المازني ...طاقة من الإبداع والشجو الجميل

طباعة

إبراهيم عبد القادر المازني واحد من أعظم الأدباء الذين قرأت لهم في حياتي، والأهم أني بقراءتي لأدباء الغرب (وبخاصة الأدب الإنجليزي) أشهد أن المازني يتفوق على كثير منهم.

 

انظر كلمة الأهداء - التي قدم بها كتابه: "في الطريق" - إلى ابنته التي فقدها طفلة...يا الله! من أجمل ما قرأت في حياتي حيث يقول عنها العقاد: هذه الكلمة من أمثلة الشجو الذي يسلس له وصفه ببساطة سهلة ترتفع إلى ذروة من البلاغة، لأنها بساطة الأستاذية التي نطالعها في آثار الأقدمين ، وهي على

بساطتها أصدق صورة للعاطفة التي تمليها، وكل تعقيب عليها يغض منها.

 

 بل خذ هذه مني: المازني أقوى عندي من الجاحظ وعندي من الأدلة الكثير وهاك بعضها:

 

الأسلوب السهل الممتنع المفأم بمخرجات الوجدان والكلمات النابضة الحية والسخرية اللاذعة المقلقة الجميلة العفيفة كلها عند الجاحظ والمازني فيما عدا أن الصفة الأخيرة عند المازني لا الجاحظ (كتاب الحيوان للجاحظ نموذجاً).

 

المازني شاعر موهوب ورأيي  (الذي أستطيع إثباته) في الجاحظ أن شعره جاف مصنوع ومحدود القيمة.

 

من مشكلات الجاحظ استرساله الشديد واستطراده الذي يذهب برونق بحثه ويشتت قارءه وإن كانت هذه هي سمة الأقدمين لأنهم كانوا نوعا ما موسوعيين بحكم عصرهم إلا أني أتحدى أن يتشتت ذهنك عند قراءتك للمازني برغم أنه يشبه الجاحظ في الاستطراد، وعليه فالمازني هنا أقوى وبكثير لكني مع الأسف لم أجد للمازني كتابات في الإسلام بعكس الجاحظ  والعقاد وطه حسين وغيرهم.

 

عاش الجاحظ في زمان الذروة للحضارة الإسلامية وقت أن استراح من عبء الترجمة فأبدع وأنتج، بينما جاء المازني في فترة دقيقة من الانهيار وانقطاع الصلة بين القديم والجديد فأدى دورا تنوء به الجبال مع العقاد في ميدان الترجمة وتطعيم العربية والأدب العربي بأحسن ما كان ويكون في آداب وفكر الغرب.

 

لكن اطمئنوا فلو لم يكن للجاحظ إلا البيان والتبيين لكفاه أن يصير واحدا من أعظم الكتاب في أدبنا العربي.

 

وحتى لا أقع فيما أعيب عليه الجاحظ فإني ربما أخصص مقالا كاملا للمقارنة بين الجاحظ والمازني أناقش فيه رأي د. يوسف زيدان القائل بعشوائية اللغة منذ الجاحظ والغزالي حتى وقتنا هذا.

 

لكن الأهم هنا هو أن أضع المازني في مكانته التي يستحقها في الأدب العربي بينما أرى هياما بمحمد عفيفي وغيره ممن خرجوا من عباءة المازني لكنهم مع الأسف أنكروه وجحدوا فضله عليهم، وهذه يا كرام واحدة من أقسى آفات أدبنا العربي.

 

ولست أعرف أحداً في أدبنا العربي قد اشتهر باسم المازني إلا أبا عثمان المازني أستاذ المبرد وكان إمام اللغة في عصره.

 

وأما عن مفتاح شخصية المازني فهي الطفولة التي عانى فيها وظل يستصحبها طوال حياته وفي كل كتبه تقريباً مثل قصة حياة، صندوق الدنيا ، عود على بدء (انظر كتاب : "المازني ساخر العصر الحديث" د. أحمد السيد عوضين فيما نقله عن كتاب "إبراهيم عبد القادر المازني" د. نعمات أحمد فؤاد والذي قدم له العقاد وكتاب د. مصطفى ناصف: "رمز الطفل – دراسة في أدب المازني")

 

أمر آخر شديد الأهمية وهو القدرة الفذة للمازني في النقد، والدليل على هذا هو نقده لأسلوب طه حسين في حديث الأربعاء وبلوغه ذورة التحليل الخطابي لطه حسين حيث وصف أسلوبه بالخطابي لا الكتابي. (انظر كتابه الرائق "قبض الريح").

 

لكني أرى أنه ينبغي لي أن أقف هنا لأختلف مع المازني في هجومه القاسي ونقده اللاذع للمنفلوطي - فيما نقله د. عوضين في كتابه السابق - إذ يقول:" ماذا في كتابات المنفلوطي مما يستحق أن يعد من أجله كاتباً أو أديباً إلا إذا كان الأدب كله عبثاً في عبث لا طائل تحته؟ سمعت بعض السخفاء من شيوخنا المائتين يقول إن في أسلوبه حلاوة. ولو أنه قال نعومة لكان أقرب إلى الصواب، ولو قال أنوثة لأصاب المحز..." (انظر أيضاً "النقد والنقاد المعاصرون" د. محمد مندور: فصل : المازني ناقدا ص: 136، ولمندور حديث آخر معي إن شاء الله ينبني على رأي شخصي للدكتور طه حسين مفاده أنه كان فاشلاً!! وهذا رأي غريب يرويه لنا والعهدة عليه د. محمد الدسوقي في كتابه: "طه حسين يتحدث عن أعلام عصره".)

 

على كل حال يرجع د. عوضين هذا العنف إلى المرحلة التي كان فيها المازني مندفعا في ريِّق الشباب بدليل أنه لم يعد إلى نقد المنفلوطي بعد هذا النقد في كتابه "الديوان". ودليل آخر عندما قال عن شوقي: لقد ظلمته...فعنده من الجيد الكثير.

 

 

وعندما أقرأ للمازني آلامه وسخريته حتى من نفسه (كتابه الرائع: "قصة حياة" نموذجاً) حيث يستشهد بقول ابن الرومي: لم يخلق الدمع لامريء عبثاً...الله أدرى بلوعة الحزن  أجد نفسي مأخوذاً مذهولا سعيدا بالفوائد والمواساة والجمال الذي خرجت به وهو نفس ما أشعر به عندما أقرأ لتشارلز ديكنز (روايته "أوقات عصيبة" نموذجاً) الذي أرى أنه يتفوق على شكسبير في تصوير المأساة لولا أن الأخير هو بحق أمير المسرح والدراما عامةً.

 

وفي كتاب:"فن المقالة" للدكتور محمد يوسف نجم هناك حيز كبير - كما يقول د. عوضين - يتناول فيه المؤلف فنية المقال عند المازني باعتباره مبدعا وعبقريا في كتابة المقالة.

 

وفي نهاية الكتاب يلخص الدكتور عوضين النتائج التي توصل لها الدكتور محمود أدهم في خلاصة بحثه القيم : "إبراهيم عبد القادر المازني بين التاريخ والفن الصحفي" وهي كما يلي:

 

1-    الصدق وتكريس الجهد للمعرفة والقراءة.

 

2-    قريب من مجتمعه، لصيق بقضاياه، ذو حس صحافي نادر.

 

3-    الخبرة والنظرة العميقة الشمولية التي تقطر من كتاباته بفضل التجارب التي اعتصرته في حياته مما يعكس في كتاباته صدق التجربة، وعمق الإحساس، وفضيلة الثقافة.

 

4-    أنه من طليعة الكتاب الذين تحملوا مسؤولية الكتابة الوطنية والقومية معاً بشجاعة وصدق وكان همه وحدة العرب ولم شملهم.

 

5-    كانت كتابته كما يقول الدكتور أدهم "بنت لحظتها" بلا تكلف.

 

6-    من كتاباته يظهر جليا أنه واحد من رواد فن المقال القصصي والفكاهة والنقد ومن خيرة صناع ومبدعي (العنوانات) على كافة أشكالها.

 

 

لا أدري ماذا أقول يا مازني وماذا أكتب فتلخيصك في مقال أمر دونه خرط القتاد. لقد كان المازني يترجم ليس عن الإنجليزية والروسية فقط بل إنه مما أذكره من ترجمته عن الألمانية أيضاً بيتين من الشعر يقول فيهما صاحبهما الذي أوصى بكتابتهما على قبره بعد موته:

 

أيها الزائر قبري...اتل ما خط أمامك

ههنا، فاعلم، عظامي...ليتها كانت عظامك.

 

وهذان البيتان وإن كان فيهما ظرف المازني المعهود لكن ذكره للموت كثير كما أن فقره الشديد في حياته خاصة في طفولته وطراوة الصبا والشباب ربما كان هو السبب الأقوى وراء تشاؤمه الشديد الذي يظهر حتى في عناوين كتبه، وليس أدل على هذا مما قاله في الصفحة الثالثة من تقديمه لكتابه "قبض الريح" حيث يقول:" وما ضربت في هذه الصحراء، أو صافح وجهي نسيماً، أو سفت الرياح على رمالها، أو أدرت عيني في عريها الأزلي، إلا هتف بي من ناحيتها هاتف بقول ابن داود (تقريباً يقصد سيدنا سليمان):

 

" باطل الأباطيل، الكل باطل، ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟ دور يمضي دور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد...كل الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن...كل الكلام يقصر. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل. العين لا تشبع من النظر. والأذن لا تمتليء من السمع. ما كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع، فليس تحت الشمس جديد....."

 

والحقيقة يا مازني – رحمك الله- أني أيضا ربما أحدث نفسي بما هو أشنع من هذا، فالمرء بدون هداية الله ضال ضعيف نكرة لا قيمة له.

 

وهنا أشعر  أنه يجب علي أن أكون مؤدبا غاية الأدب مع العقاد ليس لأنه عملاق في الفكر والأدب واللغة وحسب ولكن الأهم لأنه أعرف الناس بالمازني وأحق بصحبته ولذا ألفت نظركم إلى ما يلي. فقد أظفرني الله تعالى على صيد ثمين وهو مجلة المجمع اللغوي حيث نطق العقاد سلاسل من الكلمات الذهبية الخالدة في حق المازني بينما كان يقدمه عضوا جديدا في المجمع اللغوي في دورته الرابعة عشرة وكان أحمد لطفي السيد حينئذ رئيسه. وقد تحدث العقاد عن ملكة الترجمة أو عبقرية الترجمة المطبوعة لدى المازني واستدل على هذا بترجماته لرباعيات الخيام حيث قارنها بترجمة فيتزجيرالد وأثبت تفوق المازني على فيتزجيرالد (انظر أيضا فن الترجمة للدكتور محمد عناني الذي اعتبر المازني أعظم من ترجم النظم الإنجليزي إلى نظم عربي على الإطلاق : قصائد شكسبير نموذجا:ً Shakespearian Sonnets) وللاستزادة فإني ما رأيت في بحثي وقراءاتي عن المازني من عالج شعره باستفاضة مثل د. عبد اللطيف عبد الحليم في كتابه: "المازني: شاعر النفس والحياة" طبعة الدار المصرية اللبنانية.

 

وأخيرا ورداً على التهمة التي أوردها أخونا الكريم الدكتور أحمد خالد توفيق عن سرقة المازني من مارك تواين فإني أقول إني بصدد البحث وإكمال قراءة تواين حتى أستطيع الحكم على تواين وعقد موازنة بينه وبين المازني، والله المستعان.

 

ولا أجد في الختام أبلغ مما رثاه به العقاد بعد قصيدة شعر طويلة في مجمع اللغة العربية حيث يقول العقاد في آخر كلمته:" فما أنت ممن ينسى وبين أبناء العربية ذاكرون، وما أنت ممن يحسن إليه الناس بذكره، وإنما يحسنون إلى أنفسهم كلما ذكروك."

 

 

رحم الله أبي والمازني. آمين

Tweet
Facebook Social Comments