بيروت
بقلم
حسين أحمد سليم
بيروت مدينة قديمة عتيدة, موغل تاريخها في البعد الزمني, سبقت بوجودها رسالة السيد المسيح بألف ونصف, واردا ذكرها في رسائل تل العمارنة الشهيرة.
أواسط الجانب الغربي, عند حدود الساحل البحري اللبناني, أقيمت بيروت فوق جرف صخري, إستوطنها الإنسان القديم منذ العصور الحجرية القديمة.
منذ نشأت بيروت عند حوض البحر المتوسط شرقا, لعبت دورها الذي تألق فوق صدر التاريخ, فإستوطنتها الشعوب العديدة, ودخلتها الأمم الكثيرة, لتترك فوق رقعتها معالم حضاراتها, بعد أن سادت لزمن ما ثم بادت وإندثرت.
نجم بيروت برز جليا بعد أفول نجم المدن الفينيقية, التي كانت منتشرة على طول الساحل اللبناني, من جبيل شمالا إلى صور جنوبا. ليدخلها الرومان يسكنون فيها, ويحولونها إلى مستعمرة خاصة لجنودهم, يتمتع أهلها بنفس الحقوق التي يتمتع بها مواطنو روما.
تطورت بيروت على أكثر من صعيد, خاصة على صعيد العلم والمعرفة, لتصبح مركزا مهما لتدريس القانون, وتقام في ربوعها مدرسة الحقوق الشهيرة في ذلك الزمن, يسهم أساتذتها ومشترعوها في وضع الدستور اليوستينياني, الذي غدا في أساس بنية الدساتير والقوانين المعاصرة.
بيروت التي أصبحت منارة علمية عند الساحل الشرقي للمتوسط, خرّبتها الزلازل التي ضربت بنيانها ودمرته, لتفقد المدينة العظيمة دورها وأهميتها, ويخبو نجمها المتألق, بعد حدوث الزلزال العظيم الذي قضى عليها أوسط الألف الميلادي الأول.
الزمن يمضي وتبقى بيروت في ضجعة ركودها, لتنتفض وتستعيد بعضا من مكانتها التاريخية, بدخول المسلمين إليها, لتحلوا لهم الإقامة في ربوعها. بعدها سقطت بيروت بيد الجيوش الصليبية التي إحتلتها, وحولوها إلى إقطاع خاص, خاضع لمملكة القدس اللاتينية, لتبقى في قبضتهم حتى تاريخ إخراجهم منها على يد المماليك, لتدخل فيما بعد في فلك الدولة العثمانية, ثم الوصاية الفرنسية حتى نيل لبنان إستقلاله.
عرفت بيروت العتيدة حقبة من الإزدهار, أبان حكم الأمير فخر الدين الثاني, حيث نعمت بشيء من الهدوء, وتطورت فيها مرافق عديدة, وبرز فيها رجالات لهم حضورهم.
إنتهت الحرب العالمية الأولى بكل ما حملت من ويلات ومآسي, وتفككت الدولة العثمانية بعد ضعف بنيتها, وقامت دولة لبنان الكبير, لتصبح بيروت عاصمة لبنان السياسية والإقتصادية والثقافية.
دمّرت الحرب البغيضة قلب العاصمة بيروت, العاصمة اللبنانية التي تخفي في ترابها, معالم تاريخها القديم والوسيط والحديث, لتنشط المدن اللبنانية الأخرى, وتزدهر الضواحي المحيطة بمدينة بيروت, لتعود المدينة الصامدة على مرّ العصور إلى الإزدهارشيئا فشيئا, وتعود إليها الحياة السياسية والإقتصادية والثقافية.
تتألق في قلب بيروت معالم أثرية كثيرة تم كشف النقاب عنها بالتنقيب, إضافة لوجود معام تاريخية أخرى لا تقل أهمية, كساحة الشهداء والسراي الكبير ومبنى المجلس النيابي, والجامع العمري الكبير, الذي تجري في رحابه الإحتفالات الرسمية لمناسبات الأعياد الرسمية. والمتحف الوطني الذي يحتضن الكنوز الأثرية اللبنانية من التماثيل والمنحوتات والفخاريات والمجوهرات, التي تعود إلى العصور التاريخية المختلفة. وصخرة الروشة الواقعة على مقربة من الشاطيء, والتي تتكون من صخرتين جبارتين منفصلتين تقفان تتحدى صلف البحر وهوج أمواجه. ومتحف الجامعة الأميركية, الذي يضم مجموعات مهمة من القطع الأثرية والأحياء المنقرضة. ومتحف سرسق الذي يحتوي على مجموعات نفيسة من الثريات والأواني الزجاجية والأيقونات واللوحات الزيتية والمنسوجات, والذي تقام في أروقته معارض للفنون على إختلافها سنويا.
بيروت كانت وتبقى وستبقى مدينة الأمل المرتجى, ومدينة الغد المأمول, تضم جميع أبنائها إلى صدرها الحنون, مهما عصفت فيها نوائب الدهر, ومهما تعرضت للحروب والنكبات, ستبقى متربعة عند الكتف الصخري الصامد, على الساحل الغربي للبنان عند شاطيء المتوسط, تحكي سيرتها التاريخية حكية عز وفخار وعنفوان, تكتنز من الماضي تراثيات الحاضر, لتقيم حضارة اليوم ومن من معالم اليوم صروحها العظمى محاكاة للغد في جبين المستقبل القادم, ويبقى أهل بيروت المثل الذي يحتذى به بمكارم الأخلاق, والصبر على بلواء الأيام, يحتضنون كل وافد إلى ربوعها, ليقيم في أحضانها على سرر المساواة, كانت بيروت وتبقى وستبقى المدينة الحضارية النموذجية للجميع, تتسامى عنفوانا لبنانيا بالجميع.