في المسالة اللبنانية مرة أخرى
من يعش رجبا يرى عجبا
بقلم : زياد أبوشاويش
تأخرنا في تناول الحدث اللبناني في سياقاته التي مر بها خلال الأشهر الماضية آملين أن يتم التوافق بين أطراف الصراع الداخلي وإنهاء الأزمة التي دخلها لبنان منذ العام الماضي اثر حرب تموز المجيدة ونتائجها التي أظهرت إمكانية الصمود والانتصار على العدو الصهيوني في حرب مفتوحة استخدم فيها كل إمكانياته مع غطاء دولي هائل وتطامن محلي وعربي مكشوف ، لعب دوراً في تأجيج الانقسام اللبناني وإزكاء نيرانه التي تنذر بأوخم العواقب على لبنان ومحيطه إن لم يتدارك اللبنانيون المسألة بحل توافقي يحمي وحدة لبنان ويمنع تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وفوضاها الهدامة .
ووصلنا الآن إلى استحقاقات لبنانية غاية في الأهمية كانتخاب رئيس توافق في ظل غياب هذا التوافق وصعوبة الوصول إليه ، وربما كانت معركة انتخاب بديل عن المرحوم بيرل جميل في المتن علامة فارقة للدلالة على صعوبة الحل وتعقيده ، وهي المرة الأولى في تاريخ لبنان التي تصبح فيها قصة استخلاف الشهيد من منظور ماروني ولبناني بالعموم موضع مساومة تجاه والده على وجه الخصوص ناهيك عن أخيه أو ابنه ، إلى آخر تلك التقاليد المعروفة في احترام حرمة الفقيد وإعطاء ذويه فرصة الاستمرار اكراماً لروحه وتعبيراً عن التسامح والكرم العربي المعروف . هنا انقلبت الآية ، وأصبح العمل ضد الشهيد أو التنافس ضد الشهيد حسب تعبير العماد عون علامة فارقة وميزة فريدة للأزمة اللبنانية ، ومبعث العجب والغرابة التي تنتهي إذا ما عرفنا خلفيات الموضوع وأبعاده في مجرى الصراع الحاصل حتى اللحظة والمرشح لمزيد التأزيم في الأيام القليلة القادمة .
وبالعودة لجوهر الخلاف لفهم ما يجري لابد من إعادة التذكير بأمرين محددين لسمة وطابع الخلاف اللبناني اللبناني وتجلياته وافرازاته محلياً وإقليميا ودولياً : إن هاتين المسألتين تتلخصان في مستوى الشراكة الواجب توفرها في نظام طائفي يعتمد أساساً على توافق هذه الطوائف وخصوصاً الكبرى منها ، الأمر الذي يعني عدم استفراد أي طرف أو تحالف لعدة أطراف بمغانم الحكم ومواقعه القيادية ووظائفه العامة والتحكم بها في غياب طائفة كبرى منها والأمر الآخر العلاقة مع سوريا تحديداً وكيفية التعامل مع الدولة العربية الوحيدة الجارة والتي كان لبنان يشكل جزءاً منها تاريخياً وحتى مطلع القرن المنصرم . وحول هاتين النقطتين يدور الجدل والخلاف والصراع في كل المحاور الأخرى كالموقف من العدو الصهيوني ودرجة عروبة لبنان ، بمعنى مدى التزامه بالقضايا العربية ، كما الموقف من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاء " إسرائيل " وقصة الحرب على الإرهاب وغيرها من القضايا موضع الجدل والخلاف ، مع ما يرافق ذلك من تجييش طائفي ومناورات سياسية وتحريض إعلامي له أول وليس له آخر . وفي خضم هذا الصراع واحتدامه كنتيجة لحرب تموز المشار إليها آنفاً برزت موضوعة الانتخابات التكميلية في المتن وغيرها ، هذه الانتخابات التي رأينا فيها العجب في هذا الشهر الكريم رجب .
لم تكن هذه الانتخابات التكميلية الأولى ولن تكون الأخيرة على الأرجح ، ولعل الانتخابات التي جرت قبل ما يزيد عن العام للموقع الماروني في منطقة بيروت اثر وفاة نائب آخر في البرلمان بدون اغتيال والخلاف الذي نشب في حينه بين العماد عون والتيار الوطني الحر من جهة وسمير جعجع وقواته من جهة أخرى ثم الوصول إلى مرشح توافقي هو الدكتور دكاش يوحي بقدرة التيار الوطني الحر على فرض إرادته على هذا الصعيد كون المتوفى كان محسوباً على القوات وكون الدكتور دكاش كان مدعوماً من التيار الوطني الحر .
إذن هناك سابقة توافقية داخل الطائفة المارونية كان يمكن البناء عليها في انتخابات المتن المحرجة وذات الأبعاد السياسية والإنسانية الكبيرة والخطيرة ، وما يدلل من وجهة نظري على صعوبة الأمر وتعقيده موقف ربما يكون جزئياً أو صغيراً في مجرى الصراع لكني أعتقد أنه كبير الدلالة وتظهير المشكلة ببعديها المشار لهما ، فعندما سأل مذيع التلفزيون اللبناني السيدة جوليا بطرس عن موقفها من انتخابات المتن رفضت الإفصاح عما كتبته في ورقتها ومع ذلك أبدت وبشكل لا لبس فيه كما لون ملابسها السوداء موقفاً متعاطفاً مع أمين الجميل الأب المكلوم بفقد ابنه والذي يترشح عنه في انتخابات مفترض أنها محسومة لصالحه مهما كانت الظروف وحدة الصراع .
إن دلالة موقف السيدة بطرس الفنانة المعروفة بولائها الكامل للمقاومة والتي غنت للجنوب ولم تترك مناسبة إلا وقدمت دعمها لهذه المقاومة وسيدها حسن نصر الله ، ومن الطبيعي أو المفترض أن تقف بجانب حليفه العماد عون ومرشحه في المتن ، لكنها لم تستطع بالمعنى الإنساني ذلك ، بل لم تظهر أي تعاطف مع مرشح التيار بعكس موقفها الذي عبرت عنه تجاه الأب المرشح عن مقعد كان يحتله الابن المغدور . إذن المسألة معقدة وصعبة ومثل السيدة جوليا بطرس كان الآلاف من الذين قدموا أصواتهم بالالتزام الإنساني الأخلاقي للسيد الجميل الذي خرج وصاحبه جعجع بعد الانتخابات ليعلن انتصاره المؤزر وأن العماد وتياره ما عاد يمثل أو يجرؤ على ادعاء تمثيل الأغلبية المسيحية ، وأرفق ذلك بالتهجم على الطائفة الأرمنية مشككاً في لبنانيتها ومسيحيتها ، وبدل أن يقر بهزيمته وهزيمة من والاه ومن دعمه يقف مستهزئاً بعقول الناس ليعلن أن الزمن تغير والانتصار النهائي على أتباع سوريا أصبح وشيكاً ، والأكثر مدعاة للسخرية هو وقوف القاتل سمير جعجع ليؤكد على ذات المعني .
وحتى لا نكون مثلهم فلا نلقي الكلام على عواهنه نوضح ما قصدناه في عبثية كلام جعجع والجميل بالمقارنة البسيطة والمباشرة للأمور بين طرفي الصراع على المقعد ، ثم نعود للمقاربة في موضوع الطوائف ودورها في نجاح فلان أو علان سواء في هذه الانتخابات أو التي سبقتها وحتى ما سيليها .
المرشح عن التيار الحر السيد كميل خوري رجل غير معروف في الوسط السياسي بشكل واسع وهو اسم متواضع في سماء السياسة اللبنانية ، بينما مرشح الأغلبية هو رئيس سابق واسم كبير ولامع ، وهو بالإضافة لذلك ابن بيير الجميل الأب ووالد بيرل الجميل الابن الشهيد بمنطق الجميع في لبنان .
مرشح التيار الوطني الحر لا سند من البطولة أو الشهادة لديه كما لا سند من الألقاب ذات الضجيج المرتفع ، بينما السيد الجميل يسنده الكثير فهو أخ الرئيس " الشهيد " ووالد الابن الشهيد ، وابن المؤسس الكبير ، وهو أيضاً الرئيس الأعلى لحزب الكتائب العريق وذو الماضي المجيد مسيحياً .
مرشح التيار الوطني الحر لا مال سياسي في جيبه ولا حريري معه ولا أغلبية تسنده ولم يتكالب لدعمه الرموز ولا القادة من خارج منطقته ، بينما وجدنا الدعم والمساندة المالية التي وصلت في بعض أرقامها الخمسة عشر مليون دولار ، بخلاف تصريحات سعد الحريري الزعيم السني وزعيم الأغلبية ودعمه المفتوح على كل صعيد للرئيس الجميل بخلاف العشرات من السياسيين اللبنانيين مثل الياس عطا الله وسمير جعجع وغيرهما من رجالات الأغلبية.
مرشح التيار لا يدغدغ عواطف المسيحيين الموارنة بنغمة الهجوم على سوريا وشعارات الاستقلال الجوفاء ولم يلعب لعبة التحريض والانغلاق الطائفي المقيت ، بينما كان الجميل فاضحا في منطقه بالهجوم على خصومه باعتبارهم عملاء النظام السوري ومسوقي إعادة احتلاله لبلدهم .
وأخيراً لم يتلق مرشح التيار العوني البركات من الأمريكيين بل التهديدات من بوش باعتبار من يخوض هذه المعركة إنما هو ضد استقلال لبنان وسيادته وسيعاقب بتجميد أرصدته البنكية في الولايات المتحدة الأمريكية ، بينما حصل مرشح الأغلبية على بركة بوش الابن ودعمه .
في ظل هذه المقارنة وفي منطقة هي كلاسيكياً معقل الكتائب وقد نجح فيها بيرل الجميل الابن بسهولة ، كان من المفترض أن يكون المقعد مضموناً للوالد فماذا جرى وما هي دلالات النتيجة .
إن المقارنة التي بينتها للتو تفيد بأن السيد أمين الجميل قد أخذ آلاف الأصوات مجاناً قبل أن تبدأ المعركة ، وهذا ما يسموه كتعبير ( أفانس ) أي تم وضع نقاط مسبقاً لصالح المرشح الكتائبي وهو الأمر المنطقي والإنساني وكالعادة المتبعة وليس في ذلك ما يشير لعيب في ضمير الناس أو وجدانها أو حتى عقلها السياسي بحسبته النهائية تجاه وطن للجميع يريدوه حضناً دافئاً لهم بلا جروح أو أحقاد . إذن وبنتيجة الفرز ووجود 418 صوت أو أكثر قليلاً كفارق لصالح مرشح التيار الوطني الحر وإعلان نجاحه وسقوط وفشل الرئيس الجميل تكون النتيجة الحقيقية هي فارق تلك النقاط والأصوات التي تم وضعها مسبقاً في خانة الجميل بحكم ما أوردناه في سياق المقارنة ، وهذا أمر أيضاً معروف ومفهوم ، وهذا ما نستطيع أن نغلق به المسألة في هذا الجانب .
لكن العجب الآخر بل والجرأة الزائدة والاستهبال السياسي في مظهره الآخر كان مستفزاً وعشوائياً وبلا تبصر وهو فعلاً يمكن اعتباره من باب الطرافة السمجة وغير المحببة لأي لبناني ، حيث اعتبر الجميل أن أصوات الموارنة هي فقط من يحدد صاحب الأمر والنهي مسيحياً كما لو كانت باقي الطوائف درجة ثانية أو شيء من هذا القبيل ، ورغم فهمنا لقصة التمثيل المسيحي المدعاة وموضع النقاش والصراع ألظلامي وغير المحترم لبنانياً إلا أن الحديث عن هذه المسألة وبهذه الطريقة قد خلق شروخاً جديدة في الجدران اللبنانية الآيلة للسقوط أصلاً .
إن الدعوى القضائية القانونية التي رفعها الأرمن ممثلين في حزب الطاشناق على الجميل وغيره بتهمة إهانة الطائفة لها ما يبررها رغم كل التوضيحات التي حاول بها هؤلاء التخفيف من وقع تصريحاتهم العنصرية تجاه مكون مهم من مكونات المجتمع والشعب اللبناني ، ونسي أمين الجميل وصحبه الميامين أن رئيس حزب الكتائب السيد كريم بقراد وني هو أرمني أباً عن جد وأنه يعتز بأرمنيته ويفاخر بها بلا تعصب ، بدليل رئاسته لحزب الكتائب. والملفت في الأمر ويدعو للسخرية من هؤلاء ومنطقهم أن العديد من نواب الموالاة ، أو ما يسمى بالأكثرية نجحوا بأصوات طوائف لا ينتمون إليها ، وفقط أشير هنا إلى واقعة ذات دلالة خاصة وتهم الموارنة وتقدم لهم إشارة في هذا المضمار هذه التي تتعلق بسقوط السيد سليمان فرنجية وزير الداخلية في حكومة كرامي المستقيلة ، فقد حصل السيد فرنجية على نسبة 65% من أصوات المسيحيين الموارنة وهو المرشح لمقعد مسيحي ماروني ، وكان سقوطه بسبب تصويت المسلمين السنة لمنافسه أو بالأحرى لخصمه .
ويمكن إيراد عشرات الوقائع في كل الأماكن وفي كل الطوائف ، وهذا حال سيدوم ما دام لبنان وطن موحد ، لذلك لم يكن مناسباً لا الحديث عن الأرمن والمجنسين ، ولا الحديث عن تمثيل العماد عون ونسبة هذا التمثيل .
لقد توقعنا سابقاً أن تنتهي الأزمة اللبنانية بتسوية لا غالب ولا مغلوب على قاعدة الظروف المحيطة بلبنان وبأطراف الخلاف ، وعلى خلفية فهمنا لمصالح الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في هذا الصراع باعتبار التفجير لا يخدم أحد بل يجر الجميع إلى المجهول . لكن على ما يبدو وكما هي العادة لابد أن يخطىء الواقع اللبناني كل عباقرة التحليل ، لنصل قريباً لا سمح الله لواقع سيكون من الصعب الخروج منه سوى بأثمان وأكلاف باهظة .
لقد كان بمقدور حزب الله وحلفائه حسم المعركة على الأرض عسكرياً ومنذ مدة طويلة ، والاستيلاء على السلطة في بيروت ومعظم الأراضي اللبنانية ، لكنه لم يفعل ولن يفعل ، ويعود ذلك لعدة أسباب ليس هنا مجال تناولها ، غير أني لا أستطيع تجاهل السبب الرئيسي المتعلق بطبيعة تفكير ومواقف السيد حسن نصر الله وما يمثل ومن يمثل وحرصهم على بلدهم ودوره القومي العربي في إطار الصراع مع العدو ، إنهم بصراحة قادة وطن وليسوا حمقى وطن ، كقادتنا الأشاوس في الضفة....وغزة على الخصوص .
إن قبولاً من السنيورة والحريري لمنطق الشراكة قبل الاستحقاق الرئاسي سيمنح لبنان فرصة جديدة للحياة والنمو وتعزيز الاستقرار والاستقلال المنشود ، وسيجعل منهم أبطال في نظر الجميع ، أما التشبث بالرعاية الأمريكية والاستفراد وإغلاق منطق العقل والحكمة فسيقود لبنان إلى كارثة محققة ، نأمل أن يتجنبها البلد الشقيق والعزيز على كل إنسان عربي وفلسطيني على وجه الخصوص ، ندعو الله أن يخرج لبنان من محنته فتكون قيامته الجديدة.
زياد أبوشاويش