في بلادنا المتخلفة: مسكين أنت أيها الكاتب!

طباعة

في محطة السيارات التي تنقل المسافرين إلى كل أنحاء الجمهورية آثرت أن أتناول وجبة السحور قبل ركوب السيارة خشية وصولي بعد الفجر سيما وأن الساعة كانت قد أوشكت على منتصف الليل. جلست بجانب عربة كبدة ، وتناولت بعض شطائر الجبن والكبدة ، وما إن بدأت الأكل حتى وجدت قطة نحيلة الجسم تقترب مني بتحفز بينما يتطاير شرر الجوع من عينيها. فورا قطعت لها جزء من الساندوتش ورميته لها فأكلته بنهم ثم ما لبثت أن عادت مرة أخرى لكنها هذه المرة أكثر شراسة وجرأة وإقداما حيث رأيتها تتحامل على قدميها الأماميين وتنحني صوب اليسار كأنما تستعد للقفز علي. قمت غاضباً أهشها بقدمي فخافت وانقلبت على ظهرها لأكتشف حقيقة آلمتني وأشعرتني كم أنا ظالم ومتعجل!!! فقد رأيت أن تحامل القطة

وتحفزها بميل على قدمها اليمنى إنما لأن قدمها اليمنى مقطوعة!!!! نعم ...دمعت عيناي وقطعت لها جزء أكبر من الساندوتشات ثم أعطيتها إياها وربت عليها بحنان فنظرت إلي وكأنما تكاد تنطق: شكراً.

ولكاتبنا الكبير أحمد بهجت كتاب ماتع اسمه:"حوار بين طفل ساذج وقط مثقف" صدره بإهداء رقيق كما هي عادة بهجت المتصوف المرهف:"إهداء إلى القط الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على رأسه وهو في حجر أبي هريرة."

ظهر في الكتاب حب بهجت المشهور والمعروف للقطط ورحمته وحنانه ورهافة مشاعره الجميلة ، وقد سمعته بأذني يحكي كيف أن القطط تمثل جزء عظيما من عائلته بل وكيف أنها عرفت مقدار حنانه فأصبحت من تلقاء نفسها تبحث عن قطط أخرى مسكينة تعاني من الحمل والجوع لتصحبها لبهجت حتى يكرمها ويضيفها!!!! ذكرني هذا بالمقابل برجل جار لنا كانت عنده قطة وغابت عنه فترة ثم جاءته حاملا فقتلها...والله أنا لا أمزح، أكرر: قتلها!!!!!

هناك من القراء من هو مثل بهجت ، وهناك كثيرون من أمثال جاري!! أن تكون كاتبا يعني أن تبذل جهدا يجب أن يشكره الناس سيما لو كنت جادا ، والأهم لو كانت كتاباتك يشتم منها رائحة الإخلاص ويعلوها بهاء وحسن الأخلاق ، وأعرف كتابا لا حصر لهم يتمتعون بهذا وأكثر. المؤلم هو أن القراء خاصة في عصر الإنترنت قد أخذوا أكثر من حقهم فراحوا يتركون الأهم وهو ما في السطور باحثين عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله في الصدور. على كل حال ربما يريحنا قليلا وجود مثل عربي قديم يقول: من ألف استهدف!

ومناسبة كلامي هذا هو أني منذ يومين فقط سمعت بأذني ورأيت بعيني أنيس منصور في برنامج" حوار خاص جدا" على القناة الأولى المصرية يحكي فيه بتأثر شديد كيف أنه كان يكره العقاد لأن الأخير كان شديد المراس متجبرا متكبرا غير رؤوف ولا رحيم بأنيس وبغيره من تلامذته ورواده. الجميل جدا الذي أثر في نفسي هو ندم منصور حيث قال: لم أكن أعرف بعد كل هذا العمر والعشرة مع العقاد أن هذا القوي المتغطرس كان مسكينا ومتواضعا غير ما كنت أحسبه، لقد كان معذوراً ، ببساطة لأنه كان مظلوما في بلاد متخلفة!!!

سألته المذيعة؟ وما الذي يجعلك تقول هذا سيما وأنك قارنته بطه حسين ففضلت الأخير عليه قائلا إن حسين كان رحيما رقيقا هادئا متواضعاً؟ أجاب منصور بقوله: لقد رأيت بعد وفاته خطابا بخط يده لمحام اسمه: لطفي جمعة يرجوه أن يتوسط له في معاش بالدولة قائلا: أرجوك أنا لا أجد طعاما آكله والله! ولا أريد أن يراق ماء وجهي لو عرف هذا أحد من تلامذتي وأصحابي!!!!!!

 

أنا أقدم حكاية العقاد هذه لبعض من يتربص بالكاتب ويفتش في ضميره ، ويهمه البحث في سمات الكاتب الشخصية ، ولو يعلمون لعرفوا أن الكاتب يستطيع أن يكتب عن الصدق والعفة وما جربهما أبدا في حياته ، والعكس صحيح!!!!

 

أقول لهم: حنانيكم! فما أخذته القرعة تأخذه أم الشعور.... وهذا مثل شهير عندنا في مصر يشبهه مثل آخر: كان غيرك أشطر ، والمعنى أن الجزاء والمكافأة على الكتابة تساوي صفرا في عالمنا المتخلف ، فلا تكن عونا للشيطان والظالمين على أخيك الكاتب ، ويا حبذا لو أنشأت أقلام وغيرها من المجلات التي أكتب بها صندوقا لي ولغيري بحيث يقرأ القاريء ، ثم يضع فيه ما يتيسر من نقود دعما وتشجيعا !!!!!!!!!!!!!!!

 

ربما يستظرف البعض فيطير بكلامي هذا نزقا محاولا تصويري جادا في هزلي السابق ، وعليه فإنه ربما يكون معذورا لأنه لا يعرف أني منذ فترة قصيرة قد ترجمت جزء من دراسة كان سعر الورقة فيها أكثر من عشرة دولارات ، والحمد لله فعملي في الترجمة والإعلام مربح جدا. وقد رأيت في الإعلام الكثير والكثير من النفاق والدجل والشللية والوصولية والكذب. وكما يقول المثل الأمريكي الذي يعرفه كل إعلامي:

Where it bleeds it leads

يعني دائما أخبار الدم والإثارة في المقدمة.

ضع الفقرة قبل السابقة في ذهنك لا تخرج منه برهة حتى تقرأ أن توماس فريدمان يكتب الكلمة الواحدة بحوالي خمسة دولارات ، ويتصل مباشرة بالبيت الأبيض وكل صانعي القرار ويحظى بمكتب أسطوري الفخامة– كما ورد في مقال لأخي الكريم الأستاذ غريب المنسي الذي أنجاه الله تعالى من حادث سيارة مؤخراً - وجيش من الإعداد والخدمة والدعم بل خذ هذه: لاري كنج المذيع الشهير هو  وأوبرا التي كتبت عنها يتمتعان بدعم مالي ضخم يشعر فيه كلاهما أنهما مؤسستان كاملتان مع فريق من الإعداد في كل العلوم والفنون التي يتطرق إليها لاري كنج وأوبرا وينفري التي غضب بعض المتدينين لما أثنيت على قدرتها وحرفيتها وحبها لبلادها بينما ينسون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثنى على عنترة الجاهلي ولم يره لما أحسه في أشعاره من نخوة وحسن خلق.

قارن هذا بحال كتابنا الكبار الذين ما يزالون يغزلون برجل حمارة كما نقول بالعامية لتعرف أن الكتابة في عالمنا ورطة كبيرة.

والذي أحب الوقوف عنده هنا هو تكرار ما قلته من تجنب الحكم على النوايا والتفتيش في الضمائر. وأختم بأنه كان لي أخ وعشير حلو الكلام لطيف المعشر عظيم الثقافة والعلم كنت أزوره أنا وأصدقائي كثيرا نتعلم منه ونستروح عنده بأطايب الحديث والسمر. ظلت علاقتي به خمس سنوات كاملة أثني عليه فيها كلما ذكر اسمه أمامي ، وبعد خمس سنوات من الود وأثناء خلاف بسيط معه سب لي الدين ، وشتمني بأقذع الشتائم. لا بأس ، فالغضب جزء من الجنون ، لكن الغريب أني لما حكيت لأصدقائي الذين تركوه منذ فترة طويلة ، وأبت عليهم عفة لسانهم أن يغتابوه ، ضحكوا قائلين: لقد شربت من نفس الكأس الذي شربناه. فقد تكرر سلوكه هذا مع كل من اختلف معه!!!!!

المعنى واضح ، وتوضحه أكثر قصة النبي موسى عليه السلام مع الخضر ، وكيف أن الحكم على النفوس والسمات والمواقف يظل ناقصا ومشوها مالم يحظ بتوفيق من الله تعالى تتبعه خبرة واحتكاك عظيم بالشخص والموقف. ولعلنا جميعا نذكر هذه الحكمة: العقول الصغيرة تشغل بالأشخاص ، والمتوسطة بالأحداث ، والكبيرة بالأفكار.

 

أذكر أني مع بدايتي في النشاط الدعوي، أقصد ما ألقيه من بعض الدروس الدينية في المساجد حيث أذكر الناس بقيم منسية في ديننا الحنيف من مثل التكافل الاجتماعي ، والصدق ، والسماحة ، والبر بالوالدين والجيران ، وغير هذا ، أذكر أنه لم يفرح بي ويشجعني ويقف بجانبي ويسمع مني بشغف وحب سوى الشباب. نعم ولهذا أتمنى على الله أن يجري الخير على يدي للشباب الخالي من العقد النفسية التي يكتوي بها الكثير من كبار السن ممن يظنون العالم منتظرا إياهم زعماء!!!

وأخيراً أكرر: أنا – كما قال نقيب الصحافيين الأسبق كامل زهيري- كاتب هاو وقاريء محترف.

Tweet
Facebook Social Comments