التفاؤل في الثقافات المختلفة
موسى حجيرات
إنّ التفاؤل ليس حكرا على فرد أو أسرة أو مجتمع أو دولة أو قطر أو ثقافة بعينها إنّما هو موضوع يخصّ الآدميين من بني البشر، لذا تحدّثت عنه كلّ الثقافات في كافّة أماكنها الجغرافيّة.
معظم هذه الثقافات تحدثت عنه بإيجابيّة؛ فشجعت أفرادها إلى اللجوء إليه، والاتصاف به، وأخذه بأشكاله، وأنواعه، والظهور بمظاهره. كلّها أكدت أهميّته، وبيّنتها لأفرادها. كلها حثّت عليه، وبيّنت ايجابيّاته، ونفّرت من نقيضه، وبيّنت سلبيّاته.
فالثقافة العربيّة الشرقيّة، مثلا، زودتنا بأمثلة كثيرة من التفاؤل، وفي كافة المجالات البحثيّة الدراسيّة، والأدبيّات بأنواعها، والقصص الاجتماعيّة الهادفة، والرّوايات، والحكايات الشعبيّة. لقد صار التعبير "أنّ ما بعد الضّيق إلا الفرج" مثلا شعبيّا. وبهذا تحصر الثقافة العربيّة الفرج بعد الضّيق، وهذا خطاب مباشر لمن ييأس أو يقنط أو يرزح تحت ضيق مصيبة ألمّت به أو ضايقته أو نازلة حلّت به، وتخفف عنه، وتطمئنه بأنّ الفرج آت أيّ: "تفاءل!" "تفاءل!" "تفاءل!".
هذه ليست النهاية أنّما الفرج آت.
والشاعر إيليّا أبو ماضي قال: "كن جميلا ترى الوجود جميلا" وفسّر كثيرون قول أبي ماضي بأنّه، أيضا دعوة للتفاؤل، وأنّ التفاؤل وجمال الوجود وهناء العيش إنّما يكمن في نفس الإنسان، ومنه نقطة البداية فإن تفاءل استراح.
وينشد تيمورلنك على لسان شاعر قائلا:"لا تيأسنّ إذا كبوتم مرّة إنّ النجاح حليف كل مثابر".
فالبيت الشعري بشطريه دعوة مباشرة للتفاؤل وعدم اليأس، وقد جرى شطراه فيما بعد مجرى الأمثال، حتّى شاعت على ألسنة العامّة وبكثرة حتّى أنّ البعض ممّن يتداولونها لا يعرفون أنّ هذا شعرا إنّما مثلا شعبيّا "لا تيأسنّ إذا كبوتم مرّة".
وقد جرى في حياة العامّة أيضا، أنّ تفكير الإنسان وتشاؤمه من أمر معيّن أو التفكير السلبي فيه قد يؤثر عليه سلبيّا، وقد يضرّه، ويقلقه لذلك دعوا إلى نبذ التفكير السلبي، ونبذ التشاؤم واللجوء إلى التفاؤل، فحين قالت أمثالهم الشعبيّة "اللي بفكر بالجن بيطلع له"، إنّما المقصود هنا أنّ حالة الإنسان النفسيّة متأثرة جدّا بتفكيره، متشائما أو متفائلا.
أمّا الثقافة الإسلامية العامّة فقد زوّدت أفرادها بالدّعوات المقدّسة للتفاؤل. وقد ورد في القرآن: "َإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (الشرح: 5). ويقول مفسرو الآية أنّ التأكيد هنا، أنّ الفرج مع المصيبة وليس بعدها فقط، لذلك فالفرج قريب دائما، وعلى الإنسان الإيمان به، وانتظاره؛ لأنّه قريب جدّا.
وفي السنّة النبويّة وردت أحاديث كثيرة على لسان نبيّ الأمّة محمّد صلى الله عليه وسلّم، وفيها حثّ مباشر على التفاؤل بالخير. فمنها قوله "لا طيرة وخيرها الفأل" وفسّر الفأل بالكلمة الصالحة. وفي رواية أخرى: "ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة". وقد تردّدت عبارة "تفاءلوا بالخير تجدوه" حتّى حسبها الناس حديثا.
كما ورد في كتب السّلف الصّالح من الصّحابة والتابعين وتابعيهم ما يدعو إلى التفاؤل وانتظار الفرج، بعد كل أمر عسير وحتّى في الحالات العاديّة طالبوا بالتفاؤل والاتصاف؛ لأنّ فيه راحة نفسيّة وطمأنينة ومتعة بالحياة.
وقد قال علماء العصر الحديث من المسلمين عن الشيخ المعاصر سلمان العودة أنّه والتفاؤل وجهان لعملة واحدة لكثرة ما يدعو إلى التفاؤل.
وكذلك الثقافة المسيحيّة أيضا دعت للتفاؤل بشكل مباشر وغير مباشر، ودعت إلى الخير، وانتظار الفرج، وعدم الاستسلام لليأس، والقنوط إذا ما حلّت به ضربة في أمر معيّن، فقد ورد في سفر التثنية: "اُنْظُرْ قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالخَيْرَ، وَالمَوْتَ وَالشَّرَّ" (سفر التثنية: 30). وليس عبثا إقران الحياة بالخير. فالتفاؤل بالخير يعطي للحياة لذة ومتعة؛ فيشعر الإنسان أنّه حيّ، وضميره حيّ وفكره حيّ؛ فيقترب من سعادته وفرحه، وعلى النقيض فالشر والموت مقترنان، فمن استسلم للشّر ويأس من إتيان الفرج فكأنّما هو ميت وان كان حيّا جسمه.
وورد أيضا في إنجيل يوحنّا: "أَنتُم سَتَحزَنُون ولكِنَّ حُزنَكُم سَيَتحَوَّلُ إِلى فَرَح" (يوحنّا-إصحاح 16). وقد ربط البابا شنودة الثالث التفاؤل بالإيمان بعمل الله، فكلما سلم الإنسان أمره لله وآمن أنّ الله هو من يسيّر الأمور وأنّ ما أصاب الإنسان هو قدره المكتوب من الله كلما ازداد تفاؤلا ووجد لذة في حياته.
وفي معظم الثقافات الغربيّة الدينيّة والعلمانيّة يوردون أنّ النظر إلى النّصف المملوء من الكأس أيّ أنّ الإنسان عليه النظر إلى نجاحه، ولو كان قليلا، وعليه العيش بما لديه، وليس التحسّر لما ليس لديه.
