هلالٌ لمحو الضلال-1
عزفتُ عن التعرّض لمسألة (الهلال)، مع جلاء التضليل الممارَس به، ليقيني أنّه مظهرٌ ضئيلٌ لاحتكار (الدين) بدلَ أن (يكونَ الدّينُ للهِ)، ولأنّه احتكارٌ (شرعيّ) ومرْضيّ عند الناس، فما شأننا ومناطحة سلاطينها المرضيّين، الذين بإصبعٍ يُخرجوننا من (دين الله) أفواجاً، وبفتوى (جهنّمية) يُدخلوننا جهنّم.. افتراءً على (مالِك يوم الدين).
لولا أن أغاظني شيخٌ استلّ أسلحةَ التفسيق القديمة، مستعيداً فتاوى الجور ضدّ (السيّد فضل الله)، ومذكِّراً بموقع إلكترونيّ يحوي فتاوى العُدوان تلك!
مئاتُ الملايين يصومون ويُفطرون بعلامةٍ واحدة؛ (الهلال)، ونظرةٌ تشريحيّةٌ فاحصةٌ لملفّ (الهلال) كعيّنةٍ لشامل قضايانا، باستقراء اختلافنا المزمن فيه، وكيفيّات الحكم بثبوته، ومشهد المنتظرين على عتبات المشايخ ليُؤذِنوا لهم بالصوم والإفطار وبحرمة العيد ووجوبه، يُريك كاملَ مشهدِ بلايانا، مِن تردٍّي علميٍّ، وهوَسٍ بالتقليد، وممارسةِ استتباع، وندرةِ غيارى وأحرار، وتفشّي رعْبُ المخالفة، ومسايرةٍ للجموع، ورهنِ (الدين) بالأكثريّة، وبالتبعيّة المشْيَخية والطائفيّة وللسلاطين، ويُريك تلاعبَ ساسة الدّول لغاياتهم بالتحكّم (بالدين)، وتقويضَ (الدين) بالخصوصيّات والخصومات المذهبيّة، واستعباد العامة، وتعميم التجهيل إبقاءً للتزعّم، ويُريك زيادة الحرج والعُسْر (بدين الرحمة)! ومجافاة (دينُ الهدى) للعلم وتخلّف وسائله! يُريك التقديسَ الزائف للعباءات، وتعطيلَ العقل، والخضوعَ الأعمى، وانتفاخَ القشور، والخصومةَ بالجزئيّات..الخ.
كلّ هذا واضح للبصير، في مشهد (الهلال) فقط، فكيف بسائر المشاهد، ولمن يُشكّك فسأتناول مصاديق هذا الزّعم، بهذا المقال وبلاحقيه.
(السيّد فضل الله) كفقيهٍ حرّ وتجديديّ، كان قد تلقّى سهامَ الطعن والتضليل لكثرة مخالفاته المقولات اللامنطقيّة والرجعيّة، فأكسبَه المزيدَ من جرأة المخالفة، لينفتح (بالدين) وميسِّراً إيّاه للناس، بلا خوف لائمةِ لائم، فكان أوّل مرجعية حسمتْ معركة (الهلال) وفقَ علمِ الفلَك كلّيةً، تبعاً لأستاذه المرحوم الخوئي، الذي كان رأيُه ريادةً فقهيّةً بتقريرِه أنّ هلال الأرض (واحدٌ) ولا يُمكن تصوّر تعدّدَه باختلاف الآفاق (وهي خطوط طول دوران الأرض)، ولكنّ المدرسةَ التقليديّة ظلّت تُجدِّف عكس العلم والمنطق، وتَلوي ظاهرةً فلكيّة لمنظورها، فأورثتْ الناس هذا الحيْصَ-بيْص.
هذا الخلاف (الهلاليّ) لنْ يُحسَم إلاّ بتغيير كامل نظرتنا (للدين) باعتباره دينَ حياةٍ ويسرٍ للناس وتوحيدهم، لا خنْقٍ وتعسيرٍ وتفتيتهم، وباعتباره يحترمُ ويعتمِدُ العلمَ والعقلَ والمنطقَ لا يحتقرها، وباعتباره يتناغم وقوانين الوجود والكون ولا يبتغي تعبّداً جاهلاً غيرَ معلّلٍ منطقيّاً، وباعتباره للنّاس كافّةً لا لفئةٍ منهم، يُواكب عصرَ كلِّ جيلٍ وفقَ أرضيّتهم العلمية والعقلية ووسائل تحصيل يقينهم، لا فوقهم ولا دونهم، وأيضاً بتغيير علاقتنا بالسلف وبفقهاء الأزمنة الخالية وبنصوص النبيّ(ص) وأهل بيته(ع)، فلا نستصحبها لعصرنا إلاّ كمقاصد ومضامين لا بحرفيّة الظاهر وآلاتِه، وبتجاوز الكثير من المباني الفقهيّة والعدّة الأصوليّة المُعالجة للنصوص ترجيحاً وتضعيفاً واستظهاراً وغير ذلك.
فالحلّ أبسط من تلكم العَضَلات الفقهيّة وأعقد، أبسط لأنّه يُشرف على جوهر الدين، وأعقد لأنّه اختلاف (منهج) لا اختلاف (اجتهاد)؛ اختلافُ الرؤية إلى الدين وشعائره وغاياتها، ومركزيّةِ العلم، ومعنى الهلال، ودورِ العصور الأولى وأحكامِها فينا وعلاقتِنا بها، والوسائلِ، والحُجّةِ، وموقعِ رجل الدين وتقليدِه، ومرادِ الله وغاياتِه، إنّها معركةٌ ستدوم أصداؤها بين ألويةِ التجديد والتقليد.
كنّا (كتجديديّين) ولمدّة 12 سنة، غيرَ آبهين لهذا الاستضعاف (الرجعيّ)، معتقدين علميّة مقولة السيّد الخوئي، وبالتالي صوابيّة المبنى الذي به أفتى (السيّد فضلُ الله) مؤخّراً، وكنّا على ثقةٍ وأملٍ أنّ المنطق السليم سينتشر يوماً، فعقاربُ الساعة لا ترجع القهقرى، والاستضعافُ الديني -كنظيرِه السياسي- لن يبقى جاثماً طويلا بعصر العلم وعولمة الاتّصال وتوفّر الخيارات، وأنّ المشايخ مهما بلغت شهوتُهم لحياشة الأتباع، سيُضطرون بالتدريج لنسفِ قناعتاهم والترفّق بالناس، وإلاّ فالناس التائقة لبلوغ مشارع الدين عبر أبوابِه الفسيحة، سوف تتجاوزهم لآخرين أرْحمُ وأعلم وأطْور.
إنّ مِن مصائب الجهل، أنّ البعض يُبرّر هذا (الاختلاف)، ويعزوهُ لاختلاف (التقليد) ولاجتهادات الفقهاء، هكذا تمّ تطويق خناق الأمّة (بدينِها)، فيُستَعصى توحيدُنا لأنّ فئاتنا ترجع لرجالٍ متشاكسةِ التصوّرات، في قضيّة علميّةٍ ودينيّةٍ بسيطة، كانتْ أيّامَ نبيّنا (ص) سهلةً وجامعةً لمجتمعِ المسلمين، وما كانت يوماً حكراً ولا مخصوصةً بمشايخ، بل مُداولةً بين المسلمين الواعين، هذا البعضُ المتكسِّب مِن حالة التشظّي واستدامة التجهيل، يردّ على منطقيّةِ وعلميّةِ ضرورة توحيد (هلال) المسلمين، ويُخطّئ (السيّد فضل الله)، بزعمه أنّ سبحانه قال (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) ولو كانتْ واحداًً لقال تعالى: (يسألونك عن الهلال) بالمفرد!
هكذا يُحشَر كلامُ الله (كالعادة) لإدامة التخلّف والاستتباع، مع أنّ للآية ثلاثَ انطباقاتٍ/تجلّياتٍ عمليّة، لا يفي أيٌّ منها بمُراد الرجعيّة السائدة؛ أوّلها (الأهلّة) بمعنى (الهدْي) الذي يُهَلُّ به، كميقاتٍ زمنيٍّ لانتهاء الحجّ، ثانيها (الأهلّة) هي أماكنُ الاستهلال بالحجّ (أيْ مواقيته المكانيّة) للإهلال بدخول مكّة، وثالثها (الأهلّة) أهلّة الأشهر كعلامات كونية لأوقات الحجّ لمّا كان (الحَجّ أشهرٌ معلوماتٌ) وليس بضعةَ أيّامٍ كزماننا، وهذا يُطلعنا على بُنية الخطاب القرآني وتنزّله وتبدّل سياقه مع بقاء مضامين أحكامِه، ولقد كانتْ العربُ تتداين وتتاجر وتعِدُ وتُعطِّل حروبَها بالأشهر الحُرُم، وساعتُها الكونية الأهلّةُ والنّجومُ، لكنّنا الآنَ أهلّتُنا وحروبُنا ومواقيتُنا، مربوطةٌ برداءِ شيخٍ.. وللحديث تتمّة.
أ.جلال القصاب
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية - مملكة البحرين