القيم النبيلة

د.فضل طلال العامري

استطاعت الحضارة العربية والإسلامية أن ترسي دعائم جملة من القيم والمثل عبر تاريخها الطويل ومن ابرز تلك القيم ما يتصل بالبعد الإنساني وهو التكافل والتعاون، وقد جاء معنى التعاون الايجابي في قول الله تعالى(وتعاونوا علي البر وألتقوي  ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان ) كما جاء في قول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم( إن أحب الأعمال إلي الله بعد أداء الفرائض إدخال السرور علي قلب المسلم، تكشف عنه أو تقضي عنه دينا أو تدفع عنه جوعاً ) ومن هنا فان الدعوة للتواصل الإنساني في التكافل والتعاون الاجتماعي إنما ترتقي الى قمة المشاعر الإنسانية النبيلة .

وقد رسم الفارابي في مدينته الفاضلة أبعاد التعاون بين أبناء المجتمع، لأنه أدرك أن التعاون ضرورة للوجود والحياة. ومن هنا جاء تأكيده على أن الأمة الفاضلة هي التي يتعاون أبناؤها فيما بينهم، كما تتعاون هي مع الأمم الأخرى.

ومما قيل في دروس وعبر الماضي عن ايجابيات التعاون وسلبيات التخلي عنه، أن مجاعة حدثت  في احد البلدان.... وفي محاولة من الوالي لمواجهة خطر القحط والجوع، اخبر أهل البلاد بأنه سيضع قِدرًا كبيرًا في وسط المدينة، وعلى كل رجل وامرأة أن يضع في القِدر كوباً من اللبن، واشترط عليهم بان يضع كل واحد منهم كوب اللبن في القدر دون أن يشاهده أحد .

وامتثالاً لأمر الوالي هرع الناس متخفين ليلاًً، وسكب كل منهم المقدار الذي طلبه الوالي في القدر من غير أن يشاهده احد. وفي صباح اليوم التالي فتح الوالي القدر وتفاجأ مما رأى!!! لقد وجد القدر وقد امتلأ بالماء وليس باللبن كما طلب.

 السؤال هنا ..... لماذا وضع أهل البلدة الماء بدلاً من اللبن؟

الحقيقة إن كل واحد منهم قال في نفسه ، لماذا أفرط باللبن ، سأضع كوباً من الماء وهو في النهاية سوف لن يؤثر في كمية اللبن التي سيضعها أهل البلاد في القدر، وبهذا فقد اعتمد كل منهم على غيره،  وفكر بذات الطريقة التي فكربها غيره، وهو يعتقد أنه الوحيد الذي سكب ماءً بدلا ًمن اللبن.

ماذا كانت النتيجة؟ استحوذ الجوع على البلدة، وأكثر من فيها لم يجد من يعينه في هذه الأزمة.

الحقيقة إن رمزية هذه الرواية، وان كانت لا تمت للواقعية بشيء، كون اللبن لا يدوم صالحاً للاستخدام فترة طويلة، تصلح درساً يعتبر في ترسيخ القيم النبيلة في المجتمع. وعلينا جميعاً أن نكون صادقين مع أنفسنا أولاً، وأن نبادر دائما نحو ملأ الأكواب باللبن، لاسيما في الأوقات التي يحتاجنا فيها أخواننا في القومية والدين والإنسانية، ولله درك يا دولة قطر أميراً وشعباً في كل مبادرة لمعونة أخوان لنا هم في اشد العون لها، ولسنا هنا في تعداد هذه المبادرات، فمد يد العون لمحاصري غزة خير مثال واقرب.

حينما لا نبادر لنصرة أخواننا بما تستطيع، ونحن نتلذذ بطعامنا وشرابنا مع أسرنا الآمنة، فإننا نضع أكواباً من الماء في القدر الكبير. وعندما لا نتقن عملنا، معتقدين أن ما نقوم به من خلل سوف  لن يظهر وسط ما يقوم به الآخرين من الأعمال الجليلة، فأننا نملأ القدر بأكواب من الماء بدل اللبن. وعندما نضيّع وقتنا، ولا ننجز واجباتنا، من اجل أن نساهم في بناء هذا الوطن، فأننا نسكب أكواباً من الماء.

هل تعلمون إننا إذا رضينا بنعمتنا وشكرنا الله، وقمنا بالدعاء بان يعم السلام في الأرض فإننا نسكب أكواباً من اللبن في القدر، وهذا اضعف الإيمان.

 

 

 

إن المجتمع الإنساني وبفعل التأثيرات السلبية للتطور المادي، يعاني اليوم من وجود شرائح على هامش الحياة لاسيما في منطقتنا، وقد انقطعت عنهم جسور التراحم والتكافل، الأمر الذي يزيد من معاناتهم يوما بعد يوم، وقد أضحت الحاجة ماسة وضرورية من اجل هؤلاء لتعزيز التعاون والتكافل الإنساني.وإن مواصلة العطاء نحوهم يقدم صورة مشرقة للتكافل ويعكس الدور الإنساني والحضاري للدول ويجسد الدور الأخلاقي للشعوب .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.