الأربعاء الماضي ليلا ، وبينا أنا شارد الذهن في السيارة أستحث السير حتى أصل إلى أهلي لأقضي معهم أجازتي الأسبوعية كنت أستمع إلى إذاعة القرآن الكريم فأصخت السمع فجأة لبرنامج: "باحث ورسالة"
كان البرنامج ينقل لنا مناقشة لرسالة دكتوراه مقدمة من باحثة في كلية البنات جامعة عين شمس قسم الدراسات الإسلامية.
كان موضوع الأطروحة هو: "الزمن من منظور إسلامي وارتباطه بالعقائد والآداب الإسلامية : دراسة
تطبيقية مقارنة."
الحقيقة منذ أول وهلة استنكرت هذا العنوان لسبب بسيط ومنطقي هو أن كلمة الزمن التي هي أساس الأطروحة تنتمي إلى العلوم الطبيعية ، وتحديدا الفيزياء أكثر منها إلى مجال الدراسات الإسلامية ، فتحولت الرسالة إلى مجموعة من أوراق في الوعظ تشبه خطبة الجمعة ، وكانت شديدة الركاكة حتى إن الباحثة لما أرادت أن تعرف الزمن أتت بتعريف مقتضب له من المعجم اللغوي الوجيز المقرر على طلبة الثانوية العامة ، واكتفت بذلك!!!!!!
أين التعريف الفيزيائي للزمن؟ وهل هو نسبي كما قال أينشتين أم لا؟ وهل يدخل العامل النفسي في إدراكنا له؟ وهل تدركه الكائنات الأخرى أم أن إدراكه مقصور على العقل الإنساني؟ وما علاقة الزمن بالمكان؟ وهل وجد الزمن مع ولادة الكون أي بعد الانفجار العظيم كما قال الفيزيائي الإنجليزي ستيفن هوكنج أم قبله كما قال الروسي بريجوجين الحاصل على نوبل في الكيمياء عام 1977 ؟ كل هذا كنت أتمنى أن أراه مختصرا حتى لا تكون الرسالة كما قال أعضاء لجنة المناقشة مجرد وعظ وإرشاد!! لقد تركت كل هذا وانشغلت بشيء مهم جدا سودت فيه الصفحات وهو: ما الفرق بين الزمن والزمان!!!! آه يا مرارتي آه!
الحقيقة أثلجت لجنة المناقشة صدري ففضلا عن الأخطاء اللغوية البشعة ، والأحاديث الضعيفة والمنكرة والخرافات والأشياء المضحكة والأعاجيب على حد قول عميد كلية أصول الدين خلت الرسالة من أهم شيء في نظري وهو الإشكالية التي تحاول الباحثة إيجاد حل لها فيما نسميه في اصطلاح البحث العلمي: "مشكلة البحث" ، ثم إنها لم تحدد لها منهجا علمياً يعني استقرائيا أم تاريخيا أم ماذا سيما وأن طريقة المقارنة من أصعب ما يكون ، وقد انتهت الرسالة بلا توصيات أو مقترحات لقراءات إضافية في ذات الموضوع.
باختصار الرسالة كما نقول بالعامية المصرية "بزرميط " ، يعني ما أريد قوله هو أنه حتى على أسوأ الفروض أقول إن كل باحث عالم وليس كل عالم باحث ، وبالتالي هناك فرق بين أن تكتب كتابا تسجل فيه ما تشاء من قصصك الذاتية وأعاجيبك ، وبين البحث العلمي المؤطر بمنهجية وأدوات ومراجع وخطوات يسلم بعضها بعضا بمنطق وتداع طبيعي لنقاط البحث ، لكن حتى في هذه الرسالة لم أر بحثا ولا كتابا ولا حتى خطبة من خطب الجمعة الركيكة التي أفسدت عقولنا وقلوبنا من دعاة شديدي الجهل باللغة العربية والدراسات الإسلامية.
في كتاب :"مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي" الذي ألفه المستشرق الألماني فرانتز روزنتال نرى فيه ثناء حارا على علماء الحديث وما استفاده من كتبهم مثل :" المعيد في أدب المفيد والمستفيد" لعبد الباسط العلموي و " تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم" لابن جماعة ، وكيف أن المسلمين كانت لهم عناية فائقة بالتحقيق والضبط والنقد والدقة في النقل وكشف الوضع والسرقات العلمية والمنهج الذي أعرفه ببساطة على أنه: النظام.
يقول روزنتال :" إنه من الغريب حقا أن هذه العقيدة بالقضاء والقدر لم تؤثر التأثير السيء في النشاط الفكري الإسلامي طيلة قرون عشرة ازدهرت فيها الحياة الفكرية..نعم عشرة قرون قبل أن أخذت هذه العقيدة تعمل عملها السيء في نفوس المسلمين وفي الحد من نشاطهم." وبالطبع فإن النصف الأول من كلام روزنتال صحيح ، والنصف الأخير فيه تعسف واضح لأن تخلف المسلمين سببه أمور عدة لا دخل لها بالإسلام ، أولها الاستبداد الذي هو رأس كل بلية ثم الأمية والجهل وسوء الأخلاق والفرقة والفساد وضعف الاقتصاد. وفي كتاب الباحث المغربي فريد الأنصاري " أبجديات البحث في العلوم الشرعية" تفصيل أكبر لمن شاء المزيد.
تعجب الدكتور شامة (درس الدراسات الإسلامية في ألمانيا ، ومتزوج من شقيقة زوجة وزير الأوقاف ، والزوجتان ألمانيتان) وهو يناقشها من كونها حتى لم تذكر تعريفا مختصرا للزمن في الفيزياء أو عند أتباع الشرائع الأخرى... اليهودية والنصرانية وغيرها ، ولم تتحدث في سياقات مختلفة سيما وأن رسالتها تعتمد على المقارنة ، وكان أن كيل لها عميد كلية أصول الدين النقد الشديد في أكثر من ثلاث عشرة مسألة من النقد العلمي عدا ما لا يحصى من الأخطاء اللغوية والشرعية!!!
الحقيقة أنا أشعر بأسف وحزن عميق على حال البحث العلمي في بلادنا يعني حتى في المجال النظري والعلوم الإنسانية والدينية لا أرى بحثا ذا قيمة يمكن أن ينير الطريق أمام الدارسين لهذه العلوم ، ويرفع عنهم الأفكار المتطرفة والأحكام المتعسفة في الدراسات الدينية ، وقس على هذا كافة الجامعات والمعاهد البحثية لدينا.
ففي كليتي أنا من يقبل يد رئيس القسم ويتقرب منه يحصل على الماجستير والدكتوراه حتى لو لم يكن يستطيع أن يقرأ الملخص (Abstract) قراءة سليمة بلا مبالغة والله ..بل حيث يثير شفقة وتأفف لجنة المناقشة ، ومع هذا ينجح ويحصل على الشهادة التي تعودنا أن نفاخر بها ، وما أكثر الشهادات في مصر بلا إنجاز أو إنتاج أو إبداع حقيقي.
أقول هذا لأني شديد الحزن لحصول إسرائيل على أكثر من جائزة من جوائز نوبل في الكيمياء ، وآخرها الكيميائية آدا يوناث التي درست تركيب الريبوسومات وهي مصنع البروتين في الخلية ، ومن ثم دراسة الجينات البشرية دراسة وافية تمكن العلماء من منع الشيخوخة وتأجيل الموت!!!!!! نعم أتعجب علميا وأؤمن أن العلم محال أن يتعارض مع الدين ما دام لكل طريقه. وهناك في إسرائيل التي أضحت معقلا من معاقل الكيمياء معهد وايزمان الذي عمل فيه المصري أحمد زويل كثيرا وساعد في إنشاء صواريخ الليزر لإسرائيل!!!! بينما لدينا لا علم ولا فكر ولا يحزنون...امرأة في إسرائيل تفوز بنوبل في الكيمياء ، وكبار مفكرينا مشغولون بقضية رهيبة هي: ما حكم النقاب؟ هل نمنعه أم نبيحه؟ وكما قال محمد مستجاب رحمه الله: مشغول بأمر بالغ الأهمية: كيف يتسنى لي شنق زرافة؟! ، ما نزال غير مدركين لقيمة العلم والبحث في بلادنا ، وهكذا تحصل هذه الأخت الفاضلة على درجة الدكتوراه في كلام فارغ ، وغيرها مئات ليصيروا بعد هذا أساتذة مرموقين يعلمون أجيالا قادمة مزامير الجهل والتخلف ، لك الله يا مصر يا أم الدنيا. فإني وإن كنت أشدد النكير على الفقه الافتراضي التقديري السخيف الذي عرف به بعض الفقهاء قديما ومنهم متأخروا الأحناف لكني أرى حالنا وحالهم الآن كما تقول العرب: سالَ بهم السَّيْل وجاشَ بنا البحر أَي وقَعوا في أَمر شديد ووقعنا نحن في أَشدَّ منه، لأَن الذي يَجِيش به البحر أَسْوَأُ حالاً ممن يَسِيل به السَّيْل. وعليه العوض في جامعاتنا وأبحاثنا المهمة جداااااااااا.
