأمم، وتحقيق الموعود النبوي خلافة ثانية.

"سَمِعْنَا نِدَاءَ الحَقِّ والحَقُّ ذائـــعٌ

فأَيْقَظنَا قولُ: اسْتَقِيمُوا وسَارِعُــوا

أتَانا رَسولُ الله بالأَمرِ صَادِعًـا

أنِ اقْتَحموا واغدوا ورُوحُوا وصَارعُوا

فما بَلَغَ الغَاياتِ إلا مجاهــــدٌ

إلى قِمَّة الإحْسَــان بالعَزْم طـالِـــعُ"([2])

  1.الغاية الإحسانية:

إن رسالتنا -معشر الأمة المحمدية- "لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد. أن يكون ابتغاء رضــاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المصارعة وقبلة الرجاء. هذا معنى أن الإسلام دعوة إلى الله، دعوة إلى الاستسلام بين يديه، نحب لقاءه، ونطيع أمره، ونقبل حاكميته، ونجاهد لإعلاء كلمته، ونطلب الاستشهاد في سبيله. ونحن بهذا فقط نكون قدرا من قدر الله.

الغاية الإحسانية إذن هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد. والأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية ليسمع الإنسان تلك الكلمة، ويقبل ذلك الاقتراح، ويجني تلك الثمرة. فذلك السباق الذي عرضه الله على كل منا إلى مغفرته وجنته ورضاه والنظر إلى وجهه هو رسالتنا للعالم الشقي بحضارته المادية، المهدد بالعنف الجاهلي النووي، المتخبط بزعامة الجاهلية وكيدها وجهلها بالله في مشاكل تؤذن بسقوط الحضارة الغربية السائرة إلى أفول.

فالخلافة الإسلامية –[وهي جوهر مجتمع العمران الأخوي المنشود المرجو بناؤه]-، ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها الاجتماعية والسياسية والحياتية، بل تكون استمرارا -على شكل جديد-  لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه بالعيش الكريم تحت ظلها، والإيواء الكريم إلى كنفها، هي روح [مجتمع العمران الإسلامي] ومهمة الخلافة. نحن المسلمين موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن قوة لا تقاوم".([3])

  2.الغاية الاستخلافية:

يقول الله جل جلاله:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات:171-173 ).

إن الحديث عن الاستخلاف في الأرض، ونهضة الأمة من وهدتها،  وإعادة عزتها وكرامتها ومجدها، والحديث عن مطلب العدل والشورى، وعن الأهداف الدنيوية، وعن الغاية الأخروية، لن تكون إلا شعارات زائفة، إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المؤمنين، على عزمة إيمانية، وإرادة إحسانية، تتذلل أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماء.

يقول السيد الكريم عبد السلام ياسين – عليه من الله الرضوان-  متحدثا عن الغاية الاستخلافية: "كان المقصد الأسمى من بعثة الخلاق العظيم سبحانه رسله إلى خلقه جليا مجتمعا كاملا متكاملا في الصحابة على عهد النبوة والخلافة على منهاج النبوة التي لم تدم أكثر من ثلاثين سنة بعد انتقال المصطفىr إلى الرفيق الأعلى. كان ذلك المقصد الجليل جليا في العقول والقلوب والنيات والعمل الجهادي بجلاء القرآن ونصاعة بيانه وحيويته الدافقة. هذا المقصد هو أن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة في الأرض، وأن يدخل الخلق جميعا في طاعة الله ليحققوا الغاية التي من أجلها وجد العالم. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:56) أمة واحدة تحمل رسالة العالمين تبلغها وتجاهد وتتوحد عليها وتحكم بمقتضاها. ([4])

 فالغاية الاستخلافية، هي تحقيق العدل في الأرض، وهي وسيلة غايتها أن يعبد الله في الأرض كما أمر، أي هي وسيلة إلى الغاية الإحسانية،  يقول الله تعالى : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55).

ويقول جل في علاه : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء:105).

        ويقول سيدنا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍt: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r، وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ: يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي الْأُمَرَاءِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ، فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ t: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:p تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ.i([5])

"وها قد آن أن تقوم دولة القرآن، يؤذن بذلك ما يجدده الله في قلوب الأجيال الصالحة من إيمان، وما وعد به سبحانه لهذا الدين من الظهور كما يجزم بذلك أهل الإحسان. فكلمة الله حق، ووعده صدق. خاب وخسر من في دُجْنَةِ الارتياب نام، ومن مَنَعَهُ عادة القعود وخوف الناس من الهبة والقيام.

 من على عينيه غشاوة الشك أنَّى أن يبصر تباشير الصباح، ومن في آذانهم وقر لا يغني فيهم النداء والصياح. شمس الإسلام در شعاعها، وقافلة الجهاد يتوالى سيرها وإسراعها. وعلى الطريق لابد من رفيق. في كتاب الله الهدى، وفي سنة رسوله r نفسي له الفدا. وإنما رُفقة الجهاد لرسم المنهاج، ثم لتذليل العقبات وخرق كل سياج".([6])

وما على جند الله إلا "أن يقتحموا العقبات الحائلة بينهم وبين حيازَة ثقة الأمة ليبثوا فيها وعيا إسلاميا فعالا، وليرفعوا فيها العزائم والإرادات، حتى يكون التغيير المنشود باسم الله، وعلى يد جند الله، انطلاقا من كتاب الله، وتأسيا برسول الله. (...)

أمامنا واجب مقدس تُجاه الأمة، وهو أن نعلمها أن الدين ما هو صلاة ناعسة وصيام ونسك وحوقلة في المساجد، لكنه جهاد شامل، إقامة الصلاة والصيام والزكاة والحج أركانه المنبثقة عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وهي شهادة تحرر من عبودية البشر، وظلم البشر، ووصاية الحاكم الجائر على الأمة".([7])

إذا فقيام الأمة بالقسط وظيفة منوطة بها، وواجبة عليها، لتعيش إسلامها بين الناس بقوة ونصاعة، ويكون هذا القيام امتدادا وحبلا متواصلا للتبليغ الذي أمر به المرسلون، ولا يكون هذا إلا "تحت حضانة قيادة مجددة تجمع إرادة الأمة في يد قوية أمينة، قوية في الله أمينة على أمانة حملها وأقامها الأنبياء والرسل".([8])

والهدف من القيام؛"بناء أمة الانبعاث، والمقصد توحيد المسلمين، والغاية حمل رسالة الإسلام للعالم".([9])

خلاصة المرام في تحقيق المقام:"إن غاية ما يُطلب إلينا أفرادا أن نتوسل إلى الله عز وجل ونقترب إليه ليحبنا. ومن شروط حب الله عز وجل لنا أن نحب المؤمنين.

وغاية ما يُطلب إلينا جماعة أن ندنو قدر الإمكان من النموذج الحي بالمدينة ومن التمثيل النبوي بالوحدة في الجسد الواحد".([10])

و بإجمال،"فإن إيقاظ طاقات الأمة وتوجيهها وجهة تخدم الإسلام مطلب أساسي"،([11]) وضرورة من الضروريات، على تحقيقها يتوقف نجاح العمل الإسلامي والانبعاث الإسلامي الجديد.

 

 

 


 


[1]- العدل، الإمام عبد السلام ياسين، ص 23.

[2] - شذرات، ديوان شعر، الإمام عبد السلام ياسين، ط1/1992، المغرب، ص9.

[3]- المنهاج النبوي، الإمام عبد السلام ياسين، ص 8.

[4]- نظرات في الفقه والتاريخ، الإمام عبد السلام ياسين، ط/1415هـ 1995م، دار البشير طنطا، ص57.

[5]- رواه الإمام أحمد في مسند النعمان بن بشير t، والبيهقي في دلائل النبوة بصيغة مختلفة والمضمون واحد، والطبراني في المعجم الكبير، وقال الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة :"حديث صحيح".

[6]- مقدمات لمستقبل الإسلام، الإمام عبد السلام ياسين، ط1/2005، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ص4.

[7]- رجال القومة والإصلاح، الإمام عبد السلام ياسين، ط1/2001، منشورات الصفاء للإنتاج، ص24-25.

[8]- الإسلام بين الدعوة والدولة؛ المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، الإمام عبد السلام ياسين، ط1/1392 هـ المغرب، ص201.

[9]- الإسلام أو الطوفان؛ رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب الحسن الثاني، الإمام عبد السلام ياسين، ط/1394 هـ -1974م، مراكش المغرب، ص150.

[10]- الإحسان، الإمام عبد السلام ياسين، ط1/1998 م، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، 2/516.

[11]- مقدمات في المنهاج، الإمام عبد السلام ياسين، ط1/1409هـ 1989م، ص42.

 

Tweet
Facebook Social Comments