العلم يصرخ: وبــ (أحسنت) لا يباع دقيق

في البداية، وحتى يتبين لكم ما أريده فإني أقول إن التعريف وتحديد الأدوار هو الأهم في فكرتي اليوم. بمعنى:

ما هي الكتابة؟ وتحديداً ما هي الكتابة العلمية؟ ثم كيف نوزع الأدوار؟ يعني هل الكاتب بصفة عامة يستطيع أن يكتب العلم ويقدمه في ثوب قشيب (قشيب من الأضداد في اللغة العربية حيث إنها تعني: الجديد و الخلق "بفتح الخاء واللام يعني: البالي") يسهل للقاريء أن يهضمه سيما في ظل هذا الانفجار المدوي للمعلومات.


قد يبدو الأمر يسيرا لكن الحقيقة أن هذا ما يميز الغرب ويكتب له النجاح والسبق وهو التخصص. والأهم منه المران والتدريب والخبرة والمهارة التي يمكن أن تتوفر بالدراسة أو الهواية ناهيك عن الحب والدربة.

قرأت منذ فترة بعيدة فصلا ما أجمله عن الفرق بين الكاتب والخطيب والكتابة والخطابة لعبد القادر المازني أظنه في كتابه الأشهر: صندوق الدنيا. وقد أعجبني فيه تحديده للأدوار وتأكيد أن الخطابة شيء والكتابة شيء آخر.

على كل حال نحن لسنا بحاجة للحديث عن أهم ما يميز الأسلوب العلمي في الكتابة من التعويل على الفكرة والتقليل بل وعدم استخدام المحسنات البديعية والإفراط في تحسين اللفظ حتى لا تغيب الفكرة.

فمرد كل هذا إلى ما نعانيه من مشكلات في التعامل مع اللغة العربية التي نحتاج فيها إلى التركيز على المصطلح وخاصة المصطلح العلمي والبعد عن التعليم الكمي ودراسة العلم للعلم ذاته. وإنه لمما يحزنني أن آخر طبعة لقاموس أكسفورد (Deluxe Edition ) قد زادت فيه الكلمات الإنجليزية المولدة عن ثمانين ألف كلمة بينما أن العربية ما تزال تغط في سبات عميق بسبب أهلها النائمين. وإنه لمما يحزنني أيضاً جناية الإعلام وأهله على لغتنا الجميلة. وإني ليحزنني أن أقول أيضاً أني ما رأيت مذيعاً أو مذيعة تحسن العربية كما ينبغي إلا نادراً.

والمثال على جناية الإعلام في تقديم أعلام ورموز العلم ما فعله يوسف شاهين في "المصير" عندما قدم ابن رشد ويكفيني في هذا التخليط والتلبيس ما قاله الدكتور عاطف العراقي نفسه وهو رأس الفلسفة في مصر حيث قال:"يوسف شاهين خلق ابن رشد لا وجود له."

والأمر جد هين وبسيط. وأنا بمقالي هذا لا أسبح في الخيال ولا أدعو لمستحيل يعني مثلاً لي صديق أكمل الدكتوراه في الجيولوجيا في انجلترا حكى لي أنه في بداية سكنه مع أسرة هناك إذ بطفل فيها ينطق أمامه اسم واحد من الديناصورات المجهولة علمياً إلا للمتخصصين، ولما تعجب وسأل الطفل وجد أن صورة الديناصور واسمه موجودان في الغلاف الداخلي لقطعة الحلوى التي يشتريها الطفل بينما لو قارنا هذا بما عندنا سنجد صورة لممثلة أو لاعب كرة.

يعني الأمر بسيط، فيمكن أن نطبع على الغلاف الداخلي معلومات كثيرة في صور شيقة محببة للأطفال مع قطع الحلوى التي قد لا يزيد سعرها عن خمسة قروش. يعني المشكلة كلها في الإرادة والتخطيط. وبالمناسبة فإن صديقي قد قال لي: تعرف لم نكره النظام في بلادنا ونسير خبط عشواء في مؤسساتنا؟ لأنه بالنظام يمكن قياس الأداء وهو ما نكرهه لأن في هذا فضحاً لضعفائنا وكسلانا.

ويروى أنه كان واحد من الشعراء يسمى جحظة يقرض الشعر ويغني في مجالس الكبار، فكان إذا حضر وغنى ردد المجلس : أحسنت....أحسنت! ولم يكن يحصل على شيء فقال فيهم جحظة:
إن تغنيت قال: أحسنت زدني... وبــ (أحسنت) لا يباع دقيق
وهذا هو أهم ما في مقالي اليوم.
أهم ما في المقال والرسالة التي أوجهها هي نفس ما كتبته في عنوان المقال وهي أن العلم يحتاج الدعم والرعاية فلم لا نعتبره في نصف أهمية كرة القدم أو الرقص أو التمثيل أو حتى مواكب الساداة المحافظين والوزراء. يعني لو ظللت العمر كله أقول وأكرر مزايا العلم والكتابة العلمية ووجوب نشر الجانبين التربوي والعلمي في مدارسنا وجامعاتنا وشوارعنا لن يحدث أي تغيير للأفضل إلا بالدعم والرعاية. بل إني بدراستي للحضارة الإسلامية وجدت أن أول مراحل التدهور التي اعترت هذه الحضارة العظيمة كان هو غياب الدور الداعم والراعي للمؤسسات العلمية والعلماء وهذا سبب ربما كان أقوى من الخلافات السياسية التي زادت الطين بلة وكانت القاصمة.

والمثال العملي هو المركز القومي للترجمة الذي يرأسه ناقد أدبي والسؤال لم جابر عصفور بالذات؟ ولم الإصرار على ترجمة الأدب بأنواعه المختلفة مع التركيز على الروايات والقصص؟ أولسنا بحاجة إلى العلم والمعلومات؟ بل إنه لمما يضحك السفلى أن عهد الثورة البائد (أو بالأحرى كما أحب أن أسميه الانقلاب العسكري إذ تعريف الثورة مغاير للانقلاب العسكري لأنها تحول في الفكر والمنظومة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها) كان يطبع سلسلة الألف كتاب وكان منها العلمي والأدبي والثقافي وغيرها في تنوع عظيم. أنا نفسي أعمل بالترجمة وأجيدها لكني لا أرى فائدة من الإصرار على ترجمة الأدب وحده سيما وأن كل أدب يعبر عن ثقافة بيئته وربما لا يكون مناسبا لبيئات أخرى لكن العلم لا وطن له.


وحتى يتأكد لكم أن اللغة نفسها يمكن تطويعها للكتابة العلمية التي هي أشد ما نحتاجه اليوم. والأهم أن اللغة ذاتها هي أحد أهم المكونات التي توجه العقل وتضبط إيقاعه فإني أورد لكم مثالا تطبيقيا على ذلك وهو هذا الكتاب الذي رأيته على موقع أمازون لشراء الكتب وهو:
"Quantum Theory Cannot Hurt You "
والمعنى : النظرية الكمية لا يمكن أن تؤذيك لمؤلفه ماركوس تشون. والسؤال الآن هو: لماذا هذا الكتاب بالذات هو ما لفت نظري بينما أني أصلاً كنت أدبي لا علمي في الثانوية العامة؟ الجواب: لأن المؤلف قدمه مدخلا مبسطا لغالبية القراء الذين أكد في مقدمته أنهم ليسوا على علم غزير بالرياضيات والفيزياء لكنهم بحاجة ماسة لمعرفة حقائق الكون. وقد رأيت في موقع أمازون تعليقات لبعض القراء يثنون على الكتاب منهم طلاب في الثانوية العامة مما يؤكد أن ثقافة القراءة في شرائح كثيرة في الغرب عادة محترمة وسلوك اعتيادي طبيعي في ظل مناخهم العلمي الجميل الذي أتحرق شوقاً أن يعيش فيه المسلمون والعرب.
على كل حال أنا الآن لست بسبيل أن أشرح العلم في أصعب تجلياته : النسبية والكم كما أن الأمر يحتاج إلى تأريخ للعلم لأن كل مرحلة تنبني على سابقتها وهو ما يؤكد قولي لزوجتي الحبيبة التي حصلت على بكالوريوس العلوم تخصص الكيمياء من أن ما درسته لا يعدو إلا أن يكون تاريخ العلم لا العلم ذات وأن الفجوة بيننا وبين الغرب جد كبيرة ومخيفة.

ومرة أخرى فإني محظوظ لأني وقت كتابة هذه السطور رأيت بحثا طيبا لأخ لا أعرفه وزميل يكتب في نفس المجلة التي أكتب بها (وهي مجلة "مصرنا" برئاسة تحرير الأخ الفاضل الكاتب المحترم الأستاذ غريب المنسي) واسمه محمد زكريا توفيق وعنوان مقالته الجميلة هو: عجائب وغرائب نظرية الكم، تجدونها على هذا الرابط لمن شاء منكم أن يستزيد في هذه السياقة.
http://www.ouregypt.us/Bzakaria/zakaria43.html

والآن أيها الكرام هل وصلت رسالتي إليكم؟ هل شعرتم معي بعطش للعلم؟ هل أحسستم بقدر ما نحن فيه من ورطة كبيرة؟ وأخيراً أقول: كل شيء ممكن فقط لو كانت هناك إرادة، وهذا - ويا للمفارقة - هو المثل الإنجليزي الذي يردده الغرب دائماً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

Please publish modules in offcanvas position.