في الفعل المدرسي- رؤية من الداخل

طباعة

في الفعل المدرسي- رؤية من الداخل

ثمة أمور كثيرة تشد المدرسة إلى الوراء،وتحول دون تحقيق الدور المنوط بها كمؤسسة فاعلة في إحداث التنمية العلمية على مستوى الفرد والمجتمع،فالمدرسة من حيث هي مؤسسة اجتماعية بالدرجة الأولى فهي ترتبط بعلاقة وشائجية مع الخارج،فما نجده خارج المدرسة هو في الواقع صورة عما يدور في داخلها،إنها باختصار المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية لأي مجتمع.ولعل المتفحص لنظام التعليمي الحالي داخل المدرسة سيدرك

مدى وهن العلاقة بين العلم والتوظيف الاجتماعي للعلم ، بين ما يقدم من معارف علمية ومدى ارتباطها بواقع الحياة العملية.إن الأزمة التي تواجه النظام التعليمي في المدرسة تتمثل في قسوة خروج هذا التعليم عن الحياة واصطباغه بطابع نظري مجرد ومتحرر من السياق الواقعي،وهذا بطبيعة الحال سينعكس بشكل سلبي على نوعية المتعلمين ويزعزع ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على القيام بالمهام الحياتية.

إن المتتبع لنظام التعليم الحالي يجد ملامح القطع والفصل بين المقررات المدرسية،قطع ممنهج بسكين عتيق بين التاريخ والجغرافيا،العلوم والفن،الشعر والرياضيات،النظرية والتطبيق،المعرفة والواقع،العلم والحياة،كما تتسم هذه المقررات أيضا بخلوها من الأنشطة التي تقارب بين هذه الحقول وتضعها في إطار شمولي يكامل بين ما تحويه من معارف.في ظل هذه التجزئة بين الحقول المعرفية في المناهج المدرسية يصبح التعليم مملاً وجافا،لا يساهم في جعل عقولنا مجزئة فحسب، بل أيضاً يصادر حقها في الوعي والإدراك-إدراك للواقع بأبعاده المختلفة. فعندما نبحث عن العقل في السياق المدرسي وتفاعلاته مع أنشطتها، فإننا باختصار لا نجده،وإن وجد فيقصد به عقل ممسوخ وتابع،لا حول له ولاقوه،مهمته الوحيدة أن يؤمن بما يعرض عليه من معارف دون الحاجة إلى تطبيقات عملية لاستكشاف مضامينها.فالتعليم في هذا الإطار يقدم المعرفة على حساب العمل بالمعرفة،يعيد إنتاج نفس العقول والمهارات بنفس الطريقة في دائرة تتكرر،يشجع على النمطية في التفكير ويبتر العلاقة الحقيقية بين الحياة والعلم ،ليصبح الأخير مجرد أفكار نأخذها من مصادر مختلفة تختزن في عقل الطالب من أجل الامتحان.هذا ما يفسر سبب ضعف المتعلمين، وافتقارهم القدرة على توظيف ما يكتسبونه من معارف في السياق المدرسي في واقع الحياة اليومية

واقع تقديم العلوم مدرسيا

من الصعب تصور نظام أقدر على هزيمة الانتباه والتساؤل النقدي من نظام الحصة التقليدية،تلك الحصة التي يدخل فيها المعلم محملاً بوجبات معرفية يقدمها في سياق سردي يخلو من المعنى وفي إطار منفصل عن الحياة ،سرد يتسم بطنين الكلمات وسطحيتها، يقف ويفرغ ما في جعبته من نتف وأشلاء معارف عن الواقع في شكل استعارات وكنايات ومجازات،وكأن الواقع كيان جامد بلا حراك،فيتشربها الطلبة دون أدنى قدرة على مساءلتها ونقدها،يسجلونها ويحفظونها عن ظهر قلب دون أن يدركوا قيمة وأهمية ما يقومون بحفظه،فهي بالنسبة لهم ليست معرفة من أجل الحياة، بل مجرد معلومات تثبت في الذهن إلى حين موعد اختبار تذكرها. إذن يبقى السؤال ما الفائدة من العلوم وتعليمها إذا كان الهدف حفظها وتقديم الامتحانات فيها؟ وعندما تواجهنا مشكلة حياتية معينة نقف عاجزين أمامها.مدارسنا على الأغلب تسير على هذا النحو –تعلم الأفكار ولا تعلم التفكير،تنمي لدى النشئ مهارة تقبل المعلومات دون نقدها ومحاججتها،تغرس في الطلبة مهارة الاستماع والتلقي وتحفز لديهم روح السذاجة والاغتراب-اغتراب عن الواقع والحياة، لتمنحهم في النهاية شهادة في حسن استرجاع المعلومات والقدرة على تذكرها.

إن طرائق التدريس الحالية تندرج في إطار نظام تعليمي يضفي على المعرفة طابع من القداسة ،فينظر لها على أنها مسلمات لا تقبل النقاش والمساءلة أو إثارة الشك حولها، لأنها معرفة قادمة من بطون الكتب وعقول العلماء.من هنا يبني المعلم علاقته مع المعرفة، يأخذ منها موقف وثوقي دغمائي، فهي حقائق مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها، بالتالي نحن كمعلمين لا ينبغي لنا أن  نحاورها أو نشكك بها.هذا على صعيد المعلم، أما الطالب –"مبرر وجود المعلم العارف دائما" – فهو لا يستطيع أن يشكك بما يطرح عليه من معارف، لأن المعلم ببساطة لا يخطئ من وجهة نظره.

رؤية أخرى لتقديم العلوم مدرسيا

إن ما يسمى بالحقائق العلمية ،هي في الواقع ليست علمية بالمطلق، بل أنصاف حقائق جاءت في ظرف زماني ومكاني، وفي سياق تاريخي و ثقافي معين، بالتالي يجب علينا دائما أن نوجه الشك إلى الحقائق ومعرفة السياق الثقافي الذي أنتجت فيه.إن ما يميز المعرفة العلمية عن غيرها من المعارف هو معيار قابليتها للتكذيب،ليس تكذيبها بمعنى إبطالها بل زيادة المعرفة فيها، فالمعرفة العلمية الحقة هي تلك التي تصمد أمام امتحان التجربة واختبار التكذيب،فبمقدار صمودها تكتسب قيمتها العلمية،وهذه هي طبيعة العلم –فالعلم لا يلهث وراء الإجابات القطعية ولا يهتم بقيمة الأشياء بقدر ما يهتم بتفسير الأشياء وكيفية حدوثها وتكونها،من أجل تقديم صورة أكثر دقة عن العالم وليكون أكثر قابلية للفهم .

ولكي يتمكن المتعلم من فهم طبيعة العلم وأهدافه والافتراضات الكامنة فيه،لا بد من توفير أجواء ومناخات تشبه إلى حد ما المناخات التي يعمل فيها العلماء،وهذا لا يتأت في سياق الفعل الصفي إلا بتفعيل الحوار وإثارة الجدل العلمي الهادف للكشف عن عري المعرفة ونسيجها الداخلي،مكوناتها،وكيفية نشأتها وتطورها،تفاعلاتها مع المؤثرات الزمانية والمكانية.فالجدل الصفي حول طبيعة المعرفة مثال جيد للتفكير العلمي والمنطقي، ويؤسس في الوقت نفسه لنظرة فلسفية تفتح على التفكير العلمي آفاق أوسع وأكثر رحابة،تمكنهم من فهم العلاقات القائمة بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد ومحيطه الاجتماعي،نظرة فلسفية منبثقة من الطرح الضبابي للمعرفة،طرح يبعث على القلق والإرباك ويحفز على التفكير،ما يمكّن من إضرام نيران الأسئلة في العقول.فيرتحل المتعلمون بدافع الرغبة وتحت غطاء الشك إلى الاستقصاء والتحري،التحليل والتفسير، النقد والمساءلة للكشف عن طبيعة المعرفة وماهيتها. في أثناء ارتحالهم المصحوب باللذة والإثارة سيقفون للحظات من الدهشة أمام جزئيات صغيرة معتمة تعترض مسار البحث عن الكليات الكبرى،فيدفعهم الفضول إلى التفكير فيها وسبر أغوارها واكتشاف مدى ارتباطها بمعارف أخرى،فالطالب عندما يبدأ بالتفكير يجر معه أسئلته ومعارفه ويخلطها بأسئلة ومعارف جديدة في محاولة منه لإرضاء طموحه المعرفي،يسير في حركة نشطة باتجاه بناء المعنى من خلال التأمل والتفكير النقدي.في هذا السياق تصبح المعارف مفتوحة لتفسيرات وتأويلات أخرى، وتحيل إلى معنى أعمق وأكثر تنوعا.

هذا الأسلوب هو على النقيض تماما من ذلك الأسلوب الذي تقدم فيه المعرفة بشكل سردي بعيد عن منطق اللذة والإثارة وما بينهما من مشاعر الدهشة،ذلك الشعور المتموضع بين اللذة والألم والذي يسبق الوصول إلى المعرفة، ويفتح الباب واسعا أمام جملة من التساؤلات التي تفضي إلى مسارب أخرى واتجاهات متعددة.

 

Tweet
Facebook Social Comments