أموال الدول المانحة أهداف مشبوهة وأغراض خبيثة(2)
رشيد شاهين
السلطة الفلسطينية في حقيقة الأمر وبحسب ما نراه ليس أكثر من روابط قرى مطورة أو بصلاحيات أوسع من روابط القرى – النسخة الأصلية- وقد تكون بعض التسميات اختلفت – عملية تطور أو تطوير طبيعي أليس كذلك- فقد كانت تسمى روابط القرى وهي الآن تسمى سلطة فلسطينية – لا يوجد في الاتفاق بين إسرائيل والسلطة كلمة وطنية- أي أنها السلطة الفلسطينية وليس السلطة الوطنية الفلسطينية- وبدلا من تسمية مختار صارت التسمية وزير، وبدلا من أن يقوم المواطن الفلسطيني بالاتصال مباشرة مع الضابط الإسرائيلي – شلومو أو سواه- من اجل انجاز معاملة ما، صار هناك مندوبا يسمى ضابط ارتباط فلسطيني – محمد أو غيره..- يقوم بالاتصال بالإسرائيلي، أي أن المسالة صارت فيها نوع من التنظيم والتدرج ربما أكثر مما كان عليه الأمر قبل دخول السلطة أو تشكلها.
في السابق كان شلومو يقوم بعمله من خلال مكاتب موزعة في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة ويتم تقديم المعاملات إليه مباشرة من خلال المواطن الفلسطيني عبر شباك المراجعة في هذه الدائرة أو تلك، أما الآن وبعد أن تشكلت السلطة صار يداوم في مكان ما داخل إسرائيل أو في أي مكان في المستوطنات الإسرائيلية مثل بيت ايل أو كفار عصيون ويقوم المواطن الفلسطيني بتقديم المعاملات للضابط محمد في مكان عمله في المدينة الفلسطينية الذي يقوم بدوره بجمع هذه المعاملات وإرسالها إلى الضابط شلومو – من خلال اليد أو الهاتف أو البريد الاليكتروني ليس مهما- وبعد أن يقوم الجانب الإسرائيلي بالتدقيق والتمحيص بنفس الطريقة والآلية السابقة يقوم بإعادة الملفات بالموافقة أو الرفض أو أي قرار يتخذه الجانب الإسرائيلي، طبعا هنا نحاول أن نوضح بعض المسائل حتى تكون الصورة واضحة لمن لا يعرف وخاصة لأولئك الذين هم فعلا لا يعرفون أو أنهم يعتقدون أو توهموا للحظة بان المسالة أو القرار بيد الفلسطيني.
ضمن السياق ذاته وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا وربما أكثر سوادا وتشاؤما، هل يستطيع أي مسؤول فلسطيني مغادرة الأراضي الفلسطينية دون إذن من الإسرائيلي وهل هنالك إمكانية لان يدخل أي فلسطيني أو عربي أو أجنبي إلى الأراضي الفلسطينية دون موافقة الإسرائيلي– لا بد من أن نعيد إلى الأذهان أن المرحوم ياسر عرفات لم يستطع مغادرة المقاطعة من اجل حضور مؤتمر القمة العربية في بيروت، ولم تستطع كل دول العالم أن تضمن عودته إلى الأراضي الفلسطينية فيما لو غادر لحضور ذلك المؤتمر- ولا بد من الإشارة ولو من باب التذكير فقط بان العالم كله شاهد رئيس الوزراء إسماعيل هنية وعندما غادر عبر معبر رفح وأراد العودة إلى قطاع غزة شاهده وهو يجلس على كراسي أو مقاعد المهانة الرثة في انتظار الموافقة الإسرائيلية له للدخول في منظر كان فيه الكثير من الإذلال الذي مس مشاعر الشعب الفلسطيني كله ليس لأنه هنية ولكن لأنه أو من المفترض انه رمز فلسطيني أو احد رموز "السيادة" الفلسطينية.
وبالعودة إلى المنح والهبات التي يتم تقديمها للشعب الفلسطيني من الدول الغربية المختلفة فكما أسلفنا لا احد ضد ذلك إذا كان يتم بدون شروط وغير مرتبط باشتراطات محددة، أما أن يأتي وزير الخارجية البريطاني السيد براون أو سواه من الساسة الغربيين ليقول بأنه يقدم ما يقدمه دعما للسلطة الفلسطينية فهذا لن يغير من الأمر أو الواقع شيئا، فهو إنما يقوم بدفع تكاليف أو أموال يجب أن تكون من الخزينة الإسرائيلية، ويبدو أن السيد براون يعتقد بأنه بهذا المبلغ إنما "يتمنن" على الشعب الفلسطيني، والحقيقة أن هذا المبلغ وسواه هو عمليا من أموال الشعب الفلسطيني التي استولت عليها بريطانيا خلال فترة انتدابها أو استعمارها لفلسطين، كما أن هذا المبلغ لا يساوي ولو جزءا بسيطا مما عاناه طفل أو امرأة أو عجوز فلسطيني على يد قوات بلاده التي استباحت الأرض الفلسطينية في تلك الحقبة من الزمن، وهذا المبلغ لا يساوي نقطة دم سفحت من مناضل فلسطيني قتلته القوات البريطانية خلال نفس الفترة، وهي لا تساوي شرف واحدة من حرائر فلسطين اغتصبت على أيدي القوات البريطانية أو العصابات الصهيونية التي سمحت بلاده بقدومها إلى فلسطين وهي لا تساوي أي جزء من معاناة فلسطيني تسبب هو وحكومته فيها حيث أن الأصل في كل معاناة الشعب الفلسطيني هي بريطانيا التي منحت ما لا تملك إلى من لا يستحق، وعلى براون ومن خلفه ومن قبله بريطانيا الشعور بالعار والندم لما قامت به بلاده في هذه الأرض، وعليه أن يدرك أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني منذ 1917 حتى اللحظة إنما كانت مملكته هي سببه، وعليه بالتالي ألا يشعر بالتباهي والتفاخر بان بلاده تقدم هذا المبلغ لمساعدة الفلسطينيين، لأنه إنما يدفعه نيابة عن دولة الاحتلال التي من مسؤولياتها كل ما هو موجود في الأراضي المحتلة كما ان عليه أن يدرك أن ما يدفعه إنما هو أصلا للشعب الفلسطيني من دين في رقبة بريطانيا التي نهبت البلد وقتلت وجوعت وشردت قبل أن تسلمها إلى عصابات لا تعرف الرحمة أو الشفقة.
نقول هذا لان الموضوع الفلسطيني لا زال – على النار- ومن حق الشعب الفلسطيني أن يطالب بريطانيا بالتعويض عما ألحقته بهذا الشعب عندما قامت باحتلال بلاده ومن ثم تسليمها إلى العصابات الصهيونية- إن مسالة اعتذار بريطانيا وتقديم تعويض للفلسطينيين يجب أن تظل موجودة في قلوب وعقول الفلسطينيين ويجب ألا يطوي هذه القضية النسيان، أو لم تقم إسرائيل بالضغط على البابا من اجل تقديم اعتذار عما لحق باليهود قبل ألفي عام وقام فعلا بذلك، على الفلسطيني ألا ييأس من هذه القضية وان يطالب بها في كل مناسبة إلى أن تستجيب بريطانيا لذلك.
من المفروض أن تكون دولة الاحتلال هي المسؤولة عن تقديم كل الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والكهرباء وكل الخدمات الضرورية للمواطن الفلسطيني الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية، وهذا معروف ومنصوص عليه في كل الاتفاقات الدولية وهذا ما كانت تقوم به دولة الاحتلال حتى دخول السلطة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 994 حيث تخلت إسرائيل عن كل هذه الالتزامات واستطاعت إسرائيل بذكاء أن تحمل كل ذلك للعالم الذي صار يدفع بالنيابة عن إسرائيل هذه التكاليف وصار الاحتلال بالنسبة لإسرائيل بدون أية تكاليف تذكر لا بل صار ارخص احتلال في هذا الكون.
الحديث عن مناطق سيادة فلسطينية وكل التقسيمات الفارغة التي نصت عليها الاتفاقات مع إسرائيل ليس سوى حبرا على ورق وخداع مارسته إسرائيل بشكل كبير، فهي تقوم بشكل يومي بانتهاك ما يقال عنه انه مناطق سيادية فلسطينية، وهي تنتهك كل شبر فلسطيني تحت ما يسمى سيادة السلطة، وكل التقسيمات التي وردت ليس سوى لذر الرماد في العيون، ولإيهام العالم بان إسرائيل تجنح إلى السلم، ولكي تتخلص من أعباء وميزانيات بمئات الملايين من الدولارات كان يجب أن تخرج من الخزينة الإسرائيلية.
عندما نقول بان الاحتلال الإسرائيلي أصبح مجاني وبدون فواتير تدفع من الخزينة الإسرائيلية، ليس رغبة منا بالتجني على احد، أو رغبة منا اتهام احد، لكن لان الواقع يقول أن الاحتلال قائم ولا زال البسطار الإسرائيلي على الرقبة الفلسطينية.
في شهر مايو من العام 2006 قال العميد الإسرائيلي ايلان باز الذي تقاعد من الخدمة العسكرية الإسرائيلية قبل ذلك بشهر تقريبا وكان يشغل منصب رئيس الإدارة المدنية في منطقة الضفة الغربية "يهودا والسامرة" وقائد لواء جنين ورام الله سابقاً، وخلال لقائه مع بعض الفلسطينيين في فندق الامبسادور في الشيخ جراح قال: "إذا انهارت السلطة، لن تستطيع إسرائيل أن تبقى صامتة بلا حراك بينما يتواجد 3 مليون فلسطيني في "المناطق"، ولابد من عودة إسرائيل لحكم هذه "المناطق". وتابع يقول: "إن إعادة الحكم العسكري الإسرائيلي لهذه "المناطق" يعني تكلفة إسرائيل 12 مليار شيقل" أي حوالي 4 مليار دولار. هذا ما قاله العميد الإسرائيلي، إذن وعلى اعتبار صدقية الرقم، هذا إن لم يكن اكبر من ذلك بكثير، مضاف إلى ذلك ما يمكن أن يشكل هذا الاحتلال "المعاد" على اعتبار أن "المناطق محررة" من إحراجات على المستوى الدولي والعلاقات العامة والإعلام وما إلى ذلك.
الجنرال الإسرائيلي تحدث فقط عن المبالغ المالية التي يمكن أن تتحملها الخزينة الإسرائيلية نتيجة إعادة نشر قواتها في الضفة الغربية، وهو لم يتحدث عما يمكن أن يلحق بهذه القوات من إصابات وقتلى وجرحى بسبب تواجدها وانتشارها المكثف في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
على أي حال فإننا عندما نورد هذا الرقم فلان من أورده بداية هو جنرال إسرائيلي، ولان فيه من الدلائل على أن تكلفة الاحتلال أصبحت مجانية ولان العالم يدفع ما يجب أن تدفعه إسرائيل، بالإضافة إلى أن هذا ليس سوى جزء فقط من تكلفة الاحتلال، حيث أن ما تحدث عنه الجنرال كان محصورا في تكلفة إعادة انتشار القوات الإسرائيلية، ومن هنا نقول للسيد براون ومن هم على شاكلته بان ما تدفعونه إنما هو مساهمة في رفع الأعباء عن دولة الاحتلال، وأنكم تساهمون بهذا الاحتلال سواء أعلنتم عن ذلك أم لا، وأنكم شركاء كنتم ولا زلتم في الاحتلال وأنكم جزء لا يتجزأ من منظومة الأعداء لهذا الشعب ولهذه الأمة.
لا شك بان السلطة الفلسطينية وبدخولها أو تشكلها في الأراضي المحتلة أزاحت عبئا ثقيلا عن كاهل دولة الاحتلال، وهنا لا نريد أن نورد ما ليس له علاقة بالثمن الاقتصادي أو المالي في هذا السياق والذي تخلصت إسرائيل منه، ولا بد هنا من التذكير أو الإشارة إلى أن هنالك من الدراسات التي تتم في أكثر من عاصمة أو مدينة أوروبية وغير أوروبية حول تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين ليس فقط في الأراضي الفلسطينية لا بل وفي الشتات، حيث يعتقد من يقومون بهذه الدراسات بان إصلاح أو تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين قد يساعد على التخلص من الكثير من المشاكل والتي على رأسها المطالبة بحق العودة، لا بل إن هنالك دراسات تحدثت عن أرقام بعينها من اجل التعويض على الفلسطينيين من اجل التخلص من موضوع حق العودة وأشارت إلى أن دولا عربية خليجية تساهم في تلك الدراسات، وأنها يمكن أن تساهم بشكل كبير في دفع مبالغ كبيرة في قضايا التعويض خاصة في ظل الطفرة في أسعار النفط التي حدثت خلال هذا العام تحديدا.
إننا نعتقد بان كل هذه المشاريع وكل ما يتم تقديمه للفلسطينيين ليس سوى جزء من ثمن يعتقد على نطاق واسع انه سيخفف من المواجهة مع الدولة العبرية، وانه قد يخفف من الإحساس بالظلم الذي يشعر به الفلسطيني في الأراضي المحتلة بشكل خاص علما بان هذه الأموال التي يتم دفعها يتم استخدامها من اجل الضغط على الفلسطينيين ممثلين بالسلطة من اجل الخضوع لضغوط واشتراطات لم يكن ممكنا قبولها في السابق، كما أنها وبحسب الكثير من المراقبين والمحللين ساهمت في انتشار الفساد في المستويات المختلفة في السلطة عدا عن أنها خلقت طبقة من المستفيدين ورجال الأعمال الذين صار لهم مصلحة في استمرار الوضع على ما هو عليه، وان إسرائيل نجحت إلى حد كبير في تحويل الكثير من رجال الثورة إلى رجال للإعمال.
أخيرا نعتقد بان ما يتم دفعه من أموال من قبل الدول الغربية إنما سيبقي هذا الاحتلال البغيض قائما، وإن تقديم الأموال للسلطة إنما هو دعم بشكل مباشر ومقصود من اجل إبقاء الاقتصاد والشعب الفلسطيني في حالة من التبعية غير ممكنة الفكاك من هذا الاحتلال، عدا عن أن هذه المساعدات إنما تساعد على استشراء ظاهرة الفساد كما اشرنا في مستويات مختلفة من السلطة الفلسطينية، كما أنها تسهم في إطالة أمد الاحتلال طالما لا تدفع إسرائيل ثمنا له لا ماليا ولا بأي صورة أخرى من الصور، والمطلوب أن تتوقف هذه الدول عن تقديم هذه الأموال حتى تستجيب إسرائيل للقرارات الدولية وتقوم بتطبيقها من خلال انسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس عندئذ وعندئذ فقط يمكن إلا نشكك بهذه المساعدات إذا ما استمرت هذه الدول بتقديمها وبدون اشتراطات مهما كان نوعها.
بيت لحم
2-8-2008