الابداع التربوى فى حاجة الى خبرة و تدريب متواصل

طباعة

1-كيف يكتسب الطفل القدرة على كبح رغباته

كتب المفكر كومنيوس  1592- 1670 م فى كتابه ” الفن العظيم ” ان التعليم يجب ان يعتمد على الاستقراء و قال ان الطبيعة هى المرشد للنمو التربوى -the great didactic of john amos comonius LONDON 1907 و ترجمه الدكتور محمد ناصر من كتاب فن التعليم العظيم

و تناول الكتاب الفصول التالية وهى 1 الانسان افضل خلق الله

و اكثرهم كمالا و تكريما 2-الحياة هى اعداد للحياة الازلية - 3 يجب معرفة النفس ثم السيطرة عليها ثم توجيه النفس نحو طاعة الله - 4 المعرفة و الفضيلة و التدين متاصلة فى الانسان -5 التربية هى افضل اداة لتكوين الانسان -6 التربية تبدا من الصغر وضمن مجموعة من الاطفال …

بما ان جذور الفضيلة و المعرفة و التدين موجودة لدى كل فردوهى متاصلة لدى الانسان فانه يترتب عن ذلك ان الناس لا يحتاجون الى شىء سوى الدافع و الحافز و الارشاد و النصيحة لان لكل انسان عقل يوجهه و يحدد نمط سلوكه …ويمكن تعليم جميع الاطفال معا مهما اختلفت طباعهم فهناك الاذكياء الراغبون فى التعلم و هناك الاذكياء الكسالى و هناك الاذكياء العنيدون المشاكسون و هناك الراغبون فى التعلم ممن هو بطىء الفهم فهم كالفاكهة التى يتاخر وقت نضجها و هناك ضعاف العقول و الكسالى و هناك ضعاف العقول و العنيدون فى الوقت ذاته و كل هؤلاء يجب التعامل معهم بالصبر و تقوية هممهم …

ان فن التعليم يتطلب تنظيما جيدا للوقت و المواضيع المحددة للدرس و طرق دراستها فعلى المربى ان يدرك اسباب النجاح فى عمله وهى التربية المبكرة و تهيئة الاطفال لكل عمل قبل القيام به و الانطلاق من العام الى الخاص و من السهل الى الصعب و التخفيف من المهام و التدرج فيها و تقريب الاعمال الى الحواس كاعتماد الصور او التجارب الحية …و ينبغى غرس القيم الفاضلة كالاعتدال فى السلوك و اكتساب الفطنة و الفروق بين الاشياء و الثقة بالنفس و كبح الرغبات فى اللعب و كبح الملل و اجتناب الكذب و تحمل التعب فى انجاز الاعمال و التواصل مع الناس وا ذا ما ترسخت هذه الخصال منذ الصغر فلن تجد الرذائل مكانها فى نفس الطفل و اساس كل ذلك هو الانضباط فى السلوك حتى لا يرتد الطفل الى الانحراف فلا يجد منقذا له من ذلك …

2-كيف يصبح التلميذ استاذا و الاستاذ تلميذا

يرى جون لوك فى كتابه ” بعض الآراء حول التربية ” 1964 ان الغرض الاسمى للتربية هو الاخلاق ودور التربية يكمن فى الحاجة الى بذر روح الانضباط الذاتى فى الاطفال و اهمية اثارة التفكير لديهم… و ان التربية هى التى تجعل الانسان طيبا او شريرا عالما مبدعا او منحرفا مجرما و لعل افضل ما يقدمه الاب لابنه هو الفضيلة و الحكمة و التربية والعلم و ان الاصل فى التربية هو ان يترسخ لدى الاطفال محبة الله و انه خالق كل شىء و انه يرانا و يسمعنا و انه يفعل الخير لمن يحبه و يطيعه و ان من واجبنا الصلاة صباحا و مساءا و ان مصدر الظلم هو الافراط فى حب الذات و التنكر لفضل الخالق علينا… ومن الحكمة اجتناب المكر و الكذب و الخداع و ان لا نفكر بالسوء فى انفسنا او فى الآخرين و ان نحسن النية فى الآخرين و لا نحتقرهم و من المهم الاقبال على اكتساب المعارف و لكن الاهم هو ان تترسخ فى النفس القيم الاخلاقية لانه لاقيمة للعلم بلا اخلاق …

اما جان جاك روسو 1712- 1778 م فيرى فى كتابه “اميل او التربية ” ضرورة التعامل مع الطفل كانسان له علينا حقوق فلا يجب الافراط فى حمايتهم او معاقبتهم لان الافراط فى الحماية يعرضهم الى العجز عن حماية انفسهم واما الافراط فى العقاب فسيولد لديهم الكره و النقمة… و من الخطا الفادح ان تعود الطفل على اخذ كل ما يريده لان رغباته لا تنتهى بل تزيد و تتضاعف و عندما يعجز الاب عن تلبية هذه الرغبة يولد لدى الطفل شعورا بالالم و الحرمان و يطلب العصا ليضرب بها… فلا يجب ان  ينال الطفل ما يطلب بل ان ينال ما يحتاجه فلا تمنع الطفل من فعل شىء لا يجب ان يفعله بل يجب منعه من ذلك دون حاجة الى ايضاح الاسباب و لا تحمل الطفل على طلب العفو لانه لا يعرف ان سلوكه خاطىء و ليس من المفيد ان تعلمه انه اخطا بل ان نتركه يصلح خطاه بمفرده… و ان لا نجبره على تعلم العلوم بل ان ان نحببه فيها و نعلمه المناهج ليتعلم بها و من الافضل ان يكون الاستاذ تلميذا يجرب كل شىء امام تلميذه ليصبح التلميذ استاذا قادرا على القيام بالتجارب و التحكم فى المعارف بمفرده … و التعلم بالعمل افضل الف مرة من الايضاح والتفسير…و من عوامل سرور الاطفال ان يدركوا المنفعة و الفائدة مما صنعوه بانفسهم و توصلوا اليه من نتائج بمفردهم …

3-كيفية توليد الرغبة فى التعلم

يرى جوهان فريدرش هربارت من 1776الى 1841 م ان التربية علم يخضع للبحث و الاسلوب العلمى ووضع عدة خطوات و طرق فى التدريس وهى من نتائج التطبيق العملى لنظريته و يعتبر ان التربية تهدف الى اعداد الانسان ذى الشخصية المتوازنة و المتشبع بالقيم الانسانية …وورد فى كتابه “ملخصات العقيدة التربوية  “الرغبة كهدف تربوى1901 ….

ويعتبر ان الفضيلة هى الغرض المطلق من التربية والتعليم ولذلك تعتبر الرغبة هى الهدف الاقرب الى تحقيق الفضيلة… فالمعلومات لا تكفى بل يجب تحريك الدوافع و الرغبة فى التعلم لاكتسابها ويعتبر ان  اساس الفضيلة هو يقظة الفكر و قوة الارادة والرغبة فلا يقدر الاغبياء ان يصبحوا من الفاضلين … و تعنى الرغبة الفعالية الذاتية و ليس المقصود بها الحيوية و النشاط المفرط بل القدرة على التوجيه الصحيح لافكارهم و دوافعهم المرنة وان تصبح ميالة الى الفضائل و القيم الحسنة ليصبحوا بطبعهم ميالين الى العمل و الاجتهاد بما هو مفيد دون الحاجة الى اجبارهم على ذلك …

…ان الدافعية و الرغبة قوية و حية عند الاطفال بطبعها و لا ينبغى اخمادها بل يجب تنشيطها من خلال الملاحظة هل ان افكار التلاميذ تتطور بصفة عفوية ومسترسلة ام لا… ويتم ذلك عبر الانتباه و بالتالى قفد حاز الدرس على رغبة المتعلمين …واساس النجاح فى كسب الرغبة فى التعلم هو ما يتمتع به المعلم من خبرة يمتلكها عبر سنوات من العمل المضنى… و المعلم الفطن هو الذى يهتم بما لدى تلاميذه من افكار مسبقة عن الاشياء قبل دراستها ليصحح اخطاء ترسبت لسنوات فى اذهانهم الصغيرة

ان اهتمام الطفل باصلاح اخطائه المكتسبة من المحيط العائلى او الاجتماعى  تدفعه الى الرغبة فى الانتباه و التعلم… اما اذا اعتمد المعلم على العقاب و التانيب لفرض هذه الرغبة فان الطفل لن ينتبه لغرض كسب المعرفة بل خوفا من العقاب… فتتحول الرغبة من مباشرة الى غير مباشرة …مما يسبب تذمرا لدى الطفل و تراجع الدافعية لديه و لعل الاستعداد للامتحانات و الحصول على الشهادة اصبح من الدوافع للاقبال على التعلم الذاتى و لكنها ليست رغبات ثابتة و ناجعة بل سرعان ما تنتهى بمجرد الحصول على الشهادة او اجتياز الامتحان اما الرغبة الاساسية فهى ان تترسخ لدى الطفلالرغبة الذاتية بضرورة العملو السعى لكسب المعارف لانها تمكن من بلوغ اعلى المراتب و لاكتساب الفضيلة و التحلى بالقيم الاخلاقية العليا ليكتسب بذلك الانسان انسانيته و ويحرر ذاته من عبودية الاهواء و الرغبات الزائلة او الدنيئة …

:-4-التربية تخاطب العقل و النفس و البدن معا

يرى هربرت سبنسر 1820-1903 فى كتابه التربية العقلية الخلقية و الجسمية الصادر فى 1860 ضرورة ان تكون المدارس واقعية بتحديد اهداف واضحة منسجمة مع العصر و مع التطور الذى حققته الانسانية و ان تهتم بالعلوم التى تساعد الانسان على التكيف مع الطبيعة و المجتمع و الحضارة  ويعتبر ان الدور الاساسى للمدرسة هو اعداد الطفل كيف يعيش ؟ اى باى اسلوب نتعامل مع الجسم و كيف نتعامل مع الفكر و كيف نتصرف كمواطنين؟ فالمدرسة انما تعد الطفل للحياة وتتولى اختيار المعلومات الاكثر نفعا و ارتباطا بالواقع المتطور …

و يرى ضرورة الاعتناء بتربية الابناء ليكونوا عائلات اذ ان خير المجتمع يكون من خلال تربية المواطن الصالح و ما دامت طبيعة المواطن اكثر قابلية للتعديل فى سن مبكرة فاننا يجب ان نعمل على اهمية ادراك الابوين للمسؤولية الملقاة عليهم فى حسن تربية الابناء مما يضمن بناء المجتمع الفاضل  …

و يرى سبنسر ان طبيبا بدا لتوه تعلم الجراحة دون دراسة علم التشريح فاننا سنرثى لحال مرضاه و نستغرب تهوره فى ممارسة ما لم يتمكن من تعلمه… بينما لا نتعجب من عدم امتلاك الابوين اية افكار عن مبادىء تربية  الاطفال الصعبة من الناحية العقلية او النفسية او الجسمية  و نتساءل كيف سيكون مصير هؤلاء الاطفال ؟

ومن حقنا ان نتساءل ايضا كيف سيكون مصير الاطفال الذين نعلمهم اشياء دون فهمها جيدا او اعطائهم افكارا عامة دون التحقق من صحتها و ماذا بشان طفل يصبح مجرد متقبل دون ان يكون فاعلا فيما يتلقاه و دون مساعدته ليصبح معلما لذاته …ان النتيجة ستكون حتما سلبية و ستلقى الكتب جانبا بعد انتهاء الامتحانات و سينسى اكبر قسم مما سبق و درسه الاطفال و ما بقى منه لن يستفيد منه الطفل… لانه لا يستطيع توظيفه فى حياته و لان التعلم لم يعتمد على تنمية قوة الملاحظة و التفكير المستقل لدى هؤلاء الاطفال ولم نمكنهم من  التدريب المتواصل على حل المشكلات… ويرى ان من اهم قواعد التربية الجيدة مراعاة قدرات الاطفال و الانتقال من البسيط الى المعقد و لذلك تعتبر التربية علما قائما بذاته يعتمد على التجربة و الممارسة للتاكد من نجاعته و جدواه على العقل و النفس و الجسد و السلوك اجمالا

المحور الثانى –دور البيئة فى تربية الاطفال

-الباب الاول- البيئة الفاضلة تربى جيلا راقيا

1- ما يؤثر فى الفرد هو بيئته الحقيقية

فى كتابه “الديمقراطية و التربية”يرى  جون ديوى ترجمة الدكتور زكرياء ميخائيل و متى عقراوى القاهرة 1946 ان التربية وظيفة اجتماعية 

و يعتبر ان التربية هى عملية رعاية وتهذيب و تثقيف و العناية باهم عناصر النمو عند الانسان وهى تكوين افراد فاعلين فى محيطهم الاجتماعى و البيئة هى كل ما يحيط بالانسان و ما ينسجم مع ميوله و رغباته الفعالة فالاشياء التى تؤثر فى الانسان و يتفاعل معها هى البيئة الحقيقية للانسان فعا لم  الفلك يكيف اعماله وفق النجوم التى يرقبها و مسالكها التى يحسبها و وسائل الرصد هى بيئته المتصلة به اتصالا اوثق من سائر الاشياء القريبة منه  …و عالم الآثار انما بيئته هى العصور الخوالى للحياة البشرية التى يدرسها و الآثار و المخطوطات التى تمتن عرى الارتباط بها …

والبيئة انما تتكون من الظروف التى تكون سببا فى تقوية الاعمال الخاصة بالكائن الحى و اثارتها او فى اضعافها و منعها من التواصل …فالماء مثلا هو بيئة الاسماك لانه لاغنى عنه لفعاليتها و استمرار حياتها  فالبيئة هى كل الاوضاع التى تؤثر فى النشاط و تقويه او تعترض سبيله وتحبطه و البيئة المناسبة هى التى تهيؤ الطفل ليكون عالما مجتهدا او متخاذلا منكسرا لا يفيد ولا يستفيد

ان الطفل هو ابن بيئته فاذا كان الوالدان حريصان على الاهتمام بتربيته على الاخلاق الفاضلة و حب المعرفة فانهم سيجهدون انفسهم على ذلك بتخصيص اوقاتهم واموالهم لتحقيق هذا الغرض اما اذا تركوه يلعب دون اهتمام او رقابة فان البيئة التى سينشا فيها لن تكون حافزا له على التعلم و الاندفاع الى كسب المعرفة بقدر ما ستكون الاندفاع نحو تلبية الرغبات الجامحة نحو اللهو و اهدار الوقت فيما لا يفيد …

و الانسان ابن بيئته لانه لا يمكن للفرد ان يعيش بمفرده فالمحيط هو من يحدد له سلوكه فالتاجر لا يمكنه ان يبيع و يشترى مع نفسه و صاحب المصنع انما يضع خطط عمله بالاستناد الى حاجيات المحيط و يتفاعل مع تغير حاجيات السوق …فكل تفكير او احساس يتفاعل مع المحيط انما هو سلوك اجتماعى …فالكلاب و الخيل و القطط تتبدل اعمالها بملازمتها العيش مع الانسان فالداب على اثارة نوع معين من الاعمال يكون عادات جديدة لدى الافراد تصبح سلوكا منتظما كانتظام الدوافع الاصلية للفرد …

والمبدا المراد ابرازه من اهمية المحيط فى تربية الابناء و الاطفال عموما هو ضرورة ان نهىء الظروف التى تدفع الفرد الى الاخذ ببعض اساليب العمل المحسوسة و غرس قيم اخلاقية و طباع حسنة من خلال اشراك هذا الطفل فى اعمال الجماعة حيث يرى نجاحه فى نجاحها و فشله فى فشلها فيستمد افكاره و قيمه من المحيطين به لتكون التربية قائمة على الممارسة و التجارب المشتركة لافراد الجماعة وبالتالى كلما كان سلوك هذه الجماعة كالاسرة او المدرسة راقيا كلما كان اندفاع الفرد اكثر نحو الاخذ باسباب هذا الرقى المعرفى او السلوكى

2-البيئة هى التى تكون الرغبات و الدوافع لدى الفرد

يرى جون ديوى فى كتابه ” الديمقراطية و التربية “ان البيئة الاجتماعية هى التى تكون الميول و الرغبات و الدوافع النفسية و العقلية للفرد  وتكون اعمالا ذات اهداف و نتائج اما نافعة او ضارة …فالطفل الذى ينشا فى اسرة موسيقية لا بد ان يتحرك فيه الميل الى الموسيقى اكثر من الدوافع الطبيعية الاخرى  فالبيئة تؤثر فى سلوك الافراد بصفة ملحوظة و غير مباشرة …لان الطفل يولد على الفطرة و ابواه يهودانه اويمجسانه او ينصرانه… و الفطرة هى الطبيعة الخيرة والموحدة لله سبحانه و تعالى و كل غريب عن الجماعة من السلوك هو ما نميل الى تحريمه فالعائلات المحافظة لا تتوقع ان يقوم ابنها او ابنتها بسلوك مناف للاخلاق كالشذوذ الجنسى بينما غفل عنها ان المحيط الذى تربى فيه ابناؤها تداخلت فيه عناصر اخرى مؤثرة فى الطفل كالتلفاز او الانترنات او الهاتف النقال و كلها تحتوى على اغراءات لا يستطيع الطفل فى سنه المبكرة مقاومتها او الاعراض عنها و اذا لم تقع مراقبة هذه الوسائل عن قرب فانها ستتحول الى المحيط الاكثر تاثيرا على الطفل من عائلته نفسها 

ان تاثير البيئة الاشعورى قد يبلغ من التغلغل و التاثير فى كل عرق من عروق تفكيرنا و اخلاقنا اكثر مما نتصور فالطفل يتعلم لغة امه بسرعة لا يقدر العلماء على تخيلها اما الآداب الاجتماعية فان المعلوم و المسلم به ان القدوة اكثر تاثيرا من النصيحة المتكررة…ان التربية الفاضلة تكتسب من خلال ترويض النفس على العمل بالقيم و عدم الاقتصار على التعرف عليها فحسب فالنفس لا ترق الى السمو الا اذا ارغمتها على ذلك لان النفس بطبعها تميل الى تلبية اهوائها الجامحة ورفض كل القيود الاخلاقية للمجتمع…ومن هنا تصبح الوظيفة الاساسية للمدرسة العمل على تبسيط و تنظيم الميول العقلية النفسية لدى الاطفال المراد انماؤها و ثانيا تطهير العادات الاجتماعية الموجودة و الخاطئة و الارتقاء بها الى مراتب المثل العليا مثل استهجان البطالة او الانحارافات السلوكية  و ثالثا توفير بيئة اكثر اتزانا من البيئة الراهنة  تلبى كل طموحاتهم المستقبلية   

3-- التوجيه الجيد افضل منبه يقود نشاط المتعلم ويحدد سلوكه

التوجيه هى افضل كلمة تعبر عن غاية التربية و التعليم وهى تعبير اكثر حيادا من سابقيه كالسيطرة او الارشاد  و يشير الى تسيير الميول الحية للافراد الذين نوجههم فى نهج مطرد بدلا من تركها تتبعثر على غير هدى فكلمة التوجيه تعبر عن مهمة التربية الاساسية التى ترمى الى مد يد المساعدة و الارشاد من جهة و الى التنظيم و السيطرة من جهة اخرى ..

.ان الافراد يرغبون فى فعل الاشياء التى يرغبون فيها و التى تتنافى مع القيم السائدة فى المجتمع و لكنهم يرغبون ايضا فى الاشتراك  فى افعال غيرهم و التشارك مع الآخرين مما يتطلب من المربى تغليب الجانب التعاونى و التشاركى فى اعمال الافراد على الاعمال الاخرى المنافية لقيم و حاجات المجتمع … ولولا ذلك التعاون لما وجد انسان يكلف نفسه عناء مساعدة الشرطى فى حفظ النظام اذا لم يرى فى ذلك منفعة شخصية له و لذلك فان التوجيه الصحيح يربى الاطفال على تنظيم انفسهم وتفضيل السلوك السوى على السلوك الخاطىء و مما يكسب الفرد ايضا تفضيل التعاون و الاشتراك مع الآخرين على السعى لمصلحته الذاتية دون غيرها

و المطلوب من المربى ان يعرف ان التوجيه يخلق منبها لدى الاطفال يوجه نشاطهم باستمرار و تفاعل الفرد مع التوجيه او المنبه ليس مجرد رد فعل او احتجاج على ما يثيره او يزعجه و انما هو اجابة مباشرة على التوجيه اذ هناك تلازم متين بين المنبه و رد الفعل …فالضوء مثلا هو المنبه الذى ينبه العين الى الرؤية و يثير وظيفة الابصار فى العين فاذا توفر الضوء و كانت العينان مفتوحتان تحقق الهدف وهو الابصار و لذلك فان التوجيه هو قيادة العمل الى الهدف المطلوب وهو مساعدة الفرد على ان يقوم خير قيام بالعمل الذى سبق له القيام به … وافضل انواع التوجيه هو ما يتصف باعمال متعاقبة و مترابطة الحلقات ليكون العمل ليس مجرد اجابة عن التوجيه او المنبه بل هو عمل قائم بذاته بما يحتويه من مراحل متسلسلة… فالمطلوب من المربى عند توجيه الاطفال ان يبرز ضرورة التركيز على الاعمال الاحقة و المرتبطة به مما يربى لدى الطفل اضطراره الى ان يعد للمستقبل و هذا ما يتطلب من المربى الاعداد الجيد لما سيطلبه من المتعلمين وان يكون واضحا بما لا يترك اى لبس او او غموض فى الاقبال على انجازه بكل تلقائية و رغبة قوية 

ولذلك يجب ان يدرك كل المربين انه لا يمكن فرض اى شىء على الاطفال الناشئين فرضا بالقوة او غرسه غرسا دون اثارة اهتمامهم و انتباههم و رغباتهم و اذا عمل المربى على عكس هذا المبدا فانه يشوه الطبيعة البشرية و يصنع انسانا غير سوى فى سلوكه و طباعه… و التهديد بالعقاب لن يؤثر فى الفرد اكثر من الاستجابة لغريزة الخوف و لكنه قد يلجا الى افعال اكثر خطورة من الاخرى فلا بد من الاخذ بالاسباب الطبيعية فى كل فرد وهى حاجته الى منبه يوجه سلوكه و يحدد له المطلوب منه لينجزه بالتشارك مع الآخرين … 

4--اعطاء المثال دون اكراه من افضل اساليب التربية

ان التربية لا تتطلب الانفعال و السيطرة بالقوة بل ان استخدام القوة القاهرة لارغام الاطفال على فعل ما يجب فعله قد ينعكس سلبا على الطفل فالحصان قد يساق الى الماء بالقوة و لكننا لا نستطيع ان نجبره على الشرب  و قد نسوق الفرد الى السجن بدون ان نحمله على التوبة فنحن بحاجة الى نفرق بين نتائج اعمالنا المادية او الخلقية فقد نكره الطفل على الاكل او نحميه من النار و لكننا لم نحدث تغييرا فى سلوكه او اثرا فى تربيته و قد نحول بين الرجل و الاقدام على سرقة المنازل بوضعه فى السجن و لكن ذلك لن يغير من ميله الى السرقة لذلك يجب ان تكون الغاية من العملية التربوية توليد و غرس اتجاه مستديم فى السلوك و ليس اثرا ماديا سرعان ما يزول

ومن وسائل التربية الناجعة ان نتيح للطفل تجربة الامور و اكتشاف العواقب اذا ما وقع فى نفس الظروف مرة اخرى و استطاع ان يتصرف بحكمة و لعل الافضل من ذلك ان ان نستنكر هذا السلوك الخاطىء مباشرة مصطنعين وسائل التخجيل و الزدراء و التقبيح و التقريع او نبعث فيه ميولا اخرى لنحيد به عن السلوك المزعج مستغلين حب الطفل للاستحسان و كسب الرضا  و المساهمة فى الاعمال المشتركة اهم وسيلة لتكوين الميول عند الافراد فحيثما وجد العطاء وجد الاخذ فلا بد من تعويد الطفل على التعاون من خلال اشراكه فى اعمل نقوم بها معا لتصبح سلوكا عاديا لديه.

الباب الثانى –الحاجيات الاساسية للطفل

1-حاجة الطفل الى التوجيه و المراقبة

ان التربية الجيدة تعرف من خلال اهدافها المحددة و لعل اهم هذه الاهداف الاشتراك فى خدمة المجتمع فلا يعد شد الحبل مع الآخرين عملا مشتركا الا اذا كان مستندا على معرفة مسبقة بانهم يشدونه و انك تشده عونا لهم و اذا تدبر كل فرد نتائج عمله من خلال تاثيرها فى اعمال غيره  عندها سيكون السلوك نتيجة عقلية مشتركة و قصد مشترك و عندها يتولد التفاهم فى مختلف الاعمال …

ان الطفل الجائع اذا صاح و الطعام بصدد التحضير فانه لم يدرك الصلة بين حالته و ما تعده الام من طعام فى المطبخ مما يجعله يمعن فى الصياح كلما الح عليه الجوع… و لكن اذا اتضحت الصلة بين حالة الجوع و تحضير الطعام له فانه سيهتم بما يفعله الآخرون من اجله و راقب عملهم فلن يستجيب لالم الجوع بل سيهتم بما تقوم به الام لشفاء جوعه و بالتالى لن يستسلم للالم لانه اصبح له غرض و هدف ينتظر تحقيقه … فيتحول سلوك الطفل الى موقف رشيد و رصين فالاطفال يوجهون اهتمامهم كله الى الاهداف التى تلبى حاجياتهم الاساسية فلا ينشغلون بغيرها  و بناء عليه ينبغى تحديد اهداف اجتماعية ترتبط بحاجات الاطفال فى اعداد الدروس ليكون اهتمامهم مركزا عليها لانها تلبى رغبات ملحة لديهم مثل طرح وضعيات تمثل مشكلا و مصدر حيرة لدى الاطفال ليقع التوصل الى حلول مشتركة يتفق عليها كامل القسم بعد التشاور فيها…

و العقل ليس مجرد وعاء يتقبل كل ما يوضع فيه بل هو طريقة للسيطرة على المحيط الاجتماعى فهو قوة تمكن من فهم الاشياء عبراستعمالها فى اوضاع مشتركة… فالطفل الصغير لا يقلد ابويه بالغريزة بل انه يعتمد على عقله فى نقل اعمالهم و اتخاذها نماذج فى سلوكه لانه يدرك ان اعمال ابويه لها منفعة مشتركة عليه بما يكنه الابوان من عطف و حنان عليه فيولد ثقة و رغبة فى تقليدهم و الاخذ عنهم بكل وعى و ادراك وهو عكس الحيوان الذى يقلد بالغريزة دون وعى منه

ان الطفل حين يعيد الكرة لمن رماها له ليس تقليدا بل هو سلوك واع لان الطفل يملكه شوق خاص الى اللعب و الرغبة فى استمراره فيلاحظ كيفية امساك الكرة و القبض عليها فيدخل تحسينات على حركاته ليتقن امساك الكرة … فيقلد وسيلة العمل و ليس الغاية و لا الشىء الذى يعمله  و تقليد الوسيلة غايته ايصال فكرة انه يشترك فى اللعب فعلا و الطفل شديد الاتصال بمحيطه الاجتماعى لذلك فانه يكتسب منه كل ما يحتاجه من سلوكيات تتلاءم مع واقعه … فغريزة التقليد تنمى الوعى لدى الاطفال اذا اهتمت بتقليد الوسائل لانها تمكن الطفل من امتلاك دقة الملاحظة و تطوير اعماله التى سبق ان قام بمحاولة تنفيذها …وبذلك تصبح للطفل ارادة و شخصية قائمة بذاتها تنمو باستقلالية عن المحيطين به دون ان تنفصل عن محيطها

-2-حاجة الطفل الى التفاعل مع محيطه

ان النظر الى الاطفال بانهم يفتقرون الى النضج هى نظرة قاصرة لان النضج بمعنى الفراغ هى ذات معنى ايجابى لانها تعنى الطاقة و المقدرة على الاستيعاب و قابلية النمو وهى صفة حسنة لان توقف النمو معناه توقف الحياة و عندما يوصف الكهل بعدم النمو فانه يشمئز من ذلك …اما الاطفال فانهم يقومون بتنمية انفسهم لان الطفل المحاط بالحماية و العناية الكبيرة من الكهول سيجد نفسه محاطا بسياج يفرض عليه ان يبقى ضعيفا و بحاجة الى من يحميه اما اعتماد الطفل على نفسه و الاقبال على انجاز التجارب يمنحه القدرة على النمو  الذاتى  ليكتسب القدرة على حماية نفسه بما وهبه الله من قدرات عقلية كبيرة 

ان الاطفال يتصفون بالمرونة التى تمكنهم من القدرة على التعلم  و الاستجابة لتاثيرات المحيط مع الاحتفاظ بالميولات الشخصية و حاجة الطفل الى العناية لمدة طويلة يستوجب قيام علاقة دائمة بين المراة و الرجل فى اطار الزواج لضمان تواصل عملية التربية و الاحاطة بالابناء لانهم فى حاجة الى العون و المساعدة… و استمرار الانخراط فى المدرسة لسنوات متعددة يضمن للطفل اكتساب المهارات الاساسية للتواصل الاجتماعى مما يدفع المجتمع الى التقدم بفعل ما اكتسبه الاحداث من توجيه فى سلوكهم ستنعكس حتما على المجتمع فى المستقبل القريب

و التربية تمكن الاطفال من اكتساب العادات التى توفق بين الفرد و بيئته و العادة تترسخ من خلال استعمالها الا ان البيئة الاجتماعية تتطور بفعل الافراد الذين اكتسبوا مهارات جديدة تساعدهم على السيطرة على البيئة و تغييرها نحو الارقى و الافضل… و دور التربية الحديثة انما يرفض الجمود و التقوقع بل يعمل على التاثير فى البيئة و جعلها تخدم الانسان وفق الاهداف التى حددها لنفسه وهى السعى الى الارتقاء بواقعه و بمجتمعه

و حيث تكون العادات الحسنة تكون المعرفة و الميول الفكرية و المواقف فالعادة تولد اساليب فى التفكير و الملاحظة و التامل و تولد الرغبة فى الفهم و امتلاك القدرة على تطويرها… كان يكون الطفل مهندسا او طبيبا او تاجرا متاثرا فى ذلك بالبيئة و العائلة التى ينتمى اليها كمساعدة الاب فى تجارته … وقد يلجا الطفل الى رفض العادة و يعمل على تغييرها معتمدا على مرونة الفكر و لعل سيدنا ابراهيم عليه السلام حين رفض عبادة الاوثان وهى العادة الراسخة فى قومه منذ مئات السنين دليل ان الفكر لا يستسلم للعادات بل يسعى الى فهمها وربما العمل على تغييرها بما يتماشى مع مواقفه و معتقداته اذا اكتسب مهارة الاستقلال فى التفكير و التحليل و القدرة على النقد… فلا يمكن ان تفرض على الاطفال ما لا يرغبون فيه الا اذا قبلته افكارهم و عقولهم و ارادتهم الواعية

3-حاجة الطفل الى التعاون و الاشتراك مع غيره

ان اعتماد المدرسة على اللغة فى التعليم و التربية امر لا يخلو من المخاطر وهو خطر ملحوظ فى الواقع  حسب الباحث جون ديوى فى كتابه ” الديمقراطية و التربية ” فالتعليم ليس مجرد اخبار للمتعلم عن الاشياء و انما هى عملية فعالة و ايجابية و رغم الاقرار بهذا المبدا نظريا فاننا لا نمارسه عمليا فلا بد من توجيه اهتمام الاطفال الى الغايات النافعة وهى التعاون المشترك و غرس الحس الاجتماعى لديهم ليكونوا شخصية مستقلة نافعة للمجتمع بينما الاقتصار على النظريات الفكرية سيجعل الافراد معزولين عن المجتمع  و افضل اساليب التوجيه  هو العمل المشترك و تسخير مواهبهم و ارادتهم فى القيام بالتجارب و ممارسة الانشطة الجماعية لحل المشكلات الممفترضة مما يجعلهم اقرب الى الواقع و يدربهم على اكتساب المهارات الذاتية و عدم الاقتصار على النظريات و حفظها مجردة دون التثبت من صحتها و نجاعتها و اهميتها فى المحيط الاجتماعى

ان الدوافع الكامنة لدى الافراد تنمو بالعمل و بالممارسة دون الاكراه المادى و قوام الممارسة هو تركيز دوافع الفرد خلال ساعة محددة لتحقيق هدف محدد لادخال التنظيم و الاستمرارية فى اعماله المتسلسلة…. و يمكن اثارة المنبهات الازمة لهذه الاعمال كالامر و النهى و الاستحسان للتاثير فى اعمال الاطفال و لعل اهم هذه المنبهات هو التنافس فى تحقيق هدف مشترك و السعى الى تحقيق الغاية المشتركة يولد التفاهم لان الهدف واحد و ان اختلفت الاعمال و الانشطة المنجزة

و الفهم المشترك لوسائل العمل و اهدافه هو جوهر السيطرة الاجتماعية لانها اعمال غير مباشرة تقوم على العاطفة و الفكر و ليس عملا فرديا مباشرايقوم على الفكر فقط… وهو عمل يلبى رغبة داخلية لدى الاطفال وهى الميل الى تحقيق الهدف من خلال التعاون لتصبح مصلحة الفرد و فهمه للاشياء متشابهة مع الغير مما يكسبه الثقة فى نفسه بصفته عضوا نافعا و مفيدا لمن يحيطون به بما قدمه لهم من نتائج و اعمال تم اثبات جدواها ضمن حصص الدروس… كما يدرك الاطفال حدود قدراتهم و اخطائهم مما يدفعهم الى العمل و المثابرة لاصلاح الاخطاء و تحويلها الى دوافع للتحسين و التطور الذاتى و الجماعى ….

4-حاجة الطفل الى الحرية لاستمرار نموهم

ان التربية هى نمو كل القدرات الذهنية و الوجدانية و الجسدية و السلوكية و لا حياة بدون نمو ولا نمو بدون حياة و لذلك وجب ادراك اهمية القوى الفطرية و الطبيعية للاطفال و خاصة القدرة على الابداع و التميز و الاقدام لدى الاطفال …وهنا ياتى دور الوسائل المستخدمة فى تنمية قدرات الاطفال و لذلك فان الغرض الاساسى من التربية هو ضمان دوام التربية بعد انقضاء مراحل الدراسة من خلال تنظيم و تاطير سلوك الافراد و قواهم بما يضمن استمرار النمو  ليندفع الفرد نحو التعلم من الحياة نفسها و التحكم فى المحيط  و توظيفه لصالحه …

فالتربية بمعناها الصحيح انما هى عملية تهيئة للظروف التى تحقق النمو او العيش الكامل بغض النظر عن السن فالحياة ليست لذة زائلة بل هى تفاعل مستمر مع المحيط و اللعب عند الاطفال يثبت ن لديهم قدرات ناشئة تتطلب التنمية و التدريب ليصبح اللعب وسيلة و دافعا نحو النمو و ليس المهم هو الدوافع و الوسائل المستخدمة فى التربية بل الاهم هو الغايات المراد تحقيقها من هذه الوسائل… و الافضل ان نترك الاطفال يمارسون حريتهم دون وصاية من الاولياء من خلال تسليح هذه الطبيعة بالعلم فى طريق سيرها نحو النمو …

ان الاطفال بطبيعتهم يميلون الى حب المعرفة و اكتشاف الجديد  و يتمتعون بالمرونة و اكتساب العادات من الاهل و المحيط الاجتماعى مما يساعدهم على السيطرة على البيئة و القدرة على استغلالها و تطويرها و من العادات الحسنة الرغبة فى التعاون و الاشتراك مع الآخرين فى اعمالهم او الرغبة فى مواكبة التطورات …

و تعمل المدرسة و المحيط الاسرى عموما  على تنمية هذه العادات الحسنة  لينمو الطفل مقبلا على التفكير و الاختراع و الاقدام على كسب التحديات فالتربية ترفض الاعمال الرتيبة و الجمود لانها عملية تطور و نمو متواصل تماشيا مع طبيعة الاطفال الميالة الى التغيير و التحسن مما يتطلب من المحيط المدرسى و الاسرى اعداد الوسائل الناجعة لتحقيق هذا النمو و بالتالى تلبية حاجة الطفل الماسة فى تحقيق هذا الهدف …

 الباب الثالث - التواصل الاجتماعى شرط لنجاح التربية

1-تغليب المصلحة العامة من اهم اهداف التربية

عرف افلاطون “العبد” بانه هو الذى يتقبل ما يفرضه عليه غيره من غايات تحدد سلوكه دون ان تكون له ارادة او اعتراض على ذلك و هذه الحالة توجد فى المجتمع رغم زوال الرق بمعناه القانونى… و نجدها حيثما يشترك الناس فى عمل نافع اجتماعيا دون ان يتفهموا هذه المنفعة او تكون لهم فيها مصلحة مباشرة او اهتمام شخصى… فالطفل الذى لا يعبر عن مواقفه و رغباته فى الممارسة التعليمية انما يكون بمثابة العبد لشىء لا يدرك جدواه  اما اذا عرف ان ما يقوم به من عمل سيعود عليه بالفائدة و سيكون عنصرا فاعلا فيه و مؤثرا على المحيطين به لدفعهم الى الاشتراك معه فى عمل يحقق لهم مصلحة مشتركة

ان بحث الافراد عن مصالحهم الشخصية يجعلهم عبيدا لشهواتهم الجامحة التى زودتهم بها الطبيعة و يرفضون التواصل مع غيرهم وهو ما يولد امما منعزلة و اسرا لا تمتن علاقتها بالحياة الفسيحة و تصبح المدارس منفصلة عن البيت او المجتمع… و ينقسم المجتمع الى فقراء وميسورين و علماء و جهلاء و تنعدم المرونة و يعم الجمود و التقوقع و تسود مثل الانانية و التكبر و تصبح نظرة المجتمع للغرباء كنظر المتوحشين الذين يعتبرون الغريب عدوالا يمكن التعايش معه و من اسباب ذلك التفكير عدم ملاءمة العادات القديمة مع التجارب و التطورات الحديثة

و الاساس فى التربية الحديثة تاكيد الاتصال الوثيق بالبيئة المادية و الاجتماعية و لعل ابرز مثال على اهمية التواصل فى تطور الامم هو ما تحدثه الحروب من فرض التواصل مع الآخر و الاخذ من تجاربه مما يثرى و ينمى واقع الافراد و المجتمعات او تبادل التجارب عبر الرحلات و التجارة… فالتربية تقتضى الاخذ باسباب التطور و الحداثة عبر التواصل و تبادل المصالح و التكيف المستمر مع الواقع المتغير لمجابهة التحديات و بناء المواقف من كل ما يحيط بنا… و لتحقيق هذا الغرض تتكفل التربية باعداد افراد يتميزون بالاسقلال الفكرى و بالتالى القدرة على الابتكار و سرعة التكيف مع واقعهم و الاستعداد له قبل حصوله من خلال تهيئة البيئة الملائمة لذلك و تحديد الاهداف الخاصة و العامة لكل ما نروم القيام به و خاصة فى المجال التربوى لانه سيحدد طبيعة كل فرد فى المجتمع و بالتالى واقع المجتمع و مستقبله…

2-لا بد من اعداد الوسائل الملائمة للاهداف

ان تحديد الاهداف فى العملية التعليمية هو شرط هام قبل انجاز الدروس وهو من اسباب نجاح العملية التربوية… ويوجدفرق كبير بين الاهداف و النتائج …هو ان النتيجة انما هى استكمال لامور تقدمت دون اعداد مسبق لها… فمثلا اذا هبت الرياح على رمال الصحراء تبدلت مواضع حبات الرمال وفى ذلك تحقيق لنتيجة ..

.اما المثال الخاص بالاهداف فنذكر اعمال خلية النحل فانها تعتبر غايات و اهداف لا لانها مرسومة عن قصد او عن غير قصد بل لانها متممات لما سبق من اعمال… فالنحل يجمع الرحيق و يصنع الشمع و يبنى الخلايا فاذا بنيت الخلايا وضعت الملكة البيض فيها و اذا وضع البيض ختمه النحل و احتضنه و احتفظ بدرجة الحرارة الازمة لفقسه وبعد فقسه شرع يطعم الصغار حتى تستقل بنفسها وتقوم باعمالها المعتادة… فالاعمال تكون  مترابطة و كل عمل يؤدى الى نتيجة محددة لتحقيق الهدف الاساسى و هو انتاج العسل الصافى… و هذا هو دور الاهداف فى العمل التربوى ان تكون منظمة و متعددة المراحل لتحقيق عدة نتائج يجب معرفتها مسبقا و اهمها تنمية القدرات النفسية و العقلية و السلوكية للفرد

و الهدف هو التزام بتحقيق غاية نعد لها قبل الاقدام على انجاز العمل وهو توجيه لكل مراحل النشاط وهو التاثير المباشر فى كل الخطوات المقطوعة لضمان التقيد بالهدف بكل دقة و امانة… و اول مراحل تحقيق الهدف هو اختيار الوسائل الاكثر ملاءمة و نجاعة و يسرا لبلوغ الغاية المرجوة و الحد من العقبات… اما ثانيا فهو ضرورة التدرج فى استخدام الوسائل لتحقيق الهدف… و ثالثا تاكيد مبدا التشارك فى النشاط و فى الوصول الى الغايات فمثلا تحقيق الهدف من اللعب فى مقابلة لكرة القدم وهو الانتصارمما يتطلب استعدادا بدنيا و نفسيا و ذهنيا و تدريبا شاقا و لا بد من الاخذ بالاسباب فى كل عمل نقوم به لضمن تحقيقها كاملة او جزءا منها على الاقل ولكى لا تبوء جهودنا بالفشل او الانكسار او التراجع امام اقل عقبة تعترضنا

ونعود الى مثال مقابلة كرة القدم لنعرف ان الهدف المحدد مسبقا وهو الانتصار يجعل التفكير منحصرا فى استخدام كل الوسائل الممكنة لبلوغ الهدف اى السعى لتسجيل اهداف اكثر فى مرمى المنافس… و يتولى العقل ادراك هذه الحقائق العلاقة بينها و يتبصر بكل الاحتمالات ويعمل على اعداد الخطة لتحقيقها و استغلال الوسائل التى تجعل هذه الخطة ممكنة و تجاوز العقبات المحتملة وبذلك يصبح العقل اداة لتنفيذ الاهداف المحددة و لا يكتفى بالتطلع اليها… فالعقل يعد خطة تحتوى الوسائل لدحر الصعاب و تجسيم الهدف بدقة متناهية… و الانسان الغبى و الجاهل هو الذى يقدم على عمل دون ان يدرك عواقبه او ان يعتمد على العاطفة و الحدس و البخت دون درس الظروف او استعداداته الخاصة لهذا العمل فالانسان الواعى يدرك الهدف من كل عمل يقوم به و لا يسير كالآلة بلا وعى…

*3-الاهداف يجب ان تلبى واقع الطفل و حاجياته

ان الاهداف التربوية شانها شان اهداف كل الاعمال فالفلاح له وسائل يعتمد عليها فى تحقيق اهدافه وهناك عقبات يعمل على تذليلها فهو يزرع البذور ثم يسقيها و الشمس ترسل اشعتها و الامطار تهطل و الحشرات تكثر حيث يكون الزرع و الآفات تتكاثر و الفصول تتغير و يسعى الفلاح الى استغلال هذه الظروف و العمل بما يتفق معها لتنجح فلاحته ومن الخطا ان لا يراعى الفلاح ظروف المناخ و نوع التربة لان غرضه هو حسن التدبير لكى تكون نتائج عمله ناجحة… و يعتمد فى ذلك على الملاحظة و الدراسة الدقيقة لكل الظروف ليضع خطة عمل تمكنه من التحكم الجيد فى كل هذه الظروف وليوظفها لصالحه …

و المعلم مطالب ايضا بوضع الاهداف بناء على الظروف المحيطة به عبر اختيار الوسائل الاكثر يسرا و الانشطة الاقرب الى رغبات المتعلمين وطرح الوضعيات الاقرب الى واقعهم و التى تدفعهم الى التفاعل معها و الحرص على حلها… و يجب ان يكون الهدف قابلا للتطبيق من خلال غرس روح التعاون بين المتعلمين و تمكينهم من الحرية فى العمل و السماح لهم بالخطا ليصلحوا انفسهم من خلال الاشتراك مع غيرهم فى انجاز العمل… و علي المتعلم ان يوجه اهتمامه الى الهدف المحدد فى العمل دون غيره… وبناء على ذلك من الافضل ان يتحرر المعلم من الاوامر المفروضة عليه من المفتش و كتاب التدريس و المنهج الرسمى ليعالج حاجة الطفل عن قرب و يتبين الهدف الملاءم لرغباته الفطرية فالانسان لا يقدر على صعود عدة جبال فى وقت واحد الا ان المناظر التى يراها من قمة ذلك الجبل تجعله فى غنى عن صعودها كلها …فالمعلم اذا حقق هدفه من الدرس فقد مكن الاطفال من امتلاكهم وسائل تجعلهم قادرين على تحقيق اهداف اشمل فى حياتهم المستقبلية…

و الهدف يصبح حافزا نحو العمل و استغلال الوسائل و تدبر النتائج الممكنة و اختيار افضلها و اكتساب الحرية الذاتية فى العمل فلا يجب ان تفرض الاهداف من الخارج بل ان تكون وليدة الرغبات الفطرية للاطفال و بما يتناسب مع واقعهم و لهذا فان الاهداف تتغير و تختلف من معلم الى آخر و من قسم الى آخر رغم اشتراكهم فى محتوى الدرس لان الهدف الثابت لا يستحث الذكاء ولا يدفع الى العمل المتواصل لانتاج افكار جديدة و مبتكرة

4-التفكير المبتكر من اهم حاجيات الطفل

اذا اردنا ان نكون جيلا مفكرا فعلينا ان نتناول مواضيع مدرسية ابعد ما تكون عن المواد الدراسية اى من الواقع المعاش خارج المدرسة وان تشمل كل الاعمال التى تثير الاهتمام و تحفز على النشاط فى الحياة اليومية سواء فى دراسة الحساب او التاريخ او الفيزياء او الادب و تهتم باشياء يمارسها الاطفال فى الحياة العادية وليس اشياء يتعلمونها لاول مرة مما يستفز فى الطفل التفكيرو بالتالى فهم العلاقة بين الواقع و ما يتلقاه فى الدرس …

و الهدف المراد بلوغه هو ادراك نتائج محسوسة لكل عمل يقوم به الاطفال عبر اقتراح المشاكل و طرح الاسئلة و تعيين الواجبات و تذليل العقبات… مما يدفع الى اكتساب الخبرة و الاعتماد على الملاحظة المباشرة  والاستنتاج و الاستدلال و امتحان النتائج وان لا تكون هذه الاعمال مفروضة من الخارج…وانما نتيجة حاجة ملحة للطفل تساعد فى نمو قدراته و مهاراته و توجه سلوكه الاجتماعى

و البون شاسع بين الاتصال المباشر بين الطفل والاشياء فى البيت و ساحة اللعب والحياة عامة و كثرة السؤال حول ما يحيط به… والامر ليس كذلك فى المدرسة مما يجعلها تبتعد اكثر عن واقع التلميذ …ولهذا السبب حيثما لا يكون الاطفال فاعلين و باحثين عن حلول لمشاكل واقعية و اقتراحهم للحلول مبتكرة و منوعة لا يتحقق الغرض الاسمى للتربية وهو تفعيل دور الافراد فى محيطهم لذلك لا بد من ايجاد اعمال حية تعتمد على وسائل واضحة لبلوغ اهداف محددة

و الغاية من التفكير ليست الافكارفى ذاتها بل الاعمال و الحقائق و الاستنتاجات و علاقة الاشياء ببعضها و بالواقع و لذلك على المعلم ان يدرك ان الغاية من اقتراح المشكلات هى دفع و تحفيز الاطفال على التفكير ليتمكنوا من الاقبال على حل هذه المشكلات و لا بد من ان تكون مرتبطة بواقعهم و تدفع الطفل الى الاعتماد على العقل …لان العقل المدرب هو المزود اكثر من غيره بالمعارف وهو العقل الذى يوظف مكتسباته و خبراته الاجتماعية ليرى ما هى الحلول المناسبة لهذه الوضعيات

ان الاطفال فى حاجة الى اختبار ما يتلقونه من معارف وان يختاروا ما يتلاءم مع حاجياتهم لان كثرة المعارف دون توظيفها فى وضعيات من الواقع تصبح عائقا على التفكير… لان الفرد لا يستطيع ان يبنى منزلا من الانقاض و انما من المواد التى يحتاجها فقط …و الملاحظة و التذكر يحددان الموجود اما الغير موجود فيعتمد على الابتكار و الابداع من خلال اعادة النظر فى الموجود و نقده و اعادة توظيفه بطرق اكثر تطورا …فكبار العلماء ليست لهم عقول اكبر من الآخرين و انما يتمتعون بدقة الملاحظة و اعادة تنظيم الاشياء مثل اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية بتوظيفه فى علوم جديدة مبتكرة …فالتربية هى كل تفكير مبتكر و فهم لاشياء لم تكن مفهومة من قبل فالطفل الذى يحسن جمع 5+5انما هو مكتشف لانه لم يعرف ذلك قبل ذلك نمو حقيقى لتجاربه و خبراته

5-التربية و التلاءم مع الواقع

ان عملية التفكير عند الاطفال لا تتم بمجرد التلقى بل اذا صارع المشكلة بشكل مباشر ليتلمس و يجد الحل الخاص بها فاذا ما وفر الاب او المعلم ظروف التفكير وهى العطف و الحنان من خلال المشاركة مع الطفل فى انجاز تجربة او وضعية واحدة …اما الباقى فتتوقف على المتعلم فان لم يستطع ان يجد الحل بنفسه او بمساعدة اقرانه فلن يتعلم شيئا  فبامكاننا ان نقدم للمتعلم العديد من الافكار الجاهزة و لكننا لن نضمن نجاحه فى انجازها فلا بد ان يقوم المعلم بدور المتعلم و ان يصبح المتعلم معلما بما ينجزه من اعمال مبتكرة و افكارانتجها بنفسه…

ان التمرن على تطبيق ما نقتبسه من الدروس فى وضعيات ذات دلالة يضمن تثبيت الافكار فى الاذهان و التاكد من صحتها و دقتها و اكتساب المهارات و القدرة على توظيف هذه المعارف… ان الافكار تبقى ناقصة و بلا فائدة اذا لم يقع اختبارها فى الواقع مما يتطلب تحويل هذه الافكار الى وقائع لاختبار مدى تمكن الاطفال من فهم كل عناصرها مما ينمى الحيوية الفكرية للاطفال

فالمطلوب من المعلم ربط الصلة بين الدرس و التجارب المباشرة للحياة اليومية فيلجا المدرس الى قيادة الاطفال الى الاستعانة بدروسه السابقة لفهم الدرس الجديد او استخدام الدرس الجديد لمراجعة الدروس السابقة و الافضل من كل ذلك الاعتماد على وضعيات و مشاكل من الواقع اليومى لتكون حافزا مباشرا على التفكير و ان يقدم الاقتراحات المناسبة للمشكل و ان يختبر مدى صحة افكاره

ان التربية بمعناها الحديث ابسط و ايسر من حيث المبدا من التربية القديمة لانها تتماشى مع خصائص النمو لدى الاطفال بينما التربية القديمة تفرض على الاطفال طرقا و مواد و تكلفا فى التدريس لا يتماشى و رغبات المتعلم او المعلم… و اقرب طريق الى عقل الطفل هو النشاط و الممارسة الفردية او الجماعية فى حل المشكلات و الوضعيات المرتبطة بحياته العادية ليكتسب من خلالها تجارب تفيده فى حياته اليوم و غدا

فلا بد من ان يقتنع المدرس ان تكليف الاطفال باعمال و انشطة تعليمية يكسبهم القدرة على تحمل المسؤولية فعلي المعلمين ان يثقوا فى قدرة الطفل على انجاز العمل دون حاجة الى مساعدة  لان له الحق فى الخطا عدة مرات ليحاول ثم يحاول… ليكتسب الثقة فى النفس و القدرة على الوصول الى الحلول للمشكل المطروح بمفرده او بالاشتراك مع غيره -لنترك الاطفال يكتسبون التجارب و الخبرات بالاعتماد على انفسهم ليتهيؤوا لحل المشاكل الانهائية فى واقعهم

*الباب الرابع- كيف يصبح الطفل حرا و سيد نفسه

1-العمل يعلم النظام كاللعب وفق قواعد منظمة

ان التربية هى النمو الموجه للامكانيات الكامنة لاكتساب الخبرة و يتطلب سنوات عديدة من العمل الجدى و التعاونى لانه يتطلب الاعداد الجيد و المتلائم مع حاجات الاطفال مما يبرز الصعوبة فى الاعداد له اما الانجاز فيكون اسهل اذا وجد قبولا و تفاعلا من الطفل

والمجتمع هو مجموعة افراد تربط بينهم مصالح مشتركة و يشتركون فى اهداف عامة و المدرسة جزء من هذا المحيط الاجتماعى ينبغى ان تتفاعل معه . فالطفل فى امس الحاجة الى التواصل مع بيئته و التعلم منها عبر الاشتراك مع اقرانه فى انجاز الاعمال… و العمل الجماعى يستوجب النظام كما فى اللعب حيث كل فرد يلتزم بمكانه و يقوم بدوره المناط به بكل تلقائية مما يبرز ان الانخراط فى المجموعة يعلم الانضباط بصفة ارادية و دون ارغام الطفل على ذلك…

ان دور المدرسة هام فى غرس القيم الاجتماعية و اكتساب خبرات و تجارب جديدة ليتعلم من الممارسة المباشرة و من الحياة عوض تعلم دروس ذات صلة بعيدة و مجردة بحياة قد تقع فى المستقبل… و بالتالى على المدرسة ان تكون مجتمعا مصغرا و الافضل ان يتعلم الطفل العمل بيديه ليكتسب خبرة او مهنة تهيؤه للاتصال بالواقع و بنمو عقل الطفل تصبح هذه التجارب و الخبرات اداة لفهم الواقع فيسعى الى تطويرها لتلبية حاجة محيطه اليها وليصبح فيما بعد عالما متخصصا فى المجال التى انشغل بالعمل فيه

و العبد هو الذى لا يعبر عن آرائه فى افعاله و افعال غيره اما الحرية فتقتضى ان نقوم بالاعمال بكل وعى و ادراك و نطورها بالنقد و الافكارالجديدة لان المعرفة ليست مادة جامدة بل هى ممارسة متطورة و متفاعلة مع الواقع المحيط بها… و التربية تتلاءم مع غرائز الطفل و قواه و تترك للطفل استقلاليته فى الوصول الى النتائج و اذ لم تتوفر فيها هذه الشروط فانها تصبح ضغطا من الخارج و اكراها لا تنفع بل تضر و تولد تمرد الطفل او طمس شخصيته او تفككها

فالافضل بالمدرسة ان تثير قوى الطفل الى ما يتطلبه المجتمع من تضحيات للعمل كعضو فيه و التحرر من الانغلاق على ذاته و التفكير فى مصالحه الضيقة …و ان ينظر الى نفسه من خلال خدمة مصالح المجتمع الذى ينتمى اليه و ان كل عمل يقوم به سيقابله استحسان و مكافآت من المجتمع نفسه لانه سيتقاضى اجرا على عمله المفيد او تثمينا لدوره الكبير فى الرقى بمجتمعه… فالمجتمع انما هو وحدة عضوية تتكون من افراد لا بد ان يتبادلوا المنافع للعيش مع بعضهم البعض

2-دور المدرسة هو ان تمد الطفل بافكار جديدة

  ان التربية تبدا عند الولادة بمشاركة الطفل للوعى الاجتماعى بصفة لاشعورية لتشكل قوى الفرد و تغذى شعوره و تهذب افكاره و تكون عاداته وتحدد انفعالاته ليشارك بعد ذلك فى اثراء التراث الانسانى بارادته …ان الطفل يشعر ان الحياة تتطلب الاستعداد و المواجهة واتخاذ مواقف و تتولى التربية توجيه هذه المواقف و ضرورة العمل كعضو فى المجموعة و تقوم المدرسة بدور المساعد للطفل على الانخراط فى هذه الحياة الاجتماعية 

و يتم هذا التوجيه عبر اقتراح انشطة تبسط الواقع الاجتماعى ليتسلى الطفل فى حل معضلاته ليساهم باندفاع و ثقة فى حل كل ما يعترضه من مشكلات فى المحيط الاسرى او الاجتماعى عموما و اساس هذا التواصل هو اكتساب افكار جديدة من المدرسة مما يضمن استمرار نمو قدرات الطفل و من المهم ان تكمل المدرسة دور العائلة لانها صورة المجتمع الصغير الذى يتربى فيه الطفل و يكتسب قيمه و عاداته الخلقية فتقوم المدرسة بتعميق القيم الاسرية كالمحبة و التواصل و التعاون والاجتهاد…

و التصور القائل ان المدرسة تعد الطفل للمستقبل البعيد و تلقنه معلومات بعيدة عن واقعه انما تجعل الاطفال غير فاعلين فى محيطهم… لان التهذيب الخلقى لا يتطلب سنوات ليتحقق فى الواقع بل ان الطفل بمجرد اتخاذ موقف ايجابى من هذا السلوك فانه سيمارسه مما ينعكس ايجابا على الاسرة اولا و المجتمع باكمله فيكون هذا الطفل دافعا لغيره للاقبال على اكتساب المعارف بلهفة و رغبة جامحة و ادراك اهمية الاعتماد على التعلم الذاتى فى الارتقاء الى اعلى المناصب فى المجتمع و قد قال الله تعالى فى اهمية العلم “يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات “ان ادراك الطفل ان العلم و المعرفة وسيلة و سببا للارتقاء فى المجتمع امر هام

ان المدرس ليس مطالب بفرض سلوك او آراء معينة على الطفل بل هو عضو من الجماعة الا وهى القسم ليرشح الاعمال و الانشطة التى تؤثر فى الطفل و يساعده على التفاعل معها… و مهمة المدرس ان يوجه الاطفال الى الخضوع لنظام الحياة بما يعتمد عليه من خبرات و تجارب و الامتحانات تكون ذات جدوى كلما كانت اقرب الى واقع الحياة الاجتماعية تقدم للطفل العون فى حياته 

3-*التربية تغرس القيم الجماعية الحسنة

يرى جون ديوى ان التربية هى العملية التى يصير بها الانسان انسانا فالانسان بدا مغمورا فى الطبيعة اذ لم تزوده الطبيعة الا بالغرائز و الشهوات الجامحة فيميل الافراد بطبيعتهم الى حب الملكية و السيطرة و التحكم اباحة العلاقات الجنسية… دون تقيد بقيم اخلاقية الى ان ظهرت  الديانات السماوية و سعى الانبياء و الرسل الى تربية الناس على القيم الاخلاقية و تحريم القتل او افتكاك املاك الغير اوالاعتداء بالفاحشة او الزنا… وتاطير العلاقات الاجتماعية وفق قيم اخلاقية كالعلاقة الجنسية فى اطار الزواج وغض البصر وعدم النظر الى عورات النساء وحث الافراد على تفضيل القيم الفاضلة فى علاقاتهم كعدم الغش او السرقة والتحايل و تفضيل التسامح و اعتبار العدو صديقا حميما… و لا يلقى هذه الخصال الا الصابرون على تحمل الاذى و دفع الاساءة بالتى هى احسن …لان الانسان بطبعه خطاء و لا سبيل للتواصل مع المجتمع الا بالتاقلم مع هذه الاخطاء و محاولة اصلاحها بالكلمة و الموعظة الحسنة وليس برد الفعل العنيف او القطيعة مع المجتمع

و ما يميز الحياة الانسانية ان الانسان حر فى تحديد ميولاته اما ان يتحكم فى غرائزه البهيمية و الحيوانية اوان يتركها هى تتحكم فيه فيصبح عبدا ذليلا لشهواته الامحدودة و الامتناهية… و لا يكتسب الانسان حريته الا من خلال تحكيم العقل و الاخلاق و لا تتم هذه الجهود الا بالتربية المتواصلة ضمن الاسرة و المدرسة و المحيط  ولعل النظرة القاصرة لبعض الاولياء هى فهم التربية على انها العمل على تحقيق النجاح فى الحياة بينما الهدف الاسمى للتربية هو السعى لايصال البشرية الى افضل ما يمكن ان تصل اليه من قيم فاضلة تحرر الانسان من شهواته و تجعله حرا قادرا على الانجاز و الفعل فى التاريخ و الحضارة

ان التربية لا تتجه الى الفرد بصفته ذاتا مستقلة تحتاج الى العناية الخاصة من ناحية تنمية قدراته العقلية او الوجدانية او الجسمية ولكن التربية اسمى من ذلك فهى لا يمكن ان تنكر حاجة هذا الفرد الى الاندماج و التواصل مع بيئته و مجتمعه  الذى لا يستطيع ان يعيش بدونه… فالتربية مطالبة بان تغرس فى العقول و الانفس و الابدان واجب تسخير كل قدراتهم لصالح خير المجتمع و الانسانية باسرها… فالانسان لا يمكن ان يعيش لنفسه فقط بل يجب ان يحيا من اجل الآخرين ايضا و تلك هى ابرز اهداف التربية التى عمل عليها الانبياء و الرسل ثم واصل فيها العلماء و المربون المخلصون بعد ذلك

و جوهر القول ان التربية هى عملية اجتماعية او لا تكون… و لا يتم ذلك الا باشتراك الافراد فى خدمة مصالح الجماعة و فى ذلك قمة السعادة و اللذة الروحية و النفسية و جوهر التربية ايضا ان يتبادل الافراد المعارف و المنافع والتجارب و الخبرات لتستمر الحياة و ان لا تنغلق الحضارة على نفسها بدعوى الحفاظ على اسباب تقدمها و تفوقها و الا فانها قد تكون قد حكمت على نفسها بالاعدام و تموت و تندثر و لا تجد من يجددها و ينقلها الى الاجيال القادمة وهذا هو شان الحضارة الغربية الآن…

4-التربية تعلم العمل باخلاص والمثابرة من اجل الآخرين

يرى الدكتور محمد الفاضل الجمالى فى كتابه “تربية الانسان الجديد”ان الانسان خلقه الله تعالى متكامل الشخصية واعطاه العقل و الروح و الجسد و الهمه الارادة الحرة لذلك من واجب المربى فى البيت او المدرسة ان يخاطب الفرد بصفته كائنا حرا وواعيا وان يعمل المربى على مراعاة التلازم بين الجسم و الفكر و العاطفة لبناء الانسان المتوازن اخلاقيا و اجتماعيا ليقبل على العمل بكل دافعية و ايمان بان العمل قيمة اجتماعية تضمن التواصل مع المحيط

و يكتسب الطفل اثناء ممارسة الاعمال فى القسم الاتزان فى السلوك و التحكم فى الانفعالات و الحرص على التوصل الى نتائج و حلول للمشاكل المقترحة اى البحث عن الحقيقة و التحلى بالتفكير العلمى للتخلص من الجهل فيساهم فى تنمية قدراته و مواهبه و يدرك ان التطور انما يعتمد على العمل و المثابرة و ان تقدم الشعوب رهين بتقدم افراده و ان الكون لم يوجد عبثا بل اوجده الله ليختبرنا اينا احسن عملا و ان الارض يرثها الاصلح من غيره و الاكثر نفعا للانسانية

و الايمان بان الله هو خالق الكون يدفع المتعلم الى العمل اكثر لينفع اخاه الانسان لان هناك ربا سيكافؤه على ذلك فيندفع الطفل لحب العمل انطلاقا من ايمانه بان له الاها يحاسبه على اعماله فلا يطمع فى نيل الجزاء او الشكر من اى كان… فيتحلى بالقيم الفاضلة كالصدق فى القول و الاخلاص فى العمل و التحلى بالقيم الاخلاقية الحسنة وعدم التكشف على عورات النساء او الكذب او التحايل او الاعتداء على الغيرلان ذلك محرم عند الله عز وجل فلا نتعمد الوقوع فى المعصية ثم نطلب المغفرة لان الله لا يتقبل التوبة الا من التائب توبة نصوحا التى لا عودة بعدها… فلم يقبل الله توبة الفرعون اثناء غرقه لانه لم يكن صادقا ولو كان صادقا فعلا لتاب قبل غرقه عندما كان واعيا وليس بعد ان ادرك انه سيموت لا محالة 

و انطلاقا من الايمان الراسخ لدى الفرد بان لكل عمل جيد جزاء حسن فانه يتحلى بالمسؤولية فى القيام به و يتصف بالمثابرة و التعاون مع الغير لنشر قيم الخير فى محيطه فيكافؤه الله على ذلك احسن جزاء لان مكافاة المعلم لا تتجاوز حدود القسم فيشكره او يسند له اعدادا جيدة… ولكن المطلوب هو ان يتواصل اقباله على حب العمل و الاجتهاد خارج القسم ليفيد مجتمعه و ان يتحدى الصعاب و العراقيل من اجل ذلك… و لا يتم هذا الحرص الا بالايمان القوى بان الله يراقب كل اعمالنا كبيرها و صغيرها فلا نحتقر من المعروف شيئا ولو ان تتصدق بنصف تمرة الى انسان محتاج فقد تكون سببا لدخول الجنة لان الله تعالى يكافؤنا على نيتنا فانما الاعمال بالنيات …فلتكن كل اعمالنا ابتغاء مرضاة الله تعالى و لنكن مخلصين فى القيام بالاعمال الصالحة و  النافعة للمجتمع باكمله

*5-ان التربية رسالة لتفعيل دورالانسان فى محيطه

ان التربية هى الطريق الاساسى للتقدم و الاصلاح الاجتماعى و ليس الاصلاح القائم على القوانين او العقوبات او الاعتماد على السلطة و القوة انما هو اصلاح عابر سرعان ما يزول… اما التربية فهى عملية المشاركة فى الوعى الاجتماعى و توافق الفرد مع هذا الوعى… لتكون الفرد القادر على التفاعل مع محيطه و التاثير فيه و تغييره و تبرزالتربية ان الاخلاق العليا لا تتكون بالنصح فقط بل بالمشاركة فى الحياة الاجتماعية ايضا فالفرد انما هو كائن اجتماعى و لايمكن فصل الافراد عن محيطهم

و تقوم المدرسة بمهمة التوفيق بين المثل العليا الفردية و الاجتماعية و التربية اكبر اثرا فى تغيير مجتمعها من القوانين المفروضة او العقوبات المسلطة و المدرسة تقوم بعمل لا تستطيع سلطة الدولة القيام به مهما امتلكت من قوة و جبروت… لان المربى يبنى العقل و الوجدان و يعد الفرد الذى سيبنى بدوره المجتمع و لذلك لا بد ان تتوفر له كل الوسائل و الامكانيات الازمة للقيام بمهامه السامية على افضل الوجوه

ان التربية تصبح فنا و ابداعا لانها توجه اهتمامها للفرد بصفته كائنا واعيا قادرا على الرقى الذاتى دون حاجة الى الارغام او الاكراه و تهيؤه لينخرط فى الحياة الاجتماعية… فمهمة المربى هى من المهام الانسانية التى اناطها الله عز و جل بالانبياء و الرسل فالعلماء و المربون انما هم ورثة الانبياء اوكلهم الله هذه المهمة لغرس مكارم الاخلاق و ان يكونوا افضل قدوة لغيرهم… فالمربى يعمل على عدة محاورمترابطة الحلقات من اهمها خلق حب المعرفة و الدافعية الى التعلم لدى الاطفال و تهيئة البيئة المناسبة للتعلم الجيد و العمل على الارتقاء بالمجتمع من خلال ما يتزود به الاطفال من مهارات و خبرات اجتماعية تمكنهم من التحكم فى الطبيعة و توظيفها لصالح الانسانية و ليس لتدميرها او الاضرار بها

Tweet
Facebook Social Comments