الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية وأميرها

بالأيدي النظيفة وبالعزيمة الحرة والصادقة ومجد التاريخ النضالي وبحب البقاء والعطاء وبوضع بصمات الشرف بالإصرار والتحدي للمحتلين حينا وللمتربصين والحاقدين آخر تبنى الأوطان وتقام المؤسسات النظيفة العملاقة الخالية من الفساد، هذه المؤسسات التي أعدت لتحتوي نخبة النخبة ممن لم تلطخ أيديهم بالسواد الذي أحدق بكثير من بلدان العالم ومنها فلسطين وفق منظومة العولمة المضروبة التي مررت لنا لبث الروح الانهزامية فينا والنيل من القضايا العادلة لصالح الطامعين.

 

فكلنا في فلسطين يعرف مدينة أريحا أقدم مدن العالم، وجميعنا يعلم الخطر المحدق بهذه المنطقة وغيرها من مناطق الغور الفلسطيني فإسرائيل متربصة لها وتصادر أرضها بمساحات شاسعة وفارضة للكثير من القيود والبروتوكولات الاحتلالية عليها،  ومن هذا المنطلق وُجِدَ عمالقة في هذا الوطن أدركوا أهمية مقاومة الاحتلال بأسلوب علمي سلمي هادف وباعث للأمل والنجاح لا بل صانع لأجيال مستقبلية تتقن فن الصدق والجلد والتحمل تتقن الوطنية بقانون، والعسكرة بنظام وإعطاء الحق بعدل، وجدت قيادات في الوطن تملك الأيدي النظيفة والشريفة غير المختلسة الباعثة للأمن والأمان فكروا وقرروا ونفذوا فكانت الفكرة السديدة التي تحتاجها فلسطين كل فلسطين، تحتاجها القضية الفلسطينية وعدالتها، يحتاجها المواطن الفلسطيني الذي كل و مل رؤية المؤسسات المتهاوية والمتهالكة والمملوكة إما سرا أو علنا، واشمأزت النفس من كثرة المؤسسات الموجه لصالح السين أو الصاد في ظل ظروف قاسية محدقة في فلسطين فجعلت للفوضى بيئة خصبة، وللعربدة بديل عن القانون فكان لا بد من بناء مؤسسة تصنع الأجيال والرجال فكانت الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية.

 

فالأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية كُثْر مِنا من سمع عنها وعن أهدافها فهي أكاديمية عسكرية حديثة والأولى من نوعها على ارض فلسطين تهدف إلى إعداد القيادات الأمنية بأسلوب علمي لا ارتجالي، بمنطق قانوني لا فوضوي، بروح الجلد والصبر والتحمل لا العبثية القاتلة والتي سادت هذه الأراضي لفترة طويلة، فهي جامعة على مستوى تكنولوجي عالي وتقنية تفوق ما تمتلكها كافة المؤسسات الفلسطينية والكثير من المؤسسات العربية، أكاديمية تتحدث لغة الكمبيوتر لغة العصر،  فالزائر لهذه الجامعة وللوهلة الأولى يرى بنفسه زائر لمتحف عريق ولمؤسسة أمنية ولجامعة أكاديمية في نفس الوقت، حيث الجدران تتحدث الفلسطينية القديمة وتعلي صوت الحضارة الفلسطينية العريقة عاليا، والبوابات تقول أنت القادم إلى مؤسسة الأمن أنت من تدخل بيت أبي سفيان فلن ترى ما يعكر صفوك ولن ترى ما تنتقده سلبا، للأمام قليلا أنت داخل الحرم الجامعي فهذه الإدارة بأقسامها والمعدة بتقنية فائقة وتلك هي القاعات الدراسية التي لا نظير لها على ارض فلسطين فالهدوء يبعث على الأمن ومن ثم حسن الإصغاء ومستقبل العطاء، والتجهيزات تقول إن هناك حرص على إعداد كادر بشري مميز يختلف عما تخرجه الجامعات العربية، وتلك هي المكتبة الجامعية والمخطط لها أن تكون على مستوى هذا الصرح، وتحتوي هذه الجامعة على قسم للغات ودائرة للبحث العلمي وعمادة لشئون الطلبة وقاعة اجتماعات ومسرح وقاعات رياضية، إضافة إلى وجود مطبخ بمواصفات تقنية يتسع لمئات الأشخاص في نفس الوقت، وكذا سكنات معدة للطلبة وللموظفين داخل هذا الصرح العملاق، وقيد التجهيز عدد من الكليات ومسبح اولمبي، ويحيط بهذه الاكاديمة ساحات ومساحات أعدت للتجميل حينا وللحفاظ على الصفاء الذهني حينا آخر، فمن زار هذا الصرح الأكاديمي وجد نفسه دخل صرح فلسطين يتحدث برغم حداثته عن تاريخه.

 

بدأت هذه الأكاديمية عملها بداية العام الدراسي2007 / 2008م حيث تم ترشيح واختيار عدد من الضباط في كافة الأجهزة الأمنية الفلسطينية وذلك ليعاد تأهيلهم إذ ندر أن نجد من هو متقن للعلوم الأمنية والعسكرية في نفس الوقت وبهذا سيخرج هؤلاء الضباط يحملون درجة الدبلوم قادة متقنين للعلوم الأمنية الأمر الذي سيتيح لهم تدريب أقرانهم في أجهزتهم الأمنية وبالتالي يتم السير في خطة تعديل وتطوير الأمن الفلسطيني بما يتوافق والتحديات التي تواجه الفلسطينيين.

لطالما حلمنا أن نجد أصحاب الارادة الخارقة والقدرة العالية على الانجاز والبناء وسط الركام، ونرى بصماتهم المميزة على ارض الواقع، حلمنا أن نجد من يقاوم الفساد ويحيي سلطة القانون الميتة ببعث روح القانون في الأجساد الأمنية، فكل شريف فلسطيني رغب في رؤية شيء جديد يقام من العبث في ظل العبثية التي استفشت بيننا، وكم طمحنا أن نجد من يقاوم الاحتلال المصادر لهذه الأرض بأسلوب راقي وناجح وحقا بات الحلم حقيقة فكانت الأكاديمية الفلسطينية للعلوم الأمنية-P.A.S.S- التي لن أوفيها حقها.

 

 ووراء كل انجاز عظيم متحدي عظيم فهنا لن يفوتنا ذكر أمير هذه الأكاديمية من وصفه بعض الإسرائيليين بصاحب اليد العليا لنصفه بصاحب العين الحادة والنظرة الثاقبة اللواء توفيق الطيراوي، هذا الرجل الذي طالبت به إسرائيل حيا أو ميتا من اعتبرت في وجوده خطر يهددها فخابت في مسعاها ليكمل مسيرة النضال التي بدأها مروسا إياها بالنضال والعطاء المتجدد متمكنا من بناء جهاز امني فلسطيني وما زال يتابع خطواته ومشروعه الوطني رغم الحملات الشرسة التي تشن ضده.

 

فلكل أحرار فلسطين في الداخل والخارج... العطاء وحبه مبدأ، والتاريخ يسجل ولا يستثني كبيرة أو صغيرة في حياة الإنسان ومن الجميل جدا والمشرف لحياة كل حر أن يكتب تاريخه بوطنيته وانجازاته على الأرض فلما لا يكون هذا الانجاز وأميره قدوه لمن يرى في نفسه محبا لوطنه؟.

 

خيريه رضوان يحيى

مديرة مركز شعب السلام للأبحاث والدراسات واستطلاعات الرأي

جنين- فلسطين