الأدب الجزائري بين عقدة اللغة وتكريس القطيعة

                         بقلم الأستاذ: سليم بتقـــــه

                                          ماجستير في الأدب الجزائري الحديث

              رقم 126 شارع الزعاطشة بسكرة الجزائر  ALGERIA

 

       تعتبر فترة الخمسينات من القرن العشرين من أخصب الفترات في الجزائر المستعمرة، لا لأنها شهدت أعظم ثورة في التاريخ الحديث وحسب وإنما لبروز أدب جزائري عمل على النقيض من الأدب الإثنومركزي الذي احتكر الفضاء الأدبي لفترة طويلة يمارس الزيف والمغالطة، ويتبنى الأيديولوجيا الاستعمارية. أدب جزائري استعمل لغة المحتل لمقاومته، ومثل بذلك ظاهرة ثقافية مناهضة.

   لقد ارتبط هذا الأدب بمرحلة مهمة من مراحل المقاومة والكفاح، وشكل الأطروحة المناقضة للأيديولوجيا الاستعمارية، محاولا بذلك الانفلات من قبضة الاستعمار وتكريس القطيعة مع الأدب الكولونيالي الذي يحقق القتل الرمزي للجزائر، ويمد الاستعمار بالشرعية الأيديولوجية عن طريق الكتابة، يمثله "هراطقة" الاستعمار من أمثال (Luis Bertrand)الذي كان يروج فكرة "الجزائر لاتينية" باعتبار أن روما احتلت الجزائر قرابة سبعة قرون وهي تأتي الآن لإعادتها إلى أحضان الأمة اللاتينية.

   ظهر هذا الأدب الجزائري على يد مجموعة من الأدباءالذين كتبوا بالفرنسية، منهين بذلك احتكار الفضاء الأدبي، معبرين عن واقع المجتمع الجزائري بطرق عدة: الشعر، الرواية، المسرح، الصحافة، حيث عمدوا إلى تفجير اللغة وتفتيتها، فأسسوا بذلك لغة جزائرية وفق رؤية جديدة، وفلسفة جديدة.

   منذ أن أخذ التاب المغاربة الكلمة ليعبروا بلغة المستعمر في الفترة الواقعة بين(1945-1956          

 (الظاهرة شملت تونس والمغرب أيضا ولكنها كانت أقل حدة) حتى شعروا بأنهم حرموا من لغتهم الأم.

  هذا الشعور بالقلق له ما يبرره، خاصة وأنهم استطاعوا أن يبرعوا في استخدام أداةأخرى للتعبير.      

يؤكد "ألبير ممي"(Albert Memmi. في كتابه صورة المستعمر (Le portrait du colonisé)  هذا الإحساس، حيث يشرح كيف أن ازدواجية اللغة في البلاد المستعمرة تسبب اضطرابا في التوازن النفسي للإنسان. فالاستعمار كما يقول "مالك حداد" و"صمة التاريخ" (Pathologie de l'histoire).

  وهذا "فرانس فانون" الذي درس الخصائص النفسية لدى المستعمرين(بفتح الميم) يؤكد ماذهب إليه "مالك حداد"، فالتحليل النفسي كطريقة للشرح يبرهن امتداد المشكل .

   يرى "ألبير ممي" أن امتلاك لغتين لا يعني امتلاك أداتين، فالعالمين الرمزيين الممثلين باللغتين هما في صراع؛ إنه صراع المستعمر والمستعمر. من جهة أخرى فاللغة الأم للمستعمر هي التي تتغذى من إحساساته يعني المستعمر (بفتح الميم) انشغالاته

 وأحلامه، تلك التي يحس فيها بالحرية. هذه اللغة ليس لها الشرف والمكانة في البلاد أو في "كونسيرتو" الشعوب. لذلك فالإنسان المستعمر إذا أراد الحصول على عمل، بناء مكانته، أن يحقق وجوده في هذا العالم، ينبغي عليه أولا أن ينطوي على لغة الآخرين، لغة المستعمرين  المحتلين .

   في هدا الصراع اللغوي الذي يسكن المستعمر(بفتح الميم) تظهر لغته مهمشة بسبب الاضطهاد، والذي يدفعه إلى أن يجعل بينه وبين لغته هوة، بل يحاول إخفاءها عن أعين الأجانب، ويظهر أنه لا يجد الراحة إلا عند استعماله لغة الآخر.

  المتتبع لأعمال هؤلاء الأدباء يلاحظ أنها تتهم كلها الوعي بنظام غير طبيعي، بالقلق فمثلا "أحمد السفريوي"، يصور المغرب منغلقا على نفسه، لدرجة تجاهل وجوده. ففي (صندوق العجائب) (La boite à merveilles) جاء على لسان إحدى شخصياته:

"المسيحيون أغنياء، وهم يعطون رواتب مرتفعة لمن يعرف لغتهم"

"هل سأتكلم اللغة الفرنسية عندما أكبر؟"

"الله يحفظنا يا ولدي من كل احتكاك بهؤلاء الناس الذين لا نعرفهم"

الكاتب الذي تعلم لغة المسيحيين يظل محتفظا بقدر من الحنين إلى أصالته.

 أما "جون عمروش" (Jean Amrouche)(1906-1962) الذي برع في استعمال اللغة الفرنسية والتي تعلمها عن أمه "فاطمة ناث منصور"، فرغم نجاح العائلة في تبوء مرتبة اجتماعية مرموقة في المجتمع الفرنسي، فإنه وأخته "طاوس عمروش" (Taos Amrouche)(1913-1972) عاشا غربة روحية وعزلة هوياتية مما جعلهما ينكصان إلى الثقافة الجزائري بحثا عن التوازن النفسي. يقول "جون عمروش"  تعبيرا عن ذلك:

«عندما تكون في وضعية المستعمر (بفتح الميم)، فإنك مجبر على استعمال هذه اللغة التي أعيرت لك، وأنك تستعمل هذه اللغة لهدف واحد هو الإطراء ومدح أهلها. وحين تريد أن تستعمل هذه اللغة بحرية، لحاجة التعبير بها وتستعمل كل إمكانيات المهاجمة، أو النقد  فإنك في هذه الحالة تكون قد ارتكبت خطأ لايغتفر وبالتالي فإنهم يذكرونك بأنه حين منوا عليك وعلموك الفرنسية، فليس لاستعمالها ضدهم ...كم من مرة قيل لي: أنت الرضيع الذي يضرب مرضعته». إنه تعبيرعن القلق العميق الذي يحسه هؤلاء الأدباء من أمثال "عمروش،" "كاتب ياسين"، "محمد ديب".

 ولكن ألم يكن في وسع هؤلاء الأدباء الجزائريين أن يعبروا بغير لغة العدو  وهم الذين ولدوا هنا في الجزائر وتربوا في أحضانها؟ يجيب "محمد ديب' عن هذا السؤال بأن ذلك راجع إلى تكوينه المدرسي الذي قاده إلى الكتابة دون تعقيد  وهو يرى بأن هذه اللغة هي الناقل المثالي لفكر يبحث من خلال الواقع المحلي الالتحاق بالاهتمامات العالمية لعصرنا. وكجزائري فإنه لا يرى من عقدة في استعمالها. من جهـــة أخرى فالفرنسية

تضمن له جمهورا من القراء.، ويؤكد أنه سيظل يكتب بهذه اللغة حتى بعد الاستقلال لأنها بكل بساطة وسيلته الوحيدة  للعمل وهو  لا  يحمل أية  عداوة ضد هذه اللغة،  ولا للشعب الفرنسي عموما الذي كانت ثورته(1789) ملهمة الثوار.  وفي رسالة كان قد بعث بها من "تلمسان" في أفريل (1956) جاء فيها:« إن قراءتي لـ كتابات "ستنباك" و"كالدويل" هي التي طورت كتابتي فجأة للمرة الأولى؛ فلم يكن من الممكن لكاتب مثلي غير فرنسي أن يكتب باللغة الفرنسية ويكون روائيا، ودون الاندماج في التيار الأدبي الفرنسي فالحياة اليومية والمعاشة، التي كنت أرقبها بعيني مثلت مادة أدبية لا تقل أهمية عن أخرى»..

 فاللغة لدى هؤلاء الأدباء إلى جانب أنها وسيلة للتعبير، فهي تعكس روح الشعب وروح الحضارة التي ينتمي إليها الفرد والأمة، وهي بهذا تمثل جزءا من التفكير لا وسيلة للتعبير عنه فحسب.

 إذن فقد كتب هؤلاء الأدباء: "ديب"، "معمري"، "ياسين"، "فرعون"، "بوربون" بالفرنسية وبينوا مأساة الأديب الذي يكتب بهذه اللغة، والذي يجد نفسه بين حضارتين، بين ثقافتين  صحبة هذا الصراع والعنف التاريخي، يعبر عن المأساة بطرق عدة؛ من خلال الصحافة، الأدب، فـ"مالك حداد" يصرح بأنه حرم من اللغة العربية، وقال أن الهدف من الكتابة بالفرنسية هو المساهمة في تحرير الجزائر، وطرح مشكلة الجنسية الأدبية" (La nationalité littéraire) وقال إن الجنسية الأدبية تحكمها السياسة، بل التاريخ  والجغرافيا والأديب الجزائري هو الذي ولد بالجزائر، والإشكال بالنسبة للأدباء الفرنسيين الذي ولدوا  بالجزائر "كامي"، "روبلاس"، أنهم فرنسيون لأنهم انحازوا لفرنسا. فروايات ألبير "كامي" هي امتداد للأدب الاستعماري الذي يكرس صراع  (الأنا) و(الآخر).الروايات  تدور في البحر   تماشيا مع الهوية المتوسطية. فبطل الغريبétranger)  L')   هو "ميرسو"    

(Meursaut) اسم له برمجة دلالية (التزاوج بين الماء والشمس) في الأسطورة اليونانية القديمة  Mer + soleil)).

    لقد أحس الأدباء الجزائريون بالانفصام، بين ثقافة أجنبية تعلموها في المدارس  وبين ثقافة أصيلة تشدهم إليها لارتباطها بالبيئة التي ولدوا فيها، كل هذا كان له الأثر في تفكيرهم وطريقة تعبيرهم. الشيء الذي يفسر الأزمة التي اعتبرها البعض مأساة والتي تتمثل في:                                                                                

   «إحساسهم بأن هناك ارتباطا بين مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم العربية، التي كانت تستطيع وحدها أن تعكس هذه المشاعر والأفكار والأحلام عكسا صادقا». لا شك أن أدباءنا قد تملكتهم الحيرة في وقت من الأوقات قبل أن يختاروا الكتابة باللغة      الفرنسية، وهذا يفهم من تصريحات البعض منهم. من ذلك مقولة "كاتب ياسين":"السكوت أو قول ما لا يقال" ( Se taire ou dire l'indécible ). فهناك احتمالان من خلال هذه المقولة إما السكوت وهذا يعني الЪواطؤ والمشاركة في الجريمة، أو العجز أي أن الأديب  الجزائري عاجز عن الاتصال مع شعبه بلغة عدوه، فهو يشعر بالغربة.

والاحتمال الآخرهو الكتابة، ولكن بأية كتابة ؟ وماذا يقول؟ إنه يتكلم بلغة غير مفهومة بالنسبة للفرنسي، والجزائري، لغة الاستلاب. فالأديب الجزائري يفجر هذه اللغة ويفتتها  ليؤسس بهذه اللغة لغة جزائرية جديدة، رؤية جديدة، وفلسفة جديدة أيضا، وبالتالي فهي لغة أخرى غير فرنسية تحمل كل التناقضات، وهو يحقق المأساة، ولكن ماذا يكتب؟ إنه يضطر إلى "التراجيديا" ليعبر عن مأساة الفرد الجزائري. يقول "مالك حداد" : "نحن يتامى محرومون من القارئ "(Nous sommes orphelins du lecteur). لقد عبر إذن هؤلاء الكتاب عن هذه المأساة التي يعيشونها بمرارة، واعتبروا أنفسهم غرباء منفيين في لغة أجنبية، وإن كان البعض قد عبر عن ضمان هذه اللغة للقارئ الأجنبي، أو لجمهور

غير الجمهور الجزائري  مما زاد في إحساسهم بهذه الغربة . يقول "مالك حداد":« أنا الذي أغني باللغة الفرنسية، أنا الشاعر يا صديقي يجب أن تفهمني جيدا إذا ما كانت لغتي تثيرك، لقد أراد الاستعمار ذلك، لقد أراد الاستعمار أن يكون عندي هذا النقص، ألا أستطيع أن أعبر بلغتي».

إذن أرجع "مالك حداد" هذه الغربة، وهذه المأساة إلى سبب واحد هو الاستعمار الذي عمل كل ما في وسعه على فرض لغته، بل وجعلها لغة التعليم والثقافة، وفي المقابل استمر يعمل على قبر اللغة العربية بكل الوسائل وعدها لغة ثانية. ولا يعني ذلك أن أبواب المدارس كانت مفتوحة لكل الجزائريين، فالأولوية كانت تعطى للأوربيين مما أجبر الجزائريين على الكفاح من أجل الحصول على مقعد دراسي، خاصة وأن الحصول على شهادة يعني الحصول على لقمة العيش. فقد كان الجزائريون الذين فهموا هذه المعادلة    (مدرسة = شهادة = عمل) يتواصون فيما بينهم: " تعلم القرآن لآخرتك وتعلم الفرنسية لدنياك ".                                                                         

حين قال "غابريال أوديزيو" (Gabriel Audisio) :" إن وطني هو اللغة الفرنسية أجابه "حداد":" الفرنسية هي منفاي)  (La langue Française est  mon exil. هذه الظاهرة (ظاهرة الغربة، والنفي، والانفصام) أسماها "حداد" "باليأس الفني" (Désespoir Technique) وهي تعبير عن جهله باللغة العربية.

يمكن تحديد جذور هذه المأساة فـيما يأتي:

أولا: استحالة الوصول إلى الجمهور العربي بشكل واسع.

ثانيا: صعوبة التعبير بلغة أجنبية عن الأوضاع التي يعيشها المجتمع الجزائري في ظل الاستعمار الفرنسي.

هذه الصعوبة في التعبير دفعت بهؤلاء الأدباء إلى البحث عن انسجام وتنسيق بين

عبقريتهم القومية، وبين أداة لغوية أجنبية كان لا بد من استخدامها.

يرى الدكتور "عبد الله ركيبي" أن هؤلاء الأدباء قد شعروا بهذه المأساة بعد الثورة وأن هذه الأخيرة قامت على إثبات الهوية الوطنية وفي مقدمتها اللغة العربية، وأن المستوى الوطني الذي صاحب هذه الثورة قد بلغ مستوى كبيرا، وضع هؤلاء الكتاب موضع الاتهام، وأدى إلى اعتبار هذا الأدب أجنبيا ودخيلا عن الأدب الجزائري.

وفي ردهم على هذا الاتهام يقول "مراد يوربون":« إن اللغة الفرنسية ليست ملكا خاصا للفرنسيين، وليس سبيلها سبيل الملكية الخاصة، بل إن أية لغة إنما تكون ملكا لمن يسيطر عليها ويطوعها للخلق الأدبي أو يعبر بها عن حقيقة ذاته القومية».

وبدورها تقول "آسيا جبار":«إن مادة قصصي ذات محتوى عربي، وتأثري بالحضارة العربية، والتربية الإسلامية لا يحد. فأنا إذن أقرب إلى التفكير بالعربية الفصحى من التفكير بالفرنسية دون إنكار لفضل هذه اللغة».

أما "كاتب ياسين" فقال:«إن معظم ذكرياتي وإحساساتي، أحلامي ومناجاتي الداخلية تتعلق ببلادي فمن الطبيعي أن أشعر بها في صيغتها الأولى أي لغتي الأم العربية، ولكنني لا أقدر على إنشائها والتعبيرعنها إلا بالفرنسية». إن مشكلة هؤلاء الكتاب الجزائريين ليست في اللغة بقدر ما هي شعور الكاتب الذي يكتب بهذه اللغة بمكانه في هذه المعركة أين يتموقع؟ بجانب شعبه ؟ مدى شعوره بمشاكل الشعب ؟ صدى هذه المشاكل في نتاجه؟

يلخص كاتب ياسين هذه التساؤلات في مقولته السابقة : "السكوت أو قول المحظور". وهو في هذا الاختيار يقول:«ليس علينا أن نختار نحن الكتاب الجزائريين فلقد

اخترنا وانتهى الأمر والتزمنا بالثورة والتحقنا بها دون وجل».  

  لقد التصق هذا الأدب المكتوب بالفرنسية بواقع الجزائريين، وبواقع الثورة الكبرى وحمل مع نظيره المكتوب بالعربية مهمة عظمى، إنها مهمة التعبير عن القضية الأم القضية الوطنية، وجعلها في صدارة انشغالاته. يقول "إدريس شرايبي" تعليقا على هذه الظاهرة في الرواية في شمال إفريقيا:« لقد ترك الواقع أثره علينا، واقع يومي ملموس، من الصعب نسيانه وإغفاله. إن أدبنا تأثر به وتشبع منه».                        

وقد عبر "محمد ديب" عن هذا الالتحام:« قولوا إن أدبا قوميا يظهر الآن في المغرب عامة وفي الجزائر خاصة».

نفس الطرح حمله أحد النقاد الفرنسيين في إحدى المقدمات التي كتبها "لكاتب ياسين" حيث يرى أن هذه الروايات عربية مترجمة إلى الفرنسية لأنها كانت تحمل بصدق آلام هذا الشعب فمن العيب بمكان ضرب هذه الإنجازات الأدبية التي أوصلت القضية الجزائرية خارج الحدود المحلية.

فإذا ألقينا نظرة إحصائية سريعة على الأعمال الروائية المكتوبة بالفرنسية، نجد الفترة الواقعة بين عام (1945) وعام (1964) ظهرت فيها سبع وثلاثون رواية جزائرية مكتوبة باللغة الفرنسية. وفي الفترة الممتدة من سنة (1965) إلى (1972) صدرت سبع عشرة رواية مكتوبة بالفرنسية في حين أن الروايات التي كتبت باللغة العربية في تلك الفترة لم تتعد الثلاث روايات.

لقد أتاح هذا الأدب للفرد الجزائري لأول مرة فرصة التعبير عن وجوده كإنسان ينتمي إلى أرض، وكشعب له كيان، وقيم, وماض عريق، له هموم وآمال، وهو الأمر الذي ظل الأدب الكولونيالي يصر على نفيه.  وقد  عبر "ديب"  عن ذلك  عقب الاستقلال      

 

بقوله:

 «L’Algérie  n'a plus besoin des avocats que nous avons cru devoir être tout ce temps passé…l'écrivain algérien est rendu à lui-même son épreuve est là».      

والمعنى أن الجزائر لم تعد الآن بحاجة إلى من يدافع عنها كما كنا طيلة الفترة السابقة، فالكاتب الجزائري أصبح يعبر عن ذاته ومشاغله الحميمية.

 إن التحول الذي ظهر لدى هؤلاء الكتاب عقب الاستقلال يؤكد الرأي القائل بأن اللغة الفرنسية كانت مجرد أداة استخدمها الروائيون الجزائريون للكتابة مساهمة منهم في تحرير الجزائر، أما وأن الجزائر قد نالت استقلالها ، فلم يعد هناك داع للتمسك بها.

 في تصريح أدلى به لمجلة (الهلال) المصرية، ذكر فيه "مولود معمري" أنه تأسف على عدم استطاعته تعلم اللغة العربية لغة بلاده، واعتبر الجهل باللغة العربية مأساة تكمن في داخله، وتسبب له كثيرا من الآلام. وتنبأ أن الأجيال المقبلة من الكتاب الجزائريين ستعوض ما حرموا منه. وفي رده عن رأيه في كتاباته باللغة الفرنسية، أجاب بأنه حاول كثيرا أن يتعلم اللغة العربية، ولكنه فشل، وفشله هذا أثبت غباءه عن   جدارة، وهذه مأساته التي تسبب له كثيرا من الآلام، ولكن يضيف الأجيال المقبلة من الكتاب الجزائريين ستعوض كل ما حرم منه، وأنه لا يوجد ما يعيب الكتابة باللغة الفرنسية ما دام التعبير عن آلام وآمال الجزائريين، فالقارئ لأي كاتب جزائري يكتب بالفرنسية لابد أن يشعر للوهلة الأولى أنه يقرأ لكاتب عربي، لأن روح الكاتب هي التي تقوده وتنير له الطريق حينما يضع الخطوط الرئيسية الأولى لما يكتب. وختم مولود معمري تصريحه بأن هناك حركة من شباب الجيل الجديد بدؤوا يكتبون باللغة العربية، وهؤلاء هم مستقبل الجزائر، وهم الذين سيعملون على إذابة اللغة الفرنسية، وإحلال اللغة العربية ، اللغة الأم محلها.

 

تلك التحولات وجدت بداية لدى هؤلاء الكتاب ويمكن التحقق من ذلك من خلال الملاحظات الآتية:

·       توقف "مالك حداد" عن الكتابة، واعتبر أن دور الأدب المكتوب بالفرنسية قد انتهى وكتب في إحدى مقالاته في جريدة النصر سنة (1974) قائلا: « كما كان على بعض فناني السينما الصامتة أن يختفوا، وأن يتركوا أماكنهم لممثلي السينما الناطقة فإن على الكتاب الجزائريين الذين ينتمون لجيلي، ولهم تكوين ثقافي كتكويني، أن يتخلوا عن أماكنهم للكتاب الجزائريين الذين يكتبون باللغة العربية ...وأن يقتنعوا بترجمة أعمالهم إلى (اللغة العربية)  في بلدهم».

·       انشغال "كاتب ياسين" بالمسرح وتوقفه عن الكتابة بالفرنسية، ودعوته بالمقابل إلى الكتابة بالعربية الدارجة.

·       انصراف "مولود معمري" إلى دراسة وتدريس اللغة البربرية، فلم ينشر له غير عملين أو ثلاثة.

·       غياب "مولود فرعون" عن الساحة الأدبية بعد إقدام المنظمة السرية (O.A.S)  على اغتياله سنة )1962).

·       اختيار "محمد ديب" العيش بعيدا عن الوطن، وابتعاده عن الجزائرسنة (1962)، فانعكس ذلك في  أدبه فمال إلى التجريد والرمزية على حساب الواقعية.  

·       تحول الكاتب "رشيد بوجدرة" عن الكتابة بالفرنسية إلى الكتابة باللغة العربية.

 

المراجـــــــع:

-عبد الله ركيبي:القصة الجزائرية القصيرة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر1983.

-عبد العزيز شرف: المقاومة في الأدب الجزائري، دار الجيل بيروت،1991.

_سعاد خضر: الأدب الجزائري المعاصر، منشورات المكتبة المصرية، بيروت1967

-واسيني الأعرج: اتجاهات الررواية العربية في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب1986.

-Albert memmi: le portrait du colonisé, correa, paris,1957

-Jacqueline arnaud : la littérature maghrebine de langue française, publisud, France,1986

-Jean dejeux :situation de la littérature maghrebine de langue française , opu , Algerie 1982.