من بعد كل هذه الكوارث التي حلت بالأمة و الوطن .. من بعد كل هذا التدهور الذي طال الدول والشعوب العربية .. من بعد كل هذا الذل الذي عاشته الأنظمة علناً أمام العدو الصهيوني ، ذلاً تجلى بأوضح صورة أو بالأحرى أوضح صور عبر الانبطاح الجبان سراً و علناً أمام (إسرائيل ) نطرح الأسئلة التالية :

ماذا استفاد النظام العربي من ركوعه أمام الكيان الصهيوني؟

ما هي الفوائد المرتجاة حاضراً و مستقبلاً من تكبيل النظام العربي للإنسان و الشعب؟

هل الإنسان العربي المكبل و الشعب المقهور الذي تمت عملية تعطيل فاعليته التاريخية أمام أعدائه الصهاينة كانت عملية خادمة لمصالح النظام العربي أم العكس ؟

الممالقة و المداراة التي انتهجها النظام العربي أمام الصهيونية الإسرائيلية و التي أدت إلى أن يصبح خروفاً  لاحول له ولا قوة أمام ( إسرائيل ) و مشاريعها و مخططاتها القريبة و البعيدة .. بماذا عادت عليه و ماهي النتائج المباشرة و غير المباشرة التي ترتبت عن تلك الممالقة والمداراة ؟

إن كانت ( إسرائيل ) تهدد أي نظام عربي بالويل والثبور إن فكر مجرد تفكير بمواجهة عوامل إسقاطه ؟

عندما يصدر التهديد من ( إسرائيل ) لهذه الدولة العربية أو تلك بأنه إن لم يتراجع النظام العربي الفلاني عن خطوة ما لصناعة سلاح ما( له أهميته الاستراتيجية ) فستعمل (إسرائيل ) على ضرب هذا النظام و إطاحته  ..

أين عوامل القوة الذاتية التي تشكل حصانة أي نظام عربي ؟

أين عوامل القوة هذه عندما يتم ضرب و اعتقال إرادة الإنسان العربي و تكبيلها و تحقيق حالة الإنسان المقهور ، هذه الحالة التاريخية التي لم تفتك بشعب ـ أي شعب ـ  إلا و كانت النتيجة دمار الدولة والنظام الذي سعى ليكون إنسانه وشعبه إنساناً مكبلاً وشعباً مقهوراً .

من هو المستفيد الأكبر مما جرى ويجري عبر تلك العقود الماضية من المعاداة المكشوفة من قبل النظام العربي للشعوب المحكومة و المغلوبة على أمرها ؟

( إسرائيل ) اليوم تتميز بأنها القوة العسكرية الكبرى التي تعادل ـ مادياً و عسكرياً ـ قوة الأنظمة العربية مجتمعة ، إذا أين هي  سياسات المواجهة و إيديولوجيات المجابهة التي كانت وما زالت هي صاحبة ( الجزمة ) العسكرية الحاكمة في أغلب الأنظمة العربية و تحتها انسحق الإنسان العربي و كُبلت إرادته و أُعدمت إنسانيته .

حوربت الأخلاق التي هي جدار الصمود الوحيد في وجه المخططات الصهيونية  

ديست الكرامات و لم ينظر النظام العربي للكرامة  الإنسانية إلا بكونها عدواً يعارض انهزام الإنسان العربي أمام المخططات الأمنية الهادفة إلى سحق الإنسان أمام الأنظمة ..  و " لو دامت لغيرك ماوصلت إليك ."

هذه المستنقعات السيكولوجية التي تم إغراق الإنسان العربي فيها و تم تسخير كل الإمكانات الإقتصادية و الإعلامية و الثقافية و التربوية و السياسية والأمنية بهدف واحد موجه ضد الإنسان العربي ..

 إن حقق النظام العربي ديمومة مؤقتة بفعل هكذا إجراءات و سياسات داخلية ولكن هل سيحقق ديمومة أمام عدو صهيوني يرى في كل نظام عربي ـ تحديداً ـ مجرد مرحلة تطول أو تقصر إلى حين تطبيق المراحل الأخرى .

هل الصهيونية مشروع يحلم بتحقيق ذاته من دون حماية النظام العربي و غير العربي ؟

إذاً عندما نرى كيف يتم التخطيط ـ أمريكياً و صهيونياً ـ لضرب هذه النظام أو ذاك نعلم يقيناً تحقق الحكمة التاريخية ، لأن التاريخ و تجربته خير شاهد على وجود نواميس كونية و تاريخية تتحكم و تحقق ذاتها.. رغم أنف .

 المطلوب هو الوعي المقترن بالذكاء الذي يستمد من التاريخ دروساً و عبراً  سواء بالنسبة  للأنظمة أو للشعوب على حد سواء .

من ناحية اخرى فأي شعب عربي يرى أن إسقاط النظام العربي هو الحل لمواجهة العدو ـ  إسرائيلياً كان العدو أم أمريكياً ـ فربما أن ذلك ايضاً من قلة الحكمة و الوعي .. لماذا ؟ لأن أي نظام عربي مهدد بالإسقاط أمريكياً و إسرائيلياً لن يكون اسقاطه إلا بوجود بديل آخر لسد فراغ المرحلة الجديدة فيما بعد السقوط ، ولأنه لا يوجد لدى الشعب العربي حالياً إمكانية القدرة على أن يحكم نفسه من دون هيمنة أمريكية و صهيونية و من دون اختراق بنيوي من قبل المحافل  الصهيونية .

هل هناك دولة عربية حقيقةً ليست مخترقة أمنياً وسياسياً و ثقافياً ؟ أن وُجدت هكذا دولة عربية غير مخترقة فيمكننا أن نحلم بوجود شعب عربي قادر أن يحكم نفسه و أن يواجه عوامل الهيمنة .

نحتاج إلى قراءة متأنية لـ " إبن خلدون " رغم الفارق الزمني بين عصرنا و عصره ولكن مازالت دراساته الإجتماعية و النفسية بمعنى ما عن العرب متحققة و صحيحية ، ولعل ذلك يعتبر كلاماً سجالياً ولكن لا مناص من الاعتراف بصحة كثير مما  وثقه ابن خلدون و التجربة أكبر برهان .

......................

ابن خلدون سياسي بارع ومؤرخ