لم يكن تحليلنا لمؤتمر انابوليس ، وما قد يسفر عنه ، في حينه تشاؤميا، كما يحلو للبعض أن يسميه، بل توصيفا دقيقا للمعطيات القائمة.

وان كنا في هذا المقام لسنا بصدد العودة إلى هذا المؤتمر، فإننا بتنا الآن معنيون بنتائجه، التي ستحكم المرحلة القادمة، سيما وأن القراءة السريعة لهذه النتائج تشير إلى أن العيب أساسا فينا وبكل أسف.

 

فما أن همدت نار انابوليس ، حتى أعيد توهج جمرها نارا استعرت مع زيارة الرئيس الأمريكي جورج. و. بوش إلى المنطقة ، وما صدر عنها من تصريحات ، جد خطيرة ، تمثل انعطافا في الرؤية العالمية للصراع العربي الصهيوني بشكل عام والفلسطيني منها بشكل خاص.

 

فالتحذير من انابوليس ، إنما أطلقناه ، ليس إدراكا مبكرا لنتائجه المستقبلية فقط، وإنما دفعا باتجاه إعادة الحسابات الوطنية لدرء المخاطر واتخاذ الخطوات الفعلية التي تخمد نار انابوليس القادمة ، وهي المهمة المنوطة بمؤتمر القوى الوطنية والإسلامية التي ستعقد مؤتمرها في دمشق بين الثالث والعشرين من الشهر الجاري حتى الخامس والعشرين منه، وكذا كافة اللجان الشعبية التي تناضل من اجل العودة ، وهو الهدف والمبرر لوجودها.

 

فقد أطلق الرئيس الأمريكي بوش تصريحات غير مسبوقة أمريكيا ودوليا لجهة رؤيته للصراع العربي – الصهيوني، باعتبار هذا الكيان " دولة لليهود" ما اعتبره البعض واهما إرضاء لحليفه الصهيوني اولمرت ودعما لوضعه السياسي، والصهيوني الداخلي في مواجهة "خصومه..!" في الساحة الصهيونية ، وما يخفف النتائج القادمة عبر تقرير لجنة " فينوغراد"الصهيونية، إلا أن الحقيقة غير ذلك تماما. إذ أن الإدارة الأمريكية الحالية ، وفي الربع الساعة الأخيرة المتبقية لولاية الرئيس بوش في السلطة ، ترصّد للنظرة الأمريكية والدولية المستقبلية في رؤيتها للصراع العربي- الصهيوني  والمنطقة برمتها وافق الحلول الممكنة . بمعنى أوضح وضع المنطلقات الجديدة لأي حل قادم بمعزل عن شكل الإدارات القادمة

، سيما وان الإطراف الأساسية قد أعلنت موافقتها على ماجاء به بوش . وشكلت سلطة محمود عباس سابقة في هذا الاتجاه عندما أعلن صراحة أن المفاوضات مع الصهاينة ستعتمد على ما سماه " رؤية بوش".

 

فعلى الصعيد العام ، فقد هدف بوش من جولته تحشيد المنطقة في إطار حرب قادمة تستهدف إيران، ومحاور الممانعة للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة ، وعلى ذلك عقد العديد من صفقات بيع للأسلحة المخزنة في الكيان الصهيوني إلى العديد من هذه الدول وهي أسلحة سبق اختبارها في العدوان الصهيوني على لبنا في تموز 2006.

 

وعلى الصعيد الخاص ، فقد مهد بوش الأجواء لدخول ما يسمى ب" الحرب على الإرهاب" مرحلة جديدة فلسطينيا لجهة الحسم، كمفتاح أساس لمفاوضات الوضع النهائي.

 

ولعل دعوة بوش إلى دولة " لليهود" يأتي في سياق إيجاد النموذج لتقسيم المنطقة العربية طائفيا وعرقيا واقامة الكيانات المتنافرة ضمن ما أطلق عليه " الفوضى الخلاقة" ، هذا إذا ماقيض لهذا المشروع النجاح.

 

وعلى ما تقدم يصبح ليس غريبا أن يطلق بوش تصريحاته في عقر دار السلطة الفلسطينية حيث تحدث عن ثلاثة محاور أساس:

الأول : التزام أمريكي بأمن الكيان الصهيوني،  وإقامة "دولة لليهود" في فلسطين.

الثاني : كيان فلسطيني يراعي الواقع القائم على الأرض ،ولا يستند إلى حدود عام 1967.

الثلث : نسف كلي لحق العودة واستبداله بدعوة المجتمع الدولي – وهو الاسم الحركي للإدارة الأمريكية_ إلى " إيجاد حلول لتعويض اللاجئين الفلسطينيين" .

ليصبح السؤال :

من أين جاء بوش بأفكاره هذه....؟

 

إن مراجعة سريعة للأدبيات السياسية للنظام الرسمي العربي والفلسطيني المعلنة والمطبوعة تؤكد على أن ما أتى به بوش قد تم الترويج له عربيا وفلسطينيا في :

1-    مبادرة السلام العربية التي تحدثت صراحة عن دولة فلسطينية ضبابية الحدود والكيانية .

2-    كف اليد العربية من التدخل في أية مفاوضات فلسطينية صهيونية عبر ترجمة سيئة لعبارة " تقرير المصير " التي جهدت السلطة الفلسطينية في تثبيتها في الخطاب الرسمي العربي . وبالتالي إلغاء أية مرجعية للمفاوضات.

3-    وثيقة جينيف القديمة والمعدّلة التي وقعها بعض الرسميين الفلسطينيين مع الصهاينة والتي استبدلت حق العودة ب" إيجاد حل لمشكلة اللاجئين"، وتساوق محمود عباس مع هذا الطرح بالدعوة إلى التجنيس وغيره من مفردات شطب حق العودة.

4-    موافقة السلطة الفلسطينية وعلى لسان رئيس حكومتها سلام فياض في مقابلة مع تلفزيون فلسطين الشهر الماضي على مبدأ تبادل الأراضي مع الكيان الصهيوني. أي ضم القرى والبلدات العربية المحتلة عام 1948 والمتاخمة لحدود الضفة الغربية إلى الضفة مقابل التوسع الصهيوني في القدس .

5-    قبول السلطة بالواقع الاستيطاني وإفرازاته ، عبر استئناف المفاوضات على وقع الاستيطان وتفهم الموقف الصهيوني من الاستيطان في القدس.

6-    الالتزام بخارطة الطريق التي تعني تصفية كافة قوى المقاومة.

 

وحتى ل انظلم أحدا في هذا الاتجاه يكفي قراءة ما جاء في المؤتمر الصحفي المشترك بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ، والرئيس الأمريكي.

فأكد عباس انه أعطى التوجيهات اللازمة للحكومة لتواصل العمل من اجل تعزيز الأمن والنظام..!؟ مضيفا " سنبدأ خلال الأيام القادمة مع جيراننا مفاوضات ثنائية تتناول جميع القضايا النهائية وإقامة دولتنا المستقلة استنادا إلى رؤية بوش وقرارات الشرعية الدولية وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين التي طال أمدها كما دعت إلى ذلك مبادرة السلام العربية...."

وإذا كان هذا مقتضب ما طرحه رئيس السلطة الفلسطينية ، فهل المطلوب من بوش أن يكون فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين؟؟؟ فالعيب فينا .

 

إنها السلطة الناجحة في قمع شعبها الذي تظاهر في وجه بوش وانابوليس ليس في غزة وحدها بل في ضفة السلطة المستكينة للاتفاق.

لقد كانت المسلكيات الفلسطينية المطية التي أوصلت بوش إلى رام الله والمبادرة العربية هي السائس ..

غادر بوش فلسطين الأسيرة ... ونتمنى أن ل اتكلف هذه الزيارة" التاريخية" على وصف عباس ، شعبنا فواتير تاريخية اكبر قد تبدأ بغزة ولا نعلم أين تنتهي وبمن..!؟

 

حسين موسى

كاتب وصحفي فلسطيني