ما بين غبطة الأرثوذكس في مصر بظهور مزعوم للعذراء مريم وصل حده أن شكر البابا شنودة عمرو أديب وبرنامجه على دعم هذه الفكرة ، ولا أدري لم لم تظهر للكاثوليك أو الإنجيليين أو حتى على قمة الفاتيكان مروراً بأخبار لا تنقطع عن كرة القدم وسماسرتها الجدد الذين يحققون ملايين الجنيهات من إثارة النعرات وتوليد الحكايات وانتهاء بالجدل الرهيب في الشارع المصري حول مقال ركيك لسعودية تعمل في قناة الحرة الأمريكية الشريفة (الشريفة هنا سخرية) تغيب عن المصريين آهاتهم حيث يفرح النظام الظالم بألا أحد يعير انتباها لطامات هذه البلد العريق من انهيار التعليم و الزيادة المستمرة للفرق بين الفقراء
والأغنياء مع شبح البطالة والأمية والأمراض التي لا يغطيها نظام التأمين الصحي الفاشل هذا إن وجد أصلا ، وبالمناسبة أجمل سلام وتحية لأوباما الذي أقر بكل نجاح مشروع تأمين صحي لكل الأمريكيين وخاصة الفقراء منهم.
كل ما سبق سبب وجيه يجعلني أتفيؤ تحت ظلال التراث الوارفة في ساعة أدبية لغوية مع أحد عمالقة النقد في تراثنا وهو ابن رشيق.
المقال السابق كان في صميم اللغة والأدب عن ياقوت الحموي ، واليوم موعدنا مع النقد في تراث ابن رشيق ، ومتابعة لما ينبغي أن يكون عليه حال النقد الآن والذي بغيابه غاب الأدب الحقيقي عن حياتنا.
العمدة في محاسن الشعر وآدابه هو لابن رشيق القيرواني وكان أبوه مملوكا روميا كما صرح هو بذلك في معرض رده على ابن شرف. يقول ابن خلدون في مقدمته:" ما كان بإفريقية (يقصد ابن خلدون بإفريقية تونس) من مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف"
العمدة وقبله معجم الأدباء وعامة كتب التراث تقطر أدبا وخلقا قبل أن تعطيك أدبا وفكرا وعلما ، يعني أسلوب ابن رشيق وياقوت يبدأ وينتهي بالثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيم آداب اللغة العربية وخدمة الإسلام. الأسلوب أكثر من رائع والترتيب التصنيفي لأبواب الكتاب وفقراته وتركيزه على نقد الشعر أمر شديد الجمال من ابن رشيق ، وهيا بنا نبدأ:
تعريف الشعر والكلام عن تاريخ كتابته ومن ترفع به و رفعه ممن كتب ومن أضره وحد الشعر وبنيته والأوزان والقوافي والألفاظ والمعاني وآداب الشاعر والمطبوع من الشعر والمصنوع ووجوه البلاغة وأبوابها الثلاثة من المعاني والبيان والبديع والحديث المطنب عن أغراض الشعر وصنوفه من النسيب والمديح والافتخار والرثاء والعتاب والوعيد والهجاء والاعتذار والاقتضاء والاستنجاز (يعني طلب الحاجة واستدرار عطف الممدوح وكرمه) وما يتعلق بالأنساب وذكر الوقائع والأيام والمعاني المحدثة وأغاليط الشعراء والرواة وذكر المعاظلة والتثبيج (العظال في القوافي هو التضمين أو كما قال قدامة:سوء الاستعارة ورأى آخرون أنها تداخل الحروف وتراكبها بصورة معيبة ، والتثبيج هو طول الكلام واضطرابه) والوحشي المتكلف والركيك المستضعف (الوحشي ما نفر منه السمع ، والركيك ما بعد عن الطبع وضعفت بنيته ، يقول ابن رشيق: وكان أبو تمام يأتي بالوحشي الخشن كثيرا ويتكلف وكذلك أبو الطيب كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته) والإحالة والتغيير والسرقات وما شاكلها... كل ما سبق كان بعضا من رؤوس الموضوعات التي تكلم عنها ابن رشيق في كتابه الماتع السهل العذب الجميل الأسلوب العميق المعالجة والتقصي.
أكثر ما أحببته في العمدة:
ومن أكثر ما جذبني في العمدة هو كلامه عن السرقات حيث بدأ بتأكيد أن هذا الباب متسع جدا لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه. الجميل أن ابن رشيق يعلي من قيمة الجرجاني ناقدا أدبيا كبيرا قد حاز قصب السبق في النقد حيث يقول الجرجاني :" ولست تعد من جهابذة الكلام ، ولا من نقاد الشعر ، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه ، وتحيط علما برتبه ومنازله ، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس ، وتعرف الإلمام من الملاحظة ، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر ، والمختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه."
في هذا الباب وحده غير أبواب كثيرة ينقد ابن رشيق أعمالا سبقته من مثل ما كتبه الحاتمي في حلية المحاضرة من ألفاظ السرقة وأنواعها في الشعر وكذلك ابن وكيع في كتابه على أبي الطيب والمسمى المنصف ، وما أبعده عن الإنصاف على حد قول ابن رشيق.
وقد عرفها ابن رشيق كما يلي (إنما أفصل هذا بالذات لأثبت للجميع قدر الدقة والعظمة والعمق في أبحاث القدامى في النقد فضلا عن خصوبة اللغة العربية وقدرتها على التوليد): الاصطراف أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه ، فإن صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق ، وإن ادعاه جملة فهو انتحال ، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعرا لغيره وهو يقول الشعر ، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مدع غير منتحل ، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب ، وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ، فإن أخذه هبة فتلك المرافدة ، ويقال: الاسترفاد ، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك الاهتدام ويسمى أيضا النسخ ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة ، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر ، ومنهم من يجعل هذا الإلمام ، فإن حول المعنى من نسيب إلى مدح فذلك الاختلاص ، ويسمى أيضا نقل المعنى ، فإن أخذ بنية الكلام فقط فتلك الموازنة ، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس ، فإن صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة ، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق ، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب...." العجيب أن ابن رشيق لم يكتف بهذا بل قسم هذه الأقسام إلى أقسام فرعية معطيا أمثلة لكل واحد على حدة!!!!!!!!!!!
أذكر هذا وأبتسم سخرية من كاتب طبيب في جريدة الدستور المصرية اليومية يسمونه أديبا كبيرا لم يجد في مشفاه الذي يعمل به من مثير لأدبه العظيم إلا على حد تعبيره: صدور زميلاته من الطبيبات والممرضات الناهضة ومؤخراتهن الصاعدة.....آه يا مرارتي آه!!!!
وعود على بدء أذكر أني قرأت في كتاب الأديب النابغة د.زكي مبارك عن شوقي فصلا كاملا عن سرقات شوقي لكنه لفت نظري بعمق فكره وأبحاثه العظيمة إلى أن السرقة عن القدماء لم تكن معيبة كما نراها الآن وأنهم لم يكونوا يستقبحونها إلا إذا ساء الأخذ ولم يوظف جيدا!!!
بالطبع السرقات كثيرة لكني أتبع طريقة ابن رشيق في تسمية الأسماء بدقة فليس كل أخذ بسرقة خاصة في الأدب وإلا لاعتبرنا العقاد أكبر لص في أدبنا المعاصر فقد سرق الكثير والكثير والكثير من أدباء ونقاد الإنجليزية وعلى رأسهم سيد النقاد الإنجليز - كما يحلو للعقاد تسميته - توماس هاردي وهازلت والشاعر شيللي والأدهى أن العقاد قد سطا كثيرا على أشعار الشاعر المعجزة في رأيي عبد الرحمن شكري. وقد أثبت هذا الناقد والشاعر الكبير رمزي مفتاح (في مقارنته بين قصيدة الجحيم الجديدة التي سرقها العقاد مثلما سرق غيرها من قصيدة جنون الأماني لشكري وقصيدته الفردوس وقصيدته حلم بالفردوس.وبالمناسبة فقد كان رمزي مفتاح طبيبا للأسنان وكان مسيحيا فهل بين المسيحيين الآن من يناصر العربية ويبدع فيها مثل رمزي مفتاح؟! وإذا أردت الدليل فلتسعك مجلة أبولو بنقدها الرائع والعميق بقيادة الشاعر والأديب والناقد الكبير إسماعيل مظهر ضد العقاد. ولعل هذا يذكرني بكلمة مصطفى صادق الرافعي – وإن كان قد بالغ في التجني والشتم في "على السفود" - الذي ناصره إسماعيل مظهر حيث يقول الرافعي:" إذا التوى عليك بيت من أبيات العقاد فهو موضع ترجمة أو موضع نقل."
هذا ما تعلمنا إياه كتب التراث وما أحب أن أسميه أنا:"فيتامينات العلم" يعني النظرة الكلية الشاملة. على سبيل المثال أحدث عمك الحاج عباس أفندي محمود العقاد ضجة كبيرة عن الوحدة الموضوعية وغيرها بينما تحدث الآمدي عن هذا الأمر وكذلك ابن رشيق فيما سأورده بعد هذه الفقرة من كلامه الراقي الذي يفوق كلام النقاد الإنجليز في مرحلة الرومانسية والشعر الغنائي الإنجليزي ولم يحظ الآمدي ولا ابن رشيق بشهرة تذكر ، وتحدث أبوك الحاج طه حسين عن الشك وقيمته كمنهج بناء في معرفة الحقيقة في الشعر الجاهلي بينما تحدث عنه محمد ابن سلام الجمحي قبله بمئات السنين ولم يأخذ الجمحي أي حظ من الشهرة. تسألني ما السبب؟ السبب السياسة يا حبيبي فالوفد هو ما شهر العقاد والأحرار الدستوريون هو ما رفع طه حسين فوق الجميع.
يقول ابن رشيق في العمدة ، باب الشعر والشعراء :" وإنما سمي الشاعر شاعرا لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره ، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه ، أو استظراف لفظ وابتداعه ، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني ، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر ، كان اسم الشاعر عليه مجازا لا حقيقة ، ولم يكن له إلا فضل الوزن ، وليس عندي بشيء مع التقصير."
وليس شرطا أن يكون الأديب مجيدا لكل فنون الأدب. فنجيب محفوظ ويحي حقي وغيرهم كثيرون لم يكتبوا بيت شعر واحد وربما كان أحسن مثال على هذا ما رواه الكاتب التونسي الذي كان يكتب في مجلة أبولو بتوقيع: ز. السوسي عن ابن رشيق عن أستاذه عبد الكريم النهشلي الذي يعتبره ابن خلدون على رأس ناقدي الآداب العربية في القرن الثالث بتونس حيث قال:" إن بعضهم كاشف عبد الكريم بأن بعض الناس يستبهلونه! فقال: وهل أنا أبله في صناعتي (يعني الشعر)؟! قال: لا! فقال عبد الكريم: وما على الصائغ ألا يكون نساجاً! (بالمناسبة كان والد ابن رشيق صائغا كما قال محمد بن شنب الجزائري في مقاله الذي كتبه عنه في دائرة المعارف الإسلامية بالإنجليزية.)
أخيرا كان ابن رشيق على أعلى درجة من الخلق ويظهر هذا جليا من كتاباته وحكاياته حيث يثني على شيوخه دائما وإن اختلف معهم لا يخل برعاية الأدب ولا يني يثني على أصحابه وعلماء عصره ورفيقه ابن شرف ، والجميل الجميل فيه أنه عندما يورد شعره في كتابه "العمدة" يقول:" وقد قلت أنا وإن لم أدخل في جملة من تقدم ولا بلغت خطته." وهذا ينسف رأي قدامة ابن جعفر في نقده للشعر حيث رأى ألا ربط بين الأخلاق والدين والشعر وأن الشعر يجب أن يتجرد من قيود الأخلاق.
وابن رشيق من دقة النظر وغموض الفكر وإصابة المرمى بمحل رفيع في ضبطه الأسماء والمتون والنقول رواية ودراية فضلا عن مسائل النحو والصرف والبلاغة.
ومن شعر ابن رشيق:
زفرة العاشق:
إن كنت ما منك ابتليت به فإن برء سقامي عز مطلبه
أشر بعود من الكبريت نحو فمي وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه
ومن تصانيفه أيضا:"أنموذج الزمان في شعراء قيروان" ذكره في العمدة واستفاد منه ابن الأبار (بتشديد الباء) وصاحب التكملة وابن منظور صاحب نثار الأزهار والأزدي صاحب البدائع والسيوطي وغيرهم. وله كتاب ثالث وهو:" قراضة (بضم القاف) الذهب في نقد أشعار العرب" قال فيه ابن خلكان : "وهو كتاب لطيف الجرم كبير الفائدة" وكتاب رابع وهو الشذوذ في اللغة وهو مثل كتاب ليس لابن خالويه. وهناك ديوان شعره كما ذكر ابن خلكان وميزان العمل في تاريخ الدول كما قال الحاج خليفة وشرح موطأ مالك كما في الكشف وتاريخ قيروان والروضة الموشية في شعراء المهدية وكتاب مختصر الموطأ وكتاب أنموذج اللغة كما ذكر كل هذا عبد العزيز الميمني الراجكوتي الأستاذ بالكلية الشرقية في لاهور . وأختم بالدعاء الذي دعا به لابن رشيق:
