البحرين والسعودية والأمن القومي العربي

بقلم : زياد أبوشاويش

كما هي بوابة المنطقة الشمالية ودرعها الواقي من الغزوات تاريخياً ، وكما مثلت على مدار الزمن ممرا لهذا الغزو ومطمعا للإمبراطوريات للسيطرة على شرق المتوسط ، الموقع الأهم للسيطرة على طرق التجارة الدولية والمنفذ الحيوي لإفريقيا ونهاية طريق الحرير الشهير ، وبمعنى أكثر تحديداً مثلما العراق هو ذلك السد المنيع والممر الذي قصدناه ، وأهميته لوطننا العربي ، يتطابق في رأينا ويساويه أهمية موقع البحرين والمملكة العربية السعودية في وقتنا الراهن ، وظروفنا التي تجبر البعض منا على اللجوء للمر لتجنب الأمر، كمن يستجير من الرمضاء بالنار.

ألقى السيد شريعة مداري أحد "آيات الله" المعروفين بإيران قنبلته المدوية حول عائدية البحرين لبلاد فارس بشكل لا لبس فيه ولا تمويه ، وجاء تصريحه كالحجر يلقى في بركة الماء، فهو من جهة أحدث تلك الدوائر من ردات الفعل الصاخبة في أغلب الصحف العربية وخصوصاً الخليجية منها ، وهو من الجهة الأخرى قد فعل فعلته حسب المثل العربي الشهير يلقيه طفل ويحتاج لألف رجل لرفعه ، أو"يعملوها الصغار ويقع فيها الكبار".

والمشكلة هنا ليست في المثل العربي وأيها الأنسب ، فقد ضاعت الجزر الثلاث ونحن نبحث عن أفضل الطرق وأقلها ضرراً لاستعادتها أو على الأقل منع مزيد من الضياع . ولغتنا تسعفنا في كل أمر باعتبارنا حضارة لسان بامتياز ، لكنها في ضياع الأوطان وارتباك الركب وتشتته لا تجدي ولا تسمن .

دوائر بأحجام مختلفة ومتنوعة :

لقد توسعت الدوائر، لتطال عدداً من الشؤون الاستراتيجية ، مصطحبة معها التاريخ والجغرافيا ، وكل الأسانيد القانونية والأخلاقية لإدانة المطلب الإيراني الغريب والمزعج ، حول عودة البحرين لحاضنة إيران . وربما يتذرع بعض جهابذة التبرير بأن التصريح المذكور وغيره لا يشكل سياسة رسمية للجمهورية الإسلامية الشقيقة والجارة ، وربما يكون هذا صحيحاً ، لكن غير الصحيح والملفت أن نفياً قطعياً من المرجع الأعلى للثورة وللطائفة وللجمهورية المسلمة لم يصدر ليطمئن الجميع . أو على الأقل يزاوج بين الطلبات الإيرانية بإغلاق المنافذ أمام الضربة الأمريكية الوشيكة لإيران ، وهو ما يعني تحديداً هذه الدول الجارة «السعودية والبحرين» على وجه الخصوص، وبين مستقبل العلاقات العربية الإيرانية على قواعد الاعتراف المتبادل باستقلالية وحرية كل بلد في خياراتها ، وبالخصوص الانتماء العربي لهذه الدول كما الانتماء الفارسي للأغلبية الإيرانية.

إن بحثاً شاملاً من الزاوية التاريخية لموقع البحرين وانتمائه العربي يثبت بلا أي لبس عائدية هذه الأرض للمنطقة العربية ونفوذها عبر أجيال وأجيال ، فهي من الناحية الجغرافية كانت متصلة بالساحل العربي المطل على الجزيرة العربية ، قبل أن تنفصل عنها بسبب عوامل مناخية وانزياحات في طبقات الأرض ، كما أنها لا تبعد في بعض يابستها أكثر من ميل واحد وفي أقصاها 12 ميل ، بينما تبعد عن سواحل إيران على الخليج العربي ما يقارب 180 ميل.

ومن الزاوية الاجتماعية فقد كان انتماء أغلبية الشعب في هذه الدولة الصغيرة عربياً وبتابعية عربية سواء كانت خالصة في ولائها للدولة العربية الإسلامية أو تابعة وتحت نفوذ الإمبراطورية الفارسية ، هذه السيطرة التي لم تزد عن مئة عام بشكل مباشر عبر التاريخ كله. ويقال أن الفينيقيين وصلوا إلى هذه البقعة واستوطنوها مما يؤكد الأصل التاريخي للبحرين باعتباره ذا انتماء عربي متواصل منذ آلاف السنين . ولعلنا لا ننكر المطالبات الإيرانية بالبحرين على قاعدة استعمارية تحالفية ، هذه المطالبات التي وصلت إلى العشرين ، وكانت للغرابة من انجلترا الدولة المستعمرة لكلا البلدين ، وهي مطالبة لا تثبت سوى الخلل الفاضح في هذه النظرة الاستعمارية الظالمة والمستخفة بنا كأمة.

كما أن الصراع بين الدولة الفارسية والأرجنتين وغيرها من الدول الاستعمارية على البحرين للسيطرة ومد النفوذ والاستفادة من موقعها لا يعطي أي من هذه الدول المتصارعة أي سند قانوني أو أخلاقي أو غيره للمطالبة بالسيطرة على هذه الدولة العربية العزيزة على كل مواطن عربي.

إن حجم الدوائر التي أحدثها التصريح وما أعقبه من لقاءات بين المسؤولين الإيرانيين والبحرانيين قد اتسعت لتطال حدود القلق الحقيقي من تبعات اتساع النفوذ الإيراني وتطلعات بعض غلاة قادتها ذوي الميول الفارسية ، وأحلام عودة الإمبراطورية بثوب جديد ربما ألبسوه هذه المرة وجه الإسلام ، والإسلام من كل هذا براء .

إن حدود هذا القلق قد طالنا جميعاً ووضعنا جميعاً كأمة واحدة «ذات مكونات مشتركة تؤهلنا لموقع أكثر حصانة وأكثر منعة» أمام أسئلة حقيقية ، تؤشر لضرورات وصفناها آنفاً بالاستراتيجية ، فمع الانخراط الذي نشاهده لشعبنا العربي في مشرق الوطن وشماله بمشكلات عويصة وبعضها مزمن ، يتعرض الجنوب والجنوب الشرقي لأخطار محدقة وحقيقية لا تقتصر على البحرين بل تطال السعودية على وجه الخصوص.

وبرغم وجود مجلس التعاون الخليجي واتفاق هذه المنظومة على رزمة المسائل المشتركة وكيفية تطوير التعاون فيما بينها ، إلا أنها ما زالت تفضل التنسيق الأمني مع العدو الأمريكي ، الذي نعرف جميعاً انه يبحث عن مصالحه ليس أكثر ، وهو على استعداد أن يساوم على كل شيء في سبيل تحقيق هذه المصلحة ، حتى على حساب القيم والمبادىء التي يتغنى بها صباح مساء ، وليس أدل على ذلك من اللقاءات المتكررة بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين للتنسيق في الشأن الأمني العراقي ، وبشكل يمثل إهانة لكل عربي حر شريف يبحث عن وطن له كرامة ومن حقه الاستقلال وحرية اتخاذ القرار .

إن صمتاً عربياً مدوياً تجاه هذه اللقاءات يشير إلى حجم المأزق الذي تعيشه دول المنطقة وأنظمتها الحاكمة ، كما تتشابه في هذا مع ردات الفعل الرسمية تجاه تصريحات شريعة مداري تجاه البحرين .

تطويق السعودية هدف إقليمي :

ربما لا يحظى النظام الحاكم في المملكة بشعبية عربية تؤهله للعب دور القائد والموجه رغم امتلاكه كل المؤهلات الأخرى ، باستثناء علاقته المتينة بالأمريكيين، وهي العلاقة التي لم تمنح نظام الشاه أي حصانة ، وربما لا يمكن للمملكة أن تواجه كل هذه الأخطار بمفردها ، لكنها تستطيع عبر ما تملكه من نفوذ معنوي هائل وعلاقات طيبة مع مصر وباقي الدول العربية، أن تخفف إلى حد بعيد من الآثار الخطيرة والاستراتيجية للتمدد الإيراني بل والأمريكي على حساب مصالح الأمة وجماهير شعبنا المغلوب على أمره في كل مكان.

إن بسط النفوذ الإقليمي أو الاحتلال المباشر للبحرين سيضع السعودية ضمن دائرة النفوذ الإيراني مهما حسنت العلاقات والادعاءات بالأخوة الإسلامية وغير هذا من الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .

إن المسألة لا تتعلق بالجغرافية هذه المرة فقط ، بل بكل ما يمت للمستقبل من زوايا رئيسية ولا مستقبل من دونها ، فهي تشمل الاقتصاد والأمن والعقيدة وغيرها من مكونات المنطقة وطريقة عيشها .

إن السياسة الأمريكية التي استخدمت تجاه العراق وإيران تحت عنوان الاحتواء المزدوج عبر تأجيج الصراع بينهما وربطهما بعجلتها أو بحلفائها المحليين يمكنها أن تعود ولكن بثوب آخر أو عمامة أخرى ، وبأساليب قد لا تشمل العنف وربما تستخدمه.

لقد بقيت المملكة العربية السعودية في مأمن على مدار تاريخ نشأتها الحديثة لأسباب عديدة من بينها وليس أهمها زعامتها الروحية لعالم متسع، ولأمة الإسلام التي تتجه بقبلتها لمكة وتدين بالولاء على هذا الصعيد لبلاد الكعبة المشرفة وموطن رسولهم العظيم ، ومقر قبره ورفاته . كما اعتمدت على فسيفساء من الدول المحيطة تشكل بالنسبة لها الدرع الواقي ، وتشكل لها حائط صد طبيعي ، حرصت المملكة على بقائه قوياً . وكما نلاحظ فليس على تخوم المملكة دولة مركزية قوية سوى لعراق وهذا العراق استنفذ في مواجهات متتالية ولم يعد يشكل خطراً على أحد . وبذات الوضوح الذي نعالج فيه الشأن البحريني ونعطيه الأهمية التي يستحق كونه يمثل حلقة يشكل انفراطها وقوع المنطقة فريسة لكل الاحتمالات الخطرة ، فإننا نعالج الشأن السعودي بذات السوية وبأهمية أكبر ولأسباب معروفة ، ومن هنا تصور البعض الذي يرى في التوجه الإيراني خطوة على طريق السيطرة وتطويق المملكة.

الأخطار المحدقة وسبل الخروج منها :

هناك عدد من المشكلات والقنابل الموقوتة والمتفجرة في وطننا العربي ، ومقالنا لا يستطيع تناولها جميعاً ، لكن لابد من الإشارة ولو على عجل لبعضها كونه يرتبط بهذا القدر أو ذاك بما نتناوله في هذا العنوان ومنها المشكلة العراقية والاحتلال الأمريكي له ، وفي هذا المضمار لابد من سلوك وسياسة للمملكة تستند على تشخيص دقيق وموقف شجاع أبداه الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية في خطابه الشهير بافتتاح آخر قمة عربية ، ونحن هنا نطالبه بصراحة أن يترجم هذه الرؤية وهذه السياسة عملياً ، فالخطر قادم من الشمال نعم ، لكنه أكبر من الشرق والشمال الشرقي وتحديدا من البحرين وقضيتها الراهنة .

والثانية مشكلة لبنان وضرورة التركيز على ضبط الصراع بالحد الأدنى وإبقائه ضمن قدرتنا على الإمساك بمفاصله للتفرغ لما هو أهم ، والثالثة الوضع المعقد والطارىء للمسألة الفلسطينية والحل العربي المقترح ، والذي يرتبط بكل أسف بالعدو الإسرائيلي ، وهو يراوغ ولا يحترم لا إجماعا عربياً ولا دولياً بسبب دعم حليفة السعودية المفترضة ،أي أمريكا والغرب عموماً.

كما يحظى بذات الأهمية الدخول السعودي على خط المصالحة الفلسطينية مرة أخرى مهما كانت الحساسيات والخيبات التي ألحقها القتال الأخير بين الإخوة في الساحة الفلسطينية .

إن باقي الحرائق مثلها كالتي ذكرنا ، يمكن إطفاءها أو التخفيف من نتائجها عبر تنسيق عربي ، ينطلق من وعي حقيقي لحجم الخطر الراهن والمستقبلي ، هذا التنسيق يجب أن يبنى على تعاون وثقة كبيرة ، ومبادرة تطرحها مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية لتدارس ما يواجهنا جميعاً بإرادة عربية وفعل عربي منسق إن لم نقل موحد .

إن سعياً حقيقياً لدى الإخوة في الجمهورية الإسلامية عبر أصدقاءها وحلفاءها العرب للكف عن لعب دور الشرطي مرة أخرى ، ودعوتها للتنسيق والتعاون مع الوطن العربي على قاعدة المصالح المشتركة ضد كل أشكال الاستعمار الجديد والقديم ، وعلى خلفية وحدة العقيدة ووحدة المصالح الاقتصادية وغيرها من عوامل التكامل ستضع المنطقة على سكة السلامة ، والمستقبل المشرق لكل شعوبها ، أما الجري وراء سراب النفوذ الإمبراطوري والتصريحات العنترية والعمل الأحادي المستخف بالغير خاصة بالجيران ، فهي لا تخدم سوى الطامع الأمريكي القادم من وراء المحيط ، وهي بهذا تخدم هذا المستعمر ولا تساهم في مقاومته كما يدعي أصحابها . والأمر يعود في النهاية لإرادة الشعوب ، وانتباه قادتها وخصوصاً الإخوة في مملكة البحرين والسعودية . وفي الختام لابد أن نتوجه باستمرار لمصر العربية لتعود لدورها الذي لا غنى عنه في حماية مستقبل المنطقة ومستقبلها بالذات .

زياد أبوشاويش

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.