أتمنى أن يصل صوتي في هذه الرسالة إلى هيئة فولبرايت - المؤسسة الأم في الولايات المتحدة الأمريكية - فالأمر يتعلق بكيان وسمعة فولبرايت: انتماءاتهم وأجناسهم.
رغم أني من أشد الناقمين على أمريكا والساخطين على سياساتها خاصة تلك التي كان ينتهجها غير المأسوف عليه جورج بوش الإبن إلا أنني أفضل أن تستمر حضارة أمريكا.. لكن فقط أمريكا الخير والمعرفة والعلم. إن للولايات المتحدة كما لسائر الدول والأشياء وجهين: وجه الخير ووجه الشر. ليتخيل معي كل مسلم وكل عربي ظلمته الولايات المتحدة وكرست فيه شعورا بالعداء نحوها.. ليتخيل الجميع أن الولايات المتحدة لا تكيل بمكيالين، ولا تحابي إسرائيل، وتشجع الشباب على العلم من كل أنحاء الدنيا بغض النظر عن
لن أطيل الحديث عن أخطاء أمريكا أو حسناتها لكني سأحكي ما رأته عيني وسمعته أذني وما خبرته بنفسي في هيئة فولبرايت الأمريكية التي تقدم منحاً علمية لخريجي الجامعات في مصر، وتحديدا هيئة فولبرايت والتي مقرها الدقي شارع المساحة في القاهرة.
في ميدان العلم والمعرفة تقف أمريكا على القمة بلا منازع. قدمت للإنسانية الكثير والكثير. صحيح أن تاريخ أمريكا يقف على تلال من الدم والأشلاء (ما حدث من إبادة الهنود الحمر، والمآسي في فيتنام وأفغانستان والعراق والحبيبة فلسطين وغيرها) لكن أية حضارة من الحضارات تقف وراءها مذابح كما يقول المؤرخ الكبير أرنولد توينبي، وإن لم يك هذا مبررا لما اقترفته أمريكا. بل إن حضارتي أنا الفرعونية لو حسبناها بهذه الوجهة سنجد أن الأهرامات ليست آية على الإعجاز بقدر ما هي دليل على السخرة والذل الذي تكبده الشعب المصري في سبيل تحقيق الخلود لفراعنته، سيما وأن الشعب المصري من أول الشعوب التي ألهت حكامها. أقول إن هيئة فولبرايت في القاهرة قد أعلنت في شهر مايو الماضي من عام 2008 عن منحة جديدة في الدراسات الإسلامية لخريجي جامعة الأزهر، وقد تنفست الصعداء، وذهبت على الفور وأتممت إجراءات التقدم للمنحة، وتم تحديد موعد للمقابلة الشخصية التي أجراها معي رئيس المؤسسة السيد الدكتور بروس لوهوف والدكتورة فتحية النبرواي والآنسة دينا عمر وكانت وقائع ما جرى بكل صدق – وأنا مسئول عن كل كلمة – هي ما يلي:
تقرر أن تتم المقابلة في اليوم الرابع من شهر رمضان الماضي، وحضرت وحضر مثلي كل المتقدمين، وكنا حوالي عشرة أشخاص. كنت أوفر حظا لأني دخلت المقابلة قبل آخر شخص من المتقدمين. لاحظت أن كل من سبقني في الدخول لم تستغرق المقابلة معه أكثر من ربع ساعة! وهذا أمر غريب. فكيف يمكن إقناعي بأن المتقدم يمكن تقييمه في العلوم الإسلامية والصفات الشخصية وإجادة الإنجليزية فقط في ربع ساعة. بل ربما يقضي الواحد منا خمس دقائق كاملة ليقدم نفسه للممتحنين. الأمر الثاني هو أن الأسئلة التي أخبرنا بها كل من يدخل أسئلة عجيبة غريبة تنبيء عن سوء قصد من فولبرايت. يعني السؤال المكرر عند الجميع غريب جدا وهو:
ما قولك في أقباط مصر؟ نعم أفهم أن يكون المقصود هو قياس مدى التسامح وقبول الآخر لكن وضع السؤال مباشرا هكذا ووجهة نظر الممتحنين غريبة جداً، سيما وأن أحد المتقدمين في حديث جانبي معي قال: أجبت بقولي: الأقباط أقلية في مصر، وهنا انبرت الدكتورة فتحية النبراوي – مع تقديري لها لكنها ليست متخصصة بالأساس في الدراسات الإسلامية يعني الفقه والتفسير والحديث ووو، وإنما هي متخصصة في التاريخ الإسلامي، والدراسات الإنسانية، يعني مثقفة لا فقيهة - وقالت له بامتعاض: ليسوا قلة وإنما هم مواطنون. والحقيقة أنه لا فرق بين الإجابتين، ببساطة لأن قصد صاحبي صحيح، فهم قلة من حيث العدد لكن هذه الحقيقة لا تمنع كونهم مواطنين أصحاب وطن مثلهم مثل المسلمين. أمر آخر وهو أني عندما دخلت كنت على يقين أن ما أعطاني الله تعالى من نعم يجعلني في مقدمة المتقدمين للمنحة والدليل هو ما يلي:
- أنا الأعلى تقديرا على الإطلاق : ممتاز مع مرتبة الشرف
- أنا الأعلى درجات في اختبار التويفل على الإطلاق – فيما أعلم- 597 درجة.
- أنا الذي أثبت أني الأكثر قراءة وثقافة، وهذا ليس غرورا والعياذ بالله، وإنما هي ثقتي في نفسي التي أستمدها من ثقتي في ربي، بل إني أرى أن مشكلتنا نحن المسلمين والعرب أنه لا ثقة لدينا بأنفسنا ومقدراتنا.
سارت المقابلة معي على النحو التالي:
بدأت كالعادة بتقديم نفسي وكان يجلس أمامي دكتور لوهوف على اليسار والدكتورة فتحية على اليمين وبجانبي الآنسة دينا عمر التي راقبت جيدا حركات يدي، وطريقة جلستي، وتعبيري. لم أشأ مطلقا أن أظهر أني محب للقراءة، أو أني أمتلك ثقافة بل كان ردي على قدر السؤال الموجه إلي، بينما ألح د. لوهوف علي لأكثر الحديث عن نفسي. كلمني عن بحثي فعرضت عليه أفكارا كثيرة منها أوجه التشابه بين المجتمعين الأمريكي والمصري باعتبارهما متعددي الأديان. حيث إن المسلمين هناك قلة والعكس هنا، كما أن المسيحيين هناك كثرة والعكس هنا. وعرضت عليه فكرة أخرى وهي رسالتي أنا في الجامعة وموضوعها: العولمة الثقافية وتأثيرها على المجتمع الإسلامي المعاصر. والتقطت الدكتورة فتحية خيط الحديث وكلمتني متساءلة عن قراءاتي وكانت سعيدة جدا لما شعرت بأني محب للقراءة وسألتني: هل تقرأ لكتّاب غربيين؟ قلت نعم ؟ من؟ توماس فريدمان. لم تصدق وأرادت أن تختبرني وقالت لي ما قرأت له؟ قلت لها : أشهر كتبه وأهمها: العالم مسطح.
وكلمتها كثيرا عن فريدمان وتوجهت بالحديث إلى السيد لوهوف شارحا وجهة نظري وانطباعاتي عن فريدمان وتجنيه علينا نحن العرب والمسلمين وانحيازه لإسرائيل فامتعض الرجل وانقبضت أساريره– كنت واهما وكنت أظن أن فولبرايت تتمتع بالمصداقية والعدل والموضوعية واحترام آراء ومعتقدات الغير – ثم سألتني الدكتورة: هل تقرأ لأحد آخر؟ أجبت: نعم أحب تشومسكي وأتابع كتاباته وأشعر نحوه بالقرب فهو يكتب لغة إنسانية وينصف الإسلام والعرب كما أنه لصيق بميدان دراستي وهي اللغة الإنجليزية وآدابها. والحقيقة أنها فرحت فرحا شديداً، وقد كانت فرصة كما قلت لها لأن أجد وسيطا بيني وبين فرديمان وتشومسكي لأعرف فكرهما عن قرب، وظهرت البشارة في كلامها وسمات وجهها حتى إنها قالت لي بالحرف الواحد: يعني لو أرسلناك أمريكا ممكن تعمل لنا موضوع عن تشومسكي؟ قلت لها أتمنى ذلك، وليكن موضوعه مثلا: الإسلام والعرب في كتابات نعوم تشومسكي. وانتهت المقابلة وكانت الأطول على الإطلاق، فقد استمرت نصف ساعة إلا خمس دقائق!
المشكلة الكبيرة التي جعلتني أميل لتصديق كلام البعض حينما يجزمون بأن فولبرايت ومنحها ليست إلا ذراعا للمخابرات الأمريكية وأنها منح موجهة استراتيجيا لا علاقة لها بالكفاءة – سيما وأن موضوع المنحة ومجالها وهو الدراسات الإسلامية لم يتم الاقتراب منه في المقابلة أو الاختبارات لا من قريب ولا من بعيد على الإطلاق – هذه المشكلة هي أن فولبرايت اختارت أربعة من المتقدمين: اثنان سيسافران واثنان آخران احتياطيان. الحقيقة أني لا أقصد من مقالي مطلقا لا تغيير النتيجة ولا حتى الحصول على منحة، فما عادت تهمني بعد سقوط المصداقية، لكني أود أن أسجل هنا كلمة لوجه الله ولتكون شهادة للتاريخ.
في حديثي مع أحد الفائزين وهو من أعز أصدقائي المقربين ممن اختارتهم فولبرايت قال لي بالحرف: لقد سألوني نفس السؤال الذي وجهوه لك وهو: هل تقرأ لكتاب غربيين؟ فأجبتهم : في الحقيقة لا أقرأ لكتاب غربيين ولا أتابع أحدا منهم.
وسبحان الله يعني يا فولبرايت من يقرأ لا تختاروه ومن لا يقرأ تختاروه. أين العدل وأين المنطق وأين المصداقية وأين الموضوعية؟ اختبار يحدد كفاءات تذهب لإجراء أبحاث علمية في أكبر جامعات أمريكا يتم في أقل من ربع ساعة وأسئلته من نوع:
ما قولك في أقباط مصر؟
ما عنوان بحثك؟
ماذا تنوي أن تفعل بعد عودتك لمصر؟
هل سبق لك أن زرت الولايات المتحدة؟
ما رأيك في أمريكا؟
مرة أخرى أتمنى أن تصل الرسالة إلى كبار المسئولين في فولبرايت. وإسلامي العظيم يقر مبدأ: البينة على من ادعى، وعليه فإني مسئول عن إثبات كل ما قلت، وتأكيد أني ظلمت، وأني الأحق بالمنحة. وأقولها بكل ثقة وقوة: أنا الأحق والأجدر بهذه المنحة وأستطيع أن أثبت لفولبرايت أني ولا فخر الأقوى وأنه لو اختارتني فولبرايت سيكون هذا شرفا لها في المستقبل، وستثبت الأيام صدق ذلك إن شاء الله. وإني على استعداد تام للاختبار وإثبات صدق كلامي ولا تهمني المنحة لكني أشعر بمسئولية كبيرة تجاه أبناء بلدي – خاصة وأنها موجهة للأزهريين هذه المرة- لأني عاهدت الله سبحانه أن أجعل قلمي خالصا لوجهه الكريم، ثم إني أؤمن أن الموهبة والخبرة أهم من الشهادات بمرات ومرات. ما حدث يضر ضررا بالغا بسمعة وكيان فولبرايت- والأمر لا يمثل لي مشكلة ففي الأمر متسع ومندوحة سيما وأن هناك الكثير من المؤسسات الأخرى التي تعطي منحاً في مصر- ولأني أشعر بمقدار المسئولية والأمانة، فإنه لو تأكد لي أن فولبرايت إنما تنفذ تعليمات جوفاء من الاستخبارات الأمريكية، وأنها تسعى فقط لا غير لتحسين صورة الولايات المتحدة - على غرار مراكز الأبحاث التي نشرتها أمريكا في الشرق الأوسط لتبرير الحرب على العراق بعد سقوط بغداد، وعلى نمط ما ذكرته الباحثة البريطانية فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها:" الحرب الباردة الثقافية: المخابرات الأمريكية وعالم الفنون والآداب." - وأنها لا يهمها الكفاءة العلمية ولا القدرات والسمات الشخصية للمتقدمين فسوف أشن حملة قوية مركزة أدمر بها جهود فولبرايت لتحسين صورة أمريكا في بلادي، وسأعلنها مدوية: لن تمروا، ولن يؤتى الأزهر الشريف من ثغري، وسأكون لكم بالمرصاد كلما بنيتم جدارا في ساعات هدمته أنا في لحظات.
بانتظار الرد على شكواي من هيئة فولبرايت الأمريكية. المؤسسة الأم في الولايات المتحدة الأمريكية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
