مريد البرغوثى : الأشياء عندما تصير شعرا

يقول الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى : " حصلت على ليسانس من قسم اللغة الإنجليزية وآدابها , وفشلت فى العثور على جدار أعلق عليه شهادتى "

بهذه الكلمات القليلة عبر الشاعر عن مأساته . وهى مأساة شعب كان وما زال حالة استثنائية .استلب فيها وطنه, وصار دم أبنائه المسفوح فقرة ثابتة فى نشرات الأخبار .

 وفى كتابه الرائع " شعرية الأشياء فى شعر مريد البرغوثى " يرصد الدكتور أحمد عبد الحى أستاذ الأدب بجامعة طنطا , تجربة الشاعر الثرية التى تمثل إبداعا شعريا ذا خصوصية . حيث تفقد الأشياء – على يد الشاعر- شيئيتها وماديتها الجامدة لتنبض بأدق مشاعر الشاعر وأرق أحاسيسه

فالبيت والدار والمنزل ... كلها كلمات تدور فى الكثير من قصائد الشاعر مشيرة إلى البيت المفقود أو الباب الذي ندقه ولا مجيب , وهى كلمات تعكس حنين الشاعر إلى بيت وسقف وجدار وباب . وهو حنين تسقط فيه الحدود بين الوطن والمنزل . فيصبح الحنين إلى المنزل وسقفه وجداره هو حنين إلى الوطن المسلوب , وتصبح عتبة الدار حلما بعيد المنال . 

يقول الدكتور أحمد عبد الحى : " فى تاريخ الشعر العربي لا أذكر شاعرا وقف على عتبة الدار يعزف على أوتار شعريتها من خلال ما تثيره من مشاعر وأفكار كما فعل مريد البرغوثى . وما أشبه ( العتبة ) فى هذا السياق بأطلال الشاعر الجاهلي . وكما كان وجدان الشاعر الأخير يشتعل ويهتاج كلما أطلت العين على الأطلال , كذلك الشاعر المعاصر الذي أصبح وطنه كله طللا , يثير كل شبر فيه أطيافا من الذكريات "

فالبيت الضائع وما فيه من أثاث - إن وجد- تثير كلها حسرة الشاعر الذى يحس بالانكسار والغربة فى وطن صار أبناؤه غرباء داخل حدوده التى يحرسها غرباء لا قلوب لهم . ومن بين أثاث الدار تبدو ( المخدة ) غالبا معنية بتصوير لحظات الانكسار والقهر :

على مخدة وحيدة

تأملت سيدة ٌ سرير ابنها الأكبر

مُرتَّبا للمرة الأخيرة

وفارغا إلى الأبد

فالمخدة تصور لحظة انكسار الأم حين تقف متأملة سرير ابنها , فتبدو

 

 المخدة  وحيدة , لأن الابن لم يصبح عريسا بعد . والسرير مرتبا وفارغا لن تسعد الأم برؤيته مبعثرا لكي تعيد ترتيبه بعد أن رحل صاحبه بلا عودة وإلى الأبد

وفى نص للشاعر بعنوان " كُرسيُّكَ هذا " يبدو الكرسي قويا وأنيقا . أما الجالس عليه فيحاول أن يبدو مثل كرسيه قويا وأنيقا أيضا وذلك بالتزام الصمت تارة . وافتعال الشجار ثانية وإثارة الضجة ثالثة وتوجيه اللوم أو العتاب رابعة , غير أن عدسة الشعرية تتجاوز القشرة الأنيقة للكرسى وللجالس عليه , فتظهر الحقيقة . وهى أنهما مكسوران . ولا تجدى محاولات الجالس على الكرسى فى إخفاء ارتعاشة اليدين أو انكسار العينين . عندئذ يدنو الشاعر من الجالس على الكرسى قائلا له :

خذنى

كُرسيُّكَ يأخذ مكـْسُورَين

 وتتكشف المفارقة فى النهاية . وهى أننا جميعا مكسورون . الكرسى والجالس فوقه والمتأملون لهما

وهكذا تحت وطأة ألم مريد البرغوثى ومعاناته الصادقة تخرج الأشياء المادية عن إطارها المادى لتصبح زخما شعريا معبرا عن واحدة من أقسى وأمرّ تجارب الألم الإنسانى فى عصرنا الراهن