أن إحداث غزة انقلاب بكل بمعنى الكلمة .. ولا يمكن توصيفها غير ذلك، أنها انقلاب داخل ساحة تعيش معارك من اجل التحرير والاستقلال ، وليس داخل دولة ذات سيادة مستقلة ولها حدودها، وهنا تكمن الخطورة، ويكمن حجم التدمير والأضرار والخراب الذي يلحق بمسيرة التحرير جراء هذا الانقلاب الذي نفذته حركة حماس من خلال ميليشيا مسلحة كان يفترض فيها أن تتخندق لمواجهة الاحتلال الذي يفرض حصارا ظالما شرسا على الشعب الفلسطيني.
فيما ترفض قيادة حماس هذا التوصيف وتفهم أن فتح وراء تدهور الأوضاع وتحاول تبرير ما قامت به من استيلاء على السلطة بان الحكومة الشرعية هي حكومة الوحدة.
وباعتقادي أخطأت ودخلت في خطر جسيم، وستدفع الحركة ثمنا باهظا جراء ما أقدمت عليه، وجراء ما تسببت به لشعب حافظ على أحلامه وآماله سنوات طويلة.. شعب جاء بها إلى دفة الحكم عندما خاضت الانتخابات التشريعية .
و إن الانقلاب الذي وقع في قطاع غزة، ونفذته حركة حماس وهي شريكة في ائتلاف حكومي تتزعمه، يفسر أن الحركة غير معنية بالشراكة، وإنما استغلت فوزها، وما تخلل الفترة السابقة من اتفاقات وحوارات لاستئصال الشريك الأهم وفرض مشروعها، دون التزام بالديمقراطية نهجا اختارته كافة القوى في الساحة الفلسطينية وتبناه الرئيس محمود عباس الذي أصر على إجراء الانتخابات رغم شراسة الضغوط التي مورست ضده.
واعتقد أن الانقلاب سيدفع حماس نحو العزلة، واستعداء كل الجهات في الداخل والخارج، إقليميا ودوليا، وهنا أتسأل حماس كانت تنتقد عدم التزام الكثير من الجهات بنتائج الانتخابات وشرعية ما تمخضت عنه، فكيف تجيز لنفسها، إذن، أن تنقلب على الشرعية؟! كانت تطالب ليلا نهارا بالشراكة، فكيف سمحت لنفسها أن تستأصل شريكا أساسيا في هذه الشراكة، وحكومة الوحدة كانت دالة على ذلك؟!
وهنا نستنتج أن الانقلاب الدموي له أغراض غير المعلن عنها من بينها: أن برنامجها السياسي، لم يعد يتمتع بقدر كبير من التأييد لتقوم بفرضه عبر وسائل شرعية، دون الانقضاض على هذه الشرعية.
و أن حركة حماس اطمأنت إلى أن الشريك الأكبر ليس في خلده استئصالها، وإنما كل ما يسعى إليه، هو إفشالها ديمقراطيا ، وإحباط مشروعها وبرنامجها، فبحثت الحركة عن الأغطية لتمرير الانقلاب، وتمثلت في اتفاق مكة واتفاق حكومة الوحدة الوطنية، وسلسلة الحوارات التي رعتها القاهرة حرصا على الشعب الفلسطيني.
و أعتقد أن قيادة حماس وصلت إلى قناعة بأن الانتخابات التشريعية المبكرة قادمة، بعد أن فشلت في كسر الحصار، وأنها لن تحقق فوزا كبيرا في حال أجريت هذه الانتخابات، فنفذت الانقلاب معتقدة بأن هذا الانقلاب قد ينقذها من هزيمة محققة أمام صناديق الاقتراع.
وهذا يقودنا، إلى استنتاج مفاده أن حركة حماس، أعدت جيدا لهذا الانقلاب تدريبا لعناصرها في الداخل والخارج، وتجنيدا للمؤيدين، وتسليحا انتظارا للحظة الصفر.. ومع كل مواجهة كانت تقع بين فتح وحماس، كانت قيادة حماس تسارع إلى إطلاق صواريخ على أهداف إسرائيلية، والطلب من القاهرة أو غيرها للوساطة، ليس لتحقيق تهدئة ومصالحة حقيقية وإنما انتظار لانتهاء التدريبات والتحشيد والتسليح.
وهذا ما جرى بالفعل، فعندما تأكدت حماس أن فتح ماضية ومتمسكة بالحوارات لحل الخلافات والمشاكل ، وبعد أن أنهت الحركة استعداداتها وتسليحها، نفذت الانقلاب ، ووجهت طعنة إلى الجهود التي تقوم بها مصر لتنفرد بسلطة تحت الحراب في قطاع غزة، وهذا ما خططت له حماس وأرادته منذ فترة طويلة، رافضة النهج الديمقراطي، والانضواء تحت لواء الشرعية ، هذا هو المكسب الذي سعت إليه حماس، وهو الحكم في غزة، وسلخ القطاع عن الضفة ، تجزئة حقيقية متعمدة، ترى فيها حماس انتصارا لمشروعها وبرنامجها، مدعوما من حركة الأخوان المسلمين، وفقد الوطن الساعي للحرية والاستقلال وإقامة الدولة على احد جناحيه.
أما ما تتحدث عنه الحركة حماس من أنها قامت بعملية جراحية في القطاع للقضاء على تيار انقلابي في فتح، فأرى انه لا يستند إلى أساس سليم، و إن هذا التيار الذي تشير إليه حماس هو يمثل حركة فتح، والتمسك بهذا التبرير هو للتغطية على الهدف الصحيح المتمثل في ضرب حركة فتح بالكامل من خلال التركيز على أشخاص معينين، هذا التركيز، جاء لسبب واحد فقط، وهو أن هؤلاء الأشخاص يدافعون عن فتح، ومتمسكون ببرنامج وطني طرحته حركة فتح، ولذلك، القضاء على ما أسمته حماس بالجناح الانقلابي في فتح، هو المدخل لضرب حركة فتح، وهذا ما جرى في غزة، وأثبته الانقلاب في القطاع وما تبعه من ممارسات بعيدا عن الوطنية والإسلام والحرص على الشعب قضية ومشروعا وحقوقا ومسيرة.
الآن ، حركة حماس وحتى تثبت قدرتها، وللتغطية على خطا ما قامت به ستجد نفسها الحامية الأولى والأمينة لإسرائيل، و إن حماس لن تدخل مع قوات الاحتلال في صراع، وهذا ما تسعى إليه تل أبيب منذ سنوات طويلة، فهي تريد فصل القطاع عن الضفة ، وضمان الهدوء والأمن على حدودها الجنوبية، وهي مقابل ذلك، على استعداد لتقديم كل مساعدة لحركة حماس، خاصة أن تقارير عبرية تحدثت عن علم إسرائيلي تام باستعدادات حماس من تحشيد وتحريض وتسليح، وعلى علم أيضا بأن هذه الاستعدادات ليست موجهة ضدها.
وأيضا، حركة حماس ، خسرت قاعدتها الجماهيرية التي شاهدت وعاشت كيف عاثت ميليشيات الحركة فسادا ونهبا وتقتيلا وتشويها في قطاع غزة، واستعادت الجماهير صورة الاحتلال وفظاعته، وصور الميليشيات والمرتزقة في أفريقيا وفي العراق، مع أن حركة حماس كان بامكانها أن تستمر في دعم الشرعية، والالتزام بالنهج الديمقراطي، وعندها، كان مؤكدا أن تفوز وتتولى مقاليد كل المؤسسات الشرعية في الوطن.
و إن هناك خسارة فادحة أخرى لحركة حماس، وهي أن الحركة بما قامت به في قطاع غزة أعطت صورة سيئة عن الإسلام، وكذب وزيف الشعارات المرفوعة من جانبها. وعدم حرصها على الشعب وأوضاعه، وعدم رغبتها في المضي في شراكة حقيقية شرعية لكسر الحصار، وتأمين لقمة العيش للمواطنين ، وان كل ما يهمها وتسعى إليه، هو إنجاح مشروعها ، واستئصال شركائها.
وكذلك، حركة حماس استهدفت بانقلابها ضرب رمز الشرعية المتمثل في الرئيس محمود عباس، فاحتلت مقره ومنزله وعبثت بأغراضه الشخصية وأخذت تبيعها في شوارع غزة، ولكن، فشلت حماس في تحقيق هذا الهدف، وسارعت القوى والجماهير في الساحة الفلسطينية، ودول العرب والعالم إلى تأكيد دعمها للرئيس محمود عباس، وعندما شكل حكومة الطوارىء، اعترف بها العالم اجمع.
أما بالنسبة للهدف الآخر الذي سعت إليه حركة حماس ويتمثل في استئصال حركة فتح، وضرب قوتها وتفتيتها، فهو لم يتحقق فالانقلاب الذي نفذته ميليشيات حماس ساهم في تعزيز حركة فتح، ولم صفوفها والتوقف عن المشاحنة بين أجنحتها، وأدرك بعض قادتها أن ما أسمته حماس بالتيار الانقلابي في فتح، كان يدافع عن فتح، ولأنه كان كذلك قامت بضربه وملاحقته وقتل أفراده، توطئة لضرب الحركة بمختلف أجنحتها وتياراتها.
منير الجاغوب / الناطق الإعلامي لمنظمة الشبيبة الفتحاوية في الضفة
مدونة شخصية على هذا الرابط
http://moneer1976.maktoobblog.com