اولمرت ينجو بصعوبة وباراك في ورطة

بقلم : زياد ابوشاويش

برغم أن التقرير الصادر عن القاضي فينوغراد أدان الحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش واتهمهما بالتقصير وأشار لمسؤولية رئيس الوزراء عما أسماه عدم تحقيق النصر أو الأهداف المتوخاة من شن الحرب ، كما التشكيك في معقولية الدوافع لشنها ، إلا أنه لم يطالب رئيس الوزراء أولمرت بالتنحي أو الاستقالة . كما أشار التقرير لعدم خطأ المعركة البرية التي شنها الجيش في الفترة الأخيرة من الحرب على لبنان صيف العام 2006 واعتبر خوضها قراراً صائباً استوجبته مجريات الحرب وتداعياتها وان لم تعف الحكومة وقيادة الجيش من مسؤولية الخسائر الجسيمة التي وقعت أثناءها . وبمعنى واضح فان وصف الصحف الإسرائيلية وبعض المتابعين داخل الكيان الصهيوني بأن التقرير غامض إلى حد ما هو من وجهة نظري صحيح ودقيق ، وفي تحليل آخر مطابق للمعنى  يميل التقرير إلى التعميم في الاستنتاجات المتعلقة بالمسؤولية وتحديد المتورطين في الهزيمة الكبيرة أو الإخفاق الكامل كما يحب أن يسميه البعض للدولة الأقوى في المنطقة أمام حزب لديه بضعة آلاف من المقاتلين ليس إلا .

وكلنا يعلم أن هناك حزباً متطرفاً قد انسحب من الحكومة الحالية لينخفض عدد نوابها في الكنيست إلى 67 عضو ، وهو عدد يجعل هذه الحكومة تحت رحمة أي حزب له عدد من المقاعد يتجاوز السبعة مقاعد وخصوصاً حزب العمل الذي يتزعمه باراك وزير الدفاع والطامح لرئاسة الحكومة منذ غادرها مرغماً في انتخابات الكنيست التي فاز فيها نتنياهو عام 2000 .

هذا الحزب " إسرائيل بيتنا " والذي يقوده المتطرف ليبرمان انسحب بذريعة المفاوضات بين السلطة الفلسطينية برام الله وإسرائيل على قضايا الحل النهائي التي يفترض فيها هؤلاء المتطرفون أن حكومتهم يجب أن لا تخضع قضايا من نوع القدس والمستوطنات وغيرها لا للمفاوضات ولا حتى لمجرد النقاش مع الفلسطينيين ، لكن الأمر لم يكن بالكامل على هذا النحو بل هناك أمر آخر شجعهم على الانسحاب وترك الوزارة هو اقتراب صدور تقرير فينوغراد الذي كان من المفترض أن يوجه ضربة قاضية لاولمرت ، وترجيحهم أن عقد هذه الحكومة سيفرط ولذلك من الأفضل وللحفاظ على جمهورهم وإظهار انسجامهم مع موقفهم السياسي تجاه الحل "السلمي" مع الفلسطينيين استغلوا المسألة عقب مؤتمر أنابولس للانسحاب .

إن الانتهازية والوصولية واستغلال سقطات الآخرين أو لحظات ضعفهم وغيرها من الأمراض السياسية المعروفة هي ما يطبع النظام البرلماني في كيان العدو، و"الغاية تبرر الوسيلة" هي شعار كل الأحزاب والشخصيات القيادية في دولة يهود . ومن هنا يمكن فهم مواقف كافة الأطراف المشكلة للكنيست سواء كانت تشارك في الوزارة أو كانت في المعارضة ، وحتى الأحزاب العربية هناك لا تخلوا من هذه الآفات ، غير أن هذا لا يعني أن ديمقراطيتهم الداخلية سيئة أو تنم عن خراب مماثل في مؤسسات الدولة ومكوناتها الاقتصادية والعسكرية ، بل لابد من الإقرار بان عدونا يملك آلية للمراقبة والمحاسبة قلما توجد في العالم وليس فقط في منطقتنا ، وهذه نقطة قوة تعوض تلك الأمراض المزمنة داخل جسد التوليفة السياسية الحاكمة منذ زمن طويل . وفي ضوء ما تقدم كيف يمكن لباراك رئيس الحزب الثاني من حيث عدد المقاعد في الكنيست أن يتصرف بعد التقرير في ظل تصريحات له قبل صدور التقرير تجزم بمطالبة اولمرت بتقديم استقالته في حال أدانت لجنة التحقيق الحكومة واتهمتها بالتقصير وهذا ما وقع فعلاً حيث أكد تقرير فينوغراد على هذه المعاني رغم عدم مطالبته اولمرت بالتنحي .

ولم يكتف باراك بذلك بل هدد بالانسحاب من الحكومة إن أصر اولمرت على البقاء وبالتالي اللجوء لانتخابات مبكرة بعد فشل تشكيل حكومة بديلة على ضوء التركيبة الحالية للكنيست .

إذن نحن أمام مسألة صعبة ومعقدة تكتنف الواقع السياسي الراهن في تل أبيب ومفترقات لابد أن تغير ولو بشكل نسبي خارطة التحالفات وربما كل التشكيلة الوزارية الحالية إن قام باراك بتنفيذ وعوده للناخبين داخل حزبه وخارجه أو بصورة أخرى تهديده الذي أصبح من المشكوك تنفيذه في ظل الصورة الحالية للتحالفات الحزبية ووزن هذه الأحزاب في استطلاعات الرأي ومنها حزب باراك الذي يملك اليوم عدداً من المقاعد من المستحيل الوصول إليها في حال إجراء انتخابات جديدة وهو ما تجمع عليه كافة الاستطلاعات بما فيها تلك التي يجريها الحزب أو الصحف المؤيدة له . إن النقاش الذي يدور اليوم في أوساط إسرائيلية حول الاستنتاجات التي يجب أن يصل إليها اولمرت وكذلك استطلاعات رأي الجمهور الإسرائيلي تشير إلى أغلبية محبذة لاستقالته الآن ، أو التنحي وتسليم رئاسة الوزراء لزميل من نفس الحزب " كاديما " ، وهو أمر قد يكون حلاً لكل المشكلة وخصوصاً مأزق باراك الذي يحاول منذ توليه حقيبة الدفاع إثبات جدارته بالمنصب عبر العدوان الوحشي والحصار الهمجي على قطاع غزة وفي مدن الضفة ومخيماتها . لكن وعلى ضوء معرفتنا بموقف الرئيس الأمريكي جورج بوش بتحبيذه استمرار أولمرت على رأس الوزارة وتأكيد هذا المعنى في تصريحاته التي دعا فيها لمساعدة الأخير في البقاء ودعمه ، ما أثار حفيظة البعض داخل الكيان والتعبير عن رفضهم التدخل الأمريكي في شؤونهم الداخلية . قلنا على ضوء هذه التصريحات يصبح مفهوماً الآن لماذا يبتلع السيد باراك تصريحاته السابقة بخصوص فرط عقد التحالف مع أولمرت والبقاء ضمن الحكومة الحالية . بالطبع هناك مصلحة الحزب الذي يرأسه والتي تقول أن وجوده في الحكومة الآن أفضل من المغادرة في ضوء استطلاعات مختلفة للرأي العام تظهر أنه لا فرصة له في الفوز بمكانة شبيهة للتي يحتلها الآن ، لكن الأمر المؤكد هو أن موقف الإدارة الأمريكية يلعب دوراً ما في اتخاذ القرار داخل إسرائيل سواء أتى القرار من حزب العمل أو أي حزب آخر ، وقد استفاد أولمرت من هذا فأعلن ارتياحه لنتائج التقرير ورفضه الانسحاب أو الاستقالة .

ربما سينتظر زعيم المعارضة نتنياهو فترة طويلة قبل أن يتسلم رئاسة الوزارة وفي هذه الفترة تتغير أشياء كثيرة ومواقف كثيرة ، لكن المؤكد أن السيد باراك سيطول انتظاره من الآن وصاعداً وسيعمد كالعادة لبث تطلعاته وأحلامه عبر المزيد من القتل والعدوان على الشعب الفلسطيني ، ولا يستطيع أي محلل سياسي أن يتنبأ بحجم التغييرات أو التداعيات التي ستجري على الواقع السياسي لإسرائيل ، والثابت الوحيد الذي لا اجتهاد فيه هو الموقف الصهيوني لكافة الأحزاب تجاه حقوقنا العربية في أراضينا المحتلة وفي مياهنا وكل شيء هذا الموقف الذي يتنكر لهذه الحقوق ويسعى لتأبيد الوضع الراهن .

زياد ابوشاويش

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.