الحصول على البيض لا يتطلب ذبح الدجاج
بقلم: دياب الهيموني

تلجأ الفئات المقهورة (الفاشلة ، المهزومة) إلى طرح نظرية المؤامرة في تفسيرها للواقع والأحداث، وفي خضم هذا التفسير تنطلق أوصاف الخيانة والعمالة و ...الخ للطرف الأخر.
هذا النمط الفكري سائد وهو جزء من ثقافة القهر، عالميا وعلى المستوى الفردي والجماعي، ولدى الشعوب المقهورة وبشكل خاص فلسطينيا.
ولقد دأبت التجمعات الفلسطينية بمختلف مشاربها على ادراج هذه الفكرة (نظرية المؤامرة) في أدبياتها وتحليلاتها، وهذه النظرية تحقق لصاحبها (الطرف الذي يستندعليها) وهو المهزوم عادة تحقق له ثلاثة أهداف:
1- تفسير الواقع باستخدام الذرائعية لإعفاء نفسه.
2- تبرئة الذات وإسباغ الحكمة والمصداقية على رؤيته وتحليله.
3- تعميم صف الأعداء واطلاق الاوصاف المختلفة عليهم.

ولشرح هذا الموضوع لنحاول توضيح مفهوم المؤامرة كما يستخدمه اصحابه، ولتقريب هذا الفهم، سنعمل مقارنة بينه وبين كلمة حرب، فالحرب هي محاولة طرف تحقيق اهدافه على طرف باستخدام القوة العسكرية المباشرة، فتكون المؤامرة هي الحرب الغير مباشرة. (تسهيلا للمعنى)

وعليه فإن الطرف المهزوم ومن خلال لجوئه إلى الذرائعية يفسر الواقع من خلال تحميل المسؤولية للأخرين على انهم متآمرون. وفي نفس الوقت لا تقدم هذه النظرية تقييما لبرنامج هذا الطرف المهزوم، ولا تحمله المسؤولية عن الفشل، وفي نفس الوقت ايضا لا تقدم الحل.

فلسطينيا كانت هذه النظرية مصاحبة للنضال الفلسطينية الذي وجد نفسه في صراع كبير جدا بلا قيادة واعية وبلا برنامج مرتبط بالهدف الاسمى والذي هو هدف مطلق (لا يتجزأ) في اعادة حقه واسترداد ارضه. فاندفع الفلسطيني في تجاذبات اقليمية وقومية واممية مما أوقعه في صدامات مع انظمة عربية، ومع مجموعات اقليمية وبين الفصالئل نفسها، وهي لا تخدم اهدافه الوطنية بتاتا.

فعلى سبيل المثال: في الوقت الذي اعتبر فيه البعض ان قرار الرباط 1974 في حق منظمة التحرير في تمثيل الفلسطينيين، اعتبره الأخرون مؤامرة من النظام العربي الرسمي. وهذا ما كان بالنسبة لكامب ديفيد 1978 وكذلك اوسلو 1993، فاندفع أخرون ليقولوا أن انشاء حركة فتح مؤامرة، وكذلك انشاء حركة حماس مؤامرة. والسؤال هنا لكل الذين اعتبروا الأخر متآمرا، ماذا كان برنامجهم، وماذا أمكنهم أن يفعلوا.

ان حجم الظلم الذي وقع فيه الفلسطيني قد أنشأ لديه احساسا عاليا بالقهر، مما قاده طوال سنوات إلى تصرفات قهرية لم تحقق عموما له أية انجازات على الأرض فيما يتعلق بالتحرير، وانما انجازات جزيئة، ليرتد بعدها معتبرا أن ما تم مؤامرة.

ولم يتمكن قائد فلسطيني ان يصارح شعبه باستحالة النضال في ظل شعارات رنانة
تدغدغ العواطف لكنها لا تحصد إلا الريح، مثلما فعل الحبيب بورقيبة الزعيم التونسي في العام 1965 أمام حشد فلسطيني في عقبة جبر، فاستحق بعدها لقب خائن عن جدارة، وفي الوقت الذي بدأ يظهر حديثا مثل هؤلاء القادة، كان الرد سريعا بأنهم خونة وعملاء.

هذا الواقع النضالي المصبوغ بثقافة القهر والمؤطر بنظرية المؤامرة لن يقود لأي انجاز حقيقي على الأرض، لأن أي قائد فلسطيني سيتعرض لكل اشكال الاتهامات الجاهزة من العمالة والتخوين، فإما أن ينسحب أو يعاني ردود فعل قد تصل الى حد الاغتيالات السياسية، او يتنازل عن حكمته ورؤيته لصالح الشعارات العاطفية. وإلا ماذا يفعل الحكماء من قادة حماس أمام هذا الارتهان للقوى المسلحة في حماس، الم يخرج علينا مرة ليقول ان من يعارض القيادة السياسية في حماس سيتعرض لمحكمة حماس. ماذا حصل بعد ذلك سيدي اسماعيل هنية؟

وحتى لا نترك القاريء بدون رؤية للواقع ورؤية للحل، لنرى الواقع الحالي بعد 14/6/2007 وبعيدا عن تبادل الاتهام واستخدام توصيفات ثقافة القهر في الغاء الآخر وتحميله المسؤولية.

المشهد الفلسطيني الحالي يعاني الانقسام والصدام، وهو مشهد طالما حلم به اعداؤه، إن قائدا يعبر عن مفاجأته من نتائج الانتخابات، ثم الحصار، ثم سقوط الاجهزة الامنية ، ثم ردود الفعل، هو قائد حالم واهم، خدعته شعاراته، وحلقت به أوهام دونكي شوت.

المشهد الفلسطيني صناعة فلسطينية بأيد فلسطينية يخدم الأعداء، أين المؤامرة في ذلك، إن أبلغ توصيف يمكن وصفه للواقع هو عبارة جاءت في كتاب للسيد هاني الحسن، الواقع الفلسطيني هو مشهد لعبقرية الفشل. هذه العبقرية للقيادة التي تقود الشعب من ورائها للفشل والتفسير جاهز دوما (مؤامرة).

الحل بسيط ومعقد، لانه يجب ان نصارح الشعب بأن النضال الفلسطيني ليس منقسما بين حدود 1967 وحدود 1948 لأنه ربما يقول قائل بل حدود 1917 أو حدود 1497 لست ادري أين سيقودنا التوصيف الاقليمي، النضال الفلسطيني يجب ان يكون واضحا، ان الحصول على البيضة لا يتطلب ذبح الدجاجة.

كيف ذلك: يجب ان يعترف القادة الذين خبروا استحالة الاستمرار بالشعارات على حساب الحياة اليومية للناس، وتكريس الفصائلية على حساب الكفاءة، والارتهان للافكار على حساب القضية. المطلوب قادة قادرين على مصارحة شعبهم، بأن عهد الشعارات انتهى، وان الانسان الفلسطيني هو الهدف وهو الأداة.

وعندما يعود للانسان الفلسطيني قيمته الحقيقية فيتساوى مع قيمة شاليط (جندي اسرائيل اسرته فصائل فلسطينية)، عندها سنشهد برنامجا فلسطينيا خاليا من الشعارات يلامس الواقع، وينهض بالانسان الفلسطيني. وعندها يمكن الحديث عن الانجازات. وإلا فليقم كل فصيل وليقيم انجازاته بناء على الهدف الاساسي وهو تحرير فلسطين لنرى اين يقع انجاز اعادة لبؤة او تعيين مدير عام، او الاختلاف حول الاجازة الاسبوعية او المزايدة على احاسيس عدة الاف ينتظرون المباراة النهائية على الضفة الاخرى من رفح.