بالرغم من ضمور الهالة الكبيرة التي حظيت بها مريم نور قبل سنوات في الإعلام العربي، إلا أني وجدت في هذه الظاهرة ما قد يفيدنا في تحليل أخطاء مجتمعنا، فقد وجدت في موقع مريم نور الكثير من الملاحظات التي تشير إلى مشكلات حقيقية لدى الشباب العربي، وذلك من خلال اطلاعي على بعض تعليقات معجبي مريم النور تحت زاوية (يا هلا بالضيف)، والتي استنتجت منها وللوهلة الأولى بعدا مغايرا لما كنت أتوقعه من متابعي أعمالها، وهو أمر يستلزم وضعه بعين الاعتبار، واستحضاره من جديد في ذهن كل من يهتم بالتنظير لهذه "الظاهرة" بموضوعية وحصافة. لست أدعي في البداية بأني من متابعي نشاط السيدة مريم نور بشكل مستمر، كما أني لا أدعي أني تصفحت كل ما كتب عنها سواء في موقعها أو في أي موقع أو منبر إعلامي آخر، إلا أني أجد نفسي ملزما بالوقوف عند عدد من الرسائل التي وُفّقت للاطلاع عليها في زاوية (يا هلا بالضيف) المذكورة، والتي تشير بمجملها إلى طبيعة العلاقة التي تربط هذه السيدة بمعجبيها، ولعل القارئ الكريم يقوم بمتابعة قراءة الرسائل الأخرى واستشفاف النتائج التي حصلتُ عليه أو تصويبها في حال جانبني الصواب. من الممكن القول بشكل عام أن الكثير من معجبي السيدة يحملون لها من الإعجاب والتقدير ما لم ألحظه في أي مكان آخر، ولست أجزم بأن ما تمكنتُ من الاطلاع عليه هو كل ما يقال عنها، وأن كل ما يكتب لها من رسائل فإنه ينشر لعامة الناس، إذ لا تعدم الحسناء ذاما كما قال العرب، ومن المعروف للجميع أن منتقدي هذه السيدة قد لا يقل عددهم عن معجبيها، ولا يمكن البت في رجحان أي فريق على الآخر. إلا أن الملفت للنظر في الأمر هو تلك اللغة التي يستخدمها أولئك المعجبون في مخاطبتهم لها، والتي تدل على حب غير عادي، تدل عليه ألفاظ وتعابير من قبيل: (الأنثى الوحيدة التي تستحقين كل الحبّ والاحترام غير أمي)، (وسأكون أنا خادمكِ وعبدكِ الأول … لأن في خدمتكِ خدمةً للأمة ولله … فأنتِ أمّ المؤمنين)، (فأنتِ فعلاً تستحقين كلّ الاحترام والتبجيل والتقديس . أرجوكِ كوني أمّي … لقد مللت العيش في مقبرة الأرواح هذه)، (إنني أحبك حتى العبادة ... ففي عبادتكِ عبادة لله ... شوقي وحنيني للقياكي لا يحدهما حدود ... وليجمعني الله بك في الدنيا والآخرة ...)، (لولاك يا مدام نور ما كنا أبصرنا النور)، (انتى البلسم الشافى يا اروح شئ فى العالم)، بالإضافة إلى تسميات وألقاب من قبيل: الأم والجدة والأميرة والغالية والحبيبة والملهمة... إلخ, ولا شك في أن ورود كلمات كهذه من شبابنا في حق أي كان.. هو أمر يدعو للحذر. وقد كان من الأجدر بالسيدة مريم أن تمتنع عن نشر كتابات كهذه أمام قرائها، فحتى لو كانت هذه الكتابات تعبر عن صدق مشاعر المعجبين، فإن الاستماع لتبجيل من هذا العيار أمر تمجه الطباع السليمة، وقد عرفنا ذلك من علماء أمتنا الأفاضل، في نهرهم لمريديهم الغلاة في التعظيم والتقديس. ومن جهة أخرى، فإننا لا نستطيع الجزم بأن هذه الرسائل هي كل ما يرد إلى الموقع من رواده، ولعل الأرجح لدى كل متتبع أن يكون هناك عدد من الانتقادات التي لم نجدها بين الرسائل، مع اعترافنا بأن هذا الأمر لا يمكن تأكيده لعدم قدرتنا على التحقق منه. إلا أن الملاحظة الأكثر خطورة في أمر هذه الرسائل، هي ما تتضمنه من أفكار ومعتقدات تدل على تأثر أصحابها بأفكار السيدة "الأم"، والتي يتناقض الكثير منها بالضرورة مع مبادئ الإسلام الذي يدين به هؤلاء الشباب كما تدل عليه أسماؤهم، وهذا الأمر يستلزم نقاشا علميا موسعا لا يتسع له هذا المقام، ولكني سأشير في عجالة إلى بعض ما وقعت عليه من هذه النقاط المثيرة للجدل: تقول إحدى المعجبات: "الدين عندى هو دين الفطرة المحبة لله فى الله وليس خوفا ورعبا منه او خوفا من عباده فهو المعبود مصدر الخلق والوجود لم يخاطبنا مباشرة بل ارسل رساه كل بلسان قومه والواقع الحالى يمنعنى عن التعبير فيكفى الجرح الذى ينزف امى مريم ان الله امرنا بالايمان الكامل برسله لانهم منه ويحملون نوره كذلك الحكماء والدراويش فان تعصبت لنبى دون الاخر فان ايمانى ناقص بل معدوم". وهذا الفكر يفضي بالطبع إلى ما يسمى بوحدة الأديان، وهي دعوة فارغة عن أي معنى، تنادي بصهر جميع الأديان في بوتقة واحدة، والأخطر من ذلك هو جعل هذا التحكم في شرع الله وجها وحيدا للتسامح والتآخي بين الجميع. وهو أمر يؤدي لا محالة إلى طمس الحقائق وتمييعها، إذ يصبح صاحب كل دعوى على حق، وهم جميعا متناقضون في أخص خصوصيات العقائد والتشريعات، مما يعني التساهل في التطبيق، والتراخي في الاعتقاد، ولي عنق الدين القويم - إن استطاعوا- لمواءمة الأهواء التي ضاقت ذرعا بالانصياع لأمر الله. وأحيل هنا القارئ الكريم إلى كتاب السيدة مريم (فنجان قوة) الذي ملأته بالأساطير والحكايات الحالمة، والخرافات الملفقة على الأنبياء والأولياء.. في سبيل دعم هذا الرأي وتقويته ببعض الآثار التي لا أصل لها. وبالعودة مرة أخرى إلى الرسالة السابقة نقرأ فيها: "مسالة الحجاب عندى ان يكون فى القلب واللسان والعين لا فى تغطية الشعر لانه يحتاج للهواء والشمس كذلك انه من علامات الجمال التي وهبها الله لنا فلماذا هذا التعقيد هل من اجل السترة والعفاف (ماخفى كان اعظم) فالمراة ان كانت ذات اغراء فاين عزيمة وادراك وخلق الرجل؟؟؟ " ومن الملاحظ لدى هذه الكاتبة أن المسألة ليست إلا رأيا في نظرها، إذ تتصدر المقطعين السابقين كلمة "عندي"، وهو أمر تبيحه تعاليم السيدة الأم، عندما يصبح لكل عاشقٍ الحق في اختيار طريقة عشقه، وكأن الله تعبدنا بما "عندنا" من هوى لننسف به ما "عنده" من تشريع. وفي رسالة أخرى ممهورة بتوقيع "محمد" من ليبيا، يقول الشاب العشريني: " ...والتفاهات التى يتفوهون بها من كدب وخلاعه والى غير دالك من مساوىء العرب والمسلمين كما نعرف جميعا ولكن تضمد جرحى عندما قراتى لنا الاميلات اللتى يرسلونها لك اصحابك فى اميركا وصانعى السلام وكبار المسؤولين من اغراءات لكى تحضرى اليهم..."، ويمضي في الدفاع عن السيدة "الأم والحكيمة" منطلقا من شعوره بالغربة وسط أهله، ورغبته في الانعتاق من الحصار الذي يعيشه، والذي لم يجد الخلاص منه إلا على طريقة الأم الحكيمة في التوحد بالإله. وهو الأمر الذي دفعه للإلحاح على السيدة بالبقاء في العالم العربي الذي يفتقر إليها على أنها "نور من الله وخليفة له فى هذا الزمن وخاصة مع العرب والمسلمين " !! متوعدا منتقديها بالقول: "...وكل الشباب ياالى مثلى وموصولين بالصمت دائما فلا تدع للاغبياء وللجهله مهما كانوا ومهما كانت شحصياتهم ان يحولوا بيننا وبينك ". مع اعتذاري الشديد من القارئ الكريم لهذه الركاكة اللغوية والإملائية التي اضطررت لنقلها كما هي. أما الكاتبة التي وقعت باسم "صديقة من اليمن" فقد باحت بكل ما في نفسها من حقد على من خالطتهم من المتدينين الذين عرفتهم بالقول: "وأنا أقول لك عن تجربة شخصية كل الذين عرفتهم وكانوا يصلون ويصومون كانوا كذابين ومنافقين من طراز رفيع ويغتابون غيرهم ويلفقون على الناس أحقر الأكاذيب"..."وللحقيقة أنا لا أثق بالذين يصلون كثيرا ويصومون فهؤلاء عادة يخفون وجها آخرا قبيحا فأنا لم يخدعي في حياتي سوى هؤلاء المصلين الكاذبين" ، أما تعريف كاتبتنا هذه للصلاة التي تعتبر عماد الدين فيمكن فهمه من قولها: "والله يامريم يغفر تقصيرنا في هذه الأمور لأ نها تخص كل شخص فصلاتي تعنيني وحدي لا دخل لأحد بها وليس من حق أحد أن يحاسبني عليها فليذهبوا لمحاسبة الملايين الذين يصلون وعقولهم في الأحذية التي ينتعلون ولكن الله لا يغفر حقوق العباد وظلم الناس لبعضهم فهذا ظلم لا يترك فالدين هو المعاملة"، وتمضي في تفلسفها إلى الحد الذي تقول فيه: "مشكلة العرب أنهم معجبون بأنفسهم ويظنون أنهم على دين وأن الغرب يريد أن يهاجم هذا الدين ويقضي عليه لقد قضينا نحن على هذا الدين منذ زمن طويل بأيدينا ولا داعي لإتهام غيرنا بتهم باطلة أنا فعلا أود أن أعتذر للغرب فهو من يحتضن الإسلام اليوم ويتعامل به (...) ولأن العرب منافقون وكذابون هم لا يريدون تحمل مسئولية ذلك ويتهمون غيرهم فما فعلوه هم فالشخصية العربية شخصية مريضة ذات وجهين كلاهما قبيحين ومن دون الإعتراف بذلك لن نتغير وأنا يا مريم أحبك كما أنت لأنك إنسانة شريفة وواضحة وضوح الشمس ولأنك الوحيدة التي تصلين وتصومين حقا وتعرفين معنى هذه العبادات وأنا أصلي لأجلك دوما... " أعتذر للقارئ الكريم عن اقتباسي لهذه المطولات، إلا أنني اضطررت لذلك بهدف تسليط الضوء على ما يدور في أذهان هؤلاء الشباب من أفكار خطيرة. وبما أننا لسنا الآن في معرض الرد على ما ورد في كلامهم، فسأكتفي بمحاولة لمس جراحهم وتقليب همومهم، عسى أن يكون ذلك خطوة أولى في طريق العلاج: أولا: إن انتشار هذا الفكر الروحاني المفرط في مثاليته لا يشكل - في رأيي- إلا ردة فعل مبررة للإفراط المقابل في مادية المجتمع، ففي الوقت الذي قد يشار فيه إلى منطقية انتشار هذه الظاهرة في الغرب فإني أجد نفسي مضطرا لسحبها على مجتمعنا المغرق في التقليد، إذ أن تقليدنا في نمط المعيشة الاستهلاكي لا بد وأن يستلزم استيراد مستلزماته أيضا وتوابعه من أمراض اجتماعية خطيرة، ثم من حلول أكثر خطرا وتطرفا من المرض نفسه. ثانيا: إن تشبث هؤلاء الشباب بقدوة مصطنعة على شاكلة مريم نور، وانسلاخهم من عقائدهم وأعرافهم وثقافتهم ليس إلا نتيجة للهوة الكبيرة التي تفصلهم عن مجتمعاتهم التي تئن تحت وطـأة أمراضها المستعصية، فلو أن شبابنا وشاباتنا من المراهقين الحائرين قد وجدوا المثال السليم والقدوة الحسنة لما لجؤوا لأمثال هذه السيدة، ولما وجدوا في تخاريفها التي لا تستند إلى علم ولا روح أي مستمسك. واللوم هنا يقع علينا جميعا، بدءا من الآباء والأمهات العاجزين عن استيعاب تفتح عقول أبنائهم على العصر، مرورا بمدرسيهم الذين خانوا أمانة العلم عندما جعلوه مطية لكسب الرزق ليس إلا، وانتهاء بعلماء الأمة الذين انشغلوا بسفاسف الأمور وإشعال الحروب بين الطوائف ونبذ الآخر وتجهيله وتسفيهه كبرا واعتدادا بالنفس، وبأولياء الأمر الذين لم يوفروا لهؤلاء الشباب احتياجاتهم الروحية والعقلية، والتي تعد في حسبان الكثيرين منهم على رأس الأولويات، وبوسائل الإعلام التي تبحث جاهدة عن هذه "الصيحات" التي ما فتئت تلقى القبول الشعبي منذ فجر التاريخ. ثالثا: إن العلاج المنطقي لهذه الظاهرة لا بد وأن يبدأ من تصدي العلماء والمفكرين لأصحابها بالحوار العلمي السليم، والقائم على تقبل الآخر وتفهمه، والرغبة في مساعدته على تخطي مشكلاته وتقديم الحل الأمثل له. فالغربة التي تشي بها كلمات هؤلاء الحيارى وانسلاخهم من عقائدهم ومجتمعاتهم ليست جريمة في حد ذاتها طالما كانت بحثا عن الحقيقة، إنما الخطأ كل الخطأ في الرضا بالحلول المبتسرة، والاستسلام لتلك الأفكار التي لا تقوم بها حجة، ولا يرضى بها من كانت له أدنى مسكة من عقل. ولو أن علماءنا قد سبقوا لسد هذا الفراغ لما انجرف هؤلاء الشباب في ذلك التيار الذي وجدوا فيه كل ما تبحث عنه نفوسهم القلقة من طمأنينة، غاضين الطرف عن أسئلة كثيرة ما زالت تبحث عن إجابات أكثر إلحاحا. وأخيرا فإني أجد نفسي مضطرا لشكر السيدة مريم نور على تنبيهنا لهذه الأخطار التي توشك أن تعصف بنا، وتبقى مسؤولية إنقاذ هذا الجيل منوطة بهمم أهل العلم والفكر الذين تعلقت بهم آمال الأمة، عملا بالمثل الشعبي "إذا ما كبرت، ما بتصغر".. وكلنا أمل في ألا تكبر أكثر مما هي عليه الآن.