جهاد النفس هو جهاد أكبر، وإن كان المعاصرون من رجال الإسلام يستعظمون الجهاد القتالي والمخاطر المحفوفة به، ويستقلون جهاد النفس الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم جهاد أكبر. لكن من لم ينتبه لنفسه إلى شحها وأنانيتها ويعرف ميلها الدائم إلى شهواتها ونزواتها وإلى زخرف الدنيا الزائل، وما يجب أن يبذله العبد من جهود في الصبر والمصابرة لإلجامها وردها إلى الحق وإلى جادة الصواب لا يفقه كلام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا يدرك له معنى؛ لأن القتال في ساحة المعركة هو وقفة وصدمة ساعة، أما النفس الأمارة بالسوء فإنها ساكنة بين جنبي العبد التي تجري فيه للهلكة في كل حين، فإما أن يكون الإنسان غافلا يطلق حبلها على الغارب في "تعايش
سلمي" لذيذ، وإما يريد أن يكون مؤمنا مستجيبا لله تعالى، ولن يكون كذلك حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف، وحتى يقتحم العقبة إلى الله وأول العقبات؛ عقبة النفس الأمارة بالسوء التي منها جاءنا الخلل والفشل.
عن جابر رضي الله عنه قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة، فقال صلى الله عليه وسلم: pقدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر . قالوا : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهدة العبد هواهi. هذا الحديث رواه الإمام البيهقي في الزهد الكبير -فصل في ترك الدنيا ومخالفة النفس والهوى- بسند ضعيف. والحديث المذكور لا يثبت عند أهل الحديث، ولا يصح معناه، إن قصدَ المستشهد به أن مجاهدة النفس تقوم مقام الجهاد الشامل، أو إن انتقى من أنواع الجهاد جهاد النفس أعرض عن باقي الأنواع؛ ذلك أن المجاهد لنفسه، المحاسِبَ لها على ما فرطت في جنب الله، الحامل لها على أنواع الطاعات والعبادات والقربات والإكثار من النوافل وعلى على المكاره والزهد و الورع ولا يعدو في أحسن الحالات إن أخلص النية أن ينتفع بالثواب في خاصة آخرته لنفسه. لكن من لأمته وأبنائها؟ ولهذا إذا صاحب تلك المجاهدة إرادة وتربية وصدق الوجهة إلى الباري جل وعلا مع السابقة فيدرك المجتهد المجاهد لنفسه ما شاء الله من مراتب القرب والصلاح والولاية والصديقية، ويخرج من الحياة الدنيا، إن ختم الله له بالحسنى، وهو صالح في نفسه.
ومن الأهمية بما كان أن القول بأن جهاد النفس حاصل أيضا في أنواع الجهاد الأخرى كالجهاد القتالي –مثلا- وبطريقة أكثر صرامة وضبطا، ذلك أن المجاهد لعدوه الخارجي يرغم نفسه على ترك المال والأهل والوطن جملة. تبلغ به أن يقارع الأعداء في ساحة الوغى ويواجه الأسنة والسيوف، وفي زماننا المدافع والدبابات والمصفحات...، بنية من يبذل جسمه وقوته وحياته ليذود عن حمى الأمة وحصونها، وهي حِمى الله، وفداء لتحيى أمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وترفع راية الإسلام، وثمنا مقدما في صفقة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى من المؤمنين﴾(التوبة: من الآية111) ،﴿إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾(الفتح: من الآية10) ، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: من الآية23)، وهي مبايعة مستمرة وقابلة للتجديد والتكرار إلى يوم القيامة، كما هي تلك التجارة الرابحة -التي لن تبور، والصفقة الإلهية مفتوحة ما دامت السماوات والأرض.
