عروبتنا في خطر كانت الشمس تنحني نحو المغيب , فتنثر آخر قبلاتها المذهبة على صفحات الغيوم العائمة في سماء دمشق , وظلال الأشجار المزروعة بعناية تتبدى لك و قد تخللتها خيوط الشمس تُمايل الأغصانَ و تُداعب الأوراق , فتزيد الشارع أبهة و فخامة فوق ما توحيه إليك تلك العمائر - القائمة على جنبتي الشارع -من غنى أهلها وحظ ساكنيها من الدنيا . أخذتُ أسرِّح نظري في اللوحاتِ التي غصَّ بها المكانُ علِّي أجدُ فيها بغيتي و أنا أسابقُ الزمنَ حرصا أن لا يفوتني موعد المحاضرة في المركز الثقافي , و عبثا كنت أحاول , فما استطاعَتْ أن تسعفني هذه اللوحاتُ بشيء , فقد كُتِبت بلغة أجنبية ما فهمتُ إلى ما ترمي و لا ما تعني. و لمحتُ من بعيدٍ -أمام إحدى العمارات- نسوةً يلاعبن صغارا تداعب الكلماتُ الغضَّةُ شفاهَهم لأول مرة , فاقتربت منهن علِّي أجدُ ضالتي عندهن , ولما بلغتهن تناهتْ إلى سمعي لغةٌ غريبةٌ ما اعتدت سماعها في دمشق -تلك المدينة العريقة التي كانت أول محاضن القومية العربية ذات يوم , و على ثراها الطيب قامت أولُ إمارة عربية لها شأو و شأن في التاريخ -. و بدت على النسوة الثلاثة ملامح شرق آسيوية ,فأدركت أنهن من خادمات بعض الأسر المُنْعمة في هذا الحي الراقي . و سألت إحداهن عن المركز الثقافي في الحي , فما فهمَتْ عني ما أقولُ , على جهدي في الإبلاغ و جهدها في الاستيضاح , و وقفتْ أمامي ترمقني بنظراتٍ حائرةٍ شأنَ العاجز أمام الغريب الوافد , وأجابتني بلغة غريبة عجيبة تقول لي : ( أنا ما بيعرف إنتي لوين لازم يروح , لأنو أنا ما بيعرف شو يعني مركز ثقافي , أنا بيقلِك آسف كثير .) و كتمت غيظي بين جوانحي ,وحبست ملامح وجهي أن تفضح ما أجنَّه صدري , و ابتسمتُ لها ابتسامة باردة ,و مضيت في طريقي أبحث في وجوه المارة عمن أسأله و أستهديه, و إذ بغلام صغير يهرول نحو الخادمة فيتعثر ويسقط على الأرض ,فتهرع الخادمة إليه ترفعه و تهدئ من بكائه بلغة غريبة , وإذا بالولد يجيبها بلسانها , فعجبت لذلك وظننته أولَ الأمر ولدَها , و لما أمعنتُ النظر فيه بانت لي ملامُحه الدمشقية . فأدرت ظهري و مضيت في طريقي مطرقا كاسفا , تتراءى أمام ناظريَّ صورةُ مستقبلٍ قاتم لأبناء أمتنا , مستقبلٌ تصنعه خادماتٌ غريباتُ الوجه و اليد و اللسان عن مجتمعنا , خادماتٌ لا يملكن أدنى مستويات الثقافة السليمة يربين الناشئة عليها,خادماتٌ أتينا نحن بهن من وراء البحار و البراري , و أقمناهن - ظاهرا - في بيوتنا خادماتٍ , و لكننا نصَّبناهن - في الحقيقة - لمستقبل بلادنا صانعات . و تذكرتُ كيف كنا في زمن التخلف و الجمود نُسْلِم قيادنا لجماعة من الأتراك الاتحاديين يرسمون لنا حياتنا و يعبثون في ثقافتنا لا حول لنا و لا قوة , فكنا نتحدث بلسان الترك و نستخدم كلماتهم في كثير من أحاديثنا اليومية -و مازالت بقية من هذه الكلمات تشيع على الألسنة في الشام و غيرها -, و بلغنا وقتها من الذل مبلغا أن سمحنا للغة التركية أن تكون لغة التعليم الرسمي في بلادنا, حيث كان الطلاب يدرسون كل المواد حتى النحو العربي بلغة تركية . ومع انكشاف بصيص الشمس من بين الغيوم السائرة في فلك السماء تسربتْ إلى نفسي بارقةُ أمل و أنا أرمق من خلال سجاف الزمن الأمةَ و هي تنال استقلالها , و تنكشف غمةُ المحتل عنها , و يقوم رواد النهضة الأوائل فيها آنذاك يعيدون للعربية مكانتها في المجتمع و قدسيتها في القلوب , فقامت حركة التعريب ناشطة فتية , و نهض علماء اللغة و الأدب من جديد يعيدون فينا سيرة الأصمعي و الجاحظ , و يرصعون مجلات البلد و جرائده بأفصح بيان و أنصع أسلوب . و رفعت رأسي نحو الأفق أرمق الشمس في غسقها , و هي تلملم آخر خيوطها لتغيب وراء قاسيون , فلملمت بكفيَّ الدمع جادت به المآقي حزنا و جزعا أن يصيب أمتي ما أصاب الشمس من ذبول بعد قوتها , و من أفول بعد سطوتها. و مع دبيب أولى خيوط الظلام في المكان سَرَتْ إلى قلبي خيالاتُ ذلك المستقبل الذي ينتظر الأمة و هي تُسلم تربية قادة الغد فيها إلى غيرها من دول الشرق و الغرب ,لا تكِل أمرَ تربيتهم إلى دهاة السياسة و قادة العسكريين وكبار المثقفين , و إنما تنيط هذه المهمة الشريفة بالخدم , لا ندري ما يبثون في نفوس أبنائنا و لا ندرك ما يفسدون في عقولهم. و في لحظة يأس غامر كهذا الظلام الذي عَمَّ المكان ازدريت نفسي و أمتي أمام العرب الذين كانوا في جاهليتهم أعقلَ منا نحن في قرننا الحادي و العشرين , فهم على تخلفهم و جهلهم كانوا أبصرَ منا بالعواقب و أعلمَ بالخواتيم , عندما كانوا يرسلون أبناءهم إلى البوادي يستقون لغةَ قومهم الأصيلةَ تنساب في عروقهم فتسري معها عزةُ العربي و نبلُ العروبة . و خيم على المكان سكونُ الليل , و هدأ كل شيء من حولي,و عمت العتمة كل درب في المدينة ,كما انساح اليأس في كل شريان من قلبي , و سِرْتُ أجرُّ قدماي في ظلام الطريق لا أرى له طاقة نور , كحال الأمة لا أرى لها من هذه الملمة كاشفة . و في هدأة من ظلام الليل شقت أجوازَ الفضاء تكبيراتُ المآذن تنادي الأمةَ إلى بيت ربها , فهو الحفي بها و الرحيم بشأنها , و سَرَت نداءاتُ المسجد في أطرافي , فارتعشَتْ رعشةَ الحياة تنبضُ في أوصالها , و انسابت دعوةُ الحق في عروقي تنفضُ ما رانَ على القلب من يأس و قنوط , و مضيت صوب المسجد أرى فيه موئل الأمة من عاديات الزمن , و منبع العزة في زمن الذل و الهوان , فهو الذي حمى العربية يوما من جور الأتراك في بلاد الشام ,و من كيد أوربا في بلاد المغرب , ففيه يتلى كتاب العربية الأول و سجلها الخالد ..... قرآن ..... نزل بلسان عربي مبين . ................................................ بقلم إياد عمار