الزمخشري وأنا

طباعة

داخل شقتي في الدور الرابع في هذه التجمعات السكنية الجديدة الجو شديد البرودة فما بالك بحاله خارج الشقة والآن تطلب مني زوجتي النزول سريعا لإحضار الخبز ما أقسى هذا على كسول مثلي. ما علينا من الوصف الدقيق نزلت سريعا فقد كنا ما نزال في شهر العسل وأمنياتها بالطبع فروض لا تقبل المساومة. الآن أرى صفين واحدا للرجال وآخر للنساء. الكل متحفز ومتعجل وقلق لأجل رغيف

الخبز وأخيرا جاء دوري وقد حصلت على الخبز وأنا الآن بسبيل تجفيفه على مقربة من المخبز. ألاحظ الآن شابا يبدو عليه القلق يقترب مني ينظر إلي باهتمام يحادثني أحييه يقول لي مباغتا: يا شيخ (لأني ملتح) أنا مسلم وعندي أكثر من ألفي سؤال من الشبهات ضد الإسلام ولا أحد يستطيع الإجابة عليها فقد ذهبت لكبار العلماء هنا وهناك ولم أجد جواباً فهل لي أن أعرض عليك بعضها؟ وبضحكةٍ لم أستطع إخفاءها قلت له يااه ألفين شبهة بس؟ هذا عدد لعمري قليل والله أنت لم تقرأ التاريخ جيدا يا أخي..فالإسلام يحارب من أول يوم ظهر فيه ويحسب مهاجموه أن خير وسيلة للدفاع عن أحلامهم ومعتقداتهم هو الهجوم على الإسلام وإبقاؤه في خندق الدفاع. وفي الحقيقة فقد تحمست لحماسه وشعرت أن بيدي إسداء النصح له ولما رأيت إلحاحه وكثرة كلامه وتعصبه أصررت على أن أسدد له لكمات تعليمية مما درسته في الأزهر العظيم. والله لأعلمنك اليوم ما يلملم شعثك العلمي يا أخي فقد كنت مثلك قبل سنوات قليلة.الآن اذكر لي يا أخي واحدة من هذه الشبهات وإن كنت لا أريد الخوض فيها فهي قديمة قدم الإسلام ذاته. لاحظ يا قارئي أني لن أقع في فخ الجواب عن الشبهة فهو كما يبدو من حركاته وسكناته لا ولم ولن يقتنع كما أني لست بعالم ولا فقيه ولا حتى طالب عالم قد تفرغ للعلم. لكني سأعلمه المنهج والآن هيا بنا إلى هذا الحوار:

 

الزمخشري يا شيخ قال كذا وكذا في تفسيره  وأحد القساوسة في قناة فضائية ما صدق مسك الغلطة دي على الزمخشري وقال أهوه واحد من كبار علماء الإسلام ومفسر للقرآن.

 

-        هل تعرف من هو الزمخشري يا أخي؟

-        لا أتذكر اسمه

-        لا أقصد اسمه بالطبع أنا أقصد منهج هذا العالم وموارد علمه وروافده وتاريخه. فكل عالم له مفتاح السر الذي إن علمته بررت شططه إن كان له شطط وقدرت اجتهاده ونبوغه إن كان له نبوغ. وقد يتضح هذا من المقدمة التي يكتبها الكاتب لكتابه فهل قرأتها.كم كتابا قرأت للزمخشري.

-        هاه لم أقرأ له شيئا

-        إذن كيف حكمت على الزمخشري؟

-        حكم عليه القسيس

-        وهل يفترض أن يعلم القسيس أو غيره في دينك أكثر منك على كل حالٍ لن أطيل عليك.. اسمع يا أخي

-        الزمخشري رأس من رؤوس المعتزلة وآخر أذيالها وقد كان متعصبا لفرقته وطبيعي أن يدرج في كتاباته وآراءه ما ينتصر به لمذهبه وهذا في رأيي المتواضع هو مفتاح السر للزمخشري خلاص طيب إذن لا بد أن نفهم المعتزلة كي نفهم الزمخشري وهي ببساطة فرقة تنتصر للعقل بصورة كانت في بعض الأحيان متطرفة حتى أنهم قدموه على النقل يعني الشرع والنص ومن أشهر أعلامهم الجاحظ والخليفة المأمون والرازي والغزالي قبل أن ينقلب عليهم ويهاجمهم. صحيح أن تفسير الزمخشري أكثر من رائع لاهتمامه بالبلاغة كما يهتم القرطبي بالفقه والطبري بالتاريخ والنسفي باللغة والقراءات وابن كثير بالحديث وهكذا مع خلو الكشاف وهو تفسير الزمخشري من الإسرائيليات تقريبا واجتناب التطويل والتعصب لمذهب فقهي معين رغم أنه كان حنفيا. لكن يا أخي يجب أن تعلم مذهب العالم وموارده التي استقى منها علمه ومراحل عمره وهل حدث هناك تغير لفكره أم لا.

 

يبدو أن صاحبنا قد اقتنع بأني درة زماني والمسألة والله في غاية البساطة فما قلته يعرفه كل أزهري ناهيك عن كل قاريء جاد. والآن يا قارئي كم من شباب مصر والمسلمين كلهم وأنا أولهم يحتاج أن يتعلم المنهج والنظام والمسئولية عندما يتعلق الأمر بالدين والعلم. إن من أخطر ما بليت به المجتمعات على مر الأزمان هو السفسطة والتقليد الأعمى والجدل الذي حذرنا منه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.  وغرضي من هذه المقالة هو محو هذا العيب الخطير الذي نعانيه وهو الكسل العلمي وغياب المنهج. إن الناظر إلى تراث الإسلام العظيم وما بذله علماء الإسلام على مر العصور واقتران هذا الدين العظيم بالعلم وعدد الاجتهادات التي لا تحصى والتي تصل إلى حد التناقض في الوصول إلى حكم معين وذلك بسبب اختلاف الفهم في حرف واحد من كتاب الله تعالى يجعلنا نسلم أن الإسلام دين يحترم العقل والفكر ولا يمنع أبناءه من البحث والتحقيق.

 

 وإني لأعجب وأطيل العجب ممن يفسر حديثا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يرجع إلى شروح العلماء في هذا الحديث وأبرزهم على سبيل المثال ابن حجر العسقلاني كما أني أتعجب ممن يتكلم في مسألة دينية ولم يرجع للمصادر الأصيلة فضلان عن أن يكون مميزا بين المصادر الأصيلة والأخرى البديلة والثالثة الثانوية. ولعلك يا قارئي تندهش كثيرا إذا ما علمت أن من أكبر المشكلات التي سببت الكثير من اختلافنا وتفرقنا هو اتفاق بعض العلماء في الحكم وتحرير محل النزاع في المسألة واختلافهم في تحقيق مناط هذا الحكم (مناط الحكم ببساطة هو مجاله والحالات التي يطبق عليها هذا الحكم).

 

 كما أن علوم الدين مثلها مثل كل العلوم تعرضت لانتكاسات وتراجع وضعف ومد وجزر حسب قوة أو ضعف العصور التي مرت بها ومن هنا يجب علينا التفريق بين الإلهي والبشري في تراثنا العظيم فلا يعقل أن يتندر جاهل بهفوة لواحد من متأخري الأحناف بينما لم يقرأ ما خطه عظماء في هذا المذهب الذي عرف بمدرسة الرأي والاجتهاد ولعلي هنا يا قارئي قبل أن أنهي حديثي معك أذكر لك واحدا من أعظم علماء المسلمين للأسف لا يعرفه الكثيرون وهو صاحب أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني الذي أتمنى أن أكتب عنه كتابا يوما ما وغيره من المجاهيل العظماء في تراثنا الذي أتحسر الآن على جهل جيلنا وأجيال سابقة كثيرة به. وأخيرا يا قارئي هل لي أن آخذ عليك عهدا أن تساهم في تعميق الإحساس بالمسئولية والأمانة والنظام والمنهج في حديثنا وحديث كل من نعرفه وأن نتوخى الحذر عندما نتحدث عن الدين أو العلم فالأمر جد خطير وأنا لكم ناصح أرجو أن أكون أمينا.  وإلى علمائنا أرجوكم لا تتعاملوا معنا بمنطق النبلاء والقطيع الذي ناصره نيتشه ولكن تحببوا إلينا وعلمونا واحلموا علينا لأنكم في عيوننا وأنتم ملح الأرض فمن يصلح الملح إذا الملح فسد. وقبل أن أتركك يا قارئي أرجو أن أكون سببا في بسمة خفيفة لك تتصل بحديثنا اليوم. كنت وأنا طفل صغير في الكُتَّاب (ضربت في الكتاب حتى مت... رحمة الله على سيدنا الذي كان يعلمنا القرآن) أعتقد أن كلمة سآوي في قوله تعالى حكاية عن ابن سيدنا نوح الذي رفض ركوب السفينة مع أبيه "قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء" هي اسم ابن سيدنا نوح وكنت أتعجب وأضحك ملء فمي وأقول يااه سآوي ده اسم عجيب ولما حكيت لزوجتي قالت لي وأنا كنت أعتقد أن الفعل نكتل في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف وهم يرجون أباهم أن يرسل معهم أخاهم بنيامين "أرسل معنا أخانا نكتل" هو اسم بنيامين. ولن أحكي يا قارئي أكثر من ذلك فربك حليم ستار.

Tweet
Facebook Social Comments