المصالحة الوطنية بين الفكر القابيلي والهابيلي :

                                                                                             بقلم : بوقفة رؤوف

 

 

                الأفكار لا تموت بل تبقى حية ما دامت على الأرض حياة, بغض النظر عن نوع الفكرة سواء كانت معتدلة أو متطرفة ,صائبة أو خاطئة ,وهذين النوعين من الأفكار يمثلان متلازمة الخير والشر وقد نزلا مع نزول الإنسان للأرض وأول تجسد لهما نجده في قصة هابيل وقابيل,وسنحاول هنا التعرف ولو قليلا على هذا الفكر وتأثيره على المصالحة الوطنية

  قال تعالى في محكم تنزيله :" واتل عليهم نبا ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك ,قال : إنما يتقبل الله من المتقين (27)لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك آني أخاف الله رب العالمين (28)آني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاءا الظالمين (29)فطوعت  له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30)." ( سورة المائدة )

  على ضوء هذه الآيات الكريمة لا نركز هنا على الدافع من وراء الفعل بقدر تركيزنا على الفعل في حد ذاته وعواقبه ,لأن التركيز على الدافع عادة يفتح باب المبررات وما أكثرها لمن كان عازما على الفعل,أما إذا ركزنا على الفعل في حد ذاته ونتائجه فان جميع المبررات تتهاوى واحدة تلو الأخرى كالظروف المخففة التي لا يؤخذ بها في جرائم قتل الأصول مثلا

  والفعل الذي يهمنا في هذا المقال هو القتل ,لقد قتل قابيل أخاه هابيل وان لم يكن هناك لأي عاقل أدنى مبرر أو دافع لكن بالنسبة لقابيل هناك مبرر أو دافع قوي إن لم نقل عارم سكن عقله وسيطر على كيانه فطار النوم من أجفانه ومنع الطعام على معدته ولم يعرف للراحة طعم حتى يقدم على فعله اتها جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد بمفهومها القانوني دون ووجود أعذار ولا ظروف تخفيف

لقد سيطر على ذهن قابيل أن أخاه منافس شديد يزاحمه في نيل مبتغاه لذلك وجب إزاحته من على طريقه بشتى الطرق ومختلف الوسائل

    وهذه هي النقطة الأولى في الفكر القابيلي : - النظر للأخ على أنه منافس  ,وهي نقطة خطيرة لأن الأخ يسامح أخاه بل يؤثره على نفسه ,بينما إذا نظر له نظرة المنافس له فانه يشحن عاطفته بكل أنواع الحقد والغضب والغيرة لتكون له طاقة يتغذى بها لتنفيذ جريمته وتقوم هذه النقطة على مبدأ سوء الظن بالغير وأن كل الناس متهمين إلى أن يثبت العكس

بينما إذا نظر له نظرة الأخ فانه سيشحن عاطفته دون قصد بشحنات المحبة والإيثار والتضحية والعطف والرحمة والحنان وهذه هي نظرة هابيل لقابيل

      إذن فنظرة قابيل لهابيل كانت نظرة المنافس لمنافسه بينما نظرة هابيل لقابيل كانت نظرة الأخ لأخيه وهذه هي النقطة الأولى في الفكر الهابيلي وهي النظر للغير نظرة الأخ لأخيه وتقوم هذه النقطة على مبدأ حسن الظن بالغير وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته فما بالك بالبريء أصلا

     أما النقطة الثانية في الفكر القابيلي فهي إزاحة المنافس باعتباره يشكل خطر على مصالحه فوجب التخلص منه إما بقوة القانون أو قانون القوة ويقابلها في الفكر الهابيلي التماس الأعذار مجسدها المثل القائل التمس لأخيك ولو سبعين عذر وهو وان أخطأ معك في الكلام وتعداه حتى للفعل فأنت تلتمس له الأعذار لأنه ببساطة أخوك وأنت عاملته من منطلق الأخوية لا من منطلق المنافسة لأن المنافس يبحث عن زلات منافسه وعثراته لا عن أعذاره وبالتالي فالنقطة الثانية في الفكر الهابيلي هي التماس الأعذار

   أما النقطة الثالثة في الفكر القابيلي فيجسدها المبدأ الماكفيلي : الغاية تبرر الوسيلةوكذلك فعل قابيل كي ينال مراده تخلص من منافسه ولم يهمه طريقة التخلص هل هي وفقا للشريعة والقانون أم أنها مخالفة لهما ,في هذا الفكر لا يهم كيفية الحصول على المال مثلا قد يكون بالسرقة وقد يكون بالنصب والاحتيال وقد يكون بالاختلاس والرشوة المهم هو الحصول عليه فقط بل يتعدى الأمر حتى القيام بأكبر جريمة : إزهاق الروح البشرية التي هي أشد حرمة عند الله من الحجر الأسود في الكعبة وأي روح انها روح الأخ الحامي والسند

وتقابلها النقطة الثالثة في الفكر الهابيلي وهي التضحية  بمختلف أنواعها وأشكالها ودرجاتها حقنا للدماء وإطفاء لنار الفتنة

ان قصة قابيل وهابيل لتتجسد في كل زمان ومكان ولا نتصور وجود هابيل دون قابيل ولا قابيل دون هابيل ولنفرض وجود قابيل وقابيل ماذا سيحدث ؟ستقوم حرب ضروس يتحول الوطن فيها الى جحيم او يهلك الجميع اما لو كان هابيل وهابيل لتحول الوطن الى المدينة الفاضلة ولاصبح روضة من رياض الجنة وفي كلتا الحالتين لفسدت الارض ،فهابيل يبقى موجود وكلما قتل خرج من نسله مليون هابيل ،وقابيل يبقى هو الاخر موجود وان سجن او اعدم يخرج من نسله مليون قابيل ،ولا نستطيع التخلص من قابيل ونسله كما انه مهما بالغنا في حماية هابيل ونسله لا نستطيع درء القتل عنهم ،لكن بمقدورنا التقليل من انعكاسات الفكر القابيلي على ارض الواقع صحيح ان ذلك يحتاج لبرنامج متكامل مدروس موضوع بعناية من طرف نخبة في علم الاجتماع والنفس والدين والسياسة والاقتصاد وتجسيده في برامج إذاعية وتلفزية وصحفية ومقررات دراسية من تحوير موضوع المنافسة الى موضوع الاخوة وتحويل فكرة المنازعة الى فكرة التضحية وجعل المبدأ السائد في الحياة الاجتماعية هو حسن الظن لا سوء الظن فيتحول الفكر السائد في الحياة الاجتماعية والثقافية الى فكر هابيلي يقوم على روح الأخوة والتسامح والتماس الأعذار وحسن الظن بالغير والتضحية بالنفس والنفيس من أجل الوطن

مع أخذ في الاعتبار أن الفكر الالقابيلي فكر لا يموت يبقى حي ربما في حلة تجمد أو في سبات لكن ينشط مباشرة بمجرد وجود مناخ يلائمه

بعد هذا التبسيط لكل من الفكر القابيلي والهابيلي وتحليلهما  لا بأس أن نسأل أنفسنا بعض الأسئلة التي تخدم المصالحة الوطنية :

-    هل من التحق بالجماعات المسلحة وحمل السلاح في وجه الجيش وأعوان الأمن وحتى المواطنين العزل والأجانب غير المحاربين صاحب فكر قابيلي أم هو ذو فكر هابيلي ؟

-     والاجابة على هذا السؤال هو أنه من يحمل السلاح ضد الشعب هو صاحب فكر قابيلي لأنه يرى في الغير منافسين له وجب إزاحتهم بالقتل ولم يراهم أنهم اخوة وجب التماس الأعذار لهم ان لم نقل التضحية من أجلهم

-     والسؤال الثاني : بعد أن سلمنا أنه يوجد في الوطن من يحمل الفكر القابيلي فماهي استراتيجية المواجهة هذا الفكر لأنه لحد الساعة المواجهة كانت في عالم الأشخاص لا في عالم الأفكار والأشخاص تحركها وتوجهها الأفكار وبالتالي فتحيد الأشخاص يكون بتحييد أفكارهم؟

-    والجواب بطبيعة الحال أن الفكر القابيلي لا يواجه بفكر قابيلي وأنه لا مكان في عالم الأفكار لقاعدة : أن الحديد بالحديد يفلح بل القاعدة المتبعة : أن الفكر بالفكر يفلح وبالتالي الذي ينجح في التصدي للفكر القابيلي هو نشر الفكر الهابيلي وتبسيطه وتعميمه في جميع نواحي الحياة الاجتماعية ,فيكون هو رسالة المسجد والمدرسة والاذاعة والتلفاز والبيت ومؤسسات الدولة حينها لا تكون المصالحة بين هابيل وقابيل  فقط بل تكون كذلك بين قابيل وآدم وحواء ،عندها تنام روح هابيل مطمئنة لأنها عرفت أن دمها لم يرق هباء ،لأن هابيل في الأصل لم يكن يوما ضعيفا لكنه كان حنونا رحيما ،عطوفا مشفقا ,كان بمقدوره مصارعة قابيل وان اقتضى الأمر قتله في اطار الدفاع الشرعي عن النفس ولا يسأل لأن الذي يريد به الضرر ليس حيوان مفترس أو عدو شرير انه أخ من نفس البطن والصلب ومن نفس الوطن وبقتله يقتل البطن والصلب والوطن ،بقتله يقتل كل ما هو جميل في الحياة بقتله يقتل معنى الحياة

-         لا يعني هذا الكلام أن نقف كقطيع ضأن أمام الجزار قابيل  ننتظر دورنا في النحر مبتسمين في بله فهذا قمة الخنوع والذل والهوان يأباه الدين والوطن وكل نفس سوية لأن هذا يتم على مستوى عالم الأشخاص الذي تحكمه قاعدة : ان الحديد بالحديد يفلح أو مبدأ : العين بالعين والسن بالسن والباديء بالظلم أظلم وبالتالي فهذه الكلمات جاءت لتسلط الضوء على فلسفة قابيل وهابيل في الحياة من وجهة فكرية فمواجهة حامل الفكر القابيلي على أرض الواقع تكون وفقا لمبدأ الحديد ومبدأ القصاص ،لكن في عالم الأفكار يواجه الفكر القابيلي بنشر الفكر الهابيلي وعند ترسيخ الثقافة الهابلية سينحصر مع مرور الوقت الفكر القابيلي ،لكنه يبقى حي يتربص اهمال الثقافة الهابلية حتى يعود مستأنفا نشاطه ضاربا بقوة في أعماق المجتمع ممزقا لنسيجه جاعلنا منه بيت عنكبوت .

-                                                                                                         بوقفة رؤوف