يعرف عني القريب مني أني أعتبر نفسي من تلامذة شاكر. نعم صحيح أن هذا شرف عظيم لا أستحقه لكن هذا الانتساب يعلله حبي له واطلاعي على نتاجه العلمي والأدبي وتعلقي به أفليس هذا كافياً؟ بلى بالطبع على الأقل من وجهة نظري. كتبت عن العلامة محمود شاكر مقالاً شرحت فيه بإسهاب كتابه "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" وأنا اليوم أنتقل إلى واحد من تلامذة شاكر ممن كانت موارده تسقى من علم الأستاذ العلامة محمود شاكر.
هذا التلميذ هو العلامة الكبير د. محمد مصطفى هدارة (بتشديد الدال) شيخ النقاد الإسلاميين كما يعترف المثقفون وهو تلميذ د. طه حسين. وإني أعتبر هدارة بحق فارسا من فرسان الكتابة والنقد في عصرنا الحديث كاتبا وناقدا ومحققا ومترجما وأستاذاً في مختلف الجامعات المصرية والعربية.
تخرج على يديه في مرحلة الليسانس آلاف من الطلاب في مصر والعالم العربي على مدى أكثر من ثلاثين عاما متصلة في التعليم الجامعي. كما أشرف على 81 رسالة ماجستير و 88 رسالة دكتوراه، في الجامعات المصرية والعربية." (نقلا عن ويكيبيديا آه دا إحنا بنتكلم عن السرقات يعني).
وكتابه اليوم الذي اخترته لكم هو مشكلة السرقات في النقد العربي حيث بدأ المؤلف بمقدمة أكد فيها مدى عمق دراسته هذه من خلال قراءاته المتنوعة في مجال النقد والبلاغة. وقد كان الباحثون كما يقول هدارة يظنون أن هذه الظاهرة مقصورة على الأدب العربي فقط والحقيقة أنهم أولوها اهتماما لكن ببحوث صغيرة غير مفصلة ومن هؤلاء الباحثين طه إبراهيم (الذي عرض منهج ابن قتيبة النقدي ومنهج الجرجاني ) ومصطفى صادق الرافعي (الذي تكلم في أول ديوانه عن مفهوم التوارد عند العرب ) وإبراهيم سلامة وأحمد الشايب (في كتابه أصول النقد الأدبي حيث قارن بين المحدَثين من نقاد العرب ونظرائهم الأوروبيين) ونجيب البهبيتي وشوقي ضيف ومندور (الذي يراه المؤلف عبقريا في بحثه لكنه وصف المشكلة وعرضها بإيجاز بدون إيراد حلول لها) وبدوي طبانة (الذي استفاد منه المؤلف من كتابه السرقات الأدبية وخاصة من حديثه عن منهج أبي هلال العسكري في دراسة السرقات الأدبية....يا سلام! هكذا كان تراثنا يعني أبو هلال العسكري كان ناقداً عظيماً فعلاً! سبحان الله! المشكلة في جهلنا نحن بتراثنا).
بقي أن أذكركم بأن كتاب مؤلفنا اليوم كان رسالة ماجستير قدمها لآداب الأسكندرية وناقشها أستاذاه شوقي ضيف ومحمد خلف الله وأعطوه فيها تقدير ممتاز.
الكتاب في الحقيقة دراسة أكاديمية رصينة كما أسلفت لكني سأحاول أن أختصره وهذا أمر دونه خرط القتاد.
بدأ الباحث الفصل الأول بعنوان: تاريخ السرقات في النقد العربي حتى فترة الجمود البلاغي، ويقصد المؤلف من الجمود البلاغي فترة التوقف عن التأليف الإبداعي في البلاغة وسيطرة روح الاصطلاح والتقرير والشروح على هذه التآليف، ونعتقد (والكلام للمؤلف) أن السكاكي هو بدء هذه المرحلة. تكلم الباحث عن السرقات في الأمم القديمة وأورد أسماء شهيرة من حضارة الإغريق كما ذكر أمثلة لسرقات شعراء كثيرين من شعر امريء القيس ثم تتبع السرقات في العصور التالية يعني صدر الإسلام ثم الأموي (بضم الهمزة) ثم العباسي وهكذا ...ياالله! انتظروا يعني كل هذه الأسماء اللامعة لصوص...آه عفواً اقتبسوا نعم يعني سرقوا يعني حتى البحتري سرق من أبي تمام كما قال الآمدي؟
حتى المتنبي الذي ظهر فملأ الدنيا وشغل الناس كما يقول الثعالبي يعترف المؤلف أن مكانة المتنبي أوغرت صدور منافسيه فحاولوا هدمه لكن على كل حال يعترف المؤلف بسرقات المتنبي من أبي تمام كما يؤكد ابن الأثير (لا إله إلا الله طيب أبو تمام كان يسرق ممن؟) حتى أبو هلال العسكري يذكر أن المتنبي أخذ من أرسطو مثلا قوله: (العقل سبب تنغيص العيش) بيته الشهير: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم. حتى بيت المتنبي الشهير: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى...حتى يراق على جوانبه الدم أخذه المتنبي كما يقول عبد القاهر الجرجاني من الآية الكريمة :" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" معقول ما يقوله الجرجاني وببساطة هكذا؟
على كل حال أردت فقط توجيه الخطاب لكم لأؤكد أن الأدب بنيان وأنه يعتمد على بعضه البعض وأن شعراءنا وإن سرقوا من بعضهم إلا أنهم أجادوا وأكملوا البنيان. لكن بصراحة ما أعجبني هنا هو مقولة الحريري في مقامته الثالثة والعشرين "المقامة الشعرية" عن السرقات الشعرية حيث يقول:" واستراق الشعر عند الشعراء أفظع من سرقة البيضاء والصفراء (لا أدري ربما يقصد الفضة والذهب) وغيرتهم على بنات الأفكار كغيرتهم على البنات الأبكار."
يؤكد الباحث أن الشعراء في العصر العباسي بعضهم لم يكن يرى في سرقته عيبا بل كان يجاهر بها باعتبارها طريقة من طرائق الفن السليم. في الفصل الثاني يتكلم الباحث عن مناهج النقاد العرب في بحث السرقات. يعرض الباحث للكتب التي عرضت لموضوع السرقات فيرى أنها مصنفة حسب ما يلي:
1- كتب الطبقات والتراجم: مثل طبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي وهو كما يقول المؤلف أول كتب النقد التي وصلتنا حيث يعترف ابن سلام بوجود السرقات في الشعر الجاهلي وورود مفهوم الاقتباس والاستيحاء ويفصل الأمثلة على ذلك ويورد منهجه في النقد. وقد فطن ابن قتيبة لأدق وأخفى أنواع السرقة. وهناك طبقات الشعراء المحدثين لابن المعتز المتوفى 296 هـ.
2- الكتب العامة والخاصة في الأدب: مثل أخبار أبي تمام للصولي المتوفى 335 هـ. لكن ما أورده الأصفهاني المتوفى 356 هـ. (على فكرة الأصفهاني ده معفن وأورد أخبارا كذوبة تسيء لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في الأغاني ليس منهجيا ولا بحثيا وإنما أخبار متفرقة كما قال المؤلف.
3- الكتب العامة في النقد والبلاغة: مثل البديع لابن المعتز وعيار الشعر لابن طباطبا العلوي المتوفى 322 هـ. والصناعتين لأبي هلال العسكري المتوفى 395 هـ. وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني المتوفى 471 هـ. (على فكرة العسكري والجرجاني قمتان في تراثنا الأدبي واللغوي) والعمدة في صناعة الشعر ونقده لابن رشيق المتوفى 456 هـ.
4- الكتب الخاصة في النقد: مثل الوساطة بين المتنبي وخصومه لعلي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى 366 هـ. ويبدو لي من تفصيل المؤلف للحديث لهذا الكتاب أنه كتاب ماتع وعمدة في بابه.
5- كتب إعجاز القرآن: مثل إعجاز القرآن للباقلاني المتوفى 403 هـ. ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني.
6- كتب السرقات: سرقات أبي تمام لابن أبي طاهر المتوفى 280 هـ. وسرقات البحتري من أبي تمام لأبي الضياء وسرقات أبي نواس لمهلهل بن يموت.
يأتي بعد ذلك الفصل الثالث من الكتاب بعنوان:" تعليل: موضوعات الأدب والنقد المتصلة بالسرقات" والحقيقة أنه شديد التخصص حيث يتكلم عن الرواية والرواة واللفظ والمعنى والعمود الشعري والخصومة بين القدماء والمحدثين (بفتح الدال) وعليه فسأعفيكم من هذا الفصل حتى لا يصيبكم الوهن والنصب. وأما الفصل الرابع فهو قريب من الثالث في تخصصه حيث جاء بعنوان:" مقارنة بين بحوث النقاد العرب والأوروبيين في السرقات" حيث بدأ الباحث بتأكيد أن السرقة ظاهرة إنسانية وهي ظاهرة مشتركة بين كل الآداب وعند كل الأمم.
لكن يورد المؤلف هنا أن الناقد الإنجليزي إدواردز يقول:" إننا نستطيع أن نملأ مجلدات بسرقات يزعم النقاد وجودها، تماما كما يفعل بيرسي ألن حين ادعى أن رواية مكبث لشكسبير مسروقة من أردن فيفيرشام والذي دعاه إلى هذا الاعتقاد الخاطيء أن كلا من الروايتين تدور حول جريمة واحدة." طيب أيها المؤلف الكريم أنت ترى أن شكسبير لم يسرق طيب ما رأيك أني أرى أنه سرق بالفعل الكثير من أفكاره من مسرحيات إغريقية؟ تريد مني أن أثبت ذلك ...لا هذا أمر شرحه يطول وأنا الليلة مشغول. بالطبع المؤلف هنا يريد أن يفرق بين اصطلاحات كثيرة مثل السرقة plagiarism والمحاكاة والاحتذاء Imitation (وهو ما فصله عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز) والتأثر والاقتباس وتوارد الخواطر لكن صدقني أيها المؤلف أحيانا السرقة تكون مقنعة صدقني طيب إيه قولك إن أستاذتين جامعيتين إحداهما كتبت مقالا في الأهرام والأخرى قدرا كتبت مقالا في نفس اليوم في جريدة مستقلة وبمقالهما فقرة هي هي الخالق الناطق حتى بالفواصل مما يدل على أنهما سارقتان. نعم سرقتا من مصدر واحد فاتحد المصدر ليبين عن خداعهما."نقلا عن كتاب: مصر مش أمي دي مرات أبويا لأسامة غريب.
على كل حال يعترف تي إس إليوت الناقد والشاعر الإنجليزي المعاصر بأنه لا يمكن لشاعر أن يدعي معنى لنفسه إذ لا بد من وجود صلة قوية بين معانيه ومعاني الشعراء الأقدمين. ممتاز يا إليوت وهو ما أردت أن أختم به مقالي حتى لا يسيء أحد الظن بشعرائنا وكتابنا القدامى. ثم إننا عند متابعة صلاح عبد الصبور سنجد الكثير مما تأثر به عبد الصبور من قراءاته لإليوت، وإليوت بالذات (قصيدة الملك لك نموذجا.ً على ما أذكر) وقد ختم المؤلف بالفصل الخامس الذي كان بعنوان: تفسير مفهوم السرقات في ضوء الدراسات الحديثة ويقصد ما يوضع تحت مسميات مختلفة من مثل الإبداع الفني والتحوير وغير ذلك من وجهة نظر نقاد كبار من وزن شوقي ضيف مثلاً. لكني أتفق مع الشاعر الإنجليزي شيلي حينما قال: "الفن عرق وجهاد شاق".... وكوليردج أيضاً قال:" إن أخذ الشعر بالتنقيح الشديد والتعمل – شأن الطلاب المبتدئين – يؤدي به إلى السخف." صحيح فعلاً فالإبداع يحتاج أن نتعامل معه برحمة وحنان وعناية. وإلى لقاءٍ إن شاء الله.
هدَّارة ومشكلة السرقات في النقد العربي
Facebook Social Comments
