الأستاذ: رضا عامر

 

         مقاربة نفسية في ديوان سنابل النيل لـ"هدى ميقاتي"

 

1.مدخــــل:

يعدّ علم النفس من العلوم الحديثة التي استفاد منها الأدب إلى حد كبير، واستخدمها في إضافة الكثير من المعايير النقدية الإبداعية إلى حيثياته، ولا تعود علاقة التداخل بينهما إلى عهد "سيجموند فرويد " فحسب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بل لها جذور تاريخية حيث نجد "أرسطو" يشير صراحة إلى دور التطهير من الأحاسيس المظطربة والمشوشة الذي » تحدثه التراجيديا في نفوسنا«(1) .

وهذا يؤكد أنّ علم النفس كان موجودا بطريقة أو بأخرى من خلال الفلسفة والأدب الذين اهتما أساسا بدراسة النفس البشرية منذ فجر المعرفة الإنسانية، وما فعله "سيجموند فرويد" وتلاميذه من بعده كان عملا تقنينيا لهذا الفرع من العلوم التجريبية، ووضع الأسس والمناهج العلمية له.

كما يعود التداخل بين علم النفس والأدب في بعض الأحيان إلى وجود أعمال أدبية قائمة على المنهج التحليلي النفسي» حيث ينظر تلاميذ المدرسة السلوكية إلى العمل الأدبي  على أساس أنه تعبير مباشر عن شخصية الكاتب وتكوينه النفسي«(2) ، فالمبدع عندما يؤلف عملا فنيّا ما فإنّ عمله هذا محمّل بالكثير من العناصر النفسية الشعورية ، واللاشعورية والأزمات والعقد المخزنة في عقله الباطن وذكرياته ، والتي تطفو إلى السطح بطريق غير مباشرة من خلال أعماله الإبداعية، ولهذا » فإنّ الأعمال الأدبية كلها تتحول إلى نسخ باهتة وصور مكررة لنفسية كاتبها« (3)

وعليه نجد أنّ علم النفس التحليلي يساهم بطريقة عير مباشرة في تفسير دلالات التأثير السيكولوجي الذي يمارسه العمل الأدبي على نفسية القاريء( المتلقي) فنفسيته لايمكن أن تبقى على حالها بعد عملية التذوق الفني لرسالة المبدع الفنّان ،فهي تتأثر بشكل تلقائي بما يريد التوصل إليه الكاتب من خلال نفسيته المشفرة داخل العمل الأدبي خاصة عبر قناة الكتابة، وهذا ما فعلته الشاعرة "هدى ميقاتي" في ديوانها الموسوم بـ"سنابل النيل" حيث استطاعت أن تنفس عن كل أزماتها النفسية شعريا، وعندما يحوّل » الشاعر مثلا تجربته النفسية إلى قصيدة فإنه لا يعزل عنها الجوانب الفكرية ويبقي على الجوانب الانفعالية الجامحة لكي يعبر عنها وحدها« (4)

2.علاقة الأدب العربي بعلم النفس:

     يهتم التحليل النفسي بالصراعات النفسية الدفينة من خلال الإنتاج الأدبي، وهو ما يعطي للعمل الفني طابعه المتميز، وانطلاقا من هذه الزاوية فإن عمل الناقد النفسي هو إزالة كل التراكمات التي من شأنها طمس هذه المعالم النفسية ومحاولة تبيانها وربما تفسيرها، على أساس أنّ العمل الفني هو شكل من أشكال السلوك الإنساني المبني أصلا على فكرة الإلهام الخارق، ولعل الناقد هنا ينظر إلى الكتابات التي استقى منها "فرويد" أهمّ العقد النفسية والتي تنتمي أغلبها إلى أساطير قديمة، وثقت بوضوح لثقافات ورغبات مكبوتة في الإنسان.

     وهكذا أمكن للناقد أن يخلص إلى أن التحليل النفسي كان الهدف منه هو تحليل الجوانب العبقرية في الشخصية الإنسانية ومحاولة وضع معايير دقيقة لهذا التميز الإنساني لهذا نجد أنّ » هناك قدر مشترك من المسائل توحد نقاد هذا الاتجاه أبرزها الاعتماد على أسس علم النفس في تفسير الظاهرة الأدبية، وإنّ استثمار نتائج أبحاث علم النفس في حقل النقد الأدبي، بدأه رواد هم : العقاد والمازني وشكري واستمر على يد أكاديميين منهم مهدي علاّم وخلف الله والنويهي وعز الدين إسماعيل وغيرهم« (5) .

      إنّ العلاقة بين المبدع وإبداعه علاقة معقدة جدا و خاصة فهي» تؤدي افتراض قيام علاقة بين الحالة النفسية اللاواعية للمبدع وإبداعه ،فكثيرا ما ينظر إلى هذه العلاقة نظرة مرضية، بمعنى أنّ أعراض الأمراض النفسية أو العقلية أو العضوية أحيانا التي يحملها الشاعر أو الكاتب في عالمه الداخلي هي التي تفرض المادة التي يخرجها في قالب فني(...) ومن ثم يصبح النص الأدبي ثمرة من ثمرات مزاج الشاعر أو الكاتب المريض«(6).

. المقاربة النفسية في ديوان سنابل النيل:                                       

     يعدّ الأدب صورة نفسية لشخصية الشاعر أو الأديب فالتّنفيس والتّوصل، عنده، دافعان متلازمان وشرطان ضروريان لبروز الفنّ ، ولا يغني أولهما عن ثانيهما،و هما: رغبة الفنّان في أن ينفّس عن عاطفته، ورغبته في أن يضع هذا التنفيس في صورةٍ تثير في كل من يتلقّاها نظير عاطفته ، والتنّفيس والتّوصيل مسألتان واردتان في النقد النفسي والأدبي؛ فأيّ عمل يبدعه أديبٌ صادقٌ أصيلٌ، إنما يريد منه التنفيس عن همومه ورغباته وعواطفه، وهو لا يكتفي بهذا، بل يريد أن يوصل عمله إلى غيره ليعيش معه تجربته فقد قيل، مثلاً إنّ "غوته" حرّر نفسه من آلام العالم بتأليف "آلام فرتر"، وأنّ الشاعر دي موسيه كان يلجأ إلى الشعر لإنقاذ نفسه من الانتحار ، وقد حلّل "ريتشاردز" عملية التوصيل، فرآها ضرباً من الموهبة، على استرجاع تجارب الماضي، وهذه القدرة هي التي تميّز الرجل الماهر في التوصيل، شاعراً كان أو مصوّراً، فالنص الأدبي له قيمته الجمالية والإنسانية المؤثرة في تدوين الأعمال الفنية» على أنّها تمثل وثائق أو أعراض مرضية« (9) خاصة في حالة الاستمتاع بقراءة قصيدة ما سواء كشفت لنا الحالة النفسية لصاحبها أم لم تكشفها عن ذلك.

      الحقيقة أن المنهج النفسي حين أقحم في دراسة الظاهرة الأدبية، لم يكن يدرس الأدب باعتباره نسيجا لغويا، وإنما انكب على دراسة الظواهر الإنسانية التي تحفل بها المؤلفات الأدبية،لأن التجربة الأدبية لا تمثل إلاّ» حالة من حالات النفس«(10) .

و على هذا تتحرك المقاربات والإشارات اللفظية عبر مساحة المجموعة الشعرية "سنابل النيل" للشاعرة "هدى ميقاتي" بماديات جمالية لتتبلور داخلها نفسيتها عبر مستويات عديدة من العلاقات الثنائية التي تؤسس لمشهد الشاعرة الشخصي، وتماهيات الآخر عبر انكشافات الجهاز اللغوي من خلال تشكيلات الصورة وجمالياتها الرؤيوية ومرجعية الأثر النفسي، والجرأة الهائلة  عندها، حيث تحيل الشاعرة لغة المدونة إلى خطاب تقرير حاد تؤكد فيه حضورها اللامتناهي عبر العديد من الثنائيات النفسية التي تصب كلها في ثنائية كبرى هي ثنائية: "الحزن والخوف"حيث تنضوي تحتها بقية الثنائيات الفرعية الأخرى.

و بهذا تصل بنا الشاعرة إلى درجة عليا من المزج و المعانقة بين ما هو حسي، و ما هو مادي فذلك هو نمطها التأويلي الذي جعل   نقل الصفات بعضها إلى بعض يساعد، على نقل الأثر النفسي كما هو قريب، ممّا هو، و بذا تكمل أداة التعبير بنفوذها إلى نقل الأحاسيس الدقيقة، حيث يرى "عز الدين إسماعيل" أنّ » المنهج النفسي يسير مع الظاهرة الأدبية بشكل مواز «(11).

 

الـــــهوامش:

(1) نبيل راغب: التفسير العلمي للأدب(نحو نظرية عربية جديدة)،المركز الثقافي الجامعي، مصر، ط1، د.ت، ص ،131.      

(2)  المرجع السابق: ص ،132.

(3)  المرجع السابق: ص ، 134.

(4) المرجع السابق: ص ، 137.

(5) أحمد حيد وش: الاتجاه النفسي في النقد العربي الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، ط1،1990، ص 6.

(6) المرجع نفسه: ص 153.

(7) مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة ، دار المعارف بمصر،ط1، 1981، ص88.‏  

(08) خر يستو نجم: في النقد الأدبي والتحليل النفسي،دارالجيل بيروت ومكتبة السائح طرابلس، لبنان، ط1،1991، ص. 45

 (09)  Charles Baudoin :Psychanalyse de Victor Hugo,Armand Colin   ,Paris, 1942 , P 21.  

  (10) مصطفى لطفي المنفلوطي: مختارات منفلوطي، القاهرة،مصر، ط1، د.ت، ص 196.

 (11) عز الدين إسماعيل : التفسير النفسي للأدب، دار العودة ودار الثقافة، بيروت 1963، ص26.