كنت مدمنا للتلفاز قبل أن يتوب الله علي، وكنت ولازلت حافظا لأسماء نجوم ونجمات هولييود بدء من أنتوني كويني وحتى راسل كرو. لكني الآن حريص حتى على ألا يكون في بيتي هذه الأداة المخربة للعقل. وقبل أن يسمي السلفيون التلفاز "المفسديون" فإن د. طه حسين الذي كان إمام التغريب في عصره والذي كان يعتبر مصر جزءً من حوض البحر المتوسط وأقرب لأوروبا والفرعونية وأي شيء من قربها للإسلام والعروبة قد قال عنه:
أداة مفسدة للثقافة.
وفي عالم السينما الغربية هناك الكثير من الأساطير والرسائل التي تمررها هوليوود عن قوة الرجل الأمريكي وجمال الأمريكية حتى ولو فهم البعض تعميما أن الأمريكية خليعة والأمريكي لا يهمه سوى المال والجنس. على كل حال السينما أم الخيال لكن أن تجد فيلما عن عالم بحجم جون ناش عالم الرياضيات العبقري الحاصل على نوبل في الاقصاد، والذي كان مريضاً نفسياً في ذات الوقت ويخيل إليه أن الاستخبارات تطارده... أن يكون فيلما كاملا يحصل على أربع جوائز أوسكار، ويتحدث عن عقله وعبقريته ومرضه في ذات الوقت كان هذا يعني بالنسبة لي الكثير سيما وأن المقارنة تبدأ تلقائيا بما عندنا من خبل ودجل يحمل معنى الفن. على كل حال أنا لا أروج للسينما بل ولا أحبذها فهي ليست بطريق للمعرفة ولا حتى التسلية.
ومن كنوز الإسلام العظيم أنه أعطى للعقل مكانة كبيرة. ففي القرآن الكريم أكثر من ألف آية تتحدث عن العقل وقيمته وتشنع على من لا يفقهون أو يتدبرون أو يعقلون.
وعندما أستعرض الآن نتاج الغزالي وابن رشد بل وابن تيمية - عليهم سحائب الرحمة والرضوان - أدرك كيف أن الإسلام دين عظيم أعلى من قيمة العقل وفتح أمامه السدود وأزال من طريقه الحواجز. بل إن ابن تيمية في كتابه:" درء تعارض العقل والنقل" يقول صراحة باستحالة معارضة منقول صحيح لصريح العقل.
لكن يجب أن أؤكد أن الشرع مقدم على العقل، وأن في الدين ما هو توقيفي تعبدي لا يصح فيه إعمال العقل مثل كون صلاة المغرب ثلاث ركعات مثلاً لكن العقل شرط في التكليف على كل حال.
العقل المسلم عقل عظيم الترتيب والتنظيم وقوي في الاستدلال والانتقال السليم من المقدمات إلى النتائج، وهو ما يعيدني إلى تأكيد ما بدأت به مقالي من أهمية الرياضيات للمسلمين، وهذا ليس غريبا عليهم. فالمسلمون حري بهم أن يفتخروا بعلم أصول الحديث والإسناد ولو حكيت لكم الآن عن دقة ما كتبه المحدثون وعلماء الجرح والتعديل لأخذكم العجب كل مأخذ من هذه الدقة والبحث والرياضيات الحقيقية التي ينبني عليها عمل ونفع حمى لنا الدين وأوصله لنا كما أتى به رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.
وهكذا، فإن المسلمين ينبغي لهم أن يكونوا أول من يطرد الخرافة ويتصف بالعقل الجميل. يجب على المسلم أن يبتعد عن الخرافات والجدل العقيم وليس أدل على ضرر الجدل من علم الكلام الذي أدخل المسلمين في فتن لم يخرجوا منها إلا بمزيد من الاختلاف والتطاحن. وأما عن المعتزلة فإني لا أنكر تطرفهم في الانتصار للعقل لكني في ذات الوقت لن أنكر أنهم دافعوا عن الإسلام بالمنطق والدليل وبنفس اللغة التي كان يستخدمها الملحدون وأعداء الإسلام في تلك العصور.
وإني لأعجب وأطيل العجب ممن يفسر حديثا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يرجع إلى شروح العلماء في هذا الحديث وأبرزهم على سبيل المثال ابن حجر العسقلاني. كما أني أتعجب ممن يتكلم في مسألة دينية ولم يرجع للمصادر الأصيلة فضلاً عن أن يكون مميزا بين المصادر الأصيلة والأخرى البديلة والثالثة الثانوية. ولعلك تندهش كثيرا إذا ما علمت أن من أكبر المشكلات التي سببت الكثير من اختلافنا وتفرقنا هو اتفاق بعض العلماء في الحكم وتحرير محل النزاع في المسألة واختلافهم في تحقيق مناط هذا الحكم (مناط الحكم ببساطة هو مجاله والحالات التي يطبق عليها هذا الحكم).
والمتأمل في الحوار الذي أورده المولى جل جلاله في سورة الشعراء بين موسى وفرعون يجد حلاوة والله لا بد أن يحمد الله عليها. وهو حوار يستحق أن يدرس بالجامعات في محاولات فرعون للمراوغة وتحييد تركيز موسى والتشنيع عليه بينما أن سيدنا موسى مستمر في الحوار وفي أعلى درجات اليقظة والتركيز.
إن عقولنا تحتاج إلى ضبط منهجي يضبط الرؤية والمنظور والهدف وليس أبلغ من هذا الحديث الحسن الصحيح الذي تعرفونه جميعاً من رواية الترمذي: "تصدق رسول الله بشاة وأبقى الكتف فقالت عائشة رضي الله عنها: (ذهبت كلها إلا كتفها فقال عليه الصلاة والسلام: (بل بقيت كلها إلا كتفها)
بل إنه حتى في الأعمال المسرحية نجد أن التفنن في سرد ووصف طبائع البشر هو ما رفع مسرح شكسبير لقمة الأعمال المسرحية، وجعله أميرا للأدب الانجليزي واقرأ إن شئت هاملت أو ماكبث. فقد قرأت أن هاملت كتب عنها ربع ما كتب عن شكسبير الذي كتب عنه ربع ما كتب عن الأدب الانجليزي فتصير هاملت ثمن الأدب الانجليزي كله.
والخلاصة هي أني أحذر بشدة من ربط القرآن بالعلم والاستعجال في تفسير القرآن بدون تثبت واستكمال لأدوات الاجتهاد والمثال على ما أقول هو ما ظهر منذ فترة مما يسمى بالقطرة القرآنية والتي أخذها صاحبها كما يقول من أن سيدنا يعقوب لما لامس عينه عرق ابنه يوسف عاد إليه بصره بينما أن المناظر لهذا الدكتور الذي يعمل في المركز القومي للبحوث كان أستاذاً مساعدا لأمراض العيون ولم يكن يظهر من حديثه أنه على علم بالدين، ومع ذلك فند كلام الأول بقول بسيط ومنطقي: لو عرفنا سبب إبصار يعقوب لما صارت معجزة، ببساطة لأن المعجزة خرق لقوانين العادة والطبيعة.
وأختم حديثي اليوم بأن من عيوب العقل العربي أيضا - ولا أستثني نفسي - الاستطراد والاسترسال وهذا لا يعيب الكاتب بقدر ما هو عيب في الكتابة العربية عموما لاحظته في كتابات عملاق الأدب واللغة الجاحظ وعملاق الدراسات الدينية والفقهية ابن القيم وقد وصل الأمر بالبعض إلى الاستطراد في أمور سخيفة وهذا شائع في التفسير ويحضرني هنا كلام القرطبي الذي سخر به ممن وصفوا النملة التي خاطبت سيدنا سليمان أوصافا كثيرة وذكروا اسمها فقال:" " قال الشعبيّ كان للنملة جناحان فصارت من الطير فذلك علم منطقها ولولا ذلك لما علمه ...." ، وقال : " قال : كعب : مرَّ سليمان عليه السلام بوادي السدير ... فقامت نملة تمشي وهي عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم ... وسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال .... وذكروا اسم النملة وقالوا إنه : " حرميا " ، ويعلق القرطبي على هذه الروايات فيقول : " ولا أدري كيف يتصوّر للنملة اسم علم والنمل لا يسمي بعضُهم بعضاً ..." والغريب أن ابن كثير قال في هذا :" " أورد ابن عساكر عن طريق إسحاق بن بشر عن سعيد عن قتادة عن الحسن أن اسم هذه النملة " حرس " وأنها من قبيلة يقال لهم " بنو الشيصان "، وأنها كانت عرجاء ، وكانت بقدر الذئب " . ولو كتبت كلمة "تتكاوس" في جوجل سترى ما كتبت وأضعاف ما ذكرت.
وحتى لا يتوهم البعض أني أخطيء في حق ابن كثير فإني أقول كلا وألف كلا، فابن كثير محدث عظيم، وقد نقل هذا فقط من باب السرد والرواية وهو أنجز مالم ينجزه الطبري في رأيي لأن الظروف خدمته، وكانت الكتب الستة قد صنفت فارتاح المحدثون قليلا من عناء التخريج عكسما كان عليه الطبري الذي بذل مجهودا عظيماً. وهناك ميزة أخرى أن ابن كثير هو زوج ابنة المحدث العلامة الحافظ المزي (بكسر الميم والزاي المشددة المكسورة) صاحب تهذيب الكمال في أسماء الرجال وهذا الكتاب من أعظم الكتب التي تثبت أن علم الحديث علم عظيم يقوم على رياضيات دقيقة وبحث ممنهج وله كتاب عظيم آخر وهو "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف". عليهم جميعاً وعلى أبي وأموات المسلمين سحائب الرحمة والرضوان.
وإلى لقاء إن شاء الله
